هذا نبي الإسلام (4)

بتاريخ : Aug 18 2011 10:01:39

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين..
وبعد .. فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن ماهية الإسلام الذي بعث به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وكيف بدأ دعوته والوسائل التي اتبعها في دعوة الناس ، واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى أتحدث عن موقف الناس من دعوته فأقول : إن الناس صارت أمام دعوته دعوته صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم:
1ـ ما بين مصدق له مؤمن به بمجرد أن يلقاه ويسمع حديثه ، حتى ورد أن أحد الأعراب ما إن سمعه يقول : " إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه "حتى أعلن إسلامه ، وآخر يقول له : أستحلفك بالله ! آلله أرسلك وأمرك أن تبلغنا ؟ فلما قال : نعم ، أعلن إسلامه ، وهذا آخر يأتيه فيقول : يا محمد إلامَ تدعو ؟ قال : أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر ، ولا ينفع ، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده ..." فاتبعه في الحال ، وصدق ما جاء به.
2ـ وما بين متردد يبحث عما يوصله إلى الله من خلال النقاش معه ، وهؤلاء تولى القرآن الكريم الإجابة على استفساراتهم ، وإزالة الشك من قلوبهم.
وذلك بلفت أنظارهم إلى التأمل في خلق الله ، مثل قوله تعالى : " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (1)وقوله تعالى " قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ" (2) .
وكان القرآن يلفت نظره صلى الله عليه وسلم أيضا إلى طريقة حوار الأنبياء السابقين مع أممهم ؛ ليسترشد بهم ، مثل قوله تعالى : " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ .."(3) .
3ـ وما بين جاهل بما جاء به صلى الله عليه وسلم من الحق متبعا أو مقلدا لغيره .
 ومع إن هذا الصنف يمثل الأغلبية من الناس ، إلا أنهم كثيرا ما كانوا يقعون تحت تأثير الكبراء ، ويسيرون وراءهم في الإعراض عنه أو معاداته ؛ رغبا أو رهبا منهم ، كعادة الناس في كل عصر ، وقد نعى الله عليهم هذا الفعل ، ونبههم إلى أنهم سيندمون على ذلك يوم القيامة ، فقال تعالى :" يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً" (4).
4 ـ وما بين مكابر معاند مصر على كفره وشركه، وهؤلاء تمثلوا في الملأ من قريش والسادة الذين حسبوا أن الدين الجديد سيحول بينهم وبين البغي والتعالي على الناس ، والتجبر في الأرض ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وهي العلة التي تجعل الملوك والكبراء يقفون في وجه الأنبياء والرسل وسائر المصلحين في كل حين ، ويحرضون عليهم الجهلة من الناس ، البعيدين عن معرفة الحقيقة.
فقد أنكروا عليه أن يصف الأصنام والأوثان وسائر الآلهة المزعومة التي يتسترون وراءها بما وصف ، وأجمعوا خلافه ، وذهبوا على عمه أبي طالب ، وطلبوا منه أن يكفه عن دعوة الناس إلى الإسلام ، وافتروا عليه ما لم يفعله أو يقله ، فقالوا : يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإمّا أن تكُفّه عنّا ، وإمّا أن تُخلّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكَهُ (أي يقتلونه دونه ).
ومن العجب أن هؤلاء كانوا يعلمون أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن سبابا ، ولا عيابا ، ولا فحاشا ، وكل ما فعله أنه كان يقرأ على الناس قوله تعالى :" وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ " (5) ويبين ما هم عليه من ضلال ، وأن الأصنام التي يعبدونها لا تستحق العبادة ، ولم تطلب منهم ذلك ، وإذا كان آباؤهم لم يجدوا من يرشدهم ، فما عذرهم هم ؟ .
ولم يبال صلى الله عليه وسلم بإعراضهم ، ومضى يظهر دين الله ، ويدعو إليه ، وكان موسم الحج إلى بيت الله الحرام قد اقترب فخشي هؤلاء الملأ من المعاندين أن يلتقي صلى الله عليه وسلم بالحجاج ، ويعرفهم بدعوته فيقبلون عليها ، فاجتمع سادتهم وصاروا يبحثون عن تهمة يرمونه بها ، ويشيعونها بين الناس ؛ حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوسهم ، فقال لهم رجل يسمى "الوليد بن المغيرة‏ ":‏ أجمعوا فيه رأيـًا واحدًا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا ، قالوا‏:‏ فأنت فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به‏ ، قال‏:‏ بل أنتم فقولوا أسمع‏!‏ قالوا‏:‏ نقول‏:‏ كاهن‏،‏ قال‏:‏ لا والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه‏.‏
قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ مجنون ، قال‏:‏ ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه ، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته‏ ، قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ شاعر‏،‏ قال‏:‏ ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله ، رَجَزَه وهَزَجَه ، وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه( يقصد أصناف الشعر العربي ) فما هو بالشعر، قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ ساحر‏ ، قال‏:‏ ما هو بساحر ، لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم‏.‏
قالوا‏ :‏ فما نقول‏؟‏ قال‏:‏ والله إن لقوله لحلاوة ، ‏وإن عليه لطلاوة ‏،‏ وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَه لجَنَاة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا‏ :‏ ساحر‏ ،‏ جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنه بذلك‏ (6) وتناسوا أنه كان يأمر أتباعه بالبر والإحسان إلى أقاربهم وإن أساءوا إليهم ، ووصلهم وإن قاطعوهم .
لم يعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل مشركو مكة ضد دعوته ، وانطلق متوكلا على ربه يطوف بين القبائل العربية التي نزلت في المشاعر المقدسة ـ لأداء مناسك الحج ـ ويتبع الناس في منازلهم بالأسواق (عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز) يدعوهم إلى الله ، ويقول لهم متوددا: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره "إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ".
ويمشي وراء الناس في الطرقات ، وينادي "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو جهل أو أبو لهب يسير خلفه يسفّ عليه التّراب، ويقول: لا يغرّنّكم هذا عن دينكم، فإنّما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزّى (7)  وذُكر أيضا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله ، وأبو لهب يتبعه يرميه بالحجارة حتى أدمى كعبيه وعرقوبيه ويقول : يا أيها الناس ! لا تطيعوه فإنه كذاب !(8) .   
وليتخيل معي القارئ هذا المشهد الذي ترسمه هذا الكلمات ؛ ليعرف الجهد الذي بذله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جذب الناس إلى الفلاح والنجاح ، إلى رضوان الله سبحانه ، وكيف يكون حال البشرية لو اتبع الدعاة الآن هذا الأسلوب في دعوتهم ، وانطلقوا داعين إلى الله بتلك الحمية .
لذلك لم ينته موسم الحج حتى وصل أمر دعوته إلى مسامع كثير من العرب الذين تناقلوها إلى أنحاء الجزيرة العربية ، وانتشر ذكره كما يقول ابن إسحاق في بلاد العرب ‏، ولم تفلح جهود معانديه في الحيلولة دون ذلك ، بل جاءت مع بعض الأفراد بعكس ما أرادوا.
فهذا رجل يسمى " الطفيل بن عمرو الدوسي " يذكر أنه لما قدم مكة مشى إليه رجال من مشركي قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل ( يقصدون رسول الله ) بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وإن قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه ، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
يقول الطفيل : فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت أذني كُرْسفُاً ـ أي قطنا ـ فرقا ( خوفا ) أن يبلغني من قوله ، وأنا أريد أن لا أسمعه، فغدوت إلى المسجد الحرام ، فإذا رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ! واللّه إني لرجل شاعر لبيب ! ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ إن كان الذي يأتي حسنا قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته.
 ثم يقول : فمكثت حتى انصرف رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ إلى بيته ، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، ثم إن اللّه أبى إلا أن أسمع قولك ، فسمعت قولاً حسناً ، فأعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام ، وتلا عليّ القرآن ، فواللّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه ! ولا أمرا أعدل منه ! فأسلمت (9) .. .
وإسلام مثل هذه الشخصيات قد غاظ الملأ من قريش ، وزاد من هذا الغضب أن القرآن بدأ يشتد في نقاشهم ، ويقدم الأدلة والبراهين على بطلان معتقداتهم ، وزيف آلهتهم .
فعادوا إلى أبي طالب مرة ثانية وقالوا له : يا أبا طالب إنَّ لك سِنّاً وشرفاً ومنزِلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإيّاك في ذلك ( نقاتلكم )حتى يهلِك أحد الفريقين.
 فبعث إليه من يحضره ، فلما جاءه قال: يا ابن أخي! ..أبقِ عليَّ وعلى نفسك ، ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أُطيق ، فظنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- أنه خاذِله ومُسلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه ، فقال: "يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيهِ ما تَرَكْتُهُ " ثم بكى صلّى الله عليه وسلَّم ليس خوفا ، وإنما حسرة على هؤلاء ، ثم قام منصرفا، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً(10).
وذُكر أيضا : أنه - صلّى الله عليه وسلَّم- قال لهم وقد حلّق ببصره إلى السّماء : أما تَرَوْنَ هذه الشّمس ؟ قالوا: نعم، قال: مَا أَنا بأقْدَرَ على أن أدعَ ذلكَ مِنكُم على أَنْ تَسشْعِلوا مِنها شُعْلَةً، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قطّ فارجعوا.
فالنبي الذي يصطفيه الله ، ويكلفه بتيليغ دعوته ، ليس مخيرا في هذا الأمر ، فيقبله أو يدعه ، وإنما هو إلزام من الله تعالى ، وسيؤدي ما عليه رضي الناس أم أبوا ، سالموه أو عادوه ، ولا راد لقضاء الله ...
أما زعماء المشركين فقد انصرفوا ثم عادوا إلى أبي طالب مرة ثالثة بحيلة أخرى ، حيث أحضروا معهم فتى يسمى "عُمارَة بن الوليد بن المغيرة " فقالوا له: يا أبا طالب! قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ، فخذه فلك نصره وعَقْله وميراثه، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلِم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك .. فنقتله ، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبَّة ، وإنما هو رجل برجل ، ولم يجد أبو طالب ردا لهذا الطلب المضحك سوى قوله : والله ما أنصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه ( أطعمه وأسقيه ) لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله لا يكون أبداً (11) ..
هذا وإلى لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني
1 ـ سورة " العنكبوت " : الآية 20
2 ـ سورة " يونس " : الآية 101
3 ـ سورة " الشعراء " : الآية 69 الى 77
4 ـ سورة " الأحزاب "من الآية 66 الى 68
5 ـ سورة " البقرة " : الآية 170
6 ـ ابن هشام : السيرة النبوية جـ 2 صـ 105
7 ـ تاريخ الطبري : ج 1 ص 556
8 ـ السيرة لابن حبان : ج 1   صـ 69
9 ـ ابن كثير : البداية ج3 صـ 99
10 ـ ابن سيد الناس : عيون الأثر ج1 وابن كثير : السيرة النبوية ج1 ص 474
11 ـ ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 128
المصدر : موقع التاريخ