بيننا وبينك الله يا معاوية !!

الكاتب : د.خالد بن محمد الغيث بتاريخ : 27-06-1432 الموافق May 31 2011 21:51:16
عدد الزيارات : 86

يأتي إطلاق سراح المهندس سامي الحصين - الذي كان يدرس المعلوماتية في جامعة ايداهو في أمريكا- بعد جهود مضنية وحثيثة بذلتها سفارة حكومة خادم الحرمين الشريفين في واشنطن ، ليسلط الضوء على موضوع الأسرى المسلمين في فلسطين والعراق وكوبا وغيرها من البلدان..

هذا وقد أفرد الإمام ابن النحاس ( المتوفى 814هـ ) في كتابه ( مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ) باباً عن فكاك أسرى المسلمين وفدائهم والقتال لإنقاذهم ، نقتطف منه ما يلي :

قال تعالى : (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً).

قال القرطبي في التفسير : أوجب الله الجهاد لإعلاء كلمته ، وإظهار دينه ، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده ، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين ، إما بالقتال ، وإما بالأموال ، وذلك أوجب لكونها دون النفوس ، إذ هي أصون منها.

وقال الإمام مالك : يجب على الناس أن يفدوا الأسارى ، بجميع أموالهم ، وهذا لا خلاف فيه.

ويجب على المسلمين أن يواسوا الأسرى ، فإن المواساة هي دون المفاداة، روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( فكوا العاني – أي : الأسير- وأطعموا الجائع وعودوا المريض).

ومذهب الشافعي أن فداء الأسير مستحب ، ومذهب مالك وأحمد بن حنبل : فداء الأسير واجب.

وإذا دفع مبلغ للعدو مقابل فداء الأسير بإذنه ، فإن الأسير بعد فدائه يجب أن يدفع ذلك المبلغ إلى من قدمه ، عند كثير من العلماء؛ وإذا لم يكن الدفع بإذنه ، فقد أوجب بعض العلماء عليه دفع المبلغ ، وبعضهم لم يوجبه عليه !

وقال عمر بن عبد العزيز : إذا خرج الأسير المسلم يفادي نفسه فقد وجب فداؤه على المسلمين ، ولا يجوز للمسلمين رده إلى المشركين ، لأن الله تعالى يقول : (وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ).

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى : (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) : إنْ طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض العدو عون المسلمين بنفير أو مال لاستنقاذهم ، فعلى المسلمين أن يعينوهم وينقذوهم ، ولا يجوز أن يخذلوهم ، إلا أن يستنصروا المسلمين على قوم بينهم وبينهم ميثاق ، فلا يجوز أن ينصروهم في تلك الحالة، إلا أن يكون أولئك المسلمون مستضعفين ، فإن الولاية معهم قائمة ، ونصرهم واجب على المسلمين.

وقال ابن العربي : إلا أن يكونوا مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة ، حتى لا تبقى منا عين تطرف ، حتى نخرج إلى استنقاذهم ، إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم ، حتى لا يبقى لأحدنا درهم. كذا قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق ، في تركهم إخوانهم في أسر العدو ، وبأيديهم خزائن الأموال ، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد.

وفي خلافة معاوية رضي الله عنه وقع بعض المسلمين في أسر الروم ، وقام قائد من قواد الروم بلطم أحد الأسرى ، فقال المسلم : ( بيننا وبينك الله يا معاوية )، فبلغ أمر الأسرى إلى معاوية رضي الله عنه فاجتهد في فدائهم حتى فك الله أسرهم، واحتال في خطف ذلك القائد الرومي ، فلما اجتمع المسلم الأسير والقائد الرومي عند معاوية قال معاوية للمسلم : قم فالطمه كما لطمك ولا تزد ، ثم أمر رضي الله عنه بإعادة الرومي إلى دياره ، وقال له : قل لملكك تركت ملك المسلمين يقتص ممن هو على بساطك ومن خواصك.

وفي خلافة سليمان بن عبد الملك رحمه الله أغارت الروم على السواحل فسبت جماعة من المسلمين ، فغضب سليمان وقال : ما هو إلا هذا، نغزوهم ويغزونا ؛ والله لأغزونهم غزوة أفتح بها القسطنطينية أو أموت دونها.

وخرج ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى المسلمين الأسرى في القسطنطينية : ( أما بعد : فإنكم تعدون أنفسكم الأسارى ، ومعاذ الله ، بل أنتم الحبساء في سبيل الله ، واعلموا أني لست أقسم شيئاً بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأكثر من ذلك وأطيبه.. وإني قد بعثت إليكم فلان بن فلان بخمسة دنانير. ولولا أني خشيت أن يحبسها عنكم طاغية الروم لزدتكم عليها. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم ، وذكركم وأنثاكم ، وحركم ومملوككم ، بما يسأل عنه؛ فأبشروا ثم أبشروا. والسلام).

ذكر الإمام النووي أنه إذا أسر الأعداء مسلماً أو مسلمين ، فالراجح أن المسألة كدخول العدو ديار الإسلام ، لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار ، فيجب العمل على استخلاص الأسير أو الأسيرين.

ومن الأمثلة على ذلك ما حصل من المنصور بن أبي عامر أحد أعظم الملوك المسلمين في الأندلس ، فقد خرج للجهاد ضد الفرنج ، وحاربهم في عدة معارك ، وانتصر عليهم ، واضطر الفرنج إلى طلب الصلح منه.

وقد طلب المنصور منهم أن يزوجوه ابنة ملكهم ، وأن يعطوه أموالاً طائلة ، وتحفاً كثيرة ، ففعلوا. وكانت البنت في غاية الجمال ، ولما شيعها قومها طلبوا منها أن تحسن الوساطة لقومها عنده، وكانت فتاة حكيمة ، فقالت لهم : إن الجاه لا يطلب بأفخاذ النساء ، وإنما يطلب برماح الرجال !!

ولما أنهى المنصور حربه ، وعاد إلى عاصمته ، تلقته امرأة مسلمة ، وقالت له : أنت والناس يفرحون ، وأنا باكية حزينة ! قال : ولماذا ؟ قالت : ولدي أسير عند الفرنج !

فلم يذهب المنصور إلى قصره ، وإنما سير الجيوش فوراً ، وأمرهم أن يقاتلوا الفرنج حتى يخلصوا ابنها من الأسر. وجاءوا به حراً طليقاً.

فرحم الله تلك الأمم الخالية بتلك الهمم العالية ، وأثابهم على إعزاز دين الإسلام رضوانه التام في دار السلام.

ومن الأمثلة على ذلك أيضاً : أن علجاً من علوج الروم لطم امرأة مسلمة أسيرة من عمورية، فصاحت المرأة المسلمة : وامعتصماه. واستنجدت بالخليفة العباسي المعتصم ! ولما سمع المعتصم باستغاثتها جهز جيشاً كبيراً، وتوجه نحو عمورية ، وحارب الروم ، وأنقذ المرأة المسلمة من الأسر !

وهكذا فليكن إعزاز الدين ، ومثل هذا ينبغي أن تكون أئمة المسلمين.. اللهم لا تحرمه أجر هذه المهمة ، وأثبه على ما كان عليه بكشف تلك الغمة !

وكان في مدينة أنطاكية عدد من أسرى المسلمين ، وكانت تحت سيطرة الروم ، فغزاها المسلمون ، وافتتحوها ، وأخضعوها لسلطان المسلمين ، وأنقذوا من فيها من المسلمين !

وأخذ الصليبيون خمسمائة أسير من المسلمين ، وسجنوهم في مدينة الرها ، فغزا السلطان عماد الدين زنكي مدينة الرها ، ونصره الله على الصليبيين فيها ، وخلص المسلمين الأسرى من الأسر.

وذكر العماد الكاتب أن السلطان صلاح الدين الأيوبي لما انتصر على الصليبيين في معركة حطين خلص أكثر من عشرين ألف أسير من المسلمين ، وأسر من الصليبيين مائة ألف أسير) انتهى.

اللهم نسألك لأسرى المسلمين حيث كانوا ، أن تفك أسرهم ، وتعجل فرجهم ، و تقر أعينهم بحسن العاقبة والمنقلب إلى أهليهم وديارهم مع عز الإسلام وصلاح شأن المسلمين.. آمين.


اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك