• الصليب وحكاياته

علي عزت بيجوفيتش: فلسفته ومشروعه الإصلاحي

May 31 2011 10:49:57

الكاتب : محمد يوسف عدس

علي عزت بيجوفيتش: فلسفته ومشروعه الإصلاحي
علي عزت بيجوفيتش: فلسفته ومشروعه الإصلاحي
 
خبير سابق ومستشار منظمة اليونسكو
فيلسوف الإسلام.. الكاتب المبدع.. المفكر المجتهد.. الزعيم السياسي.. الثائر المناضل.. القائد المحرّر.. المصلح المجدّد.. ذلك هو (علي عزت بيجو فيتش) الرئيس الأسبق لجمهورية البوسنة.. إنه مجموعة من الشخصيات المبهرة في شخص واحد اجتمعت في سيرته خصائص: التواضع مع الشموخ.. التسامح مع الشجاعة في الحق.. الحكمة مع الثورة.. وقدرة نادرة على الصفح والعفو عند المقدرة..
رحل عن عالمنا في يوم الأحد التاسع من شهر أكتوبر عام2003، وكان في ذلك الوقت قد أكمل من عمره الزمني ثمانية وسبعين عاماً.. أما حياته فقد كانت أعمق من هذا وأعرض،  فهي تشمل إلى جانب هذه السنوات: حياته الفكرية ونشاطه وفاعليته وإنجازاته وتأثيره في مجتمعه وفي العالم، فحياته تنطوي على أعمار أخرى وتتّسع لحيوات كثيرة لا حياة واحدة، فهو بحق رجل بأمّة، ومن أراد أن يفهم هذه الحقيقة عليه أن يتصفّح سجل أفكاره وكتاباته وأعماله وينظر مليّاً في مسيرة حياته ونضاله.. تُرجمت كتبه إلى كل اللغات الحيّة في العالم.. وتشرفت بترجمة كتابين له والعديد من مقالاته إلى اللغة العربية ولخّصت كتباً أخرى له.. على رأس ما قمت بترجمته كتابه الموسوم بعنوان: (الإسلام بين الشرق والغرب) الذي أحدث لدى صدور أول طبعة منه سنة ( 1994) هزة ثقافية في كل الأوساط العربية على اختلاف توجّهاتها وانتماءاتها الفكرية، وحظي بتعليقات كبار الكتاب والمفكرين وعُقدت حوله ندوات لا حصر لها.. ونال مؤلفه جائزة الملك فيصل الدولية...
علي عزت بيجوفيتش طراز نادر فريد من الناس.. ونموذج حيّ لاستثمار الوقت واستثمار القدرات والمواهب التي أودعها الله فيه.. فهو لم يتوقف لحظة من حياته دون عمل نافع حتى وهو في السجن يقضي عقوبة عن جرائم لم يرتكبها ( سوى أنه فيلسوف ومفكر مسلم مناضل عنيد وناقد جريء لسياسة الحزب الشيوعي والحكم الدكتاتوري الشمولي في يوغسلافيا التي كانت تُهيـْمن على وطنه البوسنة والهرسك ).. في السجن كتب أحد أبدع أعماله بعنوان: (فرار إلى الحرية) سطّّره في بضعة آلاف من الصفحات.. أودع فيها أعمق تأملاتة في الحياة والفن والفلسفة والدين والسياسة والأخلاق.. وأعاد النظر في قراءاته السابقة.. وتقييمه للشخصيات والمواقف التي مرّت به في حياته...  
لم يملأه السجن مرارة على الحياة والناس.. ولم يسلمه لليأس أوالانسحاب والاكتئاب، بل زاده  إيماناً بقيمة الحرية الإنسانية، وجعله يوقن بان الحرية هي أعظم هبة منحها الله للإنسان، وأن الإنسان مسؤول عنها أمام واهبها الأعظم، وأن الدفاع عن الحرية أنبل مهمة يؤديها الإنسان ليس فقط نحو نفسه إنما أيضاً نحو الآخرين، ولو كانوا خصومه.. وليس هذا كلام خطابة أو إنشاء بل واقع معروف ومسجل في تاريخ الرجل، فبعد أن تم انتخابة وتولّيه رئاسة الجمهورية في البوسنة سنة1990م.. لم يكن فد انقضى على خروجه من السجن سنة واحدة، ظن بعض الناس أن فرصته قد واتتة لينتقم من أعدائه الذين لفقوا له التّهم وزوروا شهادة الشهود وحكموا عليه بالسجن مع الأشغاِِِِل الشاقة، ولكنه لم يفعل، فلما ساله الصحفيون: ألا تنتقم للظلم الذي وقع عليك..؟ قال: "لا انتقم الآن ولا بعد الآن.. نعم إنني لازلت أشعر بالظلم الشديد في أعماق نفسي، ولا أستطيع أن أحملها على نسيان التجربة المريرة.. ولا نسيان الوجوه الكريهة التي ارتبطت بها، ولا خِسـّة الضمائر والنفاق والكذب الذي أحاط بالأمر كله، ولكني لا أنتقم أبداً.. فأنا الآن مسؤول عن حياة هؤلاء الناس جميعاً وعن حقهم في الحياة والحرية..." وبالفعل كان عدد كبير من هؤلاء الخصوم لا يزالون في وظائفهم خلال فترة حكمه.. لم يمسسهم بسوء.. أما رأس الجريمة وزير الداخلية.. وبعض القضاة المتحيّزون للسلطة الشيوعية فقد فرّوا من البوسنة إلى موطنهم الأصلي صربيا.. ثم كنسهم التاريخ في تراب النسيان...
مثقف وثائر:
لم تكن حياة عزت بيجوفيتش هانئة ولا سهلة، رغم أنه ينتمى إلى أسرة عريقة كانت تتمتع بالغنى والوفرة في عهد يوغسلافيا الملكية.. وكانت تتمتع بالكفاية والستر في عهد يوغسلافيا الشيوعية.. كانت حياتة مليئة بالاشواك، حافلة بآلام تكاد تكون متصلة الحلقات، فيما عدا فترات وجيزة من طفولته تنسّم فيها نسمات من السعادة والرضا، مما سجّله  في سيرته الذاتية التي نُشِرت قبل وفاته ببضعة أشهر.. هذه الآلام ما كانت تأتيه من مصدر شخصي ولا أُسريّ ولا حتى من دائرة العمل، فقد يسّر الله عليه هذه المجالات الثلاثة، وإنما كانت آلامه تتصل بمحيطه السياسي والأيديولوجي الرافض لهويته: أولاً كمسلم وثانياً كمفكر مناضل من أجل الحرية.. في دولة شيوعية قائمة على الإلحاد والدكتاتورية...
لقد أدرك في وقت مبكر من حياته أن شعبه يتعرض لظلم واضطهاد مستمرّين وبدرجات متفاوتة من الحدة والبطش.. سواء في عهد يوغسلافيا الملكية أو الشيوعية، ولعل هذا الإدراك كان هو الحافز الأكبر له على أن يغوص في أعماق الفكر الأوروبى حتى أنه استطاع أن يقرأ  ويستوعب أهم الأعمال الفلسفية وأكثرها أثراً في تشكيل الثقافة الأوربية قبل أن يبلغ سن التاسعة عشرة من عمره.. يقول عن هذه المرحلة في سيرته الذاتية: "لم أكن في بداية الأمر أستعذب فكر الفليسوف الألماني هيجل وإن كنت قد غيّرت رأيي فيه بعد ذلك.. أما أكثر ما تأثرت به من فلسفات فيأتي على رأسها فلسفة "هنري برجسون" في كتابه "التطور الحيّ"..  وفلسفة " كانْت " خصوصاً كتابه "نقد العقل الخالص" ، وكتاب من مجلدين للفيلسوف الألماني"  شبنْجلر" بعنوان "تدهور الغرب"...
هذا الوعي المبكر بالظلم الواقع على شعبه كان وراء اتجاهه – في المرحلة الجامعية – إلى دراسة القانون، حتى يتمكن من الدفاع عن شعبه.. لذلك كله آثر النضال الفكري العلني ومقارعة الحجة بحجة أقوى منها، ومن جرّاء هذه الشجاعة الفكرية تعرض للسجن مرتين في حياته: ففي الأولى حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام (مع الأشغال الشاقة) فيما بين سنة 1946 الى سنة 1949، في هذه المرة كان سبب سجنه أنه تصدّى للرد على الهجوم الشرس الذي شنّه الشيوعيون في بداية حكمهم على الإسلام والمسلمين في البوسنة، فقد وجد فيه  هجوماً ظالماً مليئاً بالافتراءات والأكاذيب والجهل بالإسلام...
تجربته في السجن مكّنته من الاطّلاع على نماذج من البشر أكّدت لديه فكرته الفلسفية عن وجود هوّة واسعة في المجال الإنساني بين من لديهم قدرة خارقة على ارتكاب أبشع الجرائم.. وبين آخرين ترقى أرواحهم وتسمو إلى أنبل مستويات التضحية بالنفس.. والقدرة الخارقة على الصفح والمغفرة بلا حدود...
لا شك أن علي عزت كان ثائراً متمرداً، ولكن ثورته كانت أبعد ما تكون عن الغضب الهائج فقد كانت حكمته حتى في هذا السن المبكر أسبق من ثورته (في ذلك الوقت كان قد بلغ العشرين من عمره).. وكانت شجاعته في الحق وقوة فكره ومنطقه وصلابة إرادته بواعث له  على المواجهة العلنية، كما كانت كابحاً له في نفس الوقت ألا يلجأ إلى التدابير السرية والعمل تحت الأرض.. فقرر مع مجموعة من المفكرين المسلمين أن يردّ على هذه الحملة ويفنّدها بالحجة والبرهان، وأن يكون هذا في اجتماع جماهيرى حاشد بمدينة سراييفو (عاصمة البوسنة).. حيث استقبلته الجماهير بالترحاب وصفّقوا له هاتفين بحماس منقطع النظير، وجاء رد السلطات الشيوعية فوريّاً حيث قام رجال الأمن بإلقاء القبض عليه هو وزملاؤه.. وهم لا يزالون على منصة الخطابة، وأودعوهم السجون بتهمة التحريض والثورة المضادة...
كان لتجربة السجن آثار واضحة في مواقف علي عزت بيجوفيتش كإنسان وقائد وحاكم لشعبه.. فعلى المستوى الشخصي عمّقت هذه التجربة لديه الوعي بقيمة الحرية الإنسانية وقداستها، على النحو الذي سبق أن أشرنا إليه، ويتفرع عن هذه الحقيقة أنه في المجال الشخصي كان يتمتع بقدرة خارقة على الصفح والمغفرة بلا حدود.. حالة تعجّب لها خصومه ولم يفهمها أعداؤه.. فذهبوا في تفسيرها شتى المذاهب..
أجل.. كان العفو والصفح من أبرز سمات عزت بيجوفيتش على المستوى الشخصي.. ولكن موقفه كرئيس لبلاده وأمين على وطنه في مواجهة العدوان الصربي الغاشم كان حاسماً صلباً  قاطعاً.. فلم يدّخر وسعاً ولا وسيلة من وسائل تدعيم القوة لشعبه في رد العدوان الصربيّ إلا اتخذها، أو سعى جاهداً للحصول عليها...
ولكنه في كل الأحوال لم يستسلم لغواية الانتقام.. وكانت أسباب الانتقام ودوافعه كثيرة ومتكررة.. كان أعداؤه يتفننون في أساليب القتل والتنكيل والحصار والتجويع والإذلال.. على نفس النمط الصهيونيّ الذي شاهده العالم في غزة الفلسطينية.. وكانت القيادات الصربية تدرّب جنودها وتدفعهم دفعاً لارتكاب المجازر ضد المدنيين وانتهاك الأعراض وتمزيق الأجساد، بل كانت تعاقب المتراخين في تنفيذ الأوامر، بينما كان عزت بيجوفيتش يكبح جماح الغضب المتأجج في صدور جنوده وضباط جيشه.. ويمنعهم من الانتقام أو ممارسة العقوبات الجماعية ضد الصرب...!! كانت نصائحه وأوامره المشدّدة إلى ضُباطه جنوده: " لا تمسّوا الأطفال ولا النساء ولا الشيوخ بسوء.. لا حرق للمنازل أو الزروع أو الحيوانات..."، وكان الصرب يمارسون كل هذه الجرائم ضد المسلمين ببشاعة لا نظير لها إلا ما فعله الإسرائيليون في فلسطين وقطاع غزة...
بيجوفيتش الفيلسوف:
لم يكن بيجوفيتش فحسب هو الرئيس الأسبق لدولة البوسنة، ولا زعيمها السياسي، ولا قائدها الفكري والروحي الذي واجه بها ومعها أبشع حرب عدوانية دموية وقعت في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية.. حرب كان يُقصد بها إبادة شعب فيما سُمّيَ بحرب (التطهير العرقي).. لم يكن بيجوفيتش كل هذا فحسب وإنما كان أيضاً صاحب اجتهادات بالغة الأهمية في تفسير ظاهرة الإنسان في تركيبتها الفريدة وارتباطها المبدع بما سمّاه بثنائية (الإنسان والطبيعة)، هذه الظاهرة هي نقطة انطلاقه الفكري وهي بالتالي الركيزة الأساسية لمنظومته الفلسفية وإشراقاته الفكرية المبدعة...
يُبلْور لنا الفيلسوف المصري "عبد الوهاب المسيري" هذه الحقيقة في مقدّمة رائعة له على كتاب بيجوفيتش " الإسلام بين الشرق والغرب " (في طبعة جديدة له في طريقها للنشر) نعرف منها: أن بيجوفيتش قد استطاع بمقدرة تحليلية فائقه تحليل الحضارة الغربية وكشف النموذج المعرفيّ المادي العدمي الكامن في علومها وفي نموذجها المهيمن، ثم يتصدى لها ويقاوم محاولتها إبادة شعبه. ولكنه في ذات الوقت يستفيد من اجتهادات المفكرين الغربيين المدافعين عن الإنسان، ولعل إيمانه بالإنسان (الذي ينبع من إيمانه بالله وإدراكه لثنائية الطبيعة البشرية) هو الذي شد من أزره إلى أن كتب الله له ولشعبه النجاة، وهو الذي مكّنه من أن يلعب هذا الدور المزدوج... دور المجاهد والمجتهد، دور الفارس والراهب معاً...
يلاحظ المسيري أن استيعاب بيجوفيتش للفلسفات الغربية، ليس كإلمام أساتذة الفلسفة الأكاديميين الذين يعرضون أفكار هذه الفلسفات المختلفة عرضاً محايداً.. وإنما هو استيعاب  المتفلسف الحقيقي الذي يقف على أرضية فلسفية راسخة.. ويطل على الآخر فيدرك جوهر النموذج المعرفي الذي يهيمن عليه.. فنراه يتحدث بطلاقة غير معتادة عن نيتشه وياسبرز وكيركجارد، ويعبّر عن هذا في سطور قليلة تبين مدى استيعابه لرؤاهم الفلسفية، وتمكّّنه من الوصول إلى أعماقها ليرى بنيتها المادية العدمية المدمرة، أو بنيتها الإيمانية الكامنة...
إننا ندرك أن فهم النظام الرأسمالي بعمق قد أصبح جزء من تجربة الكثيرين من مثقفي العالم، لكن الذي يميز علي عزت بيجوفيتش عن هؤلاء جميعاً أنه قد جمع إلى فهمه واستيعابه للفكر الرأسمالي أنه عاش في إطار منظومة ماركسية اشتراكية، فأدرك منذ البداية أننا لا نرى في حقيقة الأمر منظومتين مختلفتين، واحدة رأسمالية وأخرى اشتراكية، وإنما نتحدث في واقع الأمر عن [نموذج معرفي] واحد كامن يأخذ شكلاً اشتراكياً في حالة الاشتراكية، وشكلاً رأسمالياً في حالة الرأسمالية، ومن ثَمّ فهناك رؤية واحدة تنبع منها وترتكز عليها كلا المنظومتين المتصارعتين المتنازعتين... من هذه الناحية لا تختلف التجربة الرأسمالية على الإطلاق عن التجربة الاشتراكية، إذ يصدر النمطان عن فكرة أساسية هي " الإنسان الطبيعي " بمعنى أن الإنسان له أصل واحد هو " المادية الطبيعية الكامنة "...
ينتقل بيجوفيتش إلى نقد هذا النموذج المادي الإلحادي فيبرز تناقضه الأساسي.. وينبّهنا إلى أن الذين يعتنقون هذا النوع من الفكر عندما يحاولون تطبيقه في واقع الحياة وبناء المجتمعات يصطدمون باستحالة لا يمكن تجاوزها.. ويضرب لنا هنا بماركس والماركسية كنموذج لهذا التناقض فيقول: إن ماركس رغم أنه ملحد، لكنه على حد قول "برتراند رسل" قد بشّر بأمل كونيّ لا يمكن تبريره إلا إذا كان صاحبه من المؤمنين بالألوهية، أي بشىء متجاوز للواقع المادي المباشر.. بل إن ماركس قد حوّل الرأسمالية والطبقة البروليلتارية إلى رموز حية للشر والخير.. كذلك فإن الماركسية في إطارها المادي "تتبنى فكرة الحتمية التاريخية، ولكن كحياة معيشة كان لابد أن تتخلى عن هذه الفكرة ".
لا يلجأ بيجوفيتش إلى السرد الوصفي أو التوثيق المجرد، وإنما يقدّم لنا ثمرة رحلته التحليلية، (التفكيكية التركيبية)، بأسلوب شاعري رائع، يبتعد فيه عن الرتابة التي نميّزها عادة في بعض الكتابات الأكاديمية، وإنما هو ينتقل من نقطة إلى نقطة أخرى فيتعامل مع كل نقطة وكأنها حالة مستقلة عن غيرها تماماً، بينما هي في واقع الأمر مجرد تجلّي آخر لنموذجه التحليلي الذي ينطلق من ثنائية: (الطبيعة/ المادة) في مقابل (الإنسان /الإنسان) أو ما يمكن تسميته الإنسان /الرباني)...
ويستخدم علي عزت بيجوفيتش المجاز لينقل رؤيته هذه، ففي حديثه عن الثقافة الروحية يقول: "يمثل الدين والعقائد والدراما والشر والأخلاق والجمال وعناصر الحياة السياسية والقانونية التي تؤكد على قيم الشخصية والحرية والتسامح... يمثل كل هذا الخط المتصل للثقافة الإنسانية الذي بدأ مشهده الأول في السماء بين الله والإنسان".. وحينما نصل إلى هذه المنطقة، منطقة اللامحسوس والماوراء ينتقل بيجوفيتش من اللغة الإخبارية إلى اللغة المجازية: "إنه صعود الجبل المقدس، الذي تظل قمته بعيدة المنال.. إنه سيرٌ في الظلام بواسطة شمعة مضيئة يحملها الإنسان".. وسترى هنا أن المجاز ليس مجرد زخرفة لفظية.. لاستعراض المعاني المتقابلة: بين الظاهر والباطن، المادة والروح.. إلى آخر هذه المتقابلات اللغوية اللفظية.. وإنما يوظف بيجوفيتش المجاز كأداة للتعبير عن أفكار تتجاوز في طبيعتها القدرة التعبيرية لألفاظ اللغة التي نشأت أصلاً لوصف الأشياء المادية والعلاقات المادية بين الأشياء.. فالمجاز عند بيجوفيتش مرتبط تماماً بظاهرة الإنسان نفسه الذي لا يمكن فهمه فهماً صحيحاً إذا نظرنا إلى ناحية واحدة فقط من تركيبته الفريدة التي يجتمع فيها ما هو طبيعي مادي وما هو متجاوز للطبيعة والمادة...  
الإنسان الطبيعي/ المادي:
يتضح تمييز علي عزت بيجوفيتش بين النموذج المجرد والتجربة المعيشة عندما يصوغ السؤال المعرفي: "ما هو الإنسان..؟".. هذا السؤال المهم يقودنا تلقائياً إلى الوراء للبحث في أصل الإنسان الذي صدر عنه.. ثم نراه حين يتعامل مع إشكالية الأصل هذه فإنه يتناولها بطريقة فريدة.. فبدلاً من أن يناقش الرؤية المادية المتمثلة في نظرية داروين في التطور، وبدلاً من أن يحاول تفنيدها من خلال علم البيولوجيا والعلوم الطبيعية.. فإنه يلجأ إلى استراتيجية مختلفة تماماً، إذ يعْمد إلى إبراز عجز النظريات المادية، بما في ذلك نظرية التطور الداروينية، عن تفسير [ البعد الإنساني ] في ظاهرة الإنسان.
أصل الإنسان:
نحن نعلم أن التصوّر الدارويني للإنسان هو تصوّر مادي صرف، فكل المخلوقات عند دارون ترجع إلى الأشكال البدائية للحياة (الأميبا)، وأن هذه الأميبا قد ظهرت بدورها نتيجة عملية طبيعية كيميائية [مادية].. وإذن فالإنسان (من هذا المنظور) ليس أكثر من حيوان تطوّر من المادة إلى الأميبا.. ثم تطوّرت الأميبا حتى وصلت إلى القردة العليا، ومنها إلى الإنسان "الذي اتجه في تطوره نحو الكمال الجسمي.. ومنه إلى الذكاء الخارق.. فالتطور من حيث هو حيواني وخارجي في جوهره بسيط ومنطقي أو نفعي ووظيفي، لأنه ظل محدوداً في نطاق [ الطبيعة/المادة ].
ولكن بيجوفيتش يرى أن "التطور" بطبيعته (وبغض النظر عن درجته في التعقيد أو الحقبة الزمنية التي استغرقها) لم يستطع أن ينتج إنساناً، وإنما مجرد حيوان مثالي، قادر على التحرك داخل الجماعة بكفاءة عالية لتحقيق هدف البقاء المادي. ولا شك أن هناك بكل تأكيد أشياء مشتركة بين الإنسان والحيوان، "فهناك إحساس وذكاء ووسيلة أو أكثر من وسائل الاتصال، وهناك الرغبة في إشباع الحاجات، والعيش في مجتمع، وكذلك بعض أشكال من الاقتصاد".. وبالنظر من هذه الزاوية لا نجد في الإنسان شيئاً لا يوجد في المستويات العليا من الحيوانات الفقارية والحشرات.
والفرق بين الإنسان والحيوان هنا، حتى بعد "تطور" الإنسان، إنما هو فرق في الدرجة والمستوى والتنظيم وليس في النوع، فليس هناك (حسب هذه النظرية المادية) جوهر إنساني متميز عن الحيوان... ولكن الإنسان في واقع الأمر مختلف بشكل جوهري عن هذا الإنسان الطبيعي/ المادي، فلا يمكن اختزاله في مجرد وظائفه البيولوجية، إذ أن فيه "شيئاً" ينقله من عالم الضرورة والحتميات الطبيعية والسببية المطلقة والمنفعة المادية إلى عالم الحرية والاختيار والقلق والتركيب والتضحية... عند هذه النقطة من تحليلات بيجوفيتش الجدلية نرى أنفسنا ننتقل تلقائياً إلى فكرة الدوار الميتافيزيقي..
الدّوَار الميتافيزيقي واللحظة الفارقة:
يرى علي عزت بيجوفيتش أن ثمة شيئاً ما حدث للإنسان جعله لا يقنع بجانبه الطبيعي المادي الحيواني.. ودفعه إلى أن يبحث دائماً "عن شيء آخر غير متعلّق بالسطح المادي الذي تدركه الأسماع والأبصار.. وصولاً إلى ما لا تدركه الأسماع والأبصار (يسميه المسيري "المقدس").. هنا بدأ الإنسان يفكر في معنى حياته وفيما وراء الطبيعة، "فيما وراء القبور". فما  الذي جعل الإنسان لا يكتفي "بصنع الآلات التي تحسّن مقدرته على البقاء المادي، وبدلاً من ذلك نراه وقد شرع في الانغماس في عبادات وأساطير ومعتقدات خرافية غريبة، وبدأ يمارس ألواناً عجيبة من الرقص والاهتمام بالأوثان والسحر.. وأخذت تنتابه أفكار عن الطهارة والنجاسة والسموّ واللعنة والبركة والقداسة والمحرمات والمحظورات الأخلاقية التي شملت حياته بأسرها..!؟ ما الذي جعل الإنسان لا يقنع بالدلالة المباشرة للأشياء، بل حرص على أن يضيف لها دلالات متخيّلة أصبحت أكثر أهمية في نظره من دلالاتها الواقعية المحسوسة..!" فبينما يذهب الحيوان للصيد مباشرة ويوظف كل ذكائه في اصطياد الفريسة ويستجيب للمثيرات المادية التي من حوله بشكل مباشر "يحيط الإنسان مثل هذه المهمّة بطقوس وأحلام وصلوات.. وبينما كان الحيوان يتابع فريسته بمنطق صارم، كان الإنسان يقدم الضحايا والقرابين ويقيم الصلوات والشعائر (كالصوم مثلاً).. وبينما كان النحل يقضي على كل أعضاء جنسه ممن لا فائدة لهم ولا نفع، كان الإنسان يكرّم المسنين والموتى ويقيم الشعائر الجنائزية، وبينما تتعامل الحيوانات مع عالم السطح الظاهر المادي في وظيفية مدهشة، يغوص الإنسان إلى أعماق حقيقية ومتخيلة، في داخله وخارجه، ومن هنا ظهرت له أهمية النيـّة التي تنعقد في باطنه وأهمية الإلهام الجواّنيّ"...
ويتابع بيجوفيتش تحليلاته الرائعة ليكشف لنا عن مزيد من الأعماق الكامنة في الإنسان مما يقطع بتميّزه الجذري عن الحيوان فيقول: بينما تؤدي الحيوانات وظائفها في حتمية بالغة إذْ تتقدم نحو فريستها حينما تسنح الفرصة، وتفر حينما تحسّ بالخطر، وتعيش في القطيع أو السرب أو الخلية دون فزع أو اكتئاب.. نرى الإنسان دائم التردد، لأن سلوكه مرتبط بحريته.. واختياراته التي لا حصر لها، فهو لا يمكن أن يكون جزء من آلية وظيفية اجتماعية مقررة مسبقاً. ثم هناك هذا الخوف والقلق الذي يشعر به الإنسان من خلال تأمله الدائم في الكون ومعضلاته، وليس هذا مجرد خوف بيولوجي (مثل ذلك الذي يستشعره الحيوان)، إنما هو خوف روحيّ كونيّ بدائيّ، خوف موصول بأسرار الوجود الإنسايّ وألغازه، خوف ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور. هذه المشاعر المختلطة المتلاطمة في الكائن الإنسانيّ هي العامل الخالد الأزلي المحدِّد لوجود الإنسان، (على حد قول هايدجر)، إنها المشاعرالكامنة في أعماق الثقافة الإنسانية...
علي عزت بيجوفيتش إذن على حق عندما يعلن أن الإنسان قد أصيب بدوار مجهول الأصل ليس له سبب ماديّ ملموس، ولذا يسميه "الدوار الميتافي.. إنه إنسان مختلف عن الحيوان وعن إنسان داروين الطبيعي، فهو إنسان ذو عقل وخيال ووجدان، يشعر بأنه جزء من الطبيعة وغريب عنها في ذات الوقت، ويدرك إدراكاً مباشراً أن هناك مسافة تفصله عنها.. ومن ثَـمّ يشعر بأن ثمة عالم آخر يحتاج للتعبير عنه والتواصل معه، فيميل (بغض النظر عن مستوى تقدمه أو تخلّفه التكنولوجي) نحو الرسم والغناء وتقديم القرابين وإقامة شواهد القبور.. إنه يشعر أن شيئاً ما في أعماقه يميزه عن الحيوانات التي قد تصنع الآلات (كالقردة التي تستخدم العصا للوصول إلى الموز في أعلى الشجرة، أو الدب الذي يستخدم الحجر لقتل أعدائه)، ولكنها لا يمكن أن تقدم أية قرابين أو ترسم أية لوحات ولا تشعر بوخز الضمير الذي يشعر به الإنسان...
ومن الواضح أن (الدوار الميتافيزيقي) عند بيجوفيتش قد حسم القضية نهائياً فقد فصل الإنسان عن عالم (الطبيعة/المادة)، ولذا فهو يقف متعالياً عليها رغم وجوده فيها، ومن هنا نشأت ثنائية( الطبيعى المادي) من جهة و(الإنساني/ الروحي) من جهة أخرى...        
أسطورة النشوء بالصدفة:
إذا انتقلنا إلى السؤال المعرفي الذي طرحه علي عزت بيجوفيتش وهو السؤال المتعلق بأصل الإنسان يقول: عادة ما يلجأ المؤمنون بالخلق الإلهي إلى الهجوم على نظرية التطور الداروينية التي تؤكد الأصل المادي الصرف للإنسان، محاولين تفنيدها وإثبات "عدم علميتها" ووجود ثغرات فيها، من خلال الإشارة إلى أدلة مادية ونظريات علمية عديدة تدعّم وجهة نظرهم.. ويرى بيجوفيتش أن هذا المدخل في التفنيد على أهميته ليس مدخلاً حاسماً.. ذلك لأن دعاة النظرية الداروينية سيأتون هم أيضاً بأدلة مادية أخرى، مما يجعل من المستحيل حسم القضية.. ومن ثَـمّ يلجأ بيجوفيتش إلى أسلوب مختلف تماماً.. فيحاول إثبات عجز النموذج الداروينى في التطور عن تفسير ظاهرة الإنسان في سياق الثنائية الجوهرية التي أشرنا إليها، أي ثنائية الإنساني والطبيعي...
ولأن فرضية الصدفة تقع في صميم نظرية التطور وفي جميع النظريات المادية الأخرى فإن بيجوفيتش يعمد إليها مباشرة في محاولة لتقويضها من الأساس.. فيبيّن لنا أنه من المستحيل تصديق فكرة أن العالم قد ظهر نتيجة تفاعلات كيميائية تمت بالصدفة.. وأدت إلى ظهور خلايا بسيطة ثم تطورت إلى أن أصبحت "إنساناً".. ويؤكد أن خلق العالم بالصدفة هو مجرد افتراض وتخمين لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة..
ومن أشهر اعتراضاته على هذه الفرضية قوله: إن الإيمان بها يعادل الإيمان باحتمال أن يقوم قرد بالخبط على آلة كاتبة فيخرج لنا قصيدة رائعة.. أو باحتمال أن يلقي إنسان (أو قرد) بالنرد فيحالفه الحظ ويأتي 6/6 ليس مرة واحدة ولا ألف مرة وإنما 44 ألف مرة متتالية!!.. كذلك فإن المصادفة وحدها لا تجدي في تفسير الخلق، فإن تكوين الكائنات من تلك الذرات الهائمة يعني أنها كانت مصممة، بحيث أنها إذا اجتمعت بهذه الطريقة يتكوَّن منها ذهب، وإذا اجتمعت بطريقة أخرى يتكون منها ماء، وهكذا... والمعنى الفلسفي المستخلص هنا هو أنه حتى لو سلمنا بهذه الصدفة فلابد أن نسلم معها أيضاً بفكرة التصميم السابق عليها في الوجود.. والتصميم فعل يتجاوز المادة إلى ماهو وراء المادة...
ولكي يوضح لنا مدى لا عقلانية المؤمنين بنظرية النشوء عن طريق الصدفة يضرب علي عزت بيجوفيتش مثالاً آخر فيقول: " إذا وجدنا في اكتشاف أثري حجرين موضوعين في نظام معين أو قُطّـعا لغرض معين، فإننا جميعاً نستنتج بالتأكيد أن هذا من عمل إنسان ما في الزمان القديم.. فإذا وجدنا بالقرب من الحجر جمجمة بشرية أكثر كمالاً وأكثر تعقيداً من الحجر بدرجة لا تقارن، فإن بعض العلماء المكتشفين لن يفكر في أنها من صنع كائن واع، بل ينظرون إلى هذه الجمجمة الكاملة أو إلى الهيكل الكامل الذي تتجلّى فيه قدرة صانعه كأنهما قد نشئا بذاتيهما أو بالصدفة [ كما يزعمون ].. هكذا.. بدون تدخل عقل أو وعي..! فهل هنك ما هو أسخف من هذا وأبعث على السخرية..!؟
أما أولائك الذين يرون أن المادة (من خلال الصدفة وحدها) قد أدت إلى ظهور عناصر متجاوزة للمادة مثل الإنسان والوعي والعقل والغائية، فهم (في نهاية الأمر) ينسبون للمادة قُدرات غير مادية، وبذلك يكونون قد خرجوا عن مقاصد الفلسفة المادية، خصوصاً وأن فرضياتهم لا تعدو كونها تكهنات عنيدة طفولية تبرّر لهم الاستمرار في ماديتهم البسيطة، وتسوِّغ لهم في الوقت نفسه تفسير ما حولهم من تركيب ووعي وغائية"...
الإنسان والمقدس:
يعمّق عبد الوهاب المسيري رؤية بيجوفيتش الفلسفية في هذه النقطة فيرى أن رفض علي عزت بيجوفيتش فكرة الصدفة ليس فقط من ناحية أنها مستعصية على التصديق وأنها ليست فكرة علمية أكيدة كما يدّعون، وإنما أيضاً من ناحية أنها فكرة تخمينية، وليست نتيجة عملية تجريبية أو ملاحظة علمية.. جاءت نتيجة عملية عقلية محضة تحاول سد ثغرة في النظام المادي ثم الإدعاء بأنها علم..
ولا يكتفي بيجوفيتش بهذا، بل يلجأ إلى طريقة أكثر حسماً وهي توضيح العجز التفسيري الكامل لنظرية التطور في تناولها للظواهر الإنسانية. وهو ينجز ذلك عن طريق استخدام نموذج مركب يأخذ في الاعتبار كلاً من العناصر المادية والإنسانية في إطار واحد...          
قضية الثقافة:
يتابع المسيري بيجوفيتش في إثارة أسئلة بالغة الأهمية في حياة الإنسان مثل: " لماذا أصيب الإنسان بالدوار الميتافيزيقي..؟ ولماذا توقّف عن تحسين كفاءته في الصيد ليقوم ببعض الشعائر التي لا معنى لها من منظور مادي نفعي..؟ " كان الإنسان في الماضي يسأل عن كيفية البقاء وعن آليات الاستمرار، ثم بدأ يسأل فجأة عن المعنى والهدف من وجوده.. أي أنه بدأ يسأل لماذا..؟.. " فلو كنا حقاً من أبناء هذا العالم فقط، فلن يبدو لنا فيه شيء نجس أو مقدس، فهذه أفكار مناقضة للعالم الماديّ الذي نعرفه. وإذا تأمّلنا في عالم الحيوانات حتى في أكثر أنواعها تطوّراً فلن نجد فيها أثراً لعبادات أو محرمات أومقدسات...
إن ظاهرة الحياة الجُوّانية أو التطلع إلى السماء ظاهرة ملازمة للإنسان، غريبة عن الحيوان.. وسيظل هذا الجانب من الإنسانية.. وهذه الظواهر المصاحبة للوجود الإنسانيّ                 (مثل: الخير والشر، المقدس والمدنس، الشعور بالفجيعة، الصراع الدائم بين المصلحة والضمير، التساؤل عن وجودنا) تظلّ هذه جميعها مستعصية على أي تفسير منطقي..
ولكن انطلاقاً من الإيمان بثنائية الإنسان والطبيعة، والاختلاف الجوهري بين الاثنين، وثنائية الطبيعة البشرية، يبين علي عزت بيجوفيتش أن أصل الإنسان لا يمكن أن يكون مادياً فهو ليس نتيجة تطور مادي، وهكذا يصل المسيري في متابعاته وبيجوفيتش في تحليلاته إلى هذه الحقيقة المُبهرة.. وهي أن العنصر الروحي في الإنسان الذي يستعصي على التفسيرات المنطقية المادية لا يمكن أن يوجد إلا بفعل الخلق الإلهي، والخلق ليس عملية مادية وإنما هو فعل إلهي، ليس شيئاً متطوراً، وإنما هو فعل فجائي (كن.. فيكون). "فمنذ تلك اللحظة المشهودة، لم يعد ممكناً لإنسان أن يختار بين أن يكون حيواناً أو إنساناً، إنما اختياره الوحيد أن يكون إنساناً أو لا إنسان". وبذلك ربط علي عزت بيجوفيتش بين الإنسان وبين الله، بمعنى أن الإنسان لا يمكن أن يكون إنساناً إلا بوجود الله، فإن كان الله غير موجود (كما تزعم الفلسفات المادية في الحضارة الغربية) مات الإنسان، أو كما يقول المسيري بحق: إذا نَسِيَنا الله   فإننا ننسى أنفسنا.. مصداقاً للآية القرآنية { نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ...}...
قضية الحرية:
يركز علي عزت بيجوفيتش على سمة إنسانية أخرى يقوّض من خلالها نظرية التطور البيولوجى المادي، وهي مقدرة الإنسان على الاختيار، أو بمعنى آخرقضية الحرية.. ويعلّق المسيري على هذه النقطة شارحاً بقوله: هنا يظهر أثر كانط على بيجوفيتش، وإن كان بيجوفيتش قد عمّق من هذه الأطروحة وطبّقها بطريقة ربما لم تخطر على بال الفيلسوف الألماني نفسه... ففي عالم (الطبيعة/المادة) توجد الأشياء وجوداً موضوعياً، خاضعاً لقوانين موضوعية صارمة.. فالأرض تدور حول الشمس سواء عرفنا ذلك أو لم نعرف، شئنا أم أبينا.. فثمّة حتمية مادية تسيطر على عالم الحقائق الموضوعية، وهو ما لا يمكن وصفه بالخير أو الشر، فنحن في هذا العالم لا نفعل ما نريد أن نفعله، بل ما علينا أن نفعله.. ثمّة جانب فينا خاضع للحتميات المادية.. ولكن الإنسان لا يعيش في عالم المادة وحسب.. وإنما هناك عالم جُوّانّي قوامه الحرية التي تعبر عن نفسها في: النوايا والإرادة والشوق والرغبة..
معنى هذا: أنه خارج الإطار الماديّ هناك حيـّز للإنسان يتحرك فيه بحيث يمكنه الاختيار بين بدائل مختلفة، يختار -مثلاً- أن يتجاوز البرنامج الطبيعي الحتمي ويقوم بفعل قد يبدو غير عمليّ وغير مفيد من الناحية المادية، مثل: أن يدافع عن كرامته أو يرفض الظلم.. والإنسان الذي ينطلق من الرؤية المادية قادر ولا شك على الاختيار وعلى ممارسة الحرية والبذل والعطاء، ولكنه بذلك يكون قد سلك بطريقة تتناقض وماديته المزعومة, هنا يكون قد تجاوز إطار القوانين المادية.. فهو إن ضحى بنفسه من أجل ابنه المُقعد -مثلاً- فإنه لا يمكنه إخضاع هذا الفعل للنموذج المادي، وعلينا أن نهنئ هذا المادي على نبله وعظمته التي تجاوز بها منظوره المادي..! إذ أنه حين اختار أن يدافع عن ابنه ويحمله قد عبَّر عن شيء عظيم داخله يتجاوز منظومته المادية الواحدية.
إن قضية الخلق (كما يؤكد علي عزت بيجوفيتش) هي في الحقيقة، قضية الحرية الإنسانية، فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقاً (إما بقوى مادية داخلية أو خارجية) لا تكون الألوهية ضرورية في هذه الحالة لتفسير الكون وفهمه. ولكننا إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناً وإما صراحة.. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقا حرّاً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.. الحرية ليست نتيجة ولا نتاجاً للتطور، فالحرية والإنتاج فكرتان متعارضتان.. فالله لا ينتج ولا يشيـّد.. إن الله يخلق، والخلق الإلهي لم يحدث مرّة واحدة ثم توقف.. وإنما هو فعل متواصل مستمر أبداً...
"قد ينجح الإنسان (آجلاً أو عاجلاً، خلال هذا القرن أو بعد مليون سنة من الحضارة المتصلة) في تشييد صورة مقلّدة من نفسه، نوعٍ من الإنسان الآلي أو مسخ، شيء قريب الشبه بصانعه.. وهذا المسخ الشبيه بالإنسان لن تكون له حرية، سيكون قادراً فقط على أن يتحرك في إطار ما بُرمج عليه.. وهنا تتجلى عظمة الخلق الإلهي، الذي لا يمكن تكراره أو مقارنته بأي شيء حدث من قبل أو سيحدث من بعد في هذا الكون..
في لحظة زمنية من الأبدية، ظهر مخلوق حر في هذا الوجود، بينما لم يكن ممكناً أن تتحول نتيجة التطور (بدون تلك اللمسة الإلهية) إلى إنسان.. إن التطور بدون تلك اللمسة، كان سينتج (على الأرجح) حيواناً أكثر تطوراً، حيواناً مثالياً، أو كائناً بجسم إنسان وذكائه، ولكن بدون قلب ولا حياة جُوّانية.. ذكاء متحرر من وخز الضمير والأخلاق.. ربما كان أكثر كفاءة  ولكن بالتأكيد أشد قسوة في الوقت نفسه"...
" ترتبط بفكرة الخلق الإلهي بفكرة الذات الإنسانية.. وفي حقيقة الأمر.. كل شيء يمكن اكتشافه في الطبيعة فيما عدا الذات الإنسانية أو الشخصية الإنسانية..، إننا نتصل من خلال هذه الذات فحسب باللانهائي.. ومن خلالها وحسب نشعر بالحرية وندرك العالم الآخر الذي نتشارك معه في ميراث واحد.. الإنسان وحده فقط يستطيع أن يشهد بوجود عالم الأرواح والحرية.. وبدون الذات يستحيل أن يشهد عالماً آخر وراء الطبيعة، ذلك لأن كل شيء آخر (بجانب ذات الإنسان) هو وجود برّانيّ ظاهريّ.. والتأمل هو استغراق في الذات، محاولة للوصول، واكتشاف لهويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا.. والوصول إلى الحقيقة الكبرى.. السر الوحيد الأكبر.. هذه الحقيقة تعني كل شيئ ولا شيئ: كل شيئ بالنسبة للروح، ولا شيئ بالنسبة لبقية العالم"...
"وقل الشيئ نفسه عن فكرة الخلود والبعث.. فإحساس الإنسان بالخلود هو محاولته النظر فيما وراء القبور والبحث المجهد عن طريقة خارج هذا العالم الذي أصبح الإنسان فيه غريباً.. وإذا غاب إحساس الإنسان بالخلود فإن الذات المرتبطة باللانهائي تغيب هي أيضاً، ولا يبقى سوى المادة والعدم"...
الأخلاق والمادية:
بعد أن أكد علي عزت بيجوفيتش على حرية الاختيار كسمةٍ إنسانية أساسية، ينتقل إلى قضية أخرى هي قضية الأخلاق، حيث يفرق بين الموقف المادي من الأخلاق والموقف الإنساني.. فالأخلاق المادية (الداروينية النيتشوية) تنطلق من التسوية بين الإنسان والمادة، وبذا يصبح الهدف الوحيد لكل منهما هو البقاء، وآلياته الأساسية هي الذكاء والقوة.. في هذا الإطار المادي لا يمكن أن نتحدث إلا عن الفعل ورد الفعل.. فالمثير المادي تتبعه استجابة مادية بلا تردد أو ثنائيات أو ذكريات أو كوابح أو محرمات...
في هذا الصراع من أجل البقاء (المادي) لا يفوز الأفضل (بالمعنى الأخلاقي) وإنما الأقوى والأكثر تكيّفاً مع قوانين الطبيعة، أي الأفضل بالمعنى (الطبيعى/المادي).. ولذا فإن صوت الطبيعة هنا يقول: " تخلّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة.. اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم " على حد قول (نيتشه).. وكل ما فعله نيتشه هو أنه قام بتطبيق قوانين البيولوجيا على الإنسان.. وكانت النتيجة المنطقية لهذا الموقف هي نبذ الحب والرحمة وتبرير العنف والكراهية...
والأخلاق المادية هي النفعية المادية، ومن ثم يكون الانغماس في كثير من النشاطات المادية للإنسان (التي تحقق الربح المادّي له) وهذا هو قمة الالتزام الخلقي المادي.. خذ على سبيل المثال ما يسمى بالجرائم المقنَّنة (أي التي يسمح بها القانون) "كالفن الإباحي، والكتابات الداعرة، واستعراضات العرايا (أو تعرية الأنثى لجسدها على المسرح فيما يُعرف بالإستربتيز)، وقصص الجرائم وما شابه ذلك... فأي فيلم داعر أرخص في إنتاجه عشرات المرات من إنتاج فيلم عادي وأرباحه تزيد عشرات المرات على أرباح الفيلم العادي".. ومع غياب أي منظومة أخلاقية متجاوزة للنظام الطبيعي المادي تصبح اللذة هي الخير والألم هو الشر، ويصبح ما يحققه الإنسان نفسه من منفعة مادية (تزيد من إمكانيات بقائه المادي) هو الخير الأعظم.. أو كما يقول بنتام صاحب مذهب المنفعة: "لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين، هما اللذة والألم.. فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا"...
هنا يطرح علي عزت بيجوفيتش السؤال التالي: هل يمكن للعقل (الذي يدور في الإطار المادي) أن يولّد منظومات أخلاقية..؟ ويجيب عنه بالنفي: " إن العقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها.. ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكماً قيمياً عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي... الطبيعة والعقل على السواء لا يمكنهما التمييز بين الصحيح والخطأ.. بين الخير والشر.. فهذه الصفات ليست موجودة أصلاً في الطبيعة... إن محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلي لا تستطيع أن تتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية.. أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معينة.. وهي في واقع الأمر نوع من التنظيم الاجتماعي.. نوع من الإجراءات والقوانين الخارجية.. كما أن التحليل العقلي للأخلاق يختزلها إلى أنانية وتضخيم للذات...".
ولكننا حين نتفحص الأمر بشيء من العمق نجد أن في الإنسان شيئاً ما يرفض هذا النموذج المادي وأن الأخلاق الحقيقية ضد الطبيعة/المادة.. فالإنسان عند بيجوفيتش وعلى حدّ قول المسيري: ليس مجرد كائن لاهث وراء اللذة أو المصلحة الشخصية كما تصوّره العلوم الإنسانية العلمانية التي تستند إلى نماذج مستمدة من العلوم الطبيعية، فهو كثيراً ما يرفضها، بل إن الخبرة الإنسانية في مجال الأخلاق تناقض الفكرة المادية تماماً كما يرى بيجوفيتش: فأيّة لذة توجد في الزهد والتبتّل والصيام.. وفي كثير من أنواع نكران الذات وكبح النفس..؟ حيث نرى الإنسان يضحي بنفسه من أجل الوطن أو من أجل جوانب معنوية ليست لها أية قيمة مادية.. وقد يموت دفاعاً عن شرفه وعرضه.. وهو حينما يرى مشهد العدالة المهزومة قد يهب لنصرة المظلوم رغم القوة الغاشمة، رغم أنه يعرف أن هذا قد يودي بحياته، وهو على استعداد للتضحية بنفسه من أجل الغير (وعنده أيضاً الإمكانية للبطش به)...
فإذا رأينا إنساناً يغامر بحياته فيقتحم منزلاً يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه.. فهل نقول إن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحاً..!؟ إنها الأخلاق.. التي تدور في إطار غير مادي، هي التي تُضفي القيمة على هذه التضحية (عديمة الفائدة) لهذه المحاولة التي لم تنجح...
وكما يقول بيجوفيتش، فإن التضحية "تمثل ظهور مبدأ جديد [خطًّا فارقاً ملموساً فاصلاً] بين الإنسان والحيوان. لكن هذا المبدأ مناقض لمبدأ المصلحة والمنفعة والحاجات.. فالمصلحة حيوانية.. أما التضحية فهي إنسانية" (والأفكار الأساسية في السياسة والاقتصاد السياسي لا تتعامل مع التضحية وإنما تتعامل مع المصلحة والمنفعة)...
إن الأخلاق الحقيقية ليست مربحة.. "ويمكن تصور مواقف عديدة يكون الظلم فيها والكذب هما الأكثر فائدة [من الناحية المادية]. وبالمثل، فإن التسامح الديني والسياسي والعرقي والوطني ليس مفيداً بالمعنى [المادي] المعتاد للكلمة، أما تدمير الخصوم مثلاً.. فهو أكثر فائدة من وجهة النظر العقلية [المادية] البحتة. فحماية العجزة والمقعدين، أو العناية بالمعوّقين والمرضى الذين لا أمل في شفائهم، كل ذلك ليس من قبيل السعي وراء الفائدة. فالأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير المنفعة.. نعم.. قد يكون السلوك الأخلاقيأحياناً مفيداً، ولكن ليس معنى هذا أن شيئاً قد أصبح أخلاقياً لأنه أثبت فائدته في فترة ما من فترات الخبرة الإنسانية.. على العكس.. فهذه الخبرة نادرة الحدوث...
يتناول علي عزت بيجوفيتش مفهوماً محوريّاً في الحضارة الغربية، وهو مفهوم التقدم المادي  في علاقته بالأخلاق، فيشير إلى ما يسمى "عقدة الإنسان البدائي" وهي قيام الإنسان البدائي بأفعال تتناقض وتطوره أو تقدمه المادي مثل مفهوم المحرمات والعبادة والفن.. فبينما كانت الحيوانات تحقق صعوداً في سلم التطور، نجد الإنسان يكبّل نفسه بالتزامات أخلاقية تجعله يتعثر.. فهل هذا يعني تقدم الحيوان وتخلف الإنسان..!؟
مفهوم المساواة:
يتناول بيجوفيتش مفهوم المساواة فيؤكد أن هذا المفهوم لا يمكن أن يتحقق في الإطار المادي.. فنحن إذا نظرنا إلى البشر ورصدناهم بطريقة علمية مادية لوجدنا التفاوت بينهم في الصفات شديد الوضوح: فهذا بدين وذاك نحيفٌ، هذا ذكي وذاك غبي، هذا جمجمته كبيرة وذاك جمجمته صغيرة، هذا أبيض وذاك أسود، وهذا أصفر وذاك أحمر.. وبناء على هذا الاختلاف الواسع قد نختار ونقـرّر ألا يبقى إلا الأذكياء.. أما الأغبياء فلنتخلص منهم.. بمعنى أن عملية الرصد أو عملية الحكم العلمية المادية لا تنطوي على فكرة المساواة على الإطلاق...
ويربط علي عزت بيجوفيتش فكرة المساواة بين الناس و بين فكرة الخلود.. ومن ثَـمّ نجد أن "أخلاقيات الأديان السماوية وحدها تسلّم بجلاء لا لبس فيه بمساواة جميع البشر باعتبارهم مخلوقات اللّه.. أما المنظومات الدينية والأخلاقية التي لا تعترف بالخلود أو لديها فكرة مشوشة عنه فإنها لا تعترف بهذه المساواة. بمعنى أنه إذا لم يكن الله موجوداً فإن الناس بجلاء وبلا أمل غير متساويين...
الفن والدين:
يواصل بيجوفيتش محاولته تقويض النظرية المادية الداروينية من خلال تحليلاته البديعة للفـنّ باعتباره تعبيراً عن ثنائية الإنسان (أي باعتباره كائناً طبيعاً/ مادياً، قادراً في الوقت نفسه على تجاوز الطبيعة/المادة).. ولتوضيح وجهة نظره هذه يؤكد أن الفن (شأنه شأن الأخلاق والدين وكل الظواهر الروحية) يتجاوز الرؤية المادية.. ولذا لا يمكن تفسيره تفسيراً مادياً.. فالعلم (الذي يدور في الإطار المادي) يعطينا صورة دقيقة عن العالم.. ولكنها صورة خالية من الحياة خالية من الروح، مما يجعل الإنسان خلواً من الإنسانية، فالهيكل العظمى للإنسان، مهما كانت دقته وفائدته، ليس هو الإنسان الفرد في نبله وخسته، أو في عظمته وضعفه.
إن العلم في علاقته بالإنسان ممكن فقط.. إذا كان الإنسان حقاً جزء من العالم أو نتاجاً له.. على عكس ذلك نجد الفن، فاللوحة الفنية لا تُحلّل إلى كمية الألوان المستخدمة فيها، والمسجد لا يمكن أن يُردّ إلى عدد الأحجار والأعمدة الخشبية المكونة له. "الفن ممكن فقط إذا كان الإنسان مختلفًا عن الطبيعة، إذا كان غريباً فيها، إذا كان هوية متميزة"..
الإسلام والثنائية التكاملية:
يرى علي عزت بيجوفيتش أن هناك ثلاث وجهات نظر عن العالم:
1- الرؤية المادية التي ترى العالم باعتباره مادة محضة، هي فلسفة تنكر التطلعات الروحية للإنسان.. والاشتراكية مثل جيّد على هذه الفلسفة، فهي تقدم خلاصاً خارجياً فقط (من خلال الاستهلاك وتحسين مستوى الدخل أو تغيير البيئة الاجتماعية... إلخ).
2- الرؤية الدينية المجردة (أو الروحية الخالصة)، وهي رؤية للدين باعتباره تجربة روحية فردية خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية بالله، وهذه الرؤية تنكر الاحتياجات المادية للإنسان. والمسيحية مثل جيد على هذه الرؤية، فهي تقدم خلاصاً داخلياً فحسب.
يرى بيجوفيتش أن أي حل يغلّب جانباً من طبيعة الإنسان على حساب الجانب الآخر من شأنه أن يعوق القوى الإنسانية أو يؤدي إلى الصراع الداخلي.. فالحياة عنده ذات طبيعة مزدوجة.. وقد أصبح من المستحيل عملياً أن يحيا الإنسان حياة واحدة منذ اللحظة التي توقف فيها أن يكون نباتاً أو حيوانًا...
3- ثمة رؤية ثالثة تعترف بالثنائية الإنسانية، وتحاول تجاوزها عن طريق توحيد الروح والمادة، وهذه هي الرؤية الإسلامية.. فالإسلام يخاطب كل ما في الإنسان ويتقّبله. ويرى علي عزت بيجوفيتش أن الإسلام وُجد قبل الإنسان، وهو (كما قرر القرآن بوضوح) المبدأ الذي خُلق الإنسان بمقتضاه.. ومن ثم نجد انسجاماً وتطابقاً فطرياً بين الإنسان والإسلام. "الإنسان هو وحدة الروح والجسد، [وكذا] الإسلام.. [فهو أيضاً] وحدة بين الاتجاه الروحي والنظام الاجتماعي، وكما أن الجسم في الصلاة يمكن أن يخضع لحركة الروح، فإن النظام الاجتماعي يمكن بدوره أن يخدم المُثل العليا للدين والأخلاق".
إن الإسلام انطلاقاً من إدراك ثنائية الإنسان "لا يتعسف بتنمية خصال لا جذور لها في طبيعة الإنسان. إنه لا يحاول أن يجعل منا ملائكة؛ لأن هذا مستحيل. بل يميل إلى جعل الإنسان إنساناً. في الإسلام قـدْر مطلوب من الزهد، ولكنه لم يحاول به أن يدمّر الحياة أو الصحة أو الأفكار أو حب الاجتماع بالآخرين.. أو الرغبة في السعادة والمتعة.. هذا القدر من الزهد أريد به تحقيق التوازن في غرائزنا، أو توفير نوع من التوازن بين الجسد والروح.. القرآن يتناول الغرائز متفهّماً لا متّهماً.. ولحكمة ما سجدت الملائكة للإنسان.. ألا يشير هذا السجود إلى معنى تفوّق ما هو إنساني على ما هو ملائكي؟".
وقد اكتشف بيجوفيتش (وهو يعيش في قلب الحضارة الغربية) أن هذه الثنائية الإسلامية من أكبر أسباب سوء فهم العقل الغربي لهذا الدين.. وهو سوء فهم لا يزال مستمراً إلى هذا اليوم.. "فمن جانب أصحاب الدين [الروحي المجرد] اُتُّهِـمَ الإسلام بأنه أكثر مما يجب لُصوقاً بالطبيعة والواقع، وأنه متكيف مع الحياة الدنيا.. واتُّهِـمَ من جانب العلم أنه ينطوي على عناصر دينية وغيبية.. وفي الحقيقة هناك إسلام واحد وحسب، ولكن شأنه شأن الإنسان له روح وجسد.. أما التعارض المزعوم فيه فإنه يتوقف على اختلاف وجهة النظر.. حيث لا يرى الماديون في الإسلام إلا أنه دين غيبيات، أي اتجاه "يميني". بينما يرى فيه المسيحيون أنه حركة اجتماعية سياسية، أي اتجاه يساريّ..! وفي واقع الأمر، ليس الإسلام هذا وحده ولا ذاك وحده.. وإنما هو يجمع بينهما في كلّ واحد متكامل متوازن.
تجلّيات الثنائية الإسلامية:
تظهر الثنائية الإسلامية (كما يصفها القرضاوي والمسيري بالثنائية التكاملية) في الرؤية الإسلامية لمفهوم الأمة.. فالإسلام (كما يقول علي عزت بيجوفيتش- ليس مجرد أمّة بالمعنى البيولوجى أو الإثنيّ أو العرقي، وليس حتى جماعة دينية بالمعنى الروحي الخالص للكلمة،  وإنما هو "دعوة لأمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تؤدي رسالة أخلاقية"..
وانطلاقًا من ذلك يؤكد علي عزت بيجوفيتش أنه لا يمكن إغفال المكوّن السياسي للإسلام.. ولا يمكن قصْره على النزعة التصوفية الدينية، لأن في هذا "تكريساً صامتاً للتبعية والعبودية".. ولا يمكن كذلك إغفال المكوّن الديني (الروحي) في الإسلام؛ لأن في هذا كذلك رفضاً صامتاً للقيام بالأعباء الأخلاقية.. إن الإسلام الحقيقي ليس مجرد دين روحي أو طريقة حياة فقط، بل هو منهج ومبدأ لتنظيم الكون أكثر منه حلاً جاهزاً، إنه المركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة...          
يشير علي عزت بيجوفيتش إلى أن (الثنائية التكاملية) الإسلامية تتبدى في أن للإسلام مصدرين أساسيين: هما القرآن والسنة النبوية، فهما يمثلان كلاً من الإلهام والخبرة، الخلود والزمن، التفكير والممارسة، الفكرة والحياة.. ثم يضيف إلى النظام الثنائي حالة كل من مكة وغار حراء.. فقد كانا يمثلان عند لحظة ظهور الإسلام التضاد بين الواقعي والعالم الباطني، بين الفاعلية والتأمل.. وقد تطور الإسلام على مرحلتين، الأولى في مكة والثانية في المدينة.. فترتين سُجل اختلافهما في الروح والمعنى في كل ما كُتب عن تاريخ الإسلام.. هنا تُصادف التضادّ نفسه أو "التناقض الظاهري" في إطار الإيمان والسياسة.. مجتمع الإيمان ومجتمع المصالح"...
يحاول بيجوفيتش أن يوضح رؤيته للثنائية الإسلامية من خلال عقد مقارنة بين الإسلام والمسيحية كنظرية (وليس كتطبيق) باعتبارها ديناً روحياً محضاً. وهي مقارنة تنطوي على احترام للعقيدة المسيحية، ولا تشكل هجوماً عليها بمقدار أنها محاولة لتوضيح سمات الإسلام الأساسية.. فيقارن بين قاموس المفردات المستخدمة في الأناجيل وتلك التي وردت في القرآن، ويستخلص أن الأناجيل أكثر لصوقاً بعالم الروح، بينما في القرآن، نجد المصطلحات نفسها مُصاغة على صورة هذا العالم وقد اكتسبت واقعية وتحديداً.
ثم يعقد مقارنة بين المسجد والكنيسة، ويخلص إلى نفس النتائج، "فالمسجد مكان للناس، أما الكنيسة فهي "معبد للرّب".. في المسجد يسود جو من العقلانية، وفي الكنيسة جو من الصوفية.. المسجد بؤرة نشاط دائم وقريب من السوق في قلب المناطق المعمورة بالسكان، أما الكنيسة فتبدو أقل التحاماً ببيئتها.. يميل التصميم المعماري للكنيسة إلى الصمت والظلام والارتفاع، إشارة إلى "عالم آخر".. "عندما يدخل الناس كاتدرائية قوطية يتركون خارجها  كل اهتمام بالدنيا.. كأنهم داخلون إلى "عالم آخر".. أما المسجد فمن المفروض أن يناقش الناس فيه بعد انتهائهم من الصلاة هموم دنياهم"..
وقد نتج عن هذا الاتجاه ظاهرة لا تُعرف إلا في إطار الثقافة الإسلامية وهي ما يمكن أن يطلق عليه اسم "المسجدْرسة"، وهو بناء فريد يجمع بين وظيفتي المسجد والمدرسة معاً.. هذا البناء المتميز هو المعادل المعماري لتلك المسلَّمة الإسلامية لوحدة الدين والعلم أو الروح والمادة...
ويتضح الاختلاف أيضاً في المقارنة التي يعقدها علي عزت بيجوفيتش بين مبدأ العصمة البابوية من جهة، ومبدأ الإجماع الإسلامي من جهة أخرى. فالأول ينطلق من مبدأ واحديّ نخْـبوّي، أما الثاني فينطلق من رؤية مركّـبة تجمع بين نقيضين: فمبدأ العصمة يعطي فرداً واحداً حقاً مطلقاً في تقرير ما هو الخطأ وما هو الصواب، أما فكرة الإجماع عند الإمام الشافعي مثلاً فتعني اتفاق جميع الآراء، وعند الطبري والرازي: اتفاق أغلب علماء الفقه، أي أن الإسلام يجمع بين مبدأ الصفوة ومبدأ العدد معاً.. في الإجماع هناك الصفوة النوعية أو (الأرستقراطية)، كما أن هناك الجانب العددي (الديمقراطي).(*)
ويتضح الاختلاف بين الإسلام والديانات الروحية المجردة في هذه المقارنة التي يعقدها علي عزت بيجوفيتش بين ما جاء في الإنجيل وفي القرآن بخصوص العمل وفكرة العدالة.
وتتبدى الثنائية الإسلامية في اهتمام الإسلام بكل من القراءة والكتابة باعتبارهما أقوى محرك للمجتمعات الإنسانية. فلا "غرابة أن يُعنى بهما الوحي، فكانت أول ما نزل على محمدصلى الله عليه وسلم من آيات القرآن(*).. وقد تبدو الكتابة غريبة عن الدين (الروحي المجرد)، فقد بقيت الأناجيل تقليداً شفهياً لفترة طويلة من الزمن، وعلى قدر علمنا بدأت كتابة الأناجيل بعد زمن طويل من رفع عيسى عليه السلام. وعلى عكس ذلك فقد اعتاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يُملي آيات القرآن على كُتّابِ الوحي فور نزولها.
وتظهر الثنائية في أن القرآن لا يحوي "حقائق علميه جاهزة، ولكنه يتضمن موقفاً علمياً جوهرياً.. اهتماماً بالعالم الخارجي، وهو أمر غير مألوف في الأديان.. يشير القرآن إلى حقائق كثيرة في الطبيعة ويدعو الإنسان للتفاعل معها.. ومن ثَـمّ فالأمر بالعلم أو (بالقراءة) لا يبدو هنا متعارضاً مع فكرة الألوهية، بل إنه قد صدر باسم الله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...}. الإنسان (بمقتضى هذا الأمر) لا يلاحظ ويبحث ويفهم "طبيعة خلقت نفسها"، ولكن الكون الذي أبدعه الله.. ولذلك فإن الملاحظة ليست بلا هدف أو لا مبالية أو خالية من الشوق.. وإنما هي مزيج من العلم وحب الاستطلاع والإعجاب الدينيّ.. وكثير من أوصاف الطبيعة في القرآن على درجة عالية من الشاعرية"...
الثنائية ومفهوم التقدم:
انطلاقاً من إدراكه لثنائية الإنسان (المادة والروح) يقدم علي عزت بيجوفيتش الرؤية الإسلامية للتاريخ.. فيبدأ بنقد مفهوم التقدم المادي الذي يهيمن على الحضارة العلمانية الحديثة، فهذا التقدم لا يؤدي إلى سمو الإنسان، إذ هو منفصل تماماً عن القيمة.. إن كل تقدم بيولوجيّ أو تقنيّ في الإطار المادي الداروينيّ المنفصل عن القيمة يؤدي إلى أن (الأقوى يقهر الأضعف.. بل ويحطمه)..[ والنموذج المشاهد الآن يتمثل بوضوح كامل في الحرب الإسرائيلية على فلسطين وعلى غزة بصفة خاصة.. وفي الحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان..]...
في مقابل ذلك يطرح علي عزت بيجوفيتش رؤية مختلفة تماماً.. فالحياة (في تصوّره) ناتجة عن التفاعل المتبادل بين عاملين مستقلين هما: الأساس المادي والتأثير الخلاق لعامل الوعي الإنساني، متمثلاً في الشخصيات القوية والأفكار الكبرى والمُثل العليا.. فالوضع التاريخيّ في أية لحظة من الزمن هو نتيجة التفاعل بين هذين العاملين المستقلّين بصفة أساسية، ولذا فالتأثير الإنساني على مجرى التاريخ يتوقف على قوة الإرادة والوعي. وكلما عظمت القوة الروحية للمشارك في الأحداث التاريخية كلما عظم استقلاله عن القوانين المادية الخارجية،  والعكس صحيح... 
والتاريخ فيما يرى بيجوفيتش قصة متصلة من مجموعات صغيرة من أناس تميزوا بالحسم والشجاعة والذكاء، تركوا طابعاً لا يمّحى في مجرى أحداث التاريخ وتمكّنوا من تغيير مساره. "إن قوة الظروف الموضوعية تتزايد بالنسبة ذاتها التي يتناقص فيها العامل الفردي.. فكلما أصبح هذا (العامل الفردي) خاملاً غير فعال نقص قـدْره من الإنسانية وزاد نصيبه من الشيئية. إننا نملك القوة على الطبيعة وعلى التاريخ إذا كانت لدينا القوة على أنفسنا.. هذا هو موقف الإسلام من التاريخ".. [كأن بيجوفيتش يوجه خطابه من عالم البرزخ  إلى العرب والمسلمين وقادتهم جميعاً في هذه اللحظة التاريخية المأساوية.. وينبّههم إلى سرّ ضعفهم وهوانِـهم وانعدام فاعليتهم وتأثيرهم في العالم بل في محيطهم الخاص]... 
ما يؤكّده بيجوفيتش هنا هو أن هدف التاريخ ليس هو التقدم الماديّ وإنما أمر مختلف تماماً.. الهدف هو خلق إنسان متسقة روحه وبدنه، في مجتمع تحافظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية على هذا الاتساق ولا تنتهكه (ومن ثم؛ فهذا هو أيضاً المفهوم الإسلامي للتقدم).. الإسلام بهذا المعنى هو البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني.. وهذا هو هدف الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدّر له في المستقبل..
ولذا فعلي عزت بيجوفيتش يرى أن وحدة الإسلام قد انشطرت "على يد أناس قصروا الإسلام على جانبه الديني المجرد، فأهدروا وحدته، وهي خاصيته التي يتفرّد بها عن سائر الأديان.. لقد اختزلوا الإسلام إلى دين مجرد أو إلى صوفية (فتدهورت أحوال المسلمين). ذلك لأن المسلمين عندما يضعف نشاطهم وعندما يهملون "دورهم في هذا العالم" يتوقفون عن التفاعل معه، وتصبح الدولة الإسلامية كأية دولة أخرى، ويصبح تأثير الجانب الديني في الإسلام كتأثير أي دين آخر، وتصبح الدولة قوة لا تخدم إلا نفسها. في حين يبدأ الدين (الخامل) يجر المجتمع نحو السلبية والتخلف، ويشكّل الملوك والأمراء والعلماء الملحدون، ورجال الكهنوت وفرق الدراويش والصوفية، والشعراء السُّكارى.. يشكلون جميعاً الوجه الخارجي للانشطار الداخلي (الذي أصاب الإسلام).. وهنا نعود إلى المعادلة المسيحية.. " أعْـطِ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله ".. إن الفلسفة الصوفية (المنكفئة على الأمور الروحية البحتة) والمذاهب الباطنية تمثل -على وجه اليقين- نمطاً من أكثر الأنماط انحرافاً في العالم الإسلاميّ...
القرآن والثنائية:       
تتبـَدّى الثنائية في بنية القرآن نفسه، الذي يظن البعض أنه "من الناحية الموضوعية لا يتبع نظاماً محدداً، ويبدو وكأنه مركب من عناصر متناثرة، ولكن لابد أن يكون مفهوماً بادئ ذي بدء، أن القرآن ليس كتاباً أدبياً، وإنما هو منهج حياة، والإسلام نفسه طريقة حياة أكثر من كونه طريقة في التفكير..
إن التعليق الوحيد الأصيل على القرآن هو القول بأنه "حياة"، وكما نعلم كانت هذه الحياة في نموذجها المجسّد هي حياة النبي محمدصلى الله عليه وسلم.. كان خلقه القرآن.. إن الإسلام في صيغته المكتوبة (أعني القرآن) قد يبدو بغير نظام في ظاهره،  ولكنه في حياة محمد صلى الله عليه وسلم يبرهن على أنه وحدة طبيعية: من الحب والقوة.. المتسامي والواقعي.. الروحي والبشريّ.. هذا المركب المتفجر حيوية من الدين والسياسة يبث قوة هائلة في حياة الشعوب التي احتضنت الإسلام.. إن الإسلام يتطابق في لحظة واحدة مع جوهر الحياة"...
الثنائية وأركان الإسلام الخمسة:
يرى علي عزت بيجوفيتش أنه من المستحيل تطبيق الإسلام انطلاقاً من مستوى واحديّ، ذلك لأن ثنائية الماديّ والروحيّ تقع في صميمه.. فالصلاة (وهي نشاط روحيّ) لا يمكن أداؤها أداءً صحيحاً إلا من خلال إجراءات علمية " تتمثّل في ضبط الوقت والاتجاه في المكان نحو القِبلة، فالمسلمون مع انتشارهم على سطح الكرة الأرضية عليهم أن يتوجهوا جميعاً في الصلاة نحو الكعبة مكيّفين أوضاعهم في المكان (على اختلاف مواقعهم)‘ وتحديد مواقيت الصلاة تحكمه حقائق علم الفلك.. ولابد من تحديد هذه المواقيت للصلوات الخمسة تحديداً دقيقاً خلال أيام السنة كلها.. ويقتضي هذا تحديد موقع الأرض في مدارها الفلكي حول الشمس"..
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للزكاة التي تحتاج إلى إحصاء ودليل وحساب.. كذلك الحج الذي يتطلب الإلمام بكثير من الحقائق التي يحتاجها المسافر إلى مسافات بعيدة.. ولعله بسبب هذه الثنائية تطورت جميع الميادين العلمية في القرن الأول الإسلامي.. إذ أنها بدأت بمحاولات إقامة الفرائض الإسلامية..
ولهذا يؤكد بيجوفيتش أنه لا يمكن تطبيق الإسلام وممارسته ممارسة صحيحة في مجتمع متخلّف.. والسبب ببساطة أن هذا المجتمع سوف يتخلّى عن تخلّفه فور شروعه في ممارسة شعائره.. هنالك سيجد نفسه تلقائياً على عتبة الحضارة...
تتجلّى الثنائية في أهم فعل إسلامي وهو عملية النطق بالشهادتين الذي يعلن به الشخص اعتناقه للإسلام.. فالنطق لابد أن يُـؤَدَّى أمام الشهود؛ لأن الشخص الذي يعتنق الإسلام (رجلاً كان أو امرأة) ينضمّ إلى جماعة لها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي تترتب عليه التزامات قانونية، وليس فقط التزامات أخلاقية.. أما الإنسان الذي يلحق بدين روحي مجرد فلا يستلزم وجود شهود ولا يتطلب الإعلان.. حيث أن هذه علاقة بين الإنسان وربه تنعقد بمجرد انعقاد النية.. ولكن الإسلام ليس ديناً مجرداً، ولذا يصبح الشهود ويصبح الإعلان أمراً لازماً"...
وتتجلّى الثنائية أيضاً في الصلاة.. صحيح أن الصلاة عموماً تؤكد الجانب الروحي.. ولكن الصلاة في الإسلام، تشتمل أيضاً على عناصر مادية (طبيعية).. ومن هذه الناحية تنتمي الصلاة إلى عالمنا الذي يحدده الزمان والمكان.. هذا الجانب من الصلاة (سمِّه إن شئت الجانب الدنيوي، أو العلمي، أو الطبيعي) يزكّي بقوة صفة أخرى، هي الصفة الاجتماعية: فالصلاة ليست مجرد حضور الناس لأداء هذه الشعيرة الدينية في جماعة بالمسجد، ولكنها أيضاً مناسبة لتنمية العلاقات الشخصية المباشرة بين المسلمين.. وبهذا الاعتبار.. تكون الصلاة ضد الفردية وضد السلبية والانعزال.. فإذا كان السعْي لكسب العيش في الحياة يفـرّق الناس، فإن المسجد يجمعهم ويربط بينهم"...
ثم ينتقل علي عزت بيجوفيتش إلى الزكاة ليكشف لنا عن نفس النمط من الثُّنائية، فيشير إلى أن الزكاة في المرحلة المكّية كانت صدقات تُمنح للفقراء على سبيل التطوّع.. ولكن عندما تأسّس مجتمع المدينة (وهي اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الجماعة الروحية إلى "دولة") بدأ محمد صلى الله عليه وسلم بوحيٍ من الله يطرح الزكاة باعتبارها التزاماً قانونياً ( أيْ فريضة شرعية)، أو ضريبة يدفعها الأغنياء للفقراء.. وهي بهذا المعنى تُعتبر أول ضريبة من نوعها في التاريخ، كأن الإسلام قد أنشأ الزكاة عندما أضاف عنصر الإلزام القانوني إلى المؤسسة المسيحية للصدقة"...
يقول المسيري معلّقاً على هذه الحقيقة: إن استخدام علي عزت بيجوفيتش للنموذج المركب مكّـنه من ربط الصلاة بالزكاة، حيث يشير إلى أن المنطق الذي "حول الصلاة التأملية المجردة إلى صلاة "إسلامية"، هو نفسه الذي جعل من الصدقة التطوعية زكاة واجبة، والنتيجة النهائية أنه حوّل الدين الروحي المجرد إلى إسلام"، أي إلى دين ودنيا.. ربما لهذا السبب يلاحظ القارئ للقرآن أنه يربط الصلاة بالزكاة في آيات عديدة: { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ...} عبارة تتردد كثيراً بمفهومها وكلماتها في مواضع كثيرة من القرآن... 
يثير بيجوفيتش هنا سؤالاً بالغ الأهمية فيقول: هل الزكاة مجرد ضريبة برّانية لمساعدة الفقراء مثل الضرائب التي تفرضها الدولة العلمانية الحديثة..؟ ويجيب عن هذا السؤال بالنفي.. فالزكاة تحوى العنصرين: البرانيّ والجُـوّانيّ.. المادي والروحي.. ذلك لأن الفقر في نظر بيجوفيتش ليس قضية اجتماعية بحتة.. فسبب الفقر ليس العوز في حد ذاته فقط، وإنما يكمن أيضاً في الشر الذي تنطوي عليه النفوس البشرية.. فالحرمان هو الجانب الخارجي للفقر، أما جانبه الباطني فهو الإثم (أو الجشع الذي نجده في طبقة الأغنياء المترفين).. وإلا فكيف نفسّر وجود الفقر في المجتمعات الثرية" ...
ولذلك يرى بيجوفيتش أن الفقر لا يُعالَج بنقل ملكية بعض السلع من شخصٍ إلى شخصً آخر، وإنما أيضاً من خلال التضامن الشخصي، والقصد، والشعور الودّي.. فلا شيء يمكن إنجازه على الوجه الصحيح بمجرد تغيير ملكية سلع العالم طالما بقيت في النفوس الكراهية والاستغلال والاستعباد والجشع.. وهذا هو السبب في إخفاق الثورات الدينية المسيحية، والثورات الاشتراكية جميعاً".. لأن كل حل اجتماعي لم يتضمّن حلاً إنسانيّاً كان نصيبه الإخفاق في تحقيق أحلام الناس في العدالة والحرية...
ويشير علي عزت بيجوفيتش إلى ظاهرة فريدة في العالم الإسلامي، وهي ظاهرة الأوقاف،  التي يصفها بأنها ثورة هادئة حدثت نتيجة لإصرار التعاليم الإسلامية على الإنفاق والعطاء.. "فلا تكاد توجد دولة إسلامية واحدة ليست فيها ممتلكات كبيرة مخصصة للأوقاف وخدمة الخير العام.. حقيقةً أن الوقف لم يُذكر في القرآن، ولكنه لم يظهر في المجتمعات الإسلامية بمحض الصدفة، إنما كان ظهوره نتيجة لسيادة روح التضامن، ولتأثير وظيفة الزكاة التعليميّ في المجتمعات المسلمة... 
تتجلّى الثنائية نفسها في الصوم.. "فقد اعتبر المسلمون الصوم خلال شهر رمضان مظهراً لروح الجماعة، ولذلك نراهم شديدى الحساسية لأي انتهاك علني لهذا الواجب. فالصيام ليس مجرد مسألة إيمان فحسب.. ليس مجرد مسألة شخصية تخص الفرد وحده، وإنما هو التزام اجتماعي.. وهذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان الأخرى.. الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسّك والسعادة، بل والمتعة كذلك في حالات معينة.. إنه أكثر الوسائل التعليمية طبيعية وقوة.. فالصوم يُمارس في قصور الملوك وفي أكواخ الفلاحين على السواء.. في بيت الفيلسوف وفي بيت العامل"..
ثم يأتي علي عزت بيجوفيتش للركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج (إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة)، حيث يذهب إلى أنه لا يمكن فهمه إلا في إطار (نموذج مركب) على حد قول المسيري، فهو شعيرة دينية وتجربة روحية، ولكنه أيضاً تجمّع سياسي، ومعرض تجاري ومؤتمر عام للأمة...
ويجب التنبيه هنا على أن هذه الثنائية التي يتحدث عنها بيجوفيتش ليست ازدواجية.. فالصلاة والزكاة والوضوء كينونات لا تقبل التجزئة عند بيجوفيتش، لأنها تعبير عن شعور فطري بسيط، إنها يقين مُعبّرٌ عنه بكلمة واحدة وبصورة واحدة فقط، ولكنها مع ذلك تظل -منطقياً- تمثل دلالة ازدواجية.. والتماثل هنا مع الإنسان واضح، فالإنسان هو مقياسها ومفسّرها"...
المسلمون والحضارة الغربية:
يرى علي عزت بيجوفيتش أن المسلمين لا يزالون حائرين في موقفهم أمام الحضارة الغربية بين اختيارين كلاهما صعب: الرفض التام للحضارة أو اتّباعها اتّباعاً أعمى.. وهو ينصح المسلمين بتجاوز هذين الاختيارين فكلاهما خطر على المجتمعات المسلمة.. ذلك لأن من يرفضالحضارة الغربية برُمّتها سيبقى ضعيفاً إلى الأبد.. ومن يأخذها كلها بلا تمييز بين غثّها وثمينها فسوف يفقد هويـّته ويسقط في عالم التّيه والضلال.. ولا ينبغي أن يغيب عن وعينا أن الحضارة الغربية في واقع الأمر ليست احتكاراً لأمّة واحدة أو لجنس واحد.. إنما هي ثمرة جهود علماء كثيرين ينتمون إلى أديان مختلفة وشعوب مختلفة.. وهي حصاد كل الحضارات السابقة عليها.. وأن قوة الغرب الحقيقية لا تكمن في تفوّقه العسكري والاقتصادي  فحسب.. فهذا هو الجانب البرّاني منها أما جانبها الجُوّاني فيتجلى في التفكير النقديّ.. وهذا هو ما يجب أن نتبنّاه على الفور ونُتْقِـنَـهُ...
أما النقل الحرْفيّ لمنتجات الحضارة الغربية وتقليدها تقليداً أعمى كما هو شائع في بلا نا اليوم فيحذّرنا منه بيجوفيتش، لأنه يصيب الناقل المقلّد بآفـةٍ تكمن في روحه وثقافته من جرّاء تبَنّـِيه لنفس الصورة التاريخية للعالم.. وهي الصورة الغائرة في أعماق هذه الحضارة.. فكراهية الإسلام جزء من هذه الروح والثقافة الغربية التي تغذّت قرونا بأحقاد الحروب الصليبية والغزوات الاستعمارية التي تلتْها على العالم المسلم، وتشرُّب هذه الروح العدائية للإسلام من جانب بعض المسلمين يخلق عقدة نقص نلمسها في أجيال من الشباب الذين تعلموا في الغرب وانبهروا بقوته وتقدّمه، ومن هنا جاء احتقارهم لمجتمعاتهم المتخـلّفة.. ورفضهم لثقافتهم الإسلامية.. واذا قمنا بدراسة الصراع الدائر اليوم في المجتمعات المسلمة فسوف نتبيّن أن جوهر الصراع فيه يدور بين دعاة الحداثة المنحازين للغرب وبين المحافظين التقليديين.. ويرى بيجوفيتش أن هذا الصراع هو الذي مزّق المجتمعات المسلمة وانتهى بها إلى نهاية مأساوية محزنة...
فكرتان عظيمتان: 
يعرض بيجوفيتش هنا لفكرتين تشق اليوم طريقهما بقوة في الفكر الغربيّ.. في محاولة لجذب انتباه المسلمين إليهما.. من أجل تواصل أفضل وحوار أجدى.. يقول: أودّ هنا أن أعرض  لفكرتين عظيمتين معاصرتين انبثقتا في الفكر الغربي: يدعو إلى الفكرة الأولى( كارل بوبر) في كتابه: (مجتمع مفتوح وأعداؤه).. من سمات هذا المجتمع الأساسية: حرية الفرد، والنمو الشخصي، والتفكير الحر، والحق في نقد النظم السياسية، والتبادل الحر للآراء.. ولست أجد في دين المسلمين ما يحول بينهم وبين الأخذ بهذه الفكرة.. وإضافة الى ذلك فإن بوبر يحث على التسامح ويقف ضد السلوك البربري في أوروبا الذي يعانى منه المسلمون في القارة...
أما الفكرة الثانية فتتمثل في الدعوة إلى عصر نهضة ثانٍ في أوروبا.. صاحب هذه  الفكرة هو الفليسوف الألماني ويتساكر Weizsacker .. يتميز هذا العصر الذي يتطلّع إليه عن عصر النهضة الأول في أنه يتوجّه إلى عوالم وثقافات خارج أوروبا.. هذا التحّول الجديد نحو الخارج، والانفتاح على ثقافات شعوب العالم يجعل للإسلام وثقافته جاذبية وموضوعاً محتملاً  للحوار في إطار الاهتمام الأوروبي..
وفي هذا المجال يسوق عزت بيجوفيتش آية قرآنية من سورة المائدة لها دلالة ملفتة للنظر: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّه مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (آية 48 سورة المائدة).. ويعلق عزت بيجوفيتش على هذه الآية فيقول: نحن لا نستطيع أن ندخل في حلبة السباق إلى الخيرات.. ونُقنـع الآخرين بجدارتنا، وبما نملك من قِيـَمٍ عظيمة ما لم نقوّ هُويّـتنا.. أو بالأحرى وعْينا بهويّـتنا الخاصة.. فالمسلمون الواعون وحدهم هم القادرون على الأخذ والعطاء دون أن يلقوا بقيمهم الإسلامية وراء ظهورهم.. أما الذين انسلخوا من هويّـتهم ووطّنوا أنفسهم على الأخذ فقط، فهؤلاء هم المتسوّلون الذين لا يحظوْن باهتمام الآخرين أو احترامهم...
مسلم أوروبيّ:
في لقاء مع مندوب صحيفة (تشيرن) الألمانية في 5 نوفمبر 1994 ساأله الصحفي قال: "السيد الرئيس أنت معروف كمسلم حريص على التقاليد الأوربية والتسامح الأوربي.. والمنفتح على العالم بأسره.. ولكن هناك تقارير في الصحافة الأوربية تقول إن هناك الآن أسلمة جارية في البوسنة والهرسك... فهل هذه مجرد شائعات..؟
يجيب عزت بيجوفيتش: سوف أكون معك شديد الصراحة وأقول لك: لا ليست هذه شائعات بل حقيقة.. فالعودة إلى الدين أصبحت ظاهرة عالمية في كل مكان تمكّن الشيوعيون فيه من قمع الدين، على مدى خمسين إلى سبعين سنة ماضية.. نعم هناك أسلمة في البوسنة كما تسميها.. وهي صحوة إسلامية، ولكن هناك في البوسنة بنفس القدر صحوة أرثوذكسية وصحوة كاثوليكية.. والفرق أن عودة المسيحيين إلى دينهم لم تلفت نظر أوروبا المسيحية.. وهذا أمر أفهمه ولا ألومها عليه.. ولكنني أود فقط أن أصحّحك في نقطة واحدة وهي أن تسامحي الذي تتحدث عنه ليس مرده إلى كوني أوروبي وإنما مصدره الأصيل هو الإسلام.. فإذا كنتُ متسامحاً حقاً كما تقول فذلك لأنني أولاً وقبل كل شيئ مسلم ثم بعد ذلك أوروبي..
ويتابع بيجوفيتش شارحاً لرؤيته فيقول: لقد لاحظت من تجربتي في حرب البوسنة أن أوروبا لديها أوهام تعجز عن التحّرر منها.. رغم الحقائق الدامغة.. فقد دُمّـرت أثناء هذه الحرب مئات المساجد والكنائس كلها بلا استثناء، دمرها مسيحيون ولم يدمّر المسلمون كنيسة واحدة.. وقبل ذلك حكم الأتراك العثمانيون(وهم مسلمون) البلقان خمسمائة سنة فلم يهدموا كنيسة ولا أبادوا شعباً من الشعوب.. وحافظوا على الآثار المعمارية كلها.. وعلى الأدْيـِرة الشهيرة في جبال (فروشكا جورا) القريبة من بلجراد.. ولكن هذه الأديرة نفسها لم تصمد ثلاثة أعوام فقط تحت الحكم الأوروبي.. فقد دمّرها الشيوعيون والفاشيون خلال الحرب العالمية الثانية... ولم يكن هؤلاء الشيوعيون والفاشيون الذين ارتكبوا هذه الجريمة من آسيا، بل من قلب أوروبا.. وحتى هذه اللحظة لم  تُبْدِ أوروبا حساسية كافية ضد الفاشية المتصاعدة في البلقان.. بل وقفت تتفرج على الدمار والقتل الوحشي الذي ارتكبه الصرب في البوسنة..
إنني أعتزّ بأوروبا وأحمل لها كل تقدير.. وأنا نفسي أوروبي.. ولا أستطيع ان أتخلـّص من جلدي.. ولكنّي أقرّر أن أوروبا لديها فكرة عن نفسها أعلى بكثير من حقيقتها...!!
المشروع الإصلاحي لبيجوفيتش:
علي عزت بيجوفيتش فوق أنه فيلسوف ومفكر إسلامي عظيم، هو أيضاً مصلح إسلامي عظيم.. فقد ضمّن مبادئ فكره النظري التحليلي عن الإسلام كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب).. أما فكره التطبيقي التركيبي فقد تبلور في مشروعه الإصلاحي الذي خصص له كتاباً آخر بعنوان: (الإعلان الإسلامي).. يحدد بيجوفيتش في مقدمة هذا الكتاب الجمهور الذي يتوجه إليه بالخطاب، فيقرر أن الكتاب لا يخاطب غير المسلمين ولا يخاطب الذين يشككون في تميّز الإسلام عن النظم أو المدارس الفكرية الأخرى.. إنما يخاطب المسلمين الذين يدركون حقيقة انتمائهم للإسلام.. والذين تحدثهم قلوبهم حديثاً صريحاً واضحاً عن طبيعة ولائهم الإسلامي.. ومهمة الكتاب بعد ذلك أنه يكشف لهم النتائج التي تترتب على هذا الموقف الذي التزموا به.
يكشف لنا هذا الكتاب عن نظرات ثاقبة في تشخيص علل المجتمعات المسلمة وأسرار تخلّفها.. وهو بعد أن يشخّص ظاهرة التخلف في الشعوب الإسلامية يتناول طبيعة المشروع الإسلامي أو النظام الإسلامي الذي يدعو إليه ويوضّح أبعاده وعناصره، ثم ينتقل إلى معالجة المشكلات الأساسية التي تواجه هذا المشروع..
ويبدأ في ذلك بتوضيح إشكالية أساسية في قلب المجتمعات المسلمة هي التي تعوق النهضة الإسلامية، وهي التي تكرّس استمرارية التخلف.. فهو يرى أن أي نهضة في المجتمعات المسلمة تصطدم بنوعين متضادين من الناس ولكن بينهما عنصر مشترك وهما: المحافظون الجامدون على الأشكال القديمة، ودعاة الحداثة الذين يتطلعون إلى الأشكال الأجنبية في التقدم ولا يرون سواها.. أما العنصر المشترك بينهما فهو النظرة القاصرة أحادية الجانب إلى الإسلام، حيث يعتبرانه مجرد دين، بمعنى أنه مقتصر على الحياة الروحية للفرد، ولا شأن له بتنظيم الحياة الدنيا.
ويلاحظ علي عزت أن دعاة الحداثة هم الذين يهيمنون على الحكومات وعلى التعليم والحياة العامة في البلاد المسلمة.. ويكشف لنا عن سمة تُميّزهم وتيسر لنا التعرف عليهم: " فهم يفخرون بما كان يجب أن يخجلوا منه، ويخجلون مما كان يجب أن يفخروا به.. لقد جلبوا إلى أوطانهم أفكاراً ثورية أجنبية وبرامج إصلاح ومذاهب إنقاذ موصوفة لعلاج كل المشكلات، فإذا تأملناها ملياً نجد – لدهشتنا - نماذج لا يصدقها عقل في قصر نظرها وارتجالها..."
ويقارن علي عزت بين فلسفتي الإصلاح التي تبنتها كل من اليابان وتركيا (تحت نظام كمال أتاتورك)، ويكشف لنا عن الأسباب التي جعلت اليابان تنجح وتنطلق إلى قمة المجتمعات المتقدمة بينما انحطت تركيا إلى دولة متخلفة من دول العالم الثالث، وينبه - في هذا المجال - إلى حقيقة ما تعانيه الشعوب اليوم بسيرها على النموذج التركي في الإصلاح، حيث ضاعت هويتها وفقدت استقلالها وأصبحت عالة على الدعم السياسي والاقتصادي لدول الغرب.
وينتهي علي عزت إلى نظرية بالغة الأهمية حيث يرى أن جميع نجاحاتنا وإخفاقاتنا في الأخلاق والسياسة إنما هي مجرد انعكاس لفهمنا للإسلام وللكيفية التي طبقناه بها في الحياة: "لقد كان ضعف تأثير الإسلام في الحياة العملية للمسلمين مصحوباً دائماً بانحطاطهم وانحطاط مؤسساتهم السياسية والاجتماعية.. وتاريخ الإسلام كله منذ بدايته إلى يومنا هذا يؤكد هذا التطابق.. كأن هذا التطابق هو المصير الذي لا مناص منه للشعوب المسلمة.. وأحد قوانين التاريخ الإسلامي نفسه".
ويرتبط بهذه النظرية تأكيد علي عزت أن القرآن "هو الفكرة المركزية في الأيديولوجية الإسلامية والممارسة الإسلامية"، ويرى أن إشكالية القرآن في المجتمعات المسلمة ترجع إلى أن هذه المجتمعات تتعلق به تعلقاً عاطفياً ولكنها لا تستطيع تطبيقه في حياتها.. وهنا يكمن الفصام بين الكلمة والفعل في العالم المسلم.. وينسب ظواهر الفساد والانحراف والسطحية والتنطع والتخلف جميعاً إلى هذا التناقض الأساسي بين حماسنا المشتعل تجاه القرآن وبين الإهمال الكامل لمبادئه في الممارسة العملية.
ويرى علي عزت أن أسوأ الملامح في أوضاع المسلمين العامة تتمثل في تلك الفجوة المأساوية بين النخبة المهيمنة وبين الشعوب في البلاد المسلمة.. وأن افتقاد التوافق بين عناصر الفكر والقيادة من ناحية وبين الجماهير من ناحية أخرى يخلّ بالشرط الأول لأي إنجاز عظيم..
يرجع بيجوفيتش السلبية واللامبالاة لدى جماهير المسلمين إلى وجود هذه الفجوة.. ويرى أن أي برامج إصلاح لن يكتب لها النجاح أبداً إذا كانت معادية للإسلام متجاهلة لمشاعر الجماهير المسلمة.. وستجد النخبة من دعاة الحداثة "أنهم يضربون برؤوسهم في صخرة الرفض العنيد واللامبالاة الدفينة من جانب الناس البسطاء الذين يشكلون الغالبية العظمى من الأمة".
ويؤكّد على حقيقة أن "المجتمع الإسلامي لا يُبنى ولا يتم إصلاحه بالقانون أو باسم القانون ولكن باسم (الله) وعن طريق تعليم الإنسان المسلم وتربيته"..ويلفت النظر إلى ظاهرة متفشية في المجتمعات المسلمة حيث تتكاثر القوانين وتتشعب وتتعقد.. هنا يحذرنا بأن هذه علامة أكيدة على وجود شيء بالغ الفساد في المجتمع.. ويرى في هذا دعوة للتوقف عن إصدار مزيد من القوانين والبدء بتعليم الناس وتربيتهم.. ذلك لأنه "عندما يتجاوز الفساد في بيئة ما حداً معيناً يصبح القانون عقيماً".
يقوم النظام الإسلامي – كما يراه علي عزت - على ثلاثة عناصر لا يمكن الاستغناء عنها وهي: الاستقلال والحرية والديمقراطية.. والاستقلال الحقيقي - عنده – هو استقلال روحي وفكري، وعلامة على أن شعباً قد وجد هويته واكتشف قوته الذاتية.
وينبه علي عزت إلى حقيقة هامة وهي أنه كلما ابتعد نظام ما عن الإسلام كلما قل دعم الشعب له، ومن ثم يجد النظام نفسه مضطراً للبحث عن دعم خارجي.. فالتبعية التي تغرق فيها هذه النظم ليست إلا نتيجة مباشرة لتوجهاتها المعادية للإسلام.. وتتفاقم الأمور عندما تشعر هذه النظم بالمقاومة والعداء من جانب الشعب، فتلجأ إلى العنف لتمرير سياستها بالقوة.
ويحذر علي عزت من الانزلاق نحو وهم "الغاية تبرر الوسيلة" فقد أدى هذا المبدأ إلى جرائم لا حصر لها.. ولا أحد يملك الحق في تشويه وجه الإسلام أو الإساءة إلى النضال الشريف باستعمال العنف الجامح.. فالغاية النبيلة لا يمكن الوصول إليها بوسائل دنيئة".
ويعارض معارضة شديدة الاستيلاء على السلطة بالقوة بحجة أن يقوم النظام الجديد بعد ذلك ببناء المؤسسات المناسبة.. وبتربية الشعب تربية دينية وأخلاقية وثقافية لبناء مجتمع إسلامي، فهو يرى أن هذا "مجرد غواية" وأن التاريخ لا يذكر لنا أي ثورة حقيقية جاءت عن طريق السلطة ولكن عن طريق التربية.. وكانت معنية في جوهرها بالدعوة الأخلاقية".
الترتيب الصحيح – عند علي عزت - أن يقوم المجتمع الإسلامي أولاً ثم يأتي بعده النظام الإسلامي وليس العكس.
وفي مجال الوحدة الإسلامية يؤكد علي عزت أن الإسلام بطبيعته وروحه أقدر على توحيد الدولة الإسلامية برباط أقوى من روابط المصلحة التي توحّد الدول الأوروبية، فالإسلام لا يقيم الوحدة بين المسلمين على المصالح فقط [ هو لا ينكر المصالح ] ولكنه يجمع إليها عوامل الوحدة الروحية والمبادئ الأخلاقية والرسالة الإنسانية في إقامة العدل بين البشر.. وتلك هي مهمة (الأمة الإسلامية)، وليس معنى ذلك بالضرورة "الدولة الإسلامية العالمية الواحدة" كما فهم البعض خطأ أو كما أراد البعض أن يوهمنا بأن هذا هو ما يدعو إليه علي عزت في كتابه "الإعلان الإسلامي".
لقد عالج علي عزت هذه النقطة بوضوح تام في الفصل الثالث تحت عنوان: "الجامعة الإسلامية والحركة القومية" حيث تحدث عن "وحدة إسلامية كبرى" ويفسر لنا علي عزت طبيعة هذه الوحدة فيقول:
"... نحن نعتقد أنه لا يوجد ما هو أقرب إلى طبيعة الأمور وإلى الواقعية من مطلب اتحاد المسلمين بشتى أشكال الوحدة ليكونوا أقدر على معالجة مشكلاتهم المشتركة.. وأن يتجهوا بصورة تدريجية نحو بناء مؤسسات اقتصادية وثقافية وسياسية – تتجاوز القوميات- لكي يحققوا التنسيق والعمل المشترك في هذه المجالات الهامة".
ويرد علي عزت بقوة على أدعياء الواقعية من المسلمين الذين يرون استحالة تحقيق هذه الوحدة حيث يقول: "..الحق أن هذه الواقعية مصدرها الجبن والخضوع لسطوة الأقوياء في هذا العالم.. إن منطق هذه الواقعية يقول: ينبغي للسادة أن يظلّوا أسياداً وأن يبقى العبيد عبيداً.. إن أدعياء الواقعية عندنا غير مؤهلين للإيمان أو العمل، وهذا هو سر واقعيتهم المهينة عندما يقولون إن وحدة المسلمين حلم لا يمكن تحقيقه فإنهم إنما يعبرون عن عجز يستشعرونه في أنفسهم.. فالاستحالة ليست في العالم الخارجي بل في صميم قلوبهم...!
ومن المزاعم التي أثيرت حول فكر علي عزت أنه يرفض كل ما هو غير إسلامي في مجتمع المسلمين.. ولكن علي عزت – بعكس هذا الزعم - ينظر بإمعان إلى تجارب النظم الأخرى في العالم ويرى فيها أشياء نافعة وأخرى ضارة.. ولذلك فهو يفرق بين ما هو "غير إسلامي وما هو ضدّ إسلامي".. وهو يرفض كل ما هو "ضد الإسلام" ولكنه لا ينكر الأول بل ينفتح عليه برحابة عقل وسعة صدر حيث يقول: "إذا تحررنا من هوس الحتمية التاريخية والتفتنا إلى وسطية الإسلام يمكننا دون تعصبات أن نكتشف ما تنطوي عليه هذه الأنظمة القائمة من جوانب الخير والشر لا باعتبارها رأسمالية أو اشتراكية، ولكن باعتبارها تجارب إنسانية معينة تمارسها المجتمعات المعاصرة".
ويمضي لتعميق هذه الفكرة فيقول: "إذا نحن وضعنا الشعارات والمصطلحات المضللة جانباً وأخذنا في حسابنا فقط الحقائق التي نراها ماثلة أمامنا فيجب أن نعترف بالتطور الهائل في العالم الرأسمالي الذي تكشف عنه حيويته وقدرته على دفع عجلة العلم والاقتصاد إلى الأمام، إلى جانب أنه استطاع أن يتيح درجة أعلى من الحرية السياسية والأمن القانوني".
ومن ناحية أخرى "لا يمكننا أن نتغاضى عن إنجازات النظام الاشتراكي خصوصاً في مجال تعبئة الموارد المادية وفي التعليم وفي القضاء على صور الفقر التقليدية.. وفي نفس الوقت "لا يسعنا أن نتغاضى عن جوانب مظلمة وغير مقبولة في التقدمات الرأسمالية والاشتراكية ولا أن نتجاهل الكوارث الكبرى التي تزلزل كلاً من النظامين من وقت لآخر".
ويخلص علي عزت من هذا كله إلى أن الانفتاح العملي للإسلام في مجال حل المشكلات يجعله في وضع متميز يمكنه من دراسة التجارب الإيجابية والسلبية للآخرين دون تعصبات".. وبالتالي الانتفاع بأفضل ما في هذين النظامين...
مركزية الصحوة الإسلامية في مشروع بيجوفيتش:
يرى بيجوفيتش أنه لا يمكن البدء في نهضة إسلامية بدون صحوة دينية حقيقية، كما أنه لا يمكن لهذه النهضة أن تواصل مسيرتها بنجاح وتكتمل إلا بثورة سياسية.. بهذا المعنى يمكننا أن ننظرإلى النهضة الإسلامية باعتبارها ثورة مزدوج (أخلاقية واجتماعية)، وأنها تعطي أولوية واضحة للصحوة الدينية.. وهي بذلك تنبثق من طبيعة الإسلام ومبادئه وليس من الواقع الكئيب الذي يطبع العالم المسلم في الوقت الحالي.
يفصح هذا الواقع عن خطورة الحالة المعنوية للعالم المسلم كما يكشف عن الانحراف وسيطرة الفساد والخرافة والكسل والنفاق وسيادة التقاليد والعادات غير الإسلامية وترسّخ المادية، والغياب المذهل للحماسة والأمل.. فهل يمكن البدء بأي نوع من الإصلاح الاجتماعي أو السياسي مباشرة في مثل هذه الظروف..؟
يقول علي عزت بيجوفيتش: لا.. لايمكن.. فهو يرى أن كل أمة (قبل دعوتها لأداء دورها في التاريخ) عليها أن تحيا فترة من التطهير "الجُوّاني" والتسليم العملي بمبادئ أخلاقية أساسية معينة.. وكل قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي.. فكل ما يُراد تحقيقه في عالم المسلمين لابد أن نبدأ بتحقيقه أولاً في أنفس الناس.. وهذا هو لب الصحوة الإسلامية...            
§         فماذا نعني بالصحوة الدينية كمتطلب أساسي لمشروع النهضة الإسلامية..؟
إن الصحوة الدينية هي وعي واضح بالغاية الحقيقية للحياة: لمَ نحيا..؟ ولأجل أي هدف نحيا..؟ وهل هذا الهدف هدف شخصي أم هدف مشترك..؟ هل يتعلق الهدف بعظمة العنصر "الذي أنتمي إليه"..؟ أم بمجد قومية ما..؟، أم أنه تأكيد لشخصيتي الفردية..؟، أم هو العمل على هيمنة شريعة الله في الأرض..؟
بالنسبة لحالتنا: الصحوة الدينية تعني من الناحية العملية [ أسْلمةُ ] الناس الذين يدّعون أنهم مسلمون، سواء كانوا في ذلك صادقين أو واهمين، أولئك الناس الذين يدعوهم الآخرون بهذا الاسم لأنهم يحملون أسماء مسلمة بحكم الميلاد.. فنقطة الانطلاق في هذه [ الأسلمة ] هي الإيمان الراسخ بالله من جانب المسلمين والالتزام الدقيق الأصيل بقيم الإسلام الدينية والأخلاقية (فالإيمان القلبي والعمل الصالح مقترنان متلازمان دائماً في القرآن والسُّنة )...
أما العنصر الثاني للصحوة الدينية فيتمثل في الاستعداد للقيام بالواجبات التي يفرضها الوعي.. فالصحوة الدينية لذلك هي نوع من الالتزام الأخلاقي والحماسة.. حالة من القوة الروحية على المادة.. حالة من المثالية الحية العملية يصبح فيها الأشخاص العاديون قادرين على أعمال بطولية تتسم بالشجاعة والتضحية...
ومن ثم فالصحوة الدينية خاصية جديدة للإيمان والإرادة، تتلاشى فيها قيمة المعايير اليومية المألوفة للممكن والمستحيل، ويرتفع فيها الفرد والجماعة معاً إلى درجة أعلى من درجات التضحية في سبيل تحقيق مثلهم الأعلى.. وبدون هذه الحالة الجديدة للروح والشعور يستحيل تحقيق أي تغيير حقيقي في عالم المسلمين الحالي..
وعند النظر في هذه الأمور تستبد بنا الحيرة - ولو للحظة قصيرة- فنتساءل: هل أقصر طريق للنظام الإسلامي هو الاستيلاء على السلطة التي ستقوم بدورها ببناء المؤسسات المناسبة.. وتقوم بتربية الشعب تربية دينية وأخلاقية وثقافية، كمقدمة ضرورية لبناء مجتمع إسلامي...؟
يجيب علي عزت بيجوفيتش على هذا التساؤل فيقول: هذه مجرد غواية، فالتاريخ لا يذكر لنا أي ثورة حقيقية جاءت عن طريق السلطة وإنما عن طريق التربية وكانت معنية في جوهرها بالدعوة الأخلاقية.. إضافة إلى ذلك فإن الصيغة التي تقصر إقامة النظام الإسلامي على نوع من السلطة لا تجيب عن هذا السؤال الجوهري: من أين تأتي هذه السلطة، ومن سيقيمها وينفذها..؟ ومن أي نوع من الناس ستتألف هذه السلطة ومؤسساتها..؟ وفي النهاية من الذي سيكبح سلوك هذه السلطة ويمنعها من أن تتحول إلى غول، تخدم نفسها بدلاً من أن تخدم الشعب الذي رحب بها.. بمعنى آخر تتحول إلى دكتاتورية مستبدّة..!؟
من الممكن استبدال مجموعة من الناس من السلطة بمجموعة أخرى وهذا ما يحدث كل يوم.. يمكن استبدال مجموعة من الطغاة بمجموعة أخرى من الطغاة.. "إن مُلاك السلطة" في هذا العالم قابلون للتغيّر.. ومن الممكن تغيير الأسماء والأعلام والسلام الوطني والشعارات.. ولكننا بهذا كله لا نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة نحو تحقيق النظام الإسلامي من حيث هو تجربة جديدة في العالم.. وعلاقة جديدة مختلفة بين الإنسان ونفسه وبينه وبين الآخرين والعالم...
والتطلع الدائم إلى سلطة ما للمساعدة تكمن جذوره في الميل الطبيعي للإنسان إلى الهروب من المراحل الأولى الشاقة من الجهاد.. وأعني بذلك جهاد النفس، فإن تربية الناس مشقة.. ولكن أشق منها تربية الذات...
والصحوة الدينية بحكم تعريفها تعني البدء بالذات.. بحياة الإنسان نفسه.. أما فكرة العنف والسلطة "كوسيلة للتغيير" فهي موجّهة للآخرين، وهذا ما يجعل هذه الفكرة ذات إغواء كبير...!!
لذلك لابد لأي حركة تتطلع إلى النظام الإسلامي كهدف أساسي لها أن تكون حركة أخلاقية.. أن تستهدف إيقاظ الناس بالمعنى الأخلاقي، أن تكون لها وظيفة أخلاقية تنهض بالناس وتصلح أحوالهم.. وهذا هو الفرق بين الحركة الإسلامية وبين الحزب السياسي. فالحزب السياسي قد تتمثل فيه وحدة بين الأفكار والمصالح ولكنه لا يتضمن معايير أخلاقية ولا يشغل الناس بنشاط أخلاقي...!
لقد أعطت المصادر الإسلامية أولوية مطلقة للصحوة الدينية:
أولاً: يقرر القرآن أن الصحوة الجُوّانية (تغيير الأنفس) شرط سابق على أي تغيير أو إصلاح أوضاع أي جماعة: ]إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ[ (الرعد/11)..
ثانياً:  تأكدت هذه القاعدة عملياً في صدر الإسلام وفي جهاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في سبيل إقامة أول نظام إسلامي في التاريخ، ويدل على هذا أن القرآن - طوال السنوات الثلاث عشرة الأولى من الدعوة الإسلامية - اقتصر في نقاشه على قضايا الإيمان وتأكيد المسئولية، ولم يتطرق في تلك الفترة لأية مشكلة اجتماعية أو سياسية ولم يقرر أي نوع من القوانين الاجتماعية المبنية على الإسلام..
يقول بيجوفيتش: إننا نتطلع إلى الصحوة الدينية لتحقيق ثلاثة أمور أخرى هامة:
1- الصحوة الدينية وحدها هي التي يمكن أن توفر العزم (دون تردد أو تساهل) على تطبيق أحكام القرآن ولاسيما تلك الأحكام التي تتعلق بالأمراض الاجتماعية المتأصلة أو التي من شأنها إحراج أصحاب السلطان ومحتكري الثروات العريضة..
وتعنى الصحوة الدينية أن يتم تطبيق هذه الأحكام بدون عنف ولا إكراه.. لأن كل المجتمع الذي استيقظ فيه وعيه الديني أو ( غالبيته ) سوف يفقه هذه الأحكام ويرحب بها طاعة لأمر الله وتحقيقاً للعدل في الأرض كما أمر الله سبحانه وتعالى..
2- لا يمكن تصور نهضة إسلامية بدون استعداد الناس لتضحيات هائلة بالأموال والأنفس، ولا بدون درجة عالية من الثقة المتبادلة والتعاون المخلص فيما بينهم.. فما الذي يحول دون استغلال هذه الجهود والتضحيات التي يفرضها المجتمع على نفسه أن يستخدمها فريق آخر لدعم سيطرته وإشباع مطامعه..؟ وما الذي يمنع من تكرار مأساة الهزائم الأخلاقية التي يتكرر ظهورها في التاريخ الحديث للمسلمين..؟
إن كل نظام (بما في ذلك النظام الإسلامي) يكون دائماً أكثر تمثيلاً للناس الذين أقاموه من تمثيله للمبادئ التي ينادون بها..
3-   نظراً للتخلف المذهل في العالم الإسلامي.. عليه أن يسير سيراً حثيثاً في مجالي التربية والتصنيع ( جنباً إلى جنب ).. ذلك لأن التنمية المادية المتسرعة تكون مصحوبة بأعراض مرضية خطيرة، تتمثل في الاستبداد والفساد وتحطيم الأسرة وانتهاب الثروات بطرق سريعة غير مشروعة، وبروز الانتهازيين ومعدومي الضمير في المقدمة، والتوسع في المدن ( على حساب الريف ) وانتشار الكحول والمخدرات وتفشي الدعارة، ولا يوجد سد يحول دون الفيضان الكاسح لهذا الخبث المضاد للثقافة الإسلامية والأخلاق الإسلامية إلا ذلك السد الذي يُبنى على أساس من الإيمان القوي الخالص بالله، والالتزام بتعاليم الدين من قبل جميع فئات الشعب، فالدين وحده هو الذي يضمن لنا ألا تقوّض الحضارة أركان الثقافة.. أما التقدم المادي والتقني المجرد كما رأينا بوضوح في كثير من الحالات فإنه يتحول إلى بربرية...
علي عزت بيجوفيتش من المفكرين القلائل في هذا العالم الذين لا يطلقون الأحكام جزافاً.. ولا على سبيل المبالغة، وقد آتاه الله من الحكمة وعمق البصيرة مع قدرة هائلة على دقة التحليل وعمق النظر في أحداث التاريخ وفي الطبيعة الإنسانية.. الذي يجعلنا نقف لنتأمل طويلاً في كلامه عندما يقول: إن التقدّم المادي والتقني وحدهما يتحوّلان إلى بربرية ويؤديان إلى كوارث إنسانية وأخلاقية.. وجرائم ضد البشر..
ويذكرنا علي عزت في النهاية بحقيقة هامة وهي أننا يجب ألا نستهين بقدر الأخوة بين المسلمين ولا بالعاطفة القوية التي تربطهم في جميع أنحاء الأرض بالقرآن، والتي تدل على أن العالم المسلم لم يمت وإنما لا يزال حياً ينبض بالحياة.. "فحيث توجد مثل هذه المشاعر لا يوجد موت".. إن العالم المسلم ليس صحراء مقفرة وإنما هو تربة عذراء في انتظار يد الزارع.. وبفضل هذه الحقائق تصبح مهمتنا واقعية قابلة للتحقيق..
إن مهمتنا تتمثل في تحويل هذه المشاعر الكامنة إلى قوى فعالة مؤثرة. فالإخلاص للقرآن لابد أن يتحول إلى تصميم على تطبيقه، وأن تتحول الجماعة الإسلامية القائمة على الوجدان إلى جماعة واعية منظمة.. وأن يتحول حب الإنسانية إلى أفكار واضحة لتصبح هي المحتوى الأخلاقي والاجتماعي للقوانين والمؤسسات".
وهكذا تتعاظم في فكر علي عزت مكانة القرآن في صميم النظام الإسلامي، كما تتعاظم قيم العدل والإنصاف والإنسانية.
القاهرة في 24 فبراير 2009
 
 


(*) يشير بيجوفيتش بهذا إلى مسألة تحقق الإجماع، وفيه رأيان مشهوران: الأول أنه لا يكون إلا باتفاق المجتهدين كلهم، فلو اتفق أكثرهم فلا يكون إجماعاً ولا حجة. والثاني: أنه ينعقد باتفاق الأكثر من أهل الاجتهاد، إذا كان المخالف نادراً كالواحد والاثنين، لأن رأي الأمة يطلق ويراد به الكثرة منها، فتكون العصمة من الخطأ في رأي الكثرة، ولأن العبرة بالغالب في سائر الأمور الفقهية.. وفي المسألة تفصيلات أخرى في كتب أصول الفقه.
 
(*) يشير بيجوفيتش بهذا إلى سورة العلق -وهي أول ما نزل من القرآن- الذي فيه الأمر بالقراءة مرتين، كما أن فيه التنويه بنعمة تعليم الإنسان الكتابة بالقلم: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }.
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صور من الموبقات التي نشرها الاحتلال في العالم العربي

صور من الموبقات التي نشرها الاحتلال في العالم العربي

وقد دأبت سياسات الاحتلال البريطاني في مصر 1882 – 1922م على الدفع بالمجتمع...

مسلمو فرنسا والمشاركة الانتخابية

مسلمو فرنسا.. والمشاركة الانتخابية

مع اقتراب موعد الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى...

حزام الفتن حول جزيرة العرب

حزام الفتن حول جزيرة العرب

د. نزار السامرائي ربما كانت الحكومة الشرعية في اليمن وكل من يساندها...

جديد الأخبار المزيد
فلسطينيو الداخل: قانون منع الأذان عدوان علينا ولن ننفذه

فلسطينيو الداخل: قانون منع الأذان عدوان علينا ولن ننفذه

نددت شخصيات فلسطينية تنشط في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، بمصادقة...

 انتفاضة التموين تتصدر يوما ثانيا على مواقع التواصل

"انتفاضة التموين" تتصدر يوما ثانيا على مواقع التواصل

لليوم الثاني على التوالي؛ يتواصل تفاعل النشطاء على...

غضب بعد دعوة رجل أعمال إماراتي لشرب الخمور.. والأخير يتراجع

          أثارت تصريحات رجل الأعمال الإماراتي،...

  • أيام في سيلان والمالديف