التحرير ميدان الميادين

بتاريخ : Jun 27 2011 09:21:53

جمال الغيطاني


كثير من الأصدقاء سواء مصريون أو أجانب وجهوا إليّ سؤالا واحدًا خلال الأيام الماضية عن ميدان التحرير، لماذا هذا الميدان بالتحديد وليس آخر، ما رمزيته؟ ما دلالته؟ يثير ذلك عندي العديد من التأملات المرتبطة بالميدان خاصة عند استعادتي لتفاصيل ليلة تنحي عبدالناصر وتدفق الجماهير إلى الميدان، ثم توالي الأحداث الكبرى به مثل تشييع جنازات الفريق عبدالمنعم رياض وأم كلثوم وعبدالناصر من مسجد عمر مكرم، ثم اعتصام الطلبة الشهير في بداية السبعينيات خلال الثورة على الرئيس السادات، هذا الاعتصام الذي ألهم الشاعر العظيم أمل دنقل واحدة من أروع قصائده «الكعكعة الحجرية»، وصولا إلى ثورة الخامس والعشرين من يناير.

بداية، فإن معرفة تاريخ المكان تلقي الأضواء عليه، بدأت ملامح الميدان في التشكل خلال حكم الخديوي إسماعيل، وبالتحديد بعد عودته من باريس وبدء تأسيس القاهرة الخديوية التي تعرف الآن بوسط البلد أو القاهرة الخديوية، كان ميدان التحرير وقتئذ امتدادا للحدائق المعروفة بأرض اللوق، ولم تكن هناك أي ملامح معمارية محددة، نقطة التحول في بروز شخصيته، بناء المتحف المصري في بداية القرن العشرين، وأيضًا ثكنات الجيش الإنجليزي التي كانت تطل على النيل مكان الجامعة العربية وفندق الهيلتون، ومبنى الاتحاد الاشتراكي الذي أصبح مقرًا لحزب مصر وللحزب الوطني، وهنا نلاحظ رمزية العمارة، المبنى نفسه يستخدم لتعاقب الأحزاب الفوقية الوهمية التي وضع الثوار حدًا لها بإحراق مقر الحزب وتدميره، بما يشير إلى نهاية مرحلة مازلنا نعيش تحولاتها ..

 قبل الثورة بدأ إنشاء مجمع التحرير رمز البيروقراطية المصرية، وهو كتلة هائلة قبيحة تحدث خللا في التناسق المعماري للميدان، كان يعرف بميدان الإسماعيلية نسبة إلى الخديوي إسماعيل، وبعد الثورة عام 1952 أصبح اسمه ميدان التحرير، والتحرير هنا مقصود به الاستعمار البريطاني. وتلك بداية تحول الميدان إلى مركز سياسي للمدينة، حتى ثورة 1919 كان المركز السياسي هو الجامع الأزهر الذي ظل طوال عصر الاحتلال التركي منذ القرن السادس عشر، كان الأزهر يجمع بين مركزين، السياسي والروحي، وخلال ثورة 1919 كانت المظاهرات الكبرى تنطلق منه، والزعماء يعتلون منبره، ولكن مركز القاهرة السياسي بدأ يتحول تدريجيا، خاصة مع تخطيط حي الإنشاء وسكن سعد زغلول في بيت الأمة. وأيضًا وجود مبنى البرلمان الذي أنشأه الخديوي إسماعيل، ولي عودة إلى رمزية وجود المقرين، مجلس الشعب ومجلس الوزراء كل منهما في مواجهة الآخر، السلطتان التشريعية والتنفيذية كل منهما تواجه الأخرى، إضافة إلى وجود مقار الوزارات بالقرب منهما، بدءًا من ميدان لاظوغلي حتى شارع القصر العيني، مازال مبنى وزارة الحربية موجودًا وفيه مكتب الزعيم أحمد عرابي، هذه المباني من ذاكرة الأمة، ولكم أتمنى الحفاظ عليها والتعريف بها عن طريق وضع لوحات حجرية تشرح ما جرى فيها ومن ارتبط اسمه بها.

وجود الوزارات، والبرلمان، وقصر عابدين الذي بناه الخديوي إسماعيل، كان بذلك يحدث تحولاً ضخمًا في مصر، إذ كان مقر الحكم في قلعة الجبل التي بناها صلاح الدين، واستمرت عدة قرون رمزًا للسلطة المركزية المطلقة، حتى إن من ينجح في اقتحامها خلال الاضطرابات يحكم مصر كلها، بنى الخديوي قصر عابدين رمزاً لنزول الحاكم إلى صفوف الشعب، ومن الطريف أن أحد المعلمين الكبار في حي عابدين الشعبي أرسل إلى الخديوي صواني طعام تحمل العشاء في أول يوم لمبيته في القصر باعتباره جارًا جديدًا، ومن تقاليد المصريين تقديم الطعام إلى الساكن الجديد باعتبار أنه لم يستعد بعد.

 أنهى الخديوي مركزية القلعة ورمزية ميدان الرميلة الذي كان مقصدًا للمصريين في فترات الثورة، انتقل مركز الحكم إلى وسط المدينة. وكان ذلك أهم العلامات في تحديد مستقبل الميدان، بالإضافة إلى وجود رموز الدولة بالقرب من البرلمان ومجلس الوزراء ومقار الوزارات، وأيضا النهر، العلاقة بالنيل أساسية في تاريخ الدولة المصرية، فباستمرار كانت المنشآت الأساسية للدولة قريبة من النيل، فيما عدا تأسيس القاهرة على أيدي الفاطميين. وفي هذه الحالة يستدعى النهر إلى المدينة باعتبار الماء شريان الحياة، حتى الموت أصبح رمزه الأهم في الميدان مسجد عمر مكرم.

بعد ثورة يوليو أصبح الميدان مركزًا سياسيًا للقاهرة، الاستعراضات العسكرية تقام فيه، المناسبات الكبرى، وأذكر أنني حضرت معرضًا للطيران في منتصف السيتينيات كانت تتصدره طائرتان، القاهرة 300 والجمهورية، وقد أجهض هذا المشروع الذي بدأ مع الهند، الآن تصنع الهند الطائرات المقاتلة المتقدمة ولا أثر يذكر للمشروع المصري حتى قسم الطيران في كلية الهندسة أغلق منذ سنوات.

الاستعراضات، والاحتفالات الكبرى أصبحت تنطلق من ميدان التحرير الذي اعتنت الحكومات المتوالية به، هدمت ثكنات الإنجليز المطلة على النيل، وظهرت مباني الجامعة العربية، والفندق الحديث، ومقر الأحزاب الحاكمة المتوالية، وأذكر نافورة جميلة كانت تتوسط الميدان.

بدأت الأهمية السياسية للميدان في الترسخ مع ليلة تنحي عبدالناصر، عندما كان يمثل القلب الذي تتجه إليه الناس عبر شرايين المدينة، ثم توالت الأحداث فيه، من جنازة الفريق عبدالمنعم رياض الأسطورية إلى ثورة الطلبة عام 1972، ومع تزايد الحراك السياسي في مصر خلال العشرين عامًا الأخيرة أصبح هو المركز السياسي للحركات الكبرى، ومازلت أذكر مشهدًا وصفته في يوميات «الأخبار»، عندما دعت جماعة الإخوان المسلمين إلى مظاهرة كبرى، وحاصر الأمن الميدان، وتحايلت لدخوله، ولأول مرة أرى الميدان الفسيح كصحراء، إذ خلا تمامًا من الحركة مما سمح برؤيته على إطلاقه. بعد هذا الحدث، تدخل الأمن للحد من مساحته، وتم تقسيمه إلى جزر منعزلة للحد من الحشد، وحرية الحركة فيه.

 أصبح الميدان هو المركز السياسي لمصر، ومع بدء ثورة الخامس والعشرين من يناير أصبح مركز الروح المصرية الجديدة، ومركز الثورة، ورمزًا للقوى الصاعدة والمستقبل الجديد. وشهد الميدان خلال الثورة محاولة من النظام السابق لتحويله إلى هايد بارك، أي صراخ وبوح بلا معنى، كما شهد محاولات انتهازية من جانب بعض السياسيين العواجيز الذين يطرحون أنفسهم لقيادة مصر، فكل من يحاول إضفاء قيمة لنفسه لبواعث انتهازية يحاول الانتساب إلى الميدان. وحاول بعض السياسيين الطامعين في وراثة مصر ورئاستها الترويج وتسليط الأضواء على أنفسهم من خلال زيارة سريعة للميدان تحت أضواء الكاميرات وفي حضور الصحافة المحلية والعالمية.

 أما أولئك البسطاء الذين جاءوا من كل فج في بر مصر، وأقاموا لأكثر من أسبوعين، وعانوا قضاء الحاجة وبرودة الطقس وسقوط الأمطار وهجوم ميليشيات المافيا الحاكمة ولصوص المال العام وهجوم البغال فقد تواروا فور انتهاء الثورة، هذا جرى كثيرا، بعد زوال الخطر يتزايد الانتهازيون ويختفي الصناع الحقيقيون للأحداث، عانينا ذلك زمن الحرب، بعد فتح الطريق إثر انتهاء حصار السويس، دخلت المدينة يوم التاسع عشر من يناير عام 1974، ولولا أنني أعرف الأبطال الذين منعوا العدو الإسرائيلي من دخول السويس لاستغرقتني حكايات غير حقيقية بعضها من الذين لم يحضروا الحصار الذي استمر مائة وأربعة وثلاثين يومًا.

صار الميدان مصدرًا للفخر، ومنطلقًا لاكتساب الشرعية والوجاهة الثورية، صار قلبا ينبض بالمعاني الجليلة بعد انصهار مكونات الشعب المصري وتألقها، هذا الحشد الرهيب لم يحدث فيه واقعة تحرش أو سرقة أو اعتداء إجرامي، اقتسم المصريون زادهم القليل، وكان كثيرون يجيئون بالبطاطين والطعام، يضعونه في قلب الميدان وينصرفون، فلا يبادر أحد ولا يزاحم شخص آخر، نظام افتقدناه في الأيام العادية.

من الأمور المؤثرة، ذلك التلاحم الفريد بين الجيش والشعب، ولعلها المرة الأولى في تاريخ الثورات، أن نشهد دبابات الجيش الذي أرسله الحاكم لقمع الثورة تحمل شعارات إسقاطه، ولم يسع الجنود لإزالتها، بل احتفظوا بها، وكانت الدبابات تمشي وفوقها رجال ونساء وأطفال، الميدان الذي أصبح بؤرة للثورة وجد به الأطفال من مختلف الأعمار مع ذويهم، لعلها الثورة الوحيدة في العالم التي ذهبت إلى مكان الخطر فيها أسر كاملة صحبت الوضع.

والإحساس الأسري قديم في مصر، فالمجتمع المصري تأسس على وحدة الأسرة.

وفي المتحف المصري الذي حماه المصريون من النهب في الليلة المروعة التي انسحبت فيها الشرطة بتدبير إجرامي من قادة الحزب الوطني الحاكم، داخل المتحف سنرى تماثيل عمرها ستة آلاف عام، الأب والأم وبين لمسة أياديهما الحانية يقف الأطفال، وفي الأحياء الشعبية يضع الباعة الجائلون صور أطفالهم على عربات اليد التي يدفعونها ويجولون بها طلبًا للرزق. بعد أن أعلن اللواء عمر سليمان نائب الرئيس السابق بيان التخلي، سادت لحظات أسطورية من الفرح الإنساني النبيل، إحدى السيدات المنتقبات المعتصمات مع أسرتها اندفعت ترقص بحماس عند إذاعة البيان، شقيقتها حاولت تنبيهها إلا أن زوجها صاح: خليها تفرح، أما أمام القصر الرئاسي فكان المشهد فيه الإحساس بخصوصية التاريخ واستثنائيته، وقد عاينت ذلك بحضوري.

 الآن أمر بميدان التحرير فأرى معالمه قد اكتسبت قيمة رمزية ومعنوية لم تكن موجودة قبل الثورة، دائمًا أقول إن أنفاس البشر العابرين تترك أثرًا في المكان، ولسوف يظل الميدان رمزًا ومركزًا للثورة الإنسانية ضد الظلم والفساد، المتحف المصري مركز للذاكرة الوطنية، ومجمع التحرير أحد رموز الدولة والإدارة، ومبنى الجامعة العربية الذي شيده جمال عبدالناصر في الستينيات على الطراز العربي، ومبنى الجامعة الأمريكية الذي ينتمي إلى أحد باشوات العصر الملكي.

وعلى مقربة مقهى علي بابا الذي كان مقرًا لنجيب محفوظ يلتقي فيه الناس والصحفيين وأهل السبيل، ما أتمناه قيام نُصب في قلب الميدان يخلد شهداء الثورة والذين يتجاوز عددهم الألف، نُصب ينتقل من عصر إلى عصر ويجسد ما يمكن أن يقدم عليه الإنسان في مواجهة الفساد والظلم.

المصدر : مجلة العربي الكويتية