ملك البحرين: شبكة التخريب خروج عن الجماعة مصر: مظاهرة حاشدة تطالب بعزل "شنودة" وإطلاق "كاميليا" مسئول روسي: خسائر الأميريكان في العراق 5 إضعاف المعلن ستقام صلاة وخطبة عيد الفطر المبارك حركة طالبان تسقط مروحيَّة للاحتلال في أفغانستان
عدد الزيارات : 268
مراجعة نقدية لمعركة العزة وتداعياتها(4)
23/02/1431 الموافق 07/02/2010

نحو تقوية جُدُرِ الحماية في وجه الغزو الصهيوني
مقترح مقياس للإيمان في ضوء آية من القرآن
مدخل معرفي :
في هذا الجو المليء بالفوضى المعرفية اختلطت المفاهيم في ظل تشابك المواقف السياسية التي تمليها سياسات مكنت للعدو الصهيوني ، واخترق هذا العدو جُدُر الحماية من ثغرات طالما خدمت أغراضه ، ووفرت له الوصول إلى مقاتل الأمة ، ولم يأبه الكثيرون لمقياس يقيسون به القول والعمل في علاقتهما بالإيمان وبأركانه فيما يتعلق بالمواقف من هذا العدو الصهيوني الغازي.
وهذا مقترح مقياس يعتمد على أصل معرفي ورد في الآية 82 من سورة المائدة ، وهذه الدراسة المبسطة تذكير وتنبيه إلى أصل من أصول ثقافة الخبر يقدم له الواقع المعيش أوضح الأدلة الواقعية على الصدق البنائي للمقياس المقترح .
تظهر في الحياة الحيوانية بعض الأمثلة على ما يحدث في حياة الجماعات الإنسانية من تحكم قوانين تنظم حياة الجماعة ، ويظهر فعل هذه القوانين التي تطَّرد في تأسيس الحياة الجمعية والمجتمعية في بعض الحالات التي تغزو فيها بعض الحيوانات المجال الحيوي لحيوانات أخرى. يحدث ذلك في مستعمرات النمل وغيرها من الحيوانات ، ولدى بعض الحيوانات قدرات غريزية على تمثل الكثير من معطيات الواقع فتحولها إلى جدر حماية ، وتظهر هذه القدرة الفطرية عند أصغر الكائنات الحية ، مثل البكتيريا والجراثيم التي تتحوصل وتصنع لنفسها مجالاً حيويًا يحميها من متغيرات البيئة المحيطة إذا أحست بما يهدد حياتها..
وفي حياة الإنسان ميول وقدرات لتطبيق تلك الأمثلة ، ولكن من منطلق تمويهي ، ويظهر ذلك لدى الجماعات التي تعيش مرحلة ما بعد الغزو التي عادة ما تتلبس الغزاة فيها حالة من النشوة والشعور بالتفوق الثقافي والحضاري على الطرف المهزوم ؛ فيدفعهم ذلك إلى إخضاع المحيط الطبيعي والبشري لتثبيت المكاسب ، وحماية الأهداف البعيدة بعد تحقيق معظم الأهداف القريبة ، يحدث ذلك من منطلق أمني بكل مفاهيم الأمن الذي تتطور صورته ، وتتعدد أشكاله ، وتتصاعد ضرورته كلما تحول الطرف الغازي إلى مؤسسة المكونات الاجتماعية في الكيان المصطنع ، ويخيل للبعض ممن اشترك في إنشاء كيان اجتماعي في وسط غريب بتحكيم منطق القوة أنه بإلإمكان فرض ثقافته ونظام حياته ، والنمط السياسي والاقتصادي الذي ينشأ ويتطور بمرور الوقت ، ويحاول فرض سيطرة تصوره لأبعاد المكان والزمان ، وإعادة صياغة الواقع وفق ما تمليه متغيرات البيئة التي أقام فيها كيانه في وسط معادٍ .
هذه الحالة تمثل شروطًا منطقية للسلوك التنظيمي للكيانات الطارئة ، وتهون عنده مكونات المحيط وخصائصه العرقية والثقافية ، ولهذا الوضع أمثلة كثيرة في التاريخ القديم والحديث والمعاصر ،وأصدق هذه الأمثلة دلالة الإحلال البشري التعسفي في العالم الجديد (الأمريكتين وأستراليا) وفي جنوب أفريقيا ، وفي الجزائر قبل الاستقلال ، وفي روديسيا التي تعرف حاليًا بزيمبابوي والمستعمرون الغربيون في المستعمرات على درجات متفاوتة، ومارسه العرب المسلمون في الأندلس (مع الفارق في المنطلق العقدي والهدف التنويري النهضوي )، وأقوى هذه الأمثلة دلالة على النزعة عند الفريق المسيطر ما حدث ويحدث في فلسطين منذ ما يقرب من قرن من الزمان .
يحاول العدو اليهودي الصهيوني حاليًا وبدعم من مصادر الإسناد التاريخية في الغرب إقناع الآخرين بتوفر شروط النظام الاجتماعي الطبيعي لديه ، ويسوِّق لاحتمال التطبيع مع المحيط الذي اخترق بعض ثغرات حصونه لمعادلة جديدة (التطبيع والاعتراف بلا ثمن مشخص ملموس من منطلق قوانين القوة المجردة) ، بهدف خداع مكونات المحيط الطبيعية في المجال ؛ مما يجعل كل من يقوم بمقاربة منهجية يصدق أنه نظام أصلي في المحيط الذي أُلْصِقَ به ، وتوظيف عنصر الزمن ومتعلقاته المادية والثقافية ، وتراكم التراث الإجرامي لمكونات الكيان اليهودي الصهيوني المدنية والعسكرية ،التي كانت سببًا رئيسًا في تدمير المحيط حوله ، وإرباك ـ إن لم يكن إجهاض ـ كل العمليات الحضارية البنائية في هذا المحيط ؛ بحيث يستحيل قبول أي حجة داحضة من حجج قبوله في الوسط الطبيعي والإنساني ، وما فعله في قطاع غزة(بين العامين الميلاديين 2008ـ 2009م) ليس آخر الجرائم التي قام بها من منطلق غطرسة القوة المجردة بل هو منهج مطرد في الفكر والسلوك اليهودي الإجرامي الإفسادي.
وتهدف هذه الدراسة إلى تأصيل العداوة الصهيونية في ضوء الواقع الذي توثقه الآية( 82 ) من سورة المائدة ، واستشراف إمكانية بناء مقياس سيكو ـ سوسيولوجي يصبح أحد جُدُر الحماية المعرفية في وجه الغزو الصهيوني المهدِد للكيان العربي والإسلامي في تحالفه مع المسيحية الأصولية البطرسية التحريفية، والذي يمارس الإفساد والتخريب في الوسط الإسلامي والدولي العام .
وليس مع النصرانية ،دين المسيح عليه السلام الذي كان صورة زمنية مرحلية معاصرة للجيل الذي ظهر فيه عليه السلام تمهيدًا للدين الخاتم بمبعث خاتم الرسل بأكمل الأديان في القرن السابع الميلادي.
المقياس المقترح مقياس ذاتي بمعنى أنه ينطبق على كل حالة فردية ، لكنه يعتمد على أصدق المؤشرات العلمية ،وأعلاها صدقًا وتوثيقًا ؛نظرًا لأنه ورد في سياق علمي مُنَزَّلٍ من الله سبحانه وتعالى ، وهو قابل للتطبيق والقياس وفق خصائص المنهج القرآني الذي يناسب كل زمان ومكان ،وكل البشر والأحوال ؛لأنه هو الحجة على كل ذلك ،وليس العكس، والمقياس يعتمد على البناء المعرفي للعلم القرآني وبقية العلوم الإسلامية التي نمت في ظلال كتاب الله الكريم، وبرهانه البيان ، ومادته العقيدة الصحيحة بأدلتها التي تمثل ثوابت علمية .
أولاً: من وحي بعض متغيرات المرحلة الراهنة
1. الشعور المتنامي بالخوف لدى أصحاب مشروع أوسلو مما يحمله عام 2009م من احتمالات بعد ظهور نتائج الانتخابات الصهيونية ، وتصاعد موجات الاحتجاج والنقد وأحيانًا الإدانة ضدهم وضد مشروعهم ونتائجه التدميرية على الشعب الفلسطيني، وانكشاف عورات منهجهم قبل وأثناء وبعد مذبحة غزة ، وظهور الكثير من الروايات التي تدل على تورط بعض رموز هذا المشروع في العمليات الاستخبارية لصالح العدو الصهيوني في عملية اجتياح قطاع غزة ، وربما من أجل ذلك صدر القرار رقم 1850 عن مجلس الأمن في سابقة جديدة لدعمهم بعد رحلة رايس الأخيرة إلى المنطقة، وإسراع محمود عباس إلى جورج بوش في أواخر أيامه لعله يوصي الإدارة الجديدة ببعض العناية به وبمشروعه ،مع إن الجميع يعلمون هبوط أسهم هذا الرجل بين شعبه ، وضعف إن لم يكن انعدام تأثيره في وطنه مع قرب نهاية ولايته ، وبعد الحملة النفسية والإعلامية الشعواء عليه بعد حادثة الحذاء، وربما من بين أسباب ذلك كانت المسرحيات المكشوفة في أكثر من عاصمة ,التي لعبها رموز النظام العربي الرسمي بهدف التمكين لليهود من تدمير نهج المقاومة ، واستمرت طوال العمليات العسكرية في قطاع غزة طوال ما يزيد عن ثلاثة أسابيع وصدور القرار 1860 عن مجلس الأمن الذي تسيطر عليه الصهيونية عبر الولايات المتحدة وحلفائها .
2. التضليل المعرفي وتعدد صور الشرعيات تحت وطأة العجز والانقسام : تتعرض ثوابت القضية الفلسطينية الحالية لعبث مقصود يهدف إلى اختراق الثوابت التي لم يتجرأ إلا القليلون على المساس بها،وحتى هذا البعض فقد تسلل إلى تلك الثوابت تحت ستار تمويهي سالكين طرقًا (التفافية) أوهموا فيها أصحاب الحقوق الثابتة بأنهم يقومون بعمل شرعيٍّ مرحليٍّ وصولاً إلى الحلم الحقيقة الذي يسكن وجدان وضمائر شعب طُرِد من أرضه في أزهى عصور التنوير ، وكان الجميع يعتقدون أنهم راجعون(غدًا) إلى منازلهم وأراضيهم ، حتى صدمتهم جبال الواقع التي جعلت هذا(الغد)يستطيل ليغدو عقودًا من المستحيلات التي كرستها عوامل الداخل والخارج، وكان سلطة أوسلو وفريق عباس أبشع تجسيد لها ، ويدور حاليًا حوار بين النخب في الواجهة الثقافية للأمة يتناول قضية تجنَّب الكثيرون الخوض فيها من منطلقات عقدية خشية الوصم بدعوى (السامية واللاسامية)التي ابتدعها الفكر الصهيوني الغائي كدعم احتياطي لابتزاز كل من يدخل في دائرة الوصم لأي فريق يصنفونه بأنه عقبة في طريق تحقيق خططهم التدميرية الإفسادية .
3. شدة عداوة اليهود الصهاينة الغزاة المحتلين (للذين آمنوا)الذي تجسد في كل (الذين آمنوا) من الشعب الفلسطيني وكل (الذين آمنوا ) من بني البشر مما يتناقض مع (ما يؤمن به) الغزاة الصهاينة المحتلون من أشكال التزييف ، وأنواع القهر والظلم ، وكل الممارسات السلوكية المرضية التي كان بعض من ينتمون إليهم أكثر توفيقًا في تجليتها في الشخصية السيكوباتية من منطلقات إنسانية ، فليس صدفة أن يكون سيجموند فريد ومعظم علماء التحليل النفسي الذين كشفوا عن هذه السمات بطرق علمية موضوعية هم من اليهود .
عداوة اليهود للذين آمنوا موضوع تناوله القرآن الكريم في منهج كامل ، ويسميهم باسمهم الذي يصرون حاليًا على الرجوع به إلى الواجهة الحضارية والثقافية ليكون دليلاً وجوديًا معاصرًا على إعجاز العلم القرآني في البيان والإخبار بما كان ، وتفسيرًا لما هو كائن في كل مرحلة من مراحل الحضارة الإنسانية ، ووصفًا لما سيكون ؛ بحيث يراه الناظر في النصوص القرآنية وأحداث السيرة النبوية المشرفة رأي العين المشاهدة ، والأذن السامعة المستقبلة لمؤثرات الواقع ، ويلمسه لمس اليد الحاسة للمدركات ، ويشم روائحه المادية والمعنوية كما يحدث عندما يدخل الفرد تجربة حسية حقيقية مع توفر شروط سلامة التجربة الذاتية والموضوعية .
4. المتغير الفارق في المرحلة الحالية : هو ما يُعرف بالمبادرة العربية للسلام التي جرى نفض الغبار عنها ،والترويج لها في بعض الصحف ، ومواقع شبكة الإنترنت ، وأعيد تكرار الالتزام بها في قمة الكويت والمناسبات التي تلتها كورقة رهان لتجار أوسلو الذين ألصقوها بالأمتين العربية والإسلامية ، وما هي إلا إفراز لحالة الضياع والتخبط والتشتت التي تعيشها هذه الأمة ، وتعبير عن أزمة ثقافية ومعرفية خلفتها عقود من البعد عن الثوابت ، وإحياء النعرات ، وغلبة الخلافات ،والإفراط في التقوقع القطري ودلالاته المادية والثقافية ، وتحكمُ بعض الأقليات من أهل الأهواء في مصائر شعوب أمة غير قابلة للقسمة إلا على الواحد الصحيح ، وجريُّ البعض وراء سراب تقليد الأجانب في الهابط من القيم والمتدني من الغايات ، بدلا من تقليدهم في مناهج الفكر التي تبني الحياة بناءً قويمًا ، وتسخر في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي تتراكم في الأبنية الاجتماعية لشعوب ومجتمعات الأمة، فتفجر الخلافات ، وتزيد من عقبات العيش السلمي بين الجماعات التي عاشت قرونًا طويلة في وئام وتماسك وتكافل وتساند، والتقاعس عن البحث عن الأمور المشتركة التي توحد ولا تفرق ، تجمع ولا تشتت ، تلك الحالة التي كرست نوعًا من الفصام بين العقيدة والسلوك ،بين التاريخ والواقع ، بين الساسة وولاة الأمور والشعوب..
ومثل هذه الحالة تشكل عوائق أمام أي عمل نهضوي حقيقي ، فهي تنشر مشاعر الضعف والإحباط ، وتولد الأحقاد والضغائن ، وتعيق الحركة العامة للأمة في سعيها لبناء كياناتها ، والإعداد المستقبل لصالح الأجيال القادمة.
 5. ويبدو أن القصد الواضح من نشر هذه (الوثيقة) بعد أن تجاوزتها الأحداث ، وطواها النسيان ، واندفاع عباس وفريقه في طريق الكذب الممنهج هو الترويج لمنهج متهافت ابتدعه المذكور وفريق أوسلو المشئومة ، وتقديم الدعم لما يُطلِق عليه الساسة العرب (الشرعية الفلسطينية) حيث دفعوا هذا الفريق إلى الواجهة في مغامرات عشوائية (غير محسوبة العواقب) تهربًا من مجمل الأمة عن تحمل تبعات المرحلة ، وتخليًا عن المسئولية الدينية والقانونية والأدبية والأخلاقية التي تفرضها تبعات مواجهة الصهاينة في هذه الظروف الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية ؛ ولما لمسوه في الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى من مظاهر الممانعة والمعارضة المتصاعدة ، والتي تتجلى في رفض منهج الانهزام ، والتسليم بما يطالب به الصهاينة وحلفاؤهم مما يتصادم مع أصول وثوابت عقيدة الأمتين العربية والإسلامية ، ويتناقض مع مصالحهما الحقيقية ، ونتيجة لظهور الدعوات في كل مكان للوقوف في وجه العدو الصهيوني الغازي ، وتسفيه ما أقدم عليه عباس وفريقه من التنازلات ، وضرورة دعم منظمة حماس التي فازت في الانتخابات عام 2006 م ، ورفضت السير في طريق أوسلو بلا ثمن ملموس يوازي التضحيات في سبيل الوصول إلى الاعتراف بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني التي لا تسقط بالتقادم ، ولا بالتنازل الذي لا يستند إلى تفويض حقيقي من أصحاب تلك الحقوق ، وكما هو معلوم من نتائج المفاوضات العبثية لسنوات طويلة بلا جدوى .
6. قد يبدو في لحظة من اللحظات أن جُدر الحماية لدى الأمة قد تصدعت أو انهارت ، وأنه لا مناص من الاعتراف بالعدو الصهيوني الغريب ليصبح جزءًا من الكيان المعرفي والواقعي في المنطقة العربية ، وإذا كانت الأنظمة الرسمية قد سارت قدمًا في هذا الطريق كتعبير عن تلاقي المصالح بين بعض قطاعات تلك النظم مع الصهاينة في المجالات الاقتصادية ، فإن التنافر الثقافي والعقدي والتاريخي والوجودي بين الغالبية العظمى من الشعب العربي وبين الصهاينة يفرض نفسه كحقيقة أزلية بموجب الأصول الوجودية لهذه الأمة ، وتفعيلاً للشروط الموضوعية للبقاء التي لا تستثني أي جماعة بشرية طبيعية أصلية نقيضة للغزاة الصهاينة المحالين ، وعلى الشعوب العربية أن تعيد تجديد ( جُدُرِ الحماية ) التي تحافظ بها على سلامة أبنيتها المعرفية ، وأن تصر على فعالية تلك الجدر، ودوام أدائها لوظائفها الأزلية ، فالمواجهة مع اليهود الغزاة من الصهاينة الحاليين مواجهة أزلية حتمية قدرية ، وحسمها لن يتأتى بأي حال من الأحوال بالطرق السلمية مهما تصاعدت هنا وهناك الدعوات التي تصدر عن حالة الضعف والتشتت والانهزام ، فإذا انهارت جُدُر الحماية في محيط الحكام وولاة الأمور من الساسة ، ومن يحيط بهم ، فإن لدى الشعوب العربية والإسلامية طاقات هائلة من الإمكانات لتجديد بناء جدر الحماية المعرفية والثقافية لعزل العدو الغازي كحتمية لحفظ البقاء ، وتأسيسًا لمرحلة قادمة حاسمة ، ومنعه من اختراق الحصون العقدية والفكرية في كل مستويات الأنساق الاجتماعية في أقطار الأمة ، وهذا أمر لا دخل فيه لكل من يغفل عن قراءة التاريخ والواقع وفهم متغيراته بأسلوب علمي ، ولا يقوى أحد على التدخل في صياغته أو تشكيله إلا في حدود ضيقة ، فالأمم والأوطان هي الباقية ، والحكام زائلون ، والأيام دول ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، هكذا ينبغي أن تفسر الحالة الراهنة في هذا الوقت الصعب من حالة الأزمة .
7 ـ  ومن المتغيرات الفارقة أيضًا اندفاع فريق أوسلو المشئومة في طريق الكذب الممنهج ، والعبث في ثوابت القضية الفلسطينية ، وتجمعهم في موسم الحج لهذا العام (1429هـ ) استغلالاً لما يوفره لهم النظام الرسمي العربي حاليًا باعترافه لهم بشرعية ناقصة مشوهة ، وفاجأ عباس وهو بملابس الإحرام الجميع يوم التروية بكذبة ملفقة جمع فيها بين موقف حماس من مشكلة حجاج غزة وبين منع مشركي قريش للحج ، وممارسات القرامطة في مكة المكرمة عام 319هـ ، عندما قام زعيمهم المعروف بسليمان بن الحسن بن بهرام المعروف بأبي طاهر بمهاجمة مكة المكرمة، وقتل من الحجاج أكثر من عشرين ألفًا ، وهدم زمزم، وملأ المسجد بالقتلى، ونزع الكسوة، واقتلع الحجر الأسود من جدار الكعبة ، وسرقه إلى مقرهم بالأحساء، وبقي الحجر هناك عشرين سنة إلى عام 339هـ (تاريخ مكة للأزرقي)..
ثانيًا : ثوابت الواقع المعرفي
1. حقيقة طبيعة الكيان الصهيوني: الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين كيان عدو عداوة أولية ،ونقيض تاريخي ووجودي وعقدي ، ولا عبرة بما طرأ على العلاقات مع هذا الكيان العدو من اتفاقيات فرضتها متغيرات مرحلة يُفترض أن يعاد النظر في أوضاعها ، ومن لديه أدنى شك أو اعتراض على هذه الواقع التاريخي والمادي والوجودي فليراجع سلوك جنود الصهاينة الذين كانوا يقرءون كتبهم التي تحثهم على ممارسة الإجرام ، وعلينا جميعًا أن نتذكر ممارسات هؤلاء اليهود في قطاع غزة طوال ما يزيد على ثلاثة أسابيع .
2. الأصول المنهجية للعداء الإسلامي العربي ليهود الخزر الصهاينة المحتلين لفلسطين وبعض الأراضي العربية ينبع من الحق الطبيعي للدفاع عن النفس ، وهو حق فطري كفلته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية التي تواطأت العقول السليمة على احترامها والإقرار بها ، وأصبحت ثوابت إنسانية لا جدال فيها.
3. لا عبرة بما نتج عن المعاهدات التي عقدتها بعض الأنظمة العربية مع العدو الصهيوني، فالشرائع السماوية ، والقوانين الوضعية تقر قاعدة وجودية أساسية في الحياة الإنسانية هي : قاعدة ( القديم على قِدمه ) .
4. مصدر الشرعية لأي عمل يمس الحياة الاجتماعية يأتي من أصول عقيدة الشعب ومقتضيات الواقع الحقيقية ، وبالنسبة للأمة العربية بعد مجيء الإسلام وظهوره وهيمنته على غيره من الأديان فقد رسخ وتواتر فيهما العلم بأن : أصول العقيدة هما كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ومنهما تأتي القوانين والأنظمة التي تنظم حياة البشر ، ولا عبرة بما يخالفهما من النظم التي تحكم حياة بعض الأقليات المتناثرة هنا وهناك في المنطقة الجغرافية التي يطلق عليها ( الوطن العربي )، ويتعارف عليها البشر كما يتعارفون على مناطق حياة بقية الأجناس كالجنس السلافي الذي تنتمي إليها روسيا ، والجنس الجرماني الذي ينتشر في وسط أوروبا ، والجنس المغولي الذي يكوِّن السواد الأعظم من الصين واليابان وأقطار جنوب وجنوبي شرق آسيا ،الأمة العربية حقيقة وجودية أزلية ذات أبعاد معرفية معززة بأكبر رصيد من الأدلة العلمية الواقعية المنتشرة في كل ربوعها ، تصل الماضي بالحاضر ، وترسم آفاق المستقبل ، ولا يؤثر فيها ما نتج عن تبعات الغزو (الصهيو أنجلو أمريكي ) الذي وفد على المنطقة العصر الحديث ، كحلقة في سلسلة من الغزو المتوالي الذي بدأ بالغزو الصهيوني منذ 1917م ثم الغزو الثلاثي (الصهاينة والفرنسيين والبريطانيين) لقلب الأمة في مصر في خريف 1956م وفي صيف عام 1967م لمصر وسوريا والأردن وفي شتاء عام 1991م للعراق ، ثم احتلال العراق كله منذ عام 2003م .
5. إن المعرفة تولد السلوك ، والسلوك الفردي أصل في صناعة الإجماع وفق قوانين التفاعل والدور والوظيفة وقوانين الاتصال والإدارة ، وفي هذا الإطار ينبغي الإصرار على تعريف مكونات الصراع مع العدو الصهيوني ، وبيان سبل التحكم في تلك المكونات ، والثبات على منهج موحد في التعريف والتوصيف ؛ بحيث تجد الأجيال المتعاقبة في أقطار الأمة تراثًا تراكميًا لهذا الجانب المعرفي ضمن مكونات التراث التراكمي العام .
6. العداء الشديد من اليهود للذين آمنوا عداء يتجدد ويتلون بأسلوب منهجي من السلوك الانحرافي بأي شكل ضد من يطلق عليه اليهود (الجوييم أو الأغراب ) ،ويعبر عن نفسه بأقصى درجات العنف ، وهذه الحالة تشبه الأمور القدرية ، وفيها دليل على صدق المنهج القرآني في تفسير التناقض الأولي بين الأمة وعدوها النقيض .
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل يرجى ذكر المصدر)

طباعة   أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0