الغزو المغولي للمشرق الإسلامي (4/8) : سقوط بغداد

الكاتب : د.خالد بن محمد الغيث بتاريخ : 27-06-1432 الموافق May 31 2011 22:03:47
عدد الزيارات : 187

وبذلك أصبح النصير الطوسي من أشد المقربين لهولاكو ، بعد ذلك توجه هولاكو في سنة ( خمس وخمسين وتسعمائة) لاحتلال بغداد ، لكنه كان متردداً في ذلك لأن أحد المنجمين حذره من عواقب مهاجمة خليفة المسلمين ، لكن نصير الشرك الطوسي فند كلام ذلك المنجم وقوى عزم هولاكو لإسقاط الخلافة العباسية .

وعن حقيقة الدور الذي قام به الطوسي لإسقاط الخلافة العباسية والانتقام من أهل السنة والجماعة ، يقول ابن القيم رحمه الله : ( لما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد ، وزير الملاحدة ، النصير الطوسي ، وزير هولاكو ، شفى نفسه من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأهل دينه، فعرضهم على السيف ، حتى شفى إخوانه الملاحدة ، واستشفى هو ، فقتل الخليفة ، والقضاة ، والفقهاء ، والمحدثين ، واستبقى الفلاسفة ، والمنجمين ، والطبائعيين ، والسحرة ... ).

كذلك قام الطوسي باستمالة الوزير ابن العلقمي وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله وحسن له خيانته والتعاون مع المغول ، وعن خيانة ابن العلقمي يقول الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن العلقمي : ( الوزير الكبير ، والخنزير ، المُدبِر ، المبير ، مؤيد الدين ابن العلقمي ، البغدادي ، الشيعي ، الرافضي ... كان في قلبه غل على الإسلام وأهله ، فأخذ يكاتب التتار ، ويتخذ عندهم يداً ليتمكن من أغراضه الملعونة. وهو الذي جرأ هولاكو ، وقوى عزمه على المجيء ، وقرر معه لنفسه أموراً انعكست عليه ، وندم حيث لا ينفع الندم ...

ولي الوزارة للتتار على بغداد مشاركاً لغيره ، ثم مرض ولم تطل مدته ، ومات غماً وغبناً ... حتف أنفه ، وما ذاك إلا ليدخر له النكال في الآخرة).

كذلك كان هناك شخص آخر خان الأمة وتعاون مع المغول وهو الملك الرحيم بدر الدين صاحب الموصل ، وعنه يقول الذهبي : ( ذهب إلى هولاكو ، ودخل في طاعته ، وأعانه على مراده ، فأقره على بلده ، وقرر عليه ذهباً كثيراً في السنة).

وعن مظاهر العبث التي كان عليها صاحب الموصل يقول الذهبي: ( ولما رأى أن جاره مظفر الدين صاحب إربل يتغالى في أمر المولد النبوي ، ويغرم عليه في العام أموالاً عظيمة ، ويظهر الفرح والزينة ، عمد هو إلى يوم في السنة ، وهو عيد الشعانين الذي للنصارى ، فعمل فيه من اللهو والخمور والمغاني ما يضاهي المولد ... ( إلى أن قال) : ومقته أهل العلم والدين على تعظيمه أعياد الكفر ، وعلى أمور أخرى).

وفي شهر محرم من سنة (ست وخمسين وستمائة) أحاطت الجيوش المغولية بقيادة هولاكو عاصمة العباسيين ، تلك العاصمة التي كانت تمور بالفتن السياسية والطائفية ، ويحكمها مجموعة من الساسة الذين آثروا مصالحهم الشخصية على مصلحة الأمة ، حيث عملوا بعد وفاة الخليفة العباسي المستنصر بالله في سنة (أربعين وستمائة) على استبعاد أخيه القوي ( الخفاجي) وجاؤوا بالمستعصم بالله ابن المستنصر ونصبوه خليفة على المسلمين.

وفي ذلك يقول الذهبي : ( فلما توفي المستنصر لم ير الكبار تقليد الخفاجي الأمر ، وخافوا منه ، وآثروا المستعصم لما يعلمون من لينه وانقياده ، وضعف رأيه ، ليكون الأمر إليهم. فأقاموا المستعصم ، ثم ركن إلى وزيره ابن العلقمي ، فأهلك الحرث والنسل ، وحسن له جمع الأموال ، والاقتصار على بعض العساكر ، وقطع الأكثر. فوافقه على ذلك. وكان فيه شح ، وقلة معرفة ، وعدم تدبير ، وحب للمال ، وإهمال للأمور، وكان يتكل على غيره ، ويقدم على ما لا يليق وعلى ما يستقبح، وكان يلعب بالحمام ، ويهمل أمر الإسلام ، وابن العلقمي يلعب به كيف أراد ، ولا يطلعه على الأخبار. وإذا جاءته نصيحة في السر أطلع عليها ابن العلقمي ، ليقضى الله أمراً كان مفعولاً).

أما عن سبب إقدام ابن العلقمي على تلك الخيانة العظمى فيحدثنا ابن كثير رحمه الله فيقول : ( وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية ، وأن يظهر البدعة الرافضة ، وأن يقيم خليفة من الفاطميين).

على أية حال فإنه في اليوم الرابع عشر من شهر محرم خرج ابن العلقمي من بغداد لمقابلة هولاكو بحجة ترتيب أمور الصلح ، وكان ينهى الناس عن رمي السهام على المغول ويقول : ( سوف يقع الصلح إن شاء الله فلا تحاربوا ، هذا وعساكر المغول يبالغون في الرمي).

وفي اليوم الحادي والعشرين من المحرم تمكن المغول من الصعود على سور المدينة.

وفي اليوم السابع والعشرين من المحرم عاد ابن العلقمي من عند هولاكو وقال للخليفة : ( إن هولاكو يرغب في مصاهرتك ، ويريد أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ، وسيبقيك على منصبك ، ولا يريد إلا أن تكون الطاعة له ، كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية ، وينصرف عنك بجيوشه ، والرأي أن يجيبه مولانا إلى هذا ، لأن فيه حقن دماء المسلمين ، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد، والمصلحة أن يخرج مولانا إليه).

عند ذلك خرج المستعصم بالله في جمع من الأعيان للقاء هولاكو ، وأما من تأخر عن الخروج فقد تكفل ابن العلقمي بإقناعهم بالخروج لحضور عقد قران ابن الخليفة ، فخرج قرابة السبعمائة ، وقيل : ثلاثة آلاف من الأعيان قتلوا جميعاً خارج بغداد.

وفي اليوم الرابع من شهر صفر دخل هولاكو بغداد بصحبة الخليفة ، وتوجه معه إلى قصر الخلافة وأجلسه في مجلس الخليفة ، فقال له هولاكو : ( إنك مضيف ونحن الضيوف ، فهيا أحضر ما يليق بنا ، فأخرج لهم من الأموال والجواهر والحلي ، والزركش ، والثياب ، وأواني الذهب والفضة ، والأعلاق النفيسة جملة عظيمة. بعد ذلك وضع هولاكو أمام الخليفة طبقاً مملوءاً بالذهب وقال له: كل ، فأجابه ، إن هذا لا يؤكل، فقال له هولاكو : لقد بذل الملوك الآخرون الذهب والفضة لدفع الأعداء عن بلادهم ، ومساعدة شعبهم ، بينما لم تفعل أنت شيئاً، قل لي : أي رجل أنت ؟ وأي عقل تحمل ؟ ثم قال له : وأين خزائنك الدفينة ؟ فأراه حوضاً في ساحة القصر مملوءاً بالذهب الأحمر، كله سبائك).

وقصارى القول كما ذكر الهمذاني مؤرخ المغول: ( إن كل ما كان الخلفاء قد جمعوه خلال خمسة قرون ، أخذه المغول بأيام).

وأورد الذهبي: ( أنه كان قد مشى حال الخليفة بأن يكون للتتار نصف دخل البلاد ، وما بقي شيء أن يتم ذلك ، وإنما الوزير ابن العلقمي قال : ما هذه مصلحة ، والمصلحة قتله ، وإلا ما يتم ملك العراق).

عند ذلك عزم هولاكو على قتل الخليفة ، وعن كيفية قتله يقول الذهبي : ( وقتلوا الخليفة خنقاً ، وقيل غموه في بساط حتى مات ، والأشهر أنه رفس حتى خرجت روحه).
بعد ذلك قتلوا أبا العباس أحمد الابن الأكبر للخليفة ، ثم أبا الفضل عبد الرحمن، وهو الابن الأوسط للخليفة ، وأما ولد الخليفة الأصغر مبارك ، وبنات الخليفة فاطمة وخديجة ومريم ، فإنهم لم يقتلوا بل أسروا ، وأخذهم المغول معهم إلى بلاد العجم ، فإنا لله وإنا لله إليه راجعون.

وعن فاطمة ابنة المستعصم يقول الذهبي : ( ماتت في سنة ثمان وخمسين وستمائة ، غريبة ، أسيرة ببخارى ، في دار الشيخ شرف الدين الباخرزي ، استنقذها من العدو ، وشيعها الخلق).

وبعد قتل الخليفة قاموا بقتل أعمام الخليفة وأنسابه عن آخرهم ، ولم يكتف المغول بذلك تجاه بني العباس ، بل دخلوا مقابر خلفاء بني العباس ، ونبشوا قبور الخلفاء ، وفي ذلك يقول الواعظ محمد بن عبيد الله الكوفي وقد شاهد تلك المأساة :

إن ترد عبرة فتلك بنو العبـ *** ــاس حلت عليهم الآفات
استبيح الحريم إذ قتل الأحـ *** ــياء منهم وأحرق الأموات

إنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الخامس من شهر صفر وضع المغول السيف في أهل بغداد ، وما زالوا في قتل ونهب وأسر ، وتعذيب الناس بأنواع العذاب ، واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب مدة أربعين يوماً.

وعن هذه المصيبة يقول السبكي رحمه الله: ( وانتهك الحرم من بيت الخليفة وغيره ، وأريقت الخمور في المساجد والجوامع ، ومنع المسلمون من الإعلان بالآذان ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، هذه بغداد – لم تكن دار كفر قط – قد جرى عليها هذا... وإن كان وقع في الدنيا أعظم منها ، إلا أنه أضيف له هوان الدين ، والبلاء الذي لم يختص بل عم سائر المسلمين).

هذا وقد عبر الشعراء عن تلك المصيبة التي حلت بالأمة ، ومن ذلك ما قاله ابن أبي اليسر :
لسائل الدمع عن بغداد أخبار ** فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ** فما بذاك الحمى والدار ديار
علا الصليب على أعلى منابرها ** وقام بالأمر من يحميه زنار
وهم يساقون للموت الذي شهدوا ** النار يا رب نصلاها ولا العار
آل النبي وأهل العلم قد قتلوا ** فمن ترى بعدهم تحويه أمصار



اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك