باحثة البادية : الأديبة ملك حفني ناصف

بتاريخ : 12-01-1431 الموافق Dec 29 2009 2:00AM
عدد الزيارات : 1152

بقلم الأستاذة : إيمان الوزير
نرتحل إلى أرض الكنانة التي أوصى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بأهلها خيراً نغرف من نيلها غرفة لوجه نسائي يعد علماً من أعلام النهضة ورائدة من رائدات إصلاح أحوال النساء.. ابنة عالم جليل يعتبر من كبار رجال النهضة الأدبية.. وممن أرسوا دعائمها على هدي الإسلام الحنيف.. إنها ملك حفني ناصف.
كان والدها حفني ناصف قد عمل بالقضاء وساهم في إنشاء الجامعة الأهلية التي عرفت فيما بعد بجامعة القاهرة.. وقد ختم حياته بعمل جليل هو كتابة المصحف الشريف على الرسم العثماني ووضع له قواعد الإملاء الخاصة به.. كان هذا الجو مرتعاً جميلاً وينبوعاً صافياً وتربة علمية خصبة تربت في أحضانها ملك حفني ناصف.
ولدت ملك في عام 1886م بالقاهرة ، فكان والدها هو معلمها الأول الذي نهلت على يديه من علوم القرآن ودروس اللغة العربية الكثير.. ثم التحقت بالمدرسة السنية وهي المدرسة الوحيدة التي كانت آنذاك لتعليم البنات في مصر.. فتدرجت عبر سلمها الدراسي حتى حصلت على شهادتها في التعليم العالي فكانت من أوائل المصريات اللواتي حصلن على هذه الشهادة.
لم تتجاوز ملك حفني ناصف سن السابعة عشر حين تفجرت مواهبها الشعرية والأدبية فبدأت بنشر مقالاتها في جريدة (المؤيد) وأظهرت منذ حروفها الأولى اهتماماً بأترابها من الفتيات ترنو إلى إخراجهن من عالم الجهل الذي اعترى حياة المرأة أبان تلك الحقبة.
بعد أن نالت ملك حفني ناصف شهادتها العليا التحقت بالمدرسة السنية كمعلمة فيها فأخذت على عاتقها تحقيق هدفها بتعليم المرأة.. ولاحظت من خلال ممارساتها التعليمية أن الجوانب الاجتماعية والبيئية تلعب دوراً مهماً في حجم الظلام الذي عاشته المرأة فوضعت نصب عينيها تحقيق هدف أكبر من تعليم المرأة وهو الإصلاح الاجتماعي.. وراحت تحث العائلات التي تعرفها على ضرورة تعليم فتياتهن ثم جعلت من نفسها نموذجاً حياً للفتاة المتعلمة الواعية التي تحافظ على أخلاقها ودينها مدعمة أفكارها وآراءها بالمقالات والقصائد التي ثابرت على نشرها في الصحف المصرية.
كانت ملك حفني ناصف شاهداً معاصراً للمعركة القلمية التي احتدمت عريكتها في الفترة الأولى من القرن العشرين بين دعاة السفور من أرباب الأقلام المتفرنجة وبين دعاة الحجاب من أرباب الإصلاح في الإطار الإسلامي.. فجندت ملك قلمها وفكرها وثقافتها الواسعة لخوض المعركة مدافعة عن الدين.. متمسكة بحجابها تشحن سيفها بآيات كتاب الله الكريم لتثبت بالنصوص الشرعية أهمية الحجاب مدحضة آراء الزاعمين بأن الحجاب معوق في إصلاح المرأة وحجر عثرة في طريق رقيها ، وكان من أبرز الآراء التي قالتها : (إن الأمم الأوربية التي تساوت في السفور ، لم يكن تقدمها في مستوى واحد فمنها الأمم القوية ومنها الأمم الضعيفة، فلماذا لم يسوّ السفور بينها جميعاً في مضمار التقدم ، إذا كان هو الأساس للرقيّ كما يزعم هؤلاء).
في عام 1907م تزوجت ملك حفني ناصف من عبد الستار الباسل رئيس قبيلة الرماح بالفيوم ، ومنذ ذاك اليوم أطلقت على نفسها لقب (باحثة البادية) إذ تركت التعليم بالمدارس واشتغلت بالتعليم العملي في بيت زوجها.. تباشر أعمالها المنزلية بنفسها لتكون قدوة لغيرها من السيدات اللواتي تركن أعمال منازلهن للخادمات فأوقعن بيوتهن في البلاء وأزواجهن في الشقاء.. فكانت رحمها الله إذا ما فرغت من أعمالها المنزلية عكفت على قراءة الكتب النافعة وكتابة مقالاتها والقيام بزيارات لمدارس البنات تتفحص خلالها مناهج التعليم وتقدم النصح والإرشاد لتطوير تعليم المرأة بما ينفعها.. أخذت ملك حفني ناصف على عاتقها آراء في تعليم المرأة وأيدت قيام المرأة بأعمال الرجال بما لا يتنافى مع الدين الإسلامي.. نظرت ملك إلى زينة المرأة نظرة اتزان لا تأخذ من المرأة جل اهتمامها فتدنو بها إلى السخافة والتفاهة وتصير عبئاً تنوء عن حمله جيوب الرجال، وأن تكون وسيلة للاستحسان لا غاية منتهى ألباب النساء.
نجحت ملك حفني ناصف في تحويل حياتها الاجتماعية إلى ناد ثقافي، وقد ساعدتها اللغات الأجنبية التي أجادتها على ذلك فصار بيتها موئلاً تقصده النساء الغربيات والشرقيات على السواء للاطلاع على ثقافة المرأة المسلمة وفكرها المستنير.. وقد شهدت لها العديد من النساء الغربيات اللواتي زرنها على مدى دورها في تصحيح صورتهن عن المرأة المسلمة من خلال خطبها ومقالاتها ولقاءاتها.. فكانت ملك وسطاً بين أفكار المتقوقعين الجامدين المتطرفين وبين أولئك المتفرنجين الداعين إلى السفور وإخراج المرأة من فلكها الإسلامي.
نجحت ملك حفني ناصف في تأسيس اتحاد النساء التهذيبي ووضعت له برنامجاً يقوم على التثقيف ونشر الوعي واستغلال طاقات المرأة لخدمة الأمة فكانت باكورة أعمالها في هذا المجال جمع التبرعات لمنكوبي طرابلس من ضحايا الاستعمار الفاشي.. كما ساهمت في تأسيس مدرسة التمريض على غرار الصليب الأحمر العالمي.
وكان أعظم ما ساهمت به ملك حفني ناصف الورقة التي قدمتها لمؤتمر مصري عن مقترحاتها حول إصلاح المرأة ضمنتها ما تراه واجباً للنهوض بالمرأة من حيث تعليم البنات الدين الإسلامي الصحيح ، وإنشاء مدارس ابتدائية وثانوية خاصة بالفتيات ، وإضافة تعليم التدبير المنزلي على أسس وقواعد سليمة.. وفتح المجال للنساء لتعلم الطب.. وإقامة معاهد لإعداد المعلمات لتتولى المرأة مهمة تعليم البنات في مصر.
تركت ملك حفني ناصف تراثاً خالداً تجلى في كتابها (النسائيات) وهو مجموعة مقالات وخطب خاصة بالمرأة ..وكتاب (حقوق النساء) الذي لم يطبع ، وقد أنجزت منه ثلاثة مقالات جميعها عن الموازنة بين المرأة المسلمة والمرأة المتمدنة الغربية في الحقوق المالية والإدارية والانتخابات .. كما شرعت في ترجمة حياة السيدة خديجة بنت خويلد لكن إرادة الله لم تمهلها فقد وافتها المنية عن عمر يناهز الثانية والثلاثين من السنين الحافلة بالجد والعمل الدؤوب.. ولعمري لو مد في عمرها لعلا نجمها وربما اختصرت على المرأة المسلمة خطوات في طريق إصلاحها.
هذه ملك حفني ناصف باحثة البادية التي أطلت على العالم المتمدن بحجابها وأخلاقها ومبادئها الإسلامية فانطلقت تبحث عن المرأة.. تجند قلمها وطاقاتها المقالية والشعرية والخطابية لخدمة الأمة الإسلامية.
ولم أنس ملك الشاعرة التي نثرت دررها القليلة لخدمة فكرها فأحببت أن أختم هذا المقال بأبيات لها عن الحياء.
                إن الفتاة حديقــة وحياؤهـــــــا        كالماء موقوفاً عليه بقاؤهـــــــا 
                بفروعها تجري الحياة فتكتسي       حللاً يروق الناظرات رواؤهـــــا
                إيمانها بالله أحسن حليـــــــــــة       فيها ، فإما ضاع ، ضاع بهاؤهـا
                لا خير في حسن الفتاة وعلمها       إن كان في غير الصلاح رضاؤها
                فجمالها وقف عليهــا إنمـــــــا        للناس منها دينها ووفاؤهــــــــــا
مجلة المنار ، العدد 83 ، جمادى الآخرة 1425هـ.



اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك