• الصليب وحكاياته

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 2

Mar 18 2010 8:03AM

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 2
نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 2
ذكرنا في ختام الحلقة السابقة أن بعض المسلمين قد ظن أن أسامة قد يعجز عن تحقيق الهدف المرجو من غزو الروم في ظل الظروف الحرجة التي يمرون بها لصغر سنه ، وأنهم أرسلوا لأبي بكر الصديق الرسالة عن طريق عمر ـ رضي الله عنهما ـ وأن الصديق رفض هذا العرض وقال له :ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب أستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأمرني أن أنزعه؟!! ..
وقلنا : إن الشورى من لوازم المسلمين ، ولكنها لا تعني أن نتناقش في أن : ننفذ أوامر الله ورسوله أو لا ننفذها ، وذلك لأن الشورى تهدف إلى الوصول إلى أحسن الآراء وأصوبها ، وليس ثمة أي رأي أصوب من رأي الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيء علما ، ورأي رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى عنه الوحي ، ولا ينطق عن الهوى .
ونكمل حديثا في هذه الحلقة فنقول : إن أسامة قد خرج بالجيش الذي أعده رسول الله قبل موته لغزو الروم بالشام ، وقبل رحيله قال له أبو بكر الصديق : "اصنع ما أمرك به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، ابدأ ببلاد قضاعة ، ثم ائت آبل ، ولا تقصرن من شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تعجلن لما خلفت عن عهده " (1) .
ومع إن كل حاكم جديد يحرص على أن تظهر بصماته وآراؤه بمجرد أن يلي الحكم ليحس الناس بقيمته إلا أن الصديق لم يزد على أن كلف أسامة بتنفيذ أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وخططه التي وضعها للجيش قبيل وفاته ، ولم يقل الصديق : إن الحال قد تغيرت أو أن الظروف قد تبدلت .. فليأخذ العاملون الإسلام دروسهم من هذا الموقف إن أرادوا أن يسيروا على منهاج النبوة .
وبعد أن فرغ الصديق من نصح أسامة في لقائه الخاص به خرج معه إلى معسكر الجيش، حيث أعلن النفير وسار مع الجيش وشيعه وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لتركبن أو لأنزلن، فقال أبو بكر: والله لا تنزل ولا ركبت، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله ؛ فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترتفع له ، وترفع عنه سبعمائة خطيئة !(2) ..
وللقارئ أن يتخيل كيف تكون الروح المعنوية لدى جيش يسير حاكمه الأعظم على رجليه وسط سحابة الغبار التي تغطي الجو حوله وهم ركوب على دوابهم ، ثم يحسسهم بعظم ما يقبلون عليه ، حيث يكتب لكل واحد منهم بكل خطوة سبعمائة حسنة ، ويرفع بها سبعمائة درجة ، ويحط عنه سبعمائة خطيئة .
ولما أراد الرجوع قال لأسامة: إِن رأيت أن تعينني بعمر فافعل (3) يسمع أسامة هذا الطلب من الصديق فيزداد ثقة بنفسه على ثقته ، ويسمع الجنود الذين كان بعضهم في سن زيد بن حارثة أبي أسامة فلا يفكر أحد منهم بعد ذلك في مخالفة أمره أو التعالي عليه ..
إن الكليات العسكرية قد يدرس فيها الطلاب الآن من قواعد تعظيم القائد وطاعته الكثير من المناهج والنظريات ، ولكن تلك المناهج النظرية لا تحقق ما حققه هذا الموقف التربوي من الصديق ـ رضي الله عنه ـ .
وبعد رحيل أسامة قدم على الصديق أول نذير بخطر الردة ، وهو عيينة بن حصن ومعه الأقرع بن حابس ، وكانا في رجال من أشراف العرب ، فقال له : إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام ، وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن تجعلوا لنا جعلا كفيناكم .(4) .
وكان ذلك أول اختبار يواجهه الصديق بعد رحيل جيش أسامة الذي أصر على بعثه طاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك يمكن أن يؤدي إلى شقاق بينه وبين من كانوا يخالفونه الرأي ويرون ضرورة بقائه بالمدينة في ظل تلك الظروف العصيبة ، وقد دخل بعضهم عليه ، وقالوا : نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ، ويكفيانك من وراءهما حتى يرجع إلينا أسامة وجيشه ويشتد أمرك ، فإنا اليوم قليل في كثير .(5).
أقول كان ذلك يمكن أن يؤدي إلى شقاق بين الصديق وبين من كانوا يخالفونه الرأي في بعث أسامة ، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث ، ولم نر لهذا الشقاق أثرا على الإطلاق ؛ وذلك لثقة الجميع في أن أبا بكر وإن خالف رأيهم لا يسير حسب هواه ، وإنما هو متبع لنهج الرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أعلمه به ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن كل من حوله من الصحابة كان مستعد لأن يتنازل عن رأيه لمصلحة الإسلام والمسلمين ، كما أن الصديق رغم حرصه التام على اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مستبدا ولا متعجرفا ولا متسلطا ، وإنما كان سمحا لينا هينا ..
وظهر ذلك في قوله لهؤلاء الصحابة الذين دخلوا عليه   : فهل ترون غير ذلك ؟ ( أي غير الرأي الذي اقترحوه ) قالوا : لا . قال : قد علمتم أن من عهد نبيكم إليكم المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم ، ولا نزل به الكتاب عليكم ، وأنا رجل منكم تنظرون فيما أشير به عليكم ، وإن الله لن يجمعكم على ضلالة ، فتجتمعون على الرشد في ذلك ، فأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ، وألا ترشون على الإسلام ، فنجاهد عدوه كما جاهدهم .. وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم فهذا أمر لم يغب عنه عيينة ، هو راضيه ثم جاء له (6) ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه ، أو أفناهم السيف فإلى النار ، قتلناهم على حق منعوه ، وكفر اتبعوه ، فقالوا له : أنت أفضلنا رأيا ، ورأينا لرأيك تبع . (7).
ولعلك أيها القارئ لاحظت الفرق بين موقف الصديق في إنفاذ بعث أسامة وموقفه هنا ، فموقفه من بعث أسامة تنفيذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم دون نقاش ، أما موقفه هنا فقد صرح فيه بأنه خاضع للمشورة ، وأنه مجرد رجل من بينهم غير معصوم يعرض عليهم الرأي وعليهم مناقشته ، وفي النهاية لن يجتمعوا على ضلالة ما دامت القلوب لله مخلصة .
ولم ينتظر الصديق لحظة بعد هذا القرار ، وإنما أسرع من فوره بوضع خطة لمواجهة أي خطر قد يحيق بالمدينة ، فوضع على مداخلها حراسا (وهم علي والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم ) ليراقبوا له الطرق ، وأعلن بالمدينة حالة التعبئة العامة ، وألزم الجميع بحضور المسجد .. وقال لهم : إن الأرض كافرة ، وقد رأى وفدهم ( من كان مع عيينة ) منكم قلة ، وإنكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا ، وأدناهم منكم على بريد ( مسافة بريد ) وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم ، وقد أبينا عليهم ، ونبذنا إليهم عهدهم ، فاستعدوا وأعدوا .(8).
وظل المسلمون في حالة التأهب القصوى هذه حتى عاد أسامة بجيشه بعد ستين يوما تقريبا من رحيله ظافرا غانما ، وبعوده عادت الطمأنينة إلى قلوب المسلمين بالمدينة ، وعلموا أن الصواب كان في إصرار أبي بكر على طاعة أمر رسول الله مهما كلفه من شدائد ، وذلك لأن بعث جيش أسامة قد قذف الرعب في قلوب الروم والعرب المشركين على السواء ، فالروم قالوا : لولا أن المسلمين بهم قوة ما غزونا في ديارنا في تلك الظروف العصيبة عليهم بعد فقد نبيهم ، وأما مشركو العرب أو المرتدين فقد صدموا بانتصار جيش أسامة على الروم الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا..
ولم ينتظر أبو بكر بعد عودة جيش أسامة كثيرا لأنه كان يسابق الزمن وإنما استخلف أسامة على المدينة ، وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا ظهركم ، ثم خرج هو بمن كان معه من حامية المدينة ليهاجم المرتدين في مكان يسمى بذي القصة ، فقال له من معه من الصحابة : ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك ، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام ، ومقامك أشد على العدو ، فابعث رجلا ( أي قائدا بدلا منك ) فإن أصيب أمّرت آخر ، فقال : لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي . (9).
وهناك في ذي القصة التقى بجموع المرتدين فهزمهم الله وشتت شملهم ، ثم رجع إلى المدينة ، وكان جيش أسامة قد استراح ، وثاب من حول المدينة من الأعراب ، فجيش الجميع ، وعقد أحد عشر لواء على أحد عشر جندا ، وسير كل قائد إلى ناحية من نواحي الجزيرة ، ليحارب على كل الجهات بطريقة غير معروفة ولا مألوفة .
وكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابا واحدا ، يذكرهم فيه بترك الغي والعودة إلى هدي ربهم ، وأوصى كل قائد من قواده أن يقرأه على من يمروا به ، وأمرهم ألا يقاتلوا أحدا حتى يدعونهم إلى داعية الله ، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه ، ومن لم يجب قتل وقوتل ، ولم يمر عام على ولايته إلا والجزيرة العربية كلها قد أدانت له ، وفاء أهلها إلى الله سبحانه وتعالى ، وقضي على حركة المرتدين قضاء مبرما .
ولعل هذا النصر الحاسم والسريع الذي حققه أبو بكر في تلك الفترة القصيرة جدا يعود إلى :
ـ حزم الصديق الشديد وعدم التساهل معهم .
ـ اجتماع آراء المسلمين وتوحدهم على ضرورة الحزم في مواجهتهم بعد أن بان لهم حصافة رأي الصديق ، إذ لو بقوا مختلقين تجاههم ، وتعددت الآراء حولهم ، وظهرت بين المسلمين التبريرات أو الفتاوى التي تجيز تركهم وما هم عليه لوجدوا الفرصة لتوغلهم بين الناس .
ـ سوء تصرفات زعماء المرتدين ، وخاصة من ادعى النبوة منهم ، فقد لاحظ من حولهم كذبهم ودجلهم بل وإتيانهم الأفعال المشينة ، وما ورد في أمر زواج مسيلمة الكذاب وسجاح خير دليل على ذلك ..
 والأهم من ذلك أن هؤلاء مع إفكهم لم يجرؤ أحد منهم على أن ينكر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كل ما هنالك أنهم زعموا أنهم شركاء معه في الرسالة.
ـ أن أكثر هؤلاء لم يكن لهم غاية سوى المطامع الدنيوية ، وكانت ردتهم إما طمعا في الزكاة أو امتناعا عن أدائهم ، إذ كان كثير منهم يعمل على جمع الزكاة في حياة رسول الله فلما قبض طمع فيها ، مثل عيينة بن حصن ، ومالك بن نويرة   .
وانتهت فتنة الردة بمنحة عظيمة على الإسلام ، إذ إنها محصت الناس ، ثم أكدت للمسلمين أن النصر الذي كان ينزله الله عليهم أثناء تواجد النبي صلى الله عليه وسلم رغم قلة عددهم هو ملازم لهم ما داموا على نهج النبي سائرين ، ووضحت للمسلمين فيما بعد سبل التصدي للخارجين على الإسلام ..
كما أنها أكسبت الجنود المجاهدين خبرة قتالية رائعة استفادوا بها فيما بعد في فتوحاتهم ..
 وأخيرا فإن قتل كثير من الحفاظ قي وقعة اليمامة كان تنبيها للمسلمين على ضرورة جمع القرآن الكريم في مصحف واحد بعد أن كانت كتاباته متناثرة كل سورة أو مجموعة آيات تسجل على حده ، وتلك كانت من المنح العظيمة لأنها حفظت القرآن من أن يتسرب منه شيء أو يضيع من صدور الحفظة ، حيث أمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمعه ، فأخذ يتتبعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى جمعه زيد في صحف.
وبعد الفراغ من المرتدة انطلق المجاهدون المسلمون ينشرون الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، فخرجت الجيوش الأحد عشر منطلقة بعضها في اتجاه العراق وبعضها في اتجاه الشام ، ليحاربوا على الجبهتين في توقيت واحد ، وفي أماكن عدة ، وكأن الصديق بذلك كان يسابق الزمن ـ كما قلنا من قبل ـ حتى إنه لم يسمح للجنود بالرجوع للاستراحة قليلا بعد حروب الردة.
فالدولة التي ترى نفسها محاطة بالأعداء من كل مكان لا بد لها أن تأخذ بكل أسباب القوة ، وأن تكون في كامل يقظتها وانتباهتها إن أرادت أن يكتب لها البقاء ، ولا ينبغي أن تتواكل فقط على رسالتها السمحة ، فمجتمع البشرية على مر تاريخه لا يحترم الحق إلا إذا كان الحق قويا .
وقبل أن يشرع الصديق في إرسال تلك الجيوش خطب في الناس فقال : ألا إن لكل أمر جوامع ، فمن بلغها فهي حسبه ، ومن عمل لله كفاه الله ، عليكم بالجد والقصد ، فإن القصد أبلغ ، إلا إنه لا دين لأحد لا إيمان له ، ولا أجر لمن لا حسبة له ، ولا عمل لمن لا نية له ، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به ، هي التجارة التي دل الله عليها ، ونجى بها من الخزي ، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة (10)..
هذه التعاليم التي عمل أعداء الإسلام على محوها من ذاكرتنا ، وصار من المحرم الحديث عنها أو تذكرها ، حتى غدا من يتناول الحديث عنها يبدو وكأنه شاذ لا بين الناس فقط بل بين المسلمين أنفسهم .
وقد بدأ الصديق فتوحاته بناحية العراق فأرسل خالد بن الوليد وعياض بن غنم لفتحها ، وأمر خالدا أن يدخلها من أسفلها ، وعياضا أن يدخلها من أعلاها ، ثم يستبقان إلى الحيرة ، فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه ، وقال لهما : إذا اجتمعتما بالحيرة وقد فضضتما مسالح فارس ، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليكن أحدكما ردأ للمسلمين ولصاحبه بالحيرة ، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارهم .... وجالدوهم عما في أيديهم ، واستعينوا بالله واتقوه ، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما ، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة ، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة . (11).
وقد يعجب الإنسان الآن وهو يرى العرب الذين يحيط بهم الخطر من كل مكان ، خطر اليهود الذين تجمعوا من أشتات الأرض في فلسطين ، وخطر أمريكا التي جيشت جيوش العالم وتحصنت بهم في العراق ، وخطر إيران الشيعية التي صارت تتبادل مع أمريكا واليهود الأدوار في ترهيب العرب وتخويفهم ، أقول قد يعجب الإنسان وهو يرى كل ذلك وفي نفس الوقت يرى حرص المسئولين العرب على إبعاد الناس عند دينهم يوما بعد يوم ، وكان آخرها تلك التصريحات التي نسبت لأحدهم وهو يقول فيها : إن البلاد تتجه نحو اللبرالية ، وإن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء ، وهم لا يعلمون أن الإيمان هو صمام الأمان الذي سيبقي عليهم وعلى شعوبهم ، وما تأملوا في حرص الصديق على تحصين الأمة بالإيمان وقت الأزمات وهو يقول لهم : " واستعينوا بالله واتقوه ، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما ، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعاجلة التوبة ، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة "
قام خالد بن الوليد حسب خطة الصديق بفتح الأبلة ، ودخل ميسان وما حولها من القرى، ثم سار نحو سواد العراق ، فاستولى على أراض كسكر وزندورد ، وفتح أليس ونهر الملك، وبلاد الحيرة والأنبار ، وعين التمر ، ودانت له أكثر بلاد العراق مع الحيرة في أشهر معدودة ، فجعل الصديق بعد أن جاءته نبأ تلك الانتصارات والفتوحات يقول لمن حوله : يا معشر قريش ـ يخبرهم بالذي أتاه ـ عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله ، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد؟!(12). وكم في العرب من خالد ؟!! ولكن أين الصديق الذي يجيش لخالد الجيوش ؟!!
ويلاحظ على فتوحات خالد بن الوليد بالعراق أنها اتسمت بـ :
ـ السرعة الفائقة ، فقد فتح كل بلاد الحيرة وجزءا كبيرا من سواد العراق ( الأراضي الزراعية ) في مدة قصيرة .
ـ وكان من طبيعته أنه لا يمهل العدو حتى يستعد له ، وإنما كان يعهد إلى أمرائه أن يبدءوا بدعوتهم فإن قبلوا قبلوا منهم ، وإن أبوا أن يؤجلهم يوما ، وقال : لا تمكنوا عدوكم من آذانكم ، فيتربصوا بكم الدوائر ، ولكن ناجزوهم ، ولا تردوا المسلمين عن قتال عدوهم(13). وذلك لأن رد المسلمين عن قتال عدوهم سيجرئ عدوهم عليهم هذا من جانب ، ومن جانب ثان ستدفع الغيرة على الدين وحرمات البلاد قلوب المسلمين إما إلى اليأس وإما إلى التهور واستخدام طاقتهم في غير محلها  .
ـ أنها كانت تبدأ بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، ومحاولة تأليف قلوب الناس إليه عملا بأمر الصديق :تألف أهل فارس ومن كان في ملكهم من الأمم (14).
وفي نفس الوقت إظهار القوة للخصم ، فقد كتب خالد إلى ملوك فارس قبل غزوهم يقول : سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فالحمد لله الذي فض خدمتكم ، وسلب ملككم ، ووهن كيدكم ، وإنه من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم الذي له ما لنا وعليه ما علينا ، أما بعد فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرهن ، واعتقدوا مني الذمة ، وإلا فو الذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة (15).
والمعروف أن إظهار القوة هو أفضل طريق لتحقيق النصر وبأقل خسارة ؛ لأنه يرهب العدو فلا يجعله يفكر في الاستعداد ، ويثير فيه اليأس ، وما تقوم به اليهود في ديار فلسطين الآن أظهر مثال للدلالة على ذلك ، فهم لا يفتئون يتظاهرون بقوتهم صباح مساء لتخور عزيمتنا .
ولما قرأ قادة الفرس كتاب خالد أخذوا يتعجبون من صدور هذا الكلام من العرب الذين عهدوهم أذلاء يقدمون الولاء والطاعة للفرس مقابل أن يرضوا عنهم .
وأعاد إليهم الكتاب مرة أخرى بعد فتح الحيرة ، وجعل نسخة منه إلى أمرائهم وملوكهم هذه المرة ، ونسخة أخرى تقرأ على عامة الناس ، وجاء فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس .. أما بعد فالحمد لله الذي حل نظامكم ، ووهن كيدكم ، وفرق كلمتكم ، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرا لكم ، فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ، ونجوزكم إلى غيركم ، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون ، على غلب على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة (16)..
وكتب إلى الأمراء العرب الذين كانوا يحكمون الحيرة باسم الفرس ونيابة عنهم يقول : أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين ، لكم ما لهم ، وعليكم ما عليهم ، فإن أبيتم فالجزية ( وهذه كانوا يعطونها للفرس من قبل ) فإن أبيتم الجزية فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة ، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم ، وكانت تلك الرسالة قد بعثها إليهم بعد هزيمة الفرس ورحيلهم ، فقال له أحدهم ويسمى " قبيصة بن إياس " : ما لنا بحربك من حاجة ، بل نقيم على ديننا ونعطيك الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم . (17)..
ـ البطش بالمتحدين له ليكونوا عبرة لغيرهم ، ففي وقعة أُليس وقف أمام الصف فنادى أمراء العرب الذين انحازوا على الفرس وقال : أين أبجر ؟ أين عبد الأسود ؟ أين مالك بن قيس ؟ فلم يخرج إليه أحد منهم إلا مالكا ، فبرز له متحديا ، فقال له خالد : يا ابن الخبيثة ما جرأك عليّ من بينهم وليس فيك وفاء ؟ ثم ضربه ضربة أطاحت به ، وبثت الرعب في قلوب الباقين .
وفي مقابل تلك الشدة مع المحاربين كان خالد يلين مع عوام الناس  ؛  ولا عجب فقد جاء لتحريرهم من قبضة الطغاة ، وقد أوصاه أبو بكر قبل سيره بقوله : وأقر من لم ينهض من الفلاحين ، واجعل لهم الذمة ..
 وهذه المعاملة الطيبة كانت سببا في إسراعهم إلى الدخول في الإسلام فيما بعد .
ـ أنها أظهرت للناس سماحة الإسلام وعدله ، وقد ظهر ذلك من كتب الصلح التي كانت تكتب للبلاد بعد فتحها ، من ذلك ما كتبه خالد لأهل ( بانقيا وباروسما وأليس) حيث جاء : فيه بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادى ( الذي تولى إجراء الصلح معه ) ومنزله بشاطئ الفرات إنك آمن بأمان الله ، إذ حقن دمه بإعطاء الجزية ، وقد أعطيت عن نفسك وعن أهل خرجك وجزيرتك ومن كان في قريتيك بانقيا وباروسما ألف درهم فقبلها منك ، ورضي من معي من المسلمين بها منك ، ولك ذمة الله وذمة محمد صلى الله عليه وسلم وذمة المسلمين . (18)..
وكتب إلى أهل الحيرة كتابا جاء فيه : هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديا وعمرا ابني عدي وعمرو بن عبد المسيح وإياس بن قبيصة وحيرى بن أكال ، وهم نقباء أهل الحيرة ، ورضي بذلك أهل الحيرة وأمروهم به ، عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم ، تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا ، رهبانهم وقسيسهم ، إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها ، وسائحا تاركا للدنيا ، وعلى المنعة ، فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم ، وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة . (19).
وضمن لهم مقابل تلك الجزية توفير الحاجات الأساسية لهم ، وتشييد البنية التحية لبلادهم من إقامة للسدود والكباري ، وحفر للآبار ، وتصليح للطرق ، ومد شبكة مياه الري ، وإقامة المشافي  ، ودور القضاء ، فضلا عن رواتب المعاشات التي خصصت لمن يتقدم به السن ، فقد جاء في كتاب آخر : " وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر،وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله". (20). 
وقد دفع ذلك عمرو بن عبد المسيح أحد أمراء النصارى العرب بالحيرة إلى القول : والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن ، واقبل على أهل الحيرة فقال لهم : لم أر كاليوم أمرا أوضح إقبالا. (21)..
وقد حدث أن جمع أمراء الحيرة بعض الهدايا وقدموها لخالد وجنده ، فلم يلبث خالد أن بعث بها إلى الصديق ، فكتب إلى خالد يقوله له : أن احسب لهم هديتهم من الجزية  (22)... وتلك آية الصفاء والنزاهة التي يجب أن تتعلمها البشرية من المجاهدين المسلمين ..
وصار خالد يكتب في كتب البراءات التي كانت تسلم لهم بعد تسديد ما عليهم من جزية : بسم الله الرحمن الرحيم ، براءة لمن كان من كذا وكذا من الجزية التي صالحهم عليها الأمير خالد بن الوليد ، وقد قبضت الذي صالحهم عليه خالد ، وخالد والمسلمون لكم يد على من بدل صلح خالد ما أقررتم وكففتم ، أمانكم أمان ،وصلحكم صلح ، نحن لكم على الوفاء (23).
ـ أن خالدا كان يحث المحاربين له على الإسلام حتى بعد الفراغ من الانتصار عليهم دون إكراه ، فقد خلا بأهل كل قصر من قصور الحيرة بعد فتحها من دون الآخرين وقال : ويحكم ما أنتم ؟ أعرب فما تنقمون من العرب ؟ أو عجم فما تنقمون من الإنصاف والعدل ؟ فقال له أحدهم : بل عرب عاربة وأخرى متعربة ، فقال : لو كنتم كما تقولون لم تحادونا وتكرهوا أمرنا ..
ولما رآهم مصرين على الجزية قال : تبا لكم ! ويحكم إن الكفر فلاة مضلة ، فأحمق العرب من سلكها ، فلقيه دليلان أحدهما عربي فتركه واستدل الأعجمي ..
فلما أبوا تركهم حتى يكتب الله لهم الهداية ؛ لأن الإجبار على اعتناق الإسلام ليس من نهج الإسلام ، وشهد بذلك كل من اطلع على تاريخ المسلمين من المنصفين ، فهذا توماس آرنولد يقول : "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبولالإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي " (24).
ـ أن خالدا لم ينس في زحمة المعارك وتكاثرها ، وفي ظل نشوات النصر التي تتكرر كل حين الالتزام بسنن النبي صلى الله عليه وسلم عند الفتح ، عندما أتم الله له فتح الحيرة صلى صلاة الفتح ، ثماني ركعات اقتداء بما فعله رسول الله عند دخول مكة . 
ـ أن تلك الفتوحات كانت فاتحة خير على أهل البلاد المفتوحة ، وخاصة الفقراء منهم ، فقد رفعت عنهم القيود والأغلال التي كانت مفروضة عليهم ، وصاروا يتمتعون بخيرات أرضهم التي كانوا يعملون فيها لساداتهم الإقطاعيين دون مقابل ، ومن النوادر التي حصلت في ذلك أن نوعا من التمر كان يسمى " النرسيان " كان يزرع خصيصا لملوك الفرس لما حازه المسلمون جعلوا يأكلون منه ما يشاءون ، ويوزعون منه على الفلاحين العراقيين الذين ربما تعبوا في زراعته ثم حرم عليهم ، وكتبوا إلى عمر رضي الله عنه يقولون : إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يحمونها ، وأحببنا أن تروها ولتذكروا إنعام الله وأفضاله (25)..
وحتى من وقعوا في السبي من أطفالهم ، وفّر لهم الإسلام فرص التنشئة السوية والنبوغ في ظل من تملكوهم ، وأحسنوا تربيتهم ، وصار منهم ومن أبنائهم مشاهير العلماء كابن إسحاق ، والواقدي والحسن البصري وابن سيرين .
ـ كما أنه قد ظهر فيها سنن الله التي تحل بالأمم البعيدة عن نهج ربهم ، فها هم الفرس بعد أن امتد بهم الزمن في العصيان يصل بهم الأمر إلى الدرجة التي جعلتهم يضعون أمامهم الطعام فلا يُقدر لهم أكله حتى يعالجهم الموت والفناء ، كما حدث في وقعة أليس ، إذ نصب الفرس موائد الطعام وبسطوا البسط ، وتداعوا إليها وتوافوا إليها ، ثم التحم القتال قبل أن يشرعوا في تناول طعامهم لينتهي بهزيمتهم وتركه غنيمة للجوعى من المسلمين ، فقعدوا عليه لعشائهم بالليل . (22).  
 
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني
1 ـ مختصر تاريخ دمشق  :ج 1 / ص 53 .
2 ـ تاريخ الطبري  : 2 / 246.
3ـ المختصر في أخبار البشر لأبو الفداء : ج 1 / ص 107
4 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي : ج 3 / ص 9.
5 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي : (ج 3 / ص 9)
6 ـ كان عيينة والأقرع قد تألف قلوبهم يوم حنين وأعطى لكل واحد منهم مائة من الإبل فلم يؤثر ذلك في قلبيهما كما حصل مع كثير ممن من عليهم رسول الله ، ولذلك علم الصديق أنه ليس لهما أي مأرب غير تحصيل الغنائم
7 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي: ج 3 / ص 9.
8 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 477 .
9 ـ تاريخ دمشق :ج 25 / ص 162.
10 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 588).
11 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 554 وما بعدها ) .
12 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 563) .
13 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 564).
14 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 551).
15 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 553) .
16 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 572).
17 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 552).
18 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 551)..
19 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 567).
20 ـ كتاب الخراج : أبو يوسف، ص306.
21 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 567).
22 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 566)..
23 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 572).
24 ـ الدعوة إلى الإسلام لتوماس آرنولد : ص 99
25 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 636).
26 ـ المنتظم :ج 1 / ص 449.
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
الشيشاننهضة إسلامية غير مسبوقة

الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

هاني صلاح بعد حرمانها من ممارسة شعائرها الدينية خلال الحقبة السوفيتية...

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

د.نزار السامرائي مع الوقت صارت سقيفة بني ساعدة كابوسا مرعبا خيم...

المسلمون في عينْي أسير صيني

المسلمون في عينْي أسير صيني

د / قاسم عبده قاسم كان المسلمون يتطلعون لفتح الصين، ولكنهم وصلوا...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

قال أحمد رمضان، أحد المتحدثين باسم المعارضة السورية في مفاوضات جنيف7،...

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

أرسلت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، 22 شاحنة محملة بمواد إغاثية إلى...

 الصحة العالمية تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

"الصحة العالمية" تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

  أعربت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، اليوم...

  • أيام في سيلان والمالديف