شبهات حول عصر الصحابة (2) : منهج دراسة عصر الصحابة رضوان الله عليهم

الكاتب : د.خالد بن محمد الغيث بتاريخ : 27-06-1432 الموافق May 31 2011 21:48:41
عدد الزيارات : 638

لما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم نقلة هذا الدين فقد توجهت إليهم سهام الزنادقة في كل عصر للنيل منهم.
 
وفي ذلك يقول أبو زرعةالرازي – رحمه الله : ( إذا رأيت الرجل يتنقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن ، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة).
 
كما تحدث الطحاوي – رحمه الله - عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
 
والنيل من الصحابة - رضوان الله عليهم – ليس مقصوداً لذاته فقط ، بل إن الهدف الأهم لدى الزنادقة هو النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الطعن في أصحابه – رضوان الله عليهم – وفي ذلك يقول مالك - رحمه الله: ( إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال : رجل سوء ، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين).
 
هذا وتعد كتب التاريخ والأدب أوسع باب دخل منه أعداء الإسلام للنيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ساعدهم في تنفيذ مآربهم ذلك الكم الهائل من الروايات الضعيفة والمكذوبة المنتشرة في المصادر التاريخية والأدبية عن عصر الصحابة - رضوان الله عليهم.
 
من أجل ذلك كله وجدت أن أفضل منهج لدراسة عصر الصحابة – رضوان الله عليهم – هو المنهج النقدي لدى المحدثين – رحمهم الله – لكونه يجمع بين الضوابط الشرعية والمنهجية العلمية ، هذا مع الاستفادة في الوقت نفسه من منهج النقد التاريخي.
 
وعلى أية حال ، ومن دون الدخول في تفاصيل علمية جافة ، فإنه يمكن تلخيص الخطوط العريضة لهذا المنهج بالنقاط التالية:
 
أولاً : وهي نقطة مهمة ينبغي للمسلم أن يتنبه لها في كل عمل من أعماله ، ألا وهي : إخلاص النية لله سبحانه وتعالى ، إذ ببركة الإخلاص يفتح الله سبحانه وتعالى على العبد كثيراً من الأمور التي تستغلق عليه.
 
ثانياً : معرفة أن المصادر التاريخية أشبه ما تكون بالمواد الخام التي تحتاج إلى التكرير والتصفية قبل الاستفادة منها ، وذلك أن مؤلفيها لم يشترطوا الصحة فيما يدونونه من أخبار ، بل ساروا في عملية التدوين على منهج الجمع ، فجمعوا في كتبهم الغث والسمين من الأخبار ، وهذه النقطة مع الأسف تجاهلها كثير من الباحثين المعاصرين ، وراحوا يتعاملون مع المصادر التاريخية وما فيها من نصوص على أنها من المسلمات ، وهذا بلا شك انعكس بدوره على النتائج التي توصلوا إليها في أبحاثهم.
 
فالإمام الطبري – رحمه الله – على سبيل المثال قد سار في تاريخه على منهج الجمع فقيد في تاريخه الغث والسمين من الأخبار، دون اشتراط الصحة في ذلك ، بل إنه – رحمه الله - قد أشار إلى هذه المسألة في مقدمته حيث قال : ( فما يكن في كتابي من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه ، أو يستشنعه سامعه ، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ، ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا).
 
إن الاعتماد على مجرد النقل من المصادر دون نقد ، أو تمحيص أمر لا تحمد عقباه، لذا فقد حذر منه العلماء ، وفي ذلك يقول ابن خلدون – رحمه الله : ( وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل ، من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً).
 
والنقل من المصادر التاريخية دون نقد أو تمحيص آفة كثير من البحوث ، وسببه عدم مراعاة المنهج العلمي في التعامل مع النصوص التاريخية ، وفي ذلك يقول ابن خلدون – رحمه الله : ( أما بعد ، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال... وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ... إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال ، وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق).
 
ثالثاً : دراسة ميول مؤلفي المصادر ومعرفة توجهاتهم العقدية ، لما لذلك من تأثير في مصداقية ما ينقلونه من أخبار.
 
رابعاً : فيما يتعلق بالروايات المسندة فإنه من الأهمية بمكان دراسة رجال إسناد كل رواية ومعرفة أحوالهم جرحاً وتعديلاً ، وذلك إن ميول الرواة ، سواء منها : القبلية ، أو السياسية ، أو العقدية ، تؤثر بلا شك على مصداقية ما ينقلونه من أخبار ؛ وفي ذلك يقول محمد بن سيرين – رحمه الله - : (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم).
 
كما تحدث عبد الله بن المبارك - رحمه الله - عن أهمية الإسناد فقال : (الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).
 
وهنا يجدر التنبيه على أن المحدثين قد وضعوا معايير علمية دقيقة في تجريح أو تعديل الرواة ، مراعين في ذلك طبيعة الخبر المروي ، وميول راوي الخبر.
 
خامساً : فيما يتعلق بمتن الراوية ، مسندة كانت أم غير مسندة ، فينبغي مراعاة الأمور التالية :
 
1- خلو النص من المخالفات العقدية والشرعية.
 
2- خلو النص من الأمور القادحة بعدالة الصحابة – رضوان الله عليهم – وذلك لثبوت عدالتهم في الكتاب والسنة. وعن عدالة الصحابة – رضي الله عنهم – يقول الخطيب البغدادي – رحمه الله : (على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء ، لأوجبت الحال التي كانوا عليها ، من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين ، القطع على عدالتهم ، والاعتقاد بنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين ، والمزكين ، الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين ، هذا مذهب كافة العلماء ، ومن يعتد بقوله من الفقهاء).
 
كما تحدث الذهبي – رحمه الله - عن عدالتهم فقال : ( فأما الصحابة – رضي الله عنه – فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما جرى ، إذ على عدالتهم ، وقبول ما نقوله العمل ، وبه ندين الله تعالى).
 
3- إن مجتمع الصحابة – رضوان الله عليهم – وهو خير القرون كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو المجتمع الذي تخرج من مدرسة النبوة ، لذا فإن أحوال ذلك المجتمع ما هي إلا انعكاس لأخلاقيات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين كانوا أول المخاطبين بقوله تعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).
 
أما من ينظر إلى ذلك المجتمع من خلال كتب الأدب فقد ظلم نفسه ، وظلم معها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.
 
وحتى يعلم القراء الكرام بحجم جناية بعض كتب الأدب على مجتمع الصحابة - رضوان الله عليهم – فإني أحيلهم إلى الرسالة العلمية الجادة التي ألفها د.عبدالله الخلف ، والموسومة بـ ( مجتمع الحجاز في العصر الأموي بين الآثار الأدبية والمصادر التاريخية). وهي رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .
 
 
سادساً : الاستعانة بالأدلة العقلية لرفع الظلم عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 
سابعاً : اعتماد كتب السنة مصدراً أساسياً لدراسة عصر الصحابة – رضوان الله عليهم – وذلك لاحتوائها على عشرات النصوص التاريخية التي يندر وجودها في كتب التاريخ ، وهذه الخطوة بالرغم من توسيعها لقاعدة المصادر ، فقد غفل عنها كثير من الباحثين المعاصرين ، وهذا بدوره قد انعكس سلباً على مستوى أبحاثهم.
 
وللدلالة على أن كتب السنة تعد منجماً غنياً بالنصوص التاريخية ، فإني أحيل القراء الكرام إلى رسالتين علميتين تؤكدان هذا المعنى.
 
الرسالة الأولى : للدكتور / يحيى اليحيى ، وعنوانها : (الروايات التاريخية عن الخلافة الراشدة والدولة الأموية في فتح الباري ، جمعاً وتوثيقاً) وهي رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية.
 
الرسالة الثانية : للدكتور / سعد الموسى ، وعنوانها : (النصوص التاريخية في مسند الإمام أحمد ، عن عصر الخلافة الراشدة) وهي رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى.
 
ومن أجل التوسع في معرفة تفاصيل هذا المنهج فيمكنكم الرجوع إلى الأبحاث والكتب التالية :
 
1- د. أكرم ضياء العمري : منهج النقد عن المحدثين مقارناً بالمثيولوجيا الغربية.
2- د. أكرم ضياء العمري : دراسات تاريخية.
3- د. محمد مصطفى الأعظمي : منهج النقد عند المحدثين.
4- د. مسفر الدميني : مقاييس نقد متون السنة.
5- د. محمد السلمي : منهج كتابة التاريخ الإسلامي.
6- د. محمد السلمي : منهج نقد الروايات التاريخية.
7- د. أسد رستم : مصطلح التاريخ.
 
وإتماماً للفائدة فإنني أحيل القراء الكرام إلى مجموعة من الرسائل العلمية التي طبقت هذا المنهج كلياً ، أو جزئياً ، في الجامعات السعودية ، وفيما يلي قائمة بأسماء بعض تلك الرسائل :
 
1- د.يحيى اليحيى : مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري عن عصر الخلافة الراشدة ، دراسة نقدية. وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
2- د. عبدالعزيز المقبل : خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – من خلال كتب السنة والتاريخ ، دراسة نقدية للروايات. وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
3- د.عبدالسلام آل عيسى : المرويات الواردة في شخصية عمر – رضي الله عنه – وسياسته الإدارية ، دارسة نقدية للروايات ، وهي رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية.
 
4- د. محمد الغبان : فتنة مقتل عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
5- د. محمد العواجي : خلافة عثمان – رضي الله عنه – (باستثناء الفتنة) من خلال كتب السنة والتاريخ ، دراسة نقدية. وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
6- د.عبدالحميد فقيهي : خلافة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – دراسة نقدية للروايات. وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
7- د.محمد الشيباني : مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية ، دراسة نقدية للروايات. وهي رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية.
 
8- د. عبد العزيز ولي : أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري . وهي رسالة دكتوراه من الجامعة الإسلامية.
 
9- د.خالد يماني : مرويات عمر بن شبه في تاريخ الطبري عن عصر الخلافة الراشدة ، دراسة نقدية. وهي رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى.
 
10- د.عبدالله حيدر : مرويات ابن إسحاق في تاريخ الطبري عن عصر الخلافة الراشدة ، دراسة نقدية ، وهي رسالة ماجستير من جامعة أم القرى.
 
11- د. خالد الغيث : استشهاد عثمان – رضي الله عنه – ووقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري، دراسة نقدية. وهي رسالة ما جستير من جامعة أم القرى.
 
12- د. خالد الغيث : مرويات خلافة معاوية – رضي الله عنه – في تاريخ الطبري ، دراسة نقدية مقارنة . وهي رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى.
 
 
 


اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك