إدانة صينية لواشنطن بعد ويكيليكس ويكيليكس" تهدد فرص المالكي الجنود الإسرائيليون أطلقوا 308 رصاصات على متن "مرمرة" إسبانيا تسعى لإبرام صفقة أسلحة مع السعودية شقيقة زوجة توني بلير تعتنق الإسلام
عدد الزيارات : 539
كيف دخلت المسيحية مصر وكيف دخلها الإسلام
29/08/1431 الموافق 09/08/2010

من ألوان الحرب التي تشن الآن ضد الإسلام اعتباره طارئا على البلاد ، وفد عليها مع فاتحين غرباء، ثم استقر فيها على كره من أصحابها الأصلاء!!. وهذه مزاعم مضحكة، فإن كلتا الديانتين جاءت مصر من الخارج ، وليست مسيحية عيسى صناعة محلية يجب ـ لتشجيعها ـ أن توضع العوائق الجمة أمام ما قد يزاحمها من واردات أخرى ! كلا ..
ولو كان من حق أهل بلد ما أن يطردوا الأفكار الغريبة عن بيئتهم لأنها ليست أفكار مواطنين أصلاء، لوجب إخراج المسيحية والإسلام معا من مصر، ولوجبت إعادة البلد على عجل إلى حظيرة الوثنية المحضة التي تعبد فيها الأصنام وتقدس العجول ، فإن الوثنية هي الديانة التي عرفها تاريخنا آلاف السنين، إنها بضاعتنا العريقة.
أما الإسلام فقد جاء به عرب غرباء ، وأما المسيحية فقد جاء بها ـكذلك ـ رومان غرباء.
والكاتب الصليبي الذي سود صحائفه بأحقاده على العرب الفاتحين لا يمكنه تجاهل هذه الحقيقة ، بل إنه يعترف بها على رغمه.
قال في ص 11: " ظل الشعب القبطي بعد انتشار المسيحية على أيدي الرومان والبيزنطيين يعبد بحرارة آلهته الفرعونية، ويكرم آثار ماضيه التليد، وكان يرفض أن يقدم أي قربان لآلهة اليونان والرومان، كما أنه لم يقبل المسيحية إلا بتحفظ شديد لأنها جاءته من الخارج، وكان الشعب يريد بذلك إقناع نفسه أنه لم يخضع لاحتلال الغزاة ما دام يقاوم شعائرهم وعقائدهم ".
ويقول في الصفحة نفسها : ".. ترك مسيحيو مصر ديانة أجدادهم مكرهين " كذا " لأن ديانة الفراعنة ومعابد الفراعنة وآلهة الفراعنة كانت تذكرهم بمجد مصر في مختلف عهودها.
فلا غرابة إذا ظلت معتقداتهم الأولى راسخة في نفوسهم،رابضة في قلوبهم، بعد اعتناقهم المسيحية. ونضرب مثلا لهذا التشبث ـ يعني تشبث المصريين بوثنيتهم القديمة ـ من قراءة " السيناكسار" أي تاريخ القديسين ،
وماذا يقول: " السيناكسار" هذا؟.
يقول ـ كما ترجم الكاتب من مرجع فرنسي ـ "في معبد قيصرون الذي شيدته الملكة " كيلو بطرة" كان يوجد صنم كبير من النحاس اسمه "عطارد" وكان يحتفل سنويا بعيده وتقدم له الذبائح، وقد ظلت هذه التقاليد معمولا بها إلى أيام حكومة الأب " إسكندر".
أي لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام ، فلما نصب " إسكندر " بطريركا قرر تحطيم هذاالصنم..
بيد أن شعب الإسكندرية ثار قائلا: لقد اعتدنا إحياء هدا الصنم ، ولقد تربع على هذا الكرسي اثنا عشر بطريركا ولم يجرؤ أحد منهم أن يصرفنا عن هذه العبادة " .
أرأيت أيها القارئ؟ ذلك هو تصرف الأمناء على ديانة نزلت من السماء بإزاءالتقاليد الوثنية التي رفض العامة من المصريين أن يدعوها ، والغريب أن هذا الكاتب يقول قبل ذلك بسطور:".. إننا لن نناقش النتائج التي خرج بها بعض المستشرقين أمثال " لوفيفر" و " شميدت" و" شولتز".فقد اتفقوا على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر الأصليين، كما ادعوا أن نجاح العرب يرجع بصفة عامة إلى " أن الإسلام اجتذب أقباط مصر، الذين تعبوا من تزمت كنائسهم وتضييقها عليهم ".
ونحن نعرف أن أهل مصر الأول كانوا وثنيين متعصبين لعقائدهم. وقد قرأنا ـ كذلك ـ في تاريخ القديسين كيف احترم البطارقة هذه الوثنية وسايروها.
فلم غضب المصريون آخر الأمرمن كنائسهم؟.
إن هذا الغضب لا يتصل بأمور خدشت تقاليد المصريين العتيقة، وإنما يعود إلى الاضطرابات العنيفة التي تخلفت عن انقسام الكنائس في فهم حقيقة المسيح،وقد تكون له أسباب أخرى نفسية واقتصادية ، أما المصريون أنفسهم فقد نجحوا- كوثنيين- في فرض أفكارهم وعاداتهم على  المسيحية نفسها.
يقول " هـ. ج. ويلز " في كتابه ملخص التاريخ: " إن السيد المسيح أغمي عليه حين حمل على صليبه لأنه كان ضعيف البنية، وإنه توفى قبل أن يتوفى المصلوبان إلى جانبه ، وأن السيد المسيح لم يبشر بالديانة المسيحية المعروفة اليوم ".
يقول ويلز: "لأن هذه التعاليم إنما أحدثها الرسول "بولص " المتعلم بالإسكندرية، وأن "بولص " أخذ تعاليمه من وثنية الإسكندرية... ".
ثم يقول ويلز: " إن خيوط الثالوث المقدس حيكت في الإسكندرية، وإن آلهة قدماء المصريين الثلاثة " إيزيس " و " هورس " و " سيزابيس " قد استحالت عند "بولص " إلى الأب والابن والروح القدس".
 وكلام " ويلز " يتضمن حقائق كثيرة ، وقد أيده الكاتب الصليبي من حيث لا يدرى، إذ قال في ص 12: " لم يستطع المصريون تلافي المسيحية فحاولوا ـ حسب تعبير " جان ما سبيرو " الموفق ـ مصادرتها لمصلحتهم، وقرروا أن كل ما كان جميلا وعظيما في المسيحية إنما هو مصري ، ومن ذلك الحين مال الإكليروس والشعب إلى القبض على زمام الحكم، ثم إلى الانفصال عن حكم " بيزانطيا".وقد تجلى هذا الميل بوضوح بعد مجمع "نيقية " حيث بزغ نجم كنيسة الإسكندرية ولمع.
ومجمع " نيقية " هذا هو الذي قرر مطاردة الموحدين وإحراق كتبهم بعد أن اعتبر عيسى إلها مع الله ! فلا غرو أن يبرع فيه نجم كنيسة الإسكندرية ويلمع! أليس هذا نصرا ضخما تحرزه الوثنية المصرية يجدد ديانة الفراعنة الأقدمين ويعيد الحياة إلى رفاتهم البالي ؟.
لو أن عيسى عليه الصلاة والسلام استطاع أن يقيم لدينه دولة تحمى قواعده الحقة ما استطاعت الوثنية القديمة أن تفتك به هذا الفتك الذريع ، ولكن عيسى ذهب والنصرانية تدور بها دوامة عاصفة من أحقاد الوثنية التي تملك الدولة والصولة.
ولم يكن الرومان وحدهم عباد أصنام، بل كان اليونان والفرس والمصريون والهنود وسائر البشر، ما عدا فلول من اليهود لا يقام لهم وزن ، وددنا لو قرأنا تعاليم عيسى نفسه بلغته العبرانية، أو لو قرأنا رسائل حوارييه الكرام بهذه اللغة نفسها، فهي اللغة التي دونوا بها عقائدهم وبشروا بها أممهم ، غير أنه- من المؤسف- ألا نجد إلا تراجم يونانية ولاتينية لهذه الكتب المفقودة، وهؤلاء الذين كتبت تعاليم المسيح بلغتهم هم سدنة الوثنية القديمة وأشياعها.
والمدهش أن المترجمين أنفسهم أشخاص مجهولون!. فبأي وجه من المنطق يؤخذ دين عيسى من ألسنة أعدائه بعد ضياع الصحائف الأولى التي أنزلت عليه، وبعد ضياع الأسفار التي كتبها عنه تلامذته،وحلت محلها تراجم لا تعرف قيمتها العلمية ولا أمانة ذويها؟.
ونحن نجزم بأن تغييرات هامة جدا طرأت على أصل النصرانية مالت بها إلى تعدد الآلهة! ونحت بها نحو الوثنية السائدة في فكرة الفداء والقرابين ، وقد عاداها المصريون أولا بالنظر إلى أصلها السماوي، وحتى إذا حوروها كما يشتهون دخلوا فيها ، أو بالأحرى لم يستطيعوا الانتقال إليها فنقلوها إليهم..
ولما كان المفروض أن الإنجيل ملحق بالتوراة، وأنه يعتمد أحكامها، وأن النصراني مكلف بالعهدين القديم والجديد معا، فإن عبث الوثنية لم يلحق الإنجيل فحسب، بل تعداه إلى التوراة نفسها.
وقد لاحظ الباحثون دلائل ذلك فيما يلي:
ا- برز حقد الوثنيين على رسل الله فنسبوا إليهم أعمالا شائنة، فجاء في هذه الكتب المقدسة (!) أن نبيا شرب الخمر فزنى بابنتيه ، وأن آخر سكر حتى تعرى وانكشفت سوأته لأحد ولديه، فغضب على الآخر لغير جريرة.
وأن أحدهم رفض دعوة النبوة من ربه ، وأن آخر ارتد وعصى الله وعبد الأصنام.
وأن آخر صنع عجلا لقومه ، وآخر شبه الناس جميعا بالكلاب ما عدا بني إسرائيل.
وأن نبيا طمع في امرأة فأرسل بزوجها إلى الميدان وأوصى بقتله حتى يخلوا لجو له معها وأن.. وأن.. إلخ.
والذي يقرأنشيد الإنشاد  في العهدا لقديم  نبذة عن نشيدالأناشيد ))ويقرأ صور الغزل المفضوح فيه، يوقن بأن ما حوى من مباذل، وليد طبيعة مهتاجة بالشهوة البهيمية، مما لا يمكن صدوره أبدا عن رب العالمين.
قال " جان ملزكاتلك " في كتابه المطبوع سنة 1843 : " اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية، وكذا نسخ العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر " بختنصر".
ولما ظهرت نقولها الصحيحة بواسطة "عزرا " ضاعت تلك النقول أيضا في حادثة "أنيكوسى".
فلما ضاعت صحائف الوحي المنزل من السماء حلت مكانها هذه الأباطيل. !.
2 ـ لا يعرف أثر بتة لإنجيل عيسى الذي نزل عليه من ربه ، والمسيحيون اليوم يزعمون أنه ليس لعيسى إنجيل، مع إن ذكر هذا الإنجيل جاء في رسالة "بولس " إلى أهل "غلاطية" 1: 6-7.
وقد أيد فقدان هذا الإنجيل "طامس انكلسى" في كتابه مرآة الصدق.ـ إن جملة الرسائل التي تؤلف ما يسمى الآنبالعهد الجديد  لا تنهض على أسانيد تعطيها قوة تاريخية معتبرة، فهى غريبة عن لغة المسيح بعيدة عن عصره، وبمكن القول بأن هذا العهد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجال مجهولو الاسم ثم نسب إلى الحواريين ورفقائهم.
وكتب " استادلن " يقول: " إن كافة إنجيل "يوحنا! تصنيف طالب من جامعة "الإسكندرية " ووافقه " برطشنيد " وزاد على ذلك أيضا رسائل "يوحنا ".
ومع ذلك فإن العهدين القائمين ذكرت بهما أسماء نحو خمسة وعشرين سفرا لا وجود لها ".
ونحن ـ المسلمين ـ لا نزعم أن ما ورد في أسفار العهدين القديم والجديد باطل محض، ففيهما مزيج غامض مبهم من الخطأ والصواب ، وقد وردت فيهما كلمات تخلع وصف الألوهية على أناس أطبق أهل الأديان أجمعون على عدهم بشرا فحسب.
جاء في الإصحاح السابع من سفر الخروج " فقال الرب لموسى: انظر، أنا جعلتك إلها لفرعون،وهارون يكون نبيك!. وجاء في الإصحاح الرابع من السفر المذكور:" هو يكلم الشعب عنك، ويكون لك فما، وأنت تكون له إلها".
وهذا التهور في إطلاق الإلوهية على الأناسي إما أن يكون عجزا شائنا في الترجمة عن الأصل ،فأبدلت كلمة السيد مثلا بالإله ، وإما أن يكون مسلكا مغرضا قصد به تضليل العامة عن سوء نية..
وكلا الأمرين استغل ـ كما رأيت ـ في تأليه " عيسى " لما كثرت هذه الإطلاقات عليه.
ولكن لماذا لم يؤله موسى كذلك؟؟ وقد ذكرت كلمة "ابن الله " كذلك على غير" عيسى "، فأطلقت على آدم " ابني آدم ابن الله " لوقا " 3 : 38".
 وقال في غيره عن يعقوب" هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر ".
وأطلقت على داود كما في المزمور 89، " هو يدعوني أبي، أنا أيضا أجعله ابني".
وعلى سليمان بن داود، كما ورد في أخبار الأيام الأولى " يكون لي ابنا وأنا له أبا " وعلى جميع بني إسرائيل كما في الإصحاح "14 " من سفر التثنية " أنتم أولاد الرب إلهكم ".
وأطلقت على جميع الناس، كما في الإصحاح السادس من سفر التكوين "الناس أبناء الله ".
وعلى المؤمنين فقط، كما في الإصحاح الخامس من إنجيل متى: " لتكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات ".
وكما في (23) متى " لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد، الذيفي السموات ".
وعلى المصلين، كما في الإصحاح السادس من متى: "فصلوا أنتم هكذا،أبانا الذي في السموات، ليتقدس اسمك ".
وعلى صانعي السلام، كما في الإصحاح الخامس من متى " طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله ".
نعتذر لهذا الاستطراد، لقد تمشينا مع الحديث رغبة منا في كشف كثير من الأحداث التي اكتنفت تاريخ النصرانية الأولى، ومدى تأثير الديانة المستضعفة بها،والدور الذي لعبته مصر مع غيرها من دول العالم الوثني في توليد مسيحية جديدة يزدوج فيها مبدءا التوحيد والتعدد.
ونستخلص من هذا السرد المجمل أن مصر كانت وثنية في أغلب عصور الفراعنة ، وأن النصرانية التي أرسل بها عيسى كالإسلام الذي جاء بهمحمد، ديانة وافدة من الخارج ، وهذه أو تلك لا يقدح فيهما ولا يزكيهما وصف بالغربة أو الألفة، فإن الدين كالعلم لا وطن له ، وأن المسيحية التي انتشرت بعد في مصر لقيت حمايتها ورواجها على أيدي الرومانيين المحتلين للبلاد.
وكان جمهور المصريين ينظر إليها على أنها بعض مظاهر السيادة الأجنبية ، وأن عبادة الأصنام ظلت متغلغلة في مصر قرابة ثلاثة قرون لم ير فيها بطاركة الكنيسة ما يزعج مسيحيتهم ، وأن المصريين لما استبان لهم أنالثالوث المسيحي تجديد للثالوث المصري القديم أقبلوا على المسيحية باعتبارها فلسفة مصرية بحتة، وليست ديانة يفرضها الرومان الغاصبون لبلادهم.
وهذه الخلاصات يمكننا أن نستدل عليها جميعا من النقول والتعليقات التي ذكرها المؤلف الصليبي في الباب الأول من كتابه ، وثم أمر آخر عني الكاتب بإبرازه ، وهو أن الكنيسة المصرية شقت عصا الطاعة على كنيسة " روما " لأسباب سياسية مجردة. فالانشقاق القبطي هو ديني من حيث الحجة فقط ! كما يقول المؤلف في ص 13.
وعلته الدفينة حب البطريرك المصري للانفراد بسيادة بلاده إذ كان يصرح: " إن البلاد لي أكثر مما هي للأباطرة ، وإني أطالب بالسيادة على مصر" وفى سبيل هذه السيادة صنعت الكنيسة المصرية أمرا بالغا لغرابة ،
فقد وافقت بطريرك " القسطنطينية " على حرمان الراهب الذي ابتدع المذهبالأرثوذكسى.
ولكن بطريرك مصر حقد على زميله هذا السلطان الواسع فأعلن اعتناقه لهذا المذهب الجديد مخالفا آراء زملائه من رجال الإكليروس ، فقد وضعهم ـ كما يقول المؤلف الصليبي ـ في مركز حرج ؛ ذلك لأن الأساقفة المصريين أدانوا " أوتيشيش " ـالراهب المحروم ـ دون أن يبدي البطريرك ـ وهو صاحب الرأي الأخير ـ أية معارضة ، فكيف يستطيعون بعد ذلك أن ينقضوا حكمهم فيه دون أن يعرضوا أنفسهم للسخرية؟.
وبينما كان الأساقفة حائرين مترددين أمام هذا الموقف الشاذ، إذا " ديسفور " ـ البطريرك المصرى ـ يأمرهم بأن يتضافروا معه ويؤيدوه في موقفه ، ولم يكن في استطاعة الأساقفة إلا الإذعان لأمر رئيسهم!! ص 14.
ويقول الكاتب أيضا في الصفحة نفسها: …" أما الشعب المصري فلم يتردد لحظة واحدة في مناصرة بطريركه لاعتقاده أن جرأة رئيسه الديني قد حققت أمانيه الغالية المنشودة ".
فلم يكن الأمر إذن بحثا عن الحقيقة، ولم يكن الخلاف على فهمطبيعة المسيح  سعيا منزها لمعرفة الصواب، إن معنى ذلك ـ كما يصور الكاتب الصليبى ـ أن المذهب الأرثوذكسى وليد عناد دفع إليه الطموح، وأن المسائل الدينية الكبرى تحركها من وراء ستار نزعات دنيوية محضة.
وإذا كان هذا الكاتب صادقا في تصويره للوقائع التي تمخضت عن المذهب الجديد فإن ذلك تسجيل حاسم للريب التي تحيط بجملة العقائد المسيحية: لا الواردة في العهدين فحسب، بل الناشئة عن قرارات المجامع المختلفة..!
وأيا كان الأمر فقد اضطربت الصلات بين مصر وروما، واتسعت الفجوة بين الكاثوليك والأرثوذكس ؛ حتى إن المصريين فضلوا أن يحكمهم مجوس فارس عن أن يظلوا خاضعين للمسيحيين الرومان !! إنهم كانوايريدون البقاء على مذهبهم الديني آمنين، وهذا ما كان الرومان يضنون به ، زد على ذلك أثقال الضرائب التي فرضها الحكام المتعسفون.
إن مصر المسيحية في ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية ظلت تنوء بما تحمل حتى خارت قواها، وتحولت على مر الليالي السود إلى مستعمرة تزدحم بالرعاة والعبيد.
الإسلام يدخل مصر:
 تختلف نشأة الإسلام اختلافا كبيرا عن نشأة النصرانية، فإن الإسلام يمتاز بأنه تحول على عجل إلى دولة تهيمن على جزيرة العرب، كان النبي رئيسها الأعلى، وكان القرآن ـ وهو دستورها الأصيل ـ محفوظا بعناية رائعة، ووعته صدور القراء الذين استظهروه كلمة كلمة، والذين بلغ من كثرتهم أن تكونت منهم فرق مقاتلة كان لها أثرعميق في حروبالردة ، ووعته كذلك صحائف الكتبة الذين سطروا آي الوحي في أوراقهم،
فلم يمت النبي إلا والكتاب السماوي يكتب ويقرأ في نطاق بعيد المدى،ولا شك أن حظ القرآن من ذلك لا يذكر إلا جانبه أبدا حظ الإنجيل،وقد حاولت الوثنية العربية أن تحتل الدين الجديد، وأن تتسرب إليه عن طريق مهادنته،فعرض عبدة الأوثان على النبي أن يعبدوا إلهه فترة ،وأن يعبد آلهتهم أخرى، فنزل الوحي: (قل يا أيها الكافرون *لا أعبد ما تعبدون *ولا أنتم عابدون ما أعبد *ولا أنا عابد ما عبدتم *ولا أنتم عابدون ما أعبد *لكم دينكم ولي دين) .
وحاولت إحدى القبائل أن تدخل في الإسلام على شريطة أن تستمتع بعبادة صنمها سنة ثم يهدم بعدها!  فأبى النبي إلا هدمه في الحال.
وذلك مسلك يناقض مسلك النصرانية التي سمحت للمصريين أن يكونوا مسيحيين وعباد أصنام في وقت واحد، كما ذكر ذلك الكاتب الصليبي نفسه في ص 12 من كتابه.
وقد يتوهم أحد المغفلين أن مسلك الإسلام ينطوي على صلابة وتزمت، وأن مسلك النصرانية في مهادنة الوثنية، أو مداهنتها، أو الامتزاج بها، كان ينطوي على اعتدال ومرونة..
إن هذا غلط فاحش ، فإنصاف الحقيقة وحماية جوهرها شيء ، وحمل الناس عليها بالإكراه شيء آخر ، دخل الإسلام فارس فبقي التوحيد توحيدا،  وبقيت المجوسية مجوسية ، فمن شاء البقاء على مجوسيته بقي آمنا، ومن شاء دخل في الإسلام ، فأحل حلاله وحرم حرامه ، ونزل على أحكامه كلها.
أما اختلاق مركب جديد من الديانة المحلية والديانة الجديدة فعبث يجب أن يقاوم بالسيف ؛ لأن التمشي معه إيذان بضياع الحق إلى الأبد، وذلك ما فعلته الوثنيات القديمة بدين عيسى، فلا جرم أن يرفض الإسلام أية مساومة على منحه حق البقاء، وأن يمضي في طريقه مستندا إلى مبادئه وحدها وتضحيات المؤمنين بها.
فما إن استقر له الأمر حتى بدأ يجلي جيوش الروم والفرس عن الأقطار الفسيحة التي احتلت رقعتها واستهلكت أهلها.. على ما قصصنا عليك.
وكانت مصر قبيل الفتح الإسلامي يتنازع احتلالها الفريقان معا، حتى انهزم الفرس آخر الأمر أمام خصومهم فتوطد ملك الروم بها ، وأضحت ـ بموقعها ومواردها ـمعواناً قويًا للروم فيالقتال الذي دار بينهم وبين المسلمين.
جيش عمرو:
قرر أمير ا!لمؤمنين " عمر بن الخطاب " فتح مصر، وسار إليها الجيش الزاحف بقيادة " عمرو بن العاص " فأخذ طريقه إلى القاهرة حيث التقى بهم جيش الروم وفيه الجاثليق " أبو مريم " ومعه الأسقف الذي أرسله المقوقس.
وقبل أن تشتبك القوى المتأهبة للنزال قال " عمرو " لقادة الروم: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم! وليبرز إلى الجاثليق، والأسقف، فخرجا إليه، فدعاهما إلى الإسلام أوالجزية، وأخبرهما بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر، لأن " هاجر" أم إسماعيل جد النبي عليه الصلاة والسلام من مصر.
روى مسلم في صحيحة أن النبي قال: " إنكم ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما " أو " ذمة وصهرا " فقالا: " قرابة بعيدة، لا يصل مثلها إلا الأنبياء ".
ثم قالا لعمرو " أمنا حتى نرجع إليك " فقال لهما: " مثلي لا يخدع ولكني أؤجلكما ثلاثا لتنظرا ".
فقالا: لا زدنا... " فزادهما يوما. فرجعا إلى المقوقس بطريرك الأقباط، وإلى " أرطبون " الوالي الروماني فأخبراهما خبر المسلمين ، ويبدو أن البطريرك القبطي كان زاهدا في قتال العرب.
وما الذي يستثير حماسته ضدهم؟ وصلة مصر بالروم على ما علمنا من ضعف بل من مقت!!.
أما الحاكم الروماني فقد قرر المقاومة ورفض ما عرض عليه، واستعد للقتال ، بل بادر المسلمين بالهجوم فعلا ، إلا أنه انهزم وارتد إلى الإسكندرية ، فتعقبه العرب في مهربه، ووزع " عمرو " فرقه على جبهات عدة استطاع أن يحرز فيها جميعا النصر بعد أن حاصر الروم في مواقعهم أياما طويلة.
وقد أرسل أهل البلاد إلى " عمرو " يعلنون رضاهم بالصلح وقبولهم دفع الجزية على أن ترد لهم السبايا ، فأرسل " ابن العاص" إلى أمير المؤمنين بذلك فأجاب مطالبه ، وأمضى " عمرو بن العاص " معاهدة الصلح مع المصريين.
وهذا نصها على ما رواه الطبري : "بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما أعطى "عمرو بن العاص " أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص.. ولا يساكنهم النوب.
وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية ـ إن اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم ـ خمسين ألف ألف درهم وعليهم ما جنى لصوتهم ، فإن أبى أحد منهم أن يجيب، رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة.
ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم.. ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا.. عليهم ما عليهم أثلاثا ، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم..
على ما في هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين.
وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا ، على أن لا يُغَزوْا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة..
شهد الزبير، وعبد الله، ومحمد ابناه.
كتب وردان وحضر …." ا . هـ.
إن المبادئ الهامة التي تضمنتها هذه المعاهدة تعد صفحة جديدة في تاريخ العصور الوسطى ، وهى على نسق المعاهدات التي أبرمها المسلمون مع كثير من الشعوب التي طردوا الفرس والرومان منها.
ويجب أن نقرر هنا بعض الأسباب التي جعلت المصريين يستريحون لهذا العهد المعروض عليهم ويمضونه راضين.
ا ـ فقد استردت البلاد حريتها الدينية كاملة، ونالت ضمانا واضحا أن تبقى للمعابد قداستها فلا يقتحمها أحد، ولا تخدش شعائرها...
وكان الأقباط محرومين من هذا الأمان في أثناءحكم الرومان، لاختلاف المذهب الديني، وإن انتمى الفريقان للنصرانية!.
2 ـ خف حمل الضرائب التي يدفعها المصريون للحكومة الإسلامية ، فإن تعداد مصر على عهد الفتح الإسلامي بلغ عشرة ملايين ساكن ، وكان الحد الأعلى لضريبة الجزية خمسين مليونا من الدراهم، أي متوسط ما يؤديه الفرد للحكومة خمسة دراهم في العام " نحو عشرة قروش " مع إن الرومان كانوا يستكرهون المصريين على دفع جملة أنواع من الضرائب الباهظة..
3 ـ يلاحظ أن هذه الضريبة كانت تنقص تبعا لهبوط الفيضان ، ولكنها لا تزيد عن النسبة المقررة، كما أنها تؤدى أقساطا ثلاثة على مدى السنة.
4 ـ هذه المعاهدة معقودة مع المصريين الذين هم أصحاب البلاد ، فإذا رغب روماني أو نوبي الدخول فيها، فله حق المعاملة بالمثل، وإلا فعلى العرب أن يصونوا دمه وحقوقه كلها حتى يبلغ المكان الذي يأمن فيه على نفسه أو ينقطع عنده سلطانهم.
5 ـ لا يجوز للمسلمين أن يمنعوا تجارة صادرة ولا واردة.
6 ـ ويجب عليهم- لقاء الضريبة التي يحصلونها- أن يمنعوا أي غزو لمصر.
وقد أخلص الطرفان في تنفيذ المعاهدة.
ولما طارد العرب فلول الرومان المنهزمين ، واستولوا على ما بأيديهم من أموال جاء كثير من الأقباط يشكون أن هذه الأموال لهم أخذها منهم الرومان قهرا، فرد العرب عليهم ما أقاموا البينة على أنه ملكهم.
وبقى " المقوقس " على رياسته للبلاد يتردد بين منف والإسكندرية، وبلغ من توثق الصلات بين المسلمين والبطريرك أنهم كانوا يستشيرونه فيما ينزل بهم من مهمات حتى توفى.

طباعة   أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (1
1
تعليق: محمد إبراهيم
14/10/1431
جزاكم الله خيرا ونفع بكم وأعانكم على تلك الأمانة وأنتم أهل لها نحسبكم ولا نزكى على الله أحدا