• الصليب وحكاياته

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 4

May 13 2010 3:51AM

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 4
نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 4
خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، وبعد ..
فقد مرض أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وأحس بدنو أجله، فاستشار كبار الصحابة في أمر الخلافة وقال لهم : " إني قد نزل بي ما ترون ، ولا أظنني إلا ميتا لما بي ، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم ، فأمَروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي (1) ..
وهكذا أثبت الخليفة الأول للمسلمين أن الأمة وحدها هي صاحبة الحق في اختيار من يتولى عليها ، ولو اتبعت البشرية تلك السنة الحسنة لوفرت على نفسها قرونا طويلة قضتها في الاستبداد قبل أن تقوم الثورة الفرنسية وينشر الغرب فكرة الديمقراطية وحرية الانتخاب ، ولو التزم المسلمون بهذا النهج الذي رسمه لهم الصديق ومن قبله النبي صلى الله عليه وسلم ما تعرضت أمتنا خلال تاريخها لانتكاسات كثيرة ، وإن كنا لسنا في موطن محاسبة التاريخ ومحاكمة السابقين وإنما نسعى لاستدراك ما فات ، ونجتهد لأن تعود أمتنا لتلك السنة الرشيدة ..
ونعود إلى الصحابة الذين وكل إليهم الصديق تبعة اختيار الخليفة بعده فنقول : إنهم "تشاوروا بينهم ثم جاءوه طالبين منه أن يرشح لهم واحدا من بينهم، فأجابهم بقوله : لعلكم تختلفون؟( أي على من يرشحه لهم ) فقالوا: لا. فقال: عليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم. قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده (2).
وقضى ـ رضي الله عنه ـ يومه في النظر في سيرة من حوله والمفاضلة بينهم ليهتدي إلى من هو أقدرهم على تولي المسئولية بعده ، ثم أرسل إلى عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد، وأسيد بن الحضير، وغيرهم من المهاجرين والأنصار ـ رضي الله عنهم ـ وأدخلهم عليه فرادى كي لا يستحي أحد منهم من إبداء رأيه بكل صراحة ، فكلهم أشار عليه بعمر ـ رضي الله عنه..
فكان مما قاله لعبد الرحمن بن عوف : أخبرني عن عمر ، فقال : يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ، ولكن فيه غلظة ، فقال أبو بكر : ذلك لأنه يراني رقيقا ، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه ، ويا أبا محمد قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه ، وإذا لنت له أراني الشدة عليه ، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا ، قال : نعم .
ثم دعا عثمان بن عفان فقال : يا أبا عبد الله أخبرني عن عمر قال : أنت أخبر به ، فقال أبو بكر : علي ذاك يا أبا عبد الله ؟ قال : اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته ، وأن ليس فينا مثله ، فقال أبو بكر : رحمك الله يا أبا عبد الله ! لا تذكر مما ذكرت لك شيئا ، قال : أفعل .. . (3).
وبعد أن رأى إجماعهم على عمر أحضر عثمان بن عفان خالياً ليكتب له العهد باستخلافه عليهم ، فقال له : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. ثم أغمي عليه، فكتب عثمان: أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، ولم آلكم خيراً، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي. قال: نعم. قال: جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله . (4).
وبعد ذلك أشرف على الناس من شرفة بيته وزوجته أسماء ابنة عميس تعينه على الوقوف وتسانده ، وهو يقول : أترضون بمن استخلف عليكم ؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قرابة ، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فقالوا : سمعنا وأطعنا..
وبعد فراغه من قراءة عهده دخل عليه طلحة بن عبيد الله ـ وكان لا يزال يرى في عمر الصلابة ، ويخشى أن يشتد على المسلمين فقال: استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ؟ وكيف به إذا خلا بهم وأنت لاقٍ ربك فسائلك عن رعيتك! فقال أبو بكر: أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفني! إذا لقيت ربي فسألني قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك.
وهذا الموقف يحمد لأبي بكر وطلحة على السواء ، يحمد لأبي بكر لأنه عرف الحق فتمسك به ، ويحمد لطلحة لأنه عبر عن وجهة نظره ، ولم يكن إمعة ، ولم يجامل ولم ينافق الحاكم ، وتلك أسمى المنزلة في المعارضة ، ولكي لا تذهب العقول بعيدا نقول : إن طلحة صار من رجال الشورى في عهد عمر ، وجعله عمر قبيل وفاته من النفر الستة الذين رشحهم للخلافة ؛ مما يعني أنه لم يقصد باعتراضه على ترشيح عمر سوى الظن بأنه ربما اشتد على الناس في خلافته ، وأن عمر لم تؤثر في نفسه مقولة طلحة ..
وبعد فراغ الصديق من محاجاة طلحة أحضر عمر فقال له: إني قد استخلفتك على أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم أوصاه بتقوى الله فقال: يا عمر إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار، وحقاً في النهار لا يقبله بالليل، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، ألم تر يا عمر أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غداً إلا حق أن يكون ثقيلاً.
ألم تر يا عمر أنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غداً إلا باطل أن يكون خفيفاً ، ألم تر يا عمر أنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغباً راهباً، لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبةً يلقي فيها بيديه.
أولم تر يا عمر أنما ذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو أن لا أكون منهم، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه يجاوز لهم ما كان من سيء فإذا ذكرتهم قلت : أين عملي من أعمالهم ؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكونن غائب أحب إليك من حاضر من الموت، ولست بمعجزه(5).
إن سنة الله ماضية ، وما من حاكم ـ مهما طال عمره ـ إلا وسيمر بتلك اللحظة التي مر بها الصديق ، ويقف مودعا الدنيا ليستقبل الآخرة ؛ حيث الحساب والجزاء على ما قدم ، فلماذا لا يؤخذ كل حاكم الدرس من الصديق ويوصي من يأتي بعده بمثل تلك الوصايا ، فتبرأ ذمته أمام الله ويسعد من يخلفه وتسعد به رعيته ؟
بلغ الصديق عمر تلك الوصية ثم قبض ـ رضي الله عنه ـ لثمان ليال بقين أو سبع بقين من جمادى الآخرة سنة 13 هـ ، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال ، فتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ..
وأقبل الناس يوم وفاته على عمر رضي الله عنه فبايعوه ، واستمرت بيعته ثلاثة أيام .. ثم صعد رضي الله عنه المنبر بعدها فلم يزد على أن قال : إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده ، فلينظر قائده حيث يقود ، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق . (6).
وفي فجر اليوم التالي لخلافته ندب الناس للخروج مع المثنى إلى العراق ؛ لتكتمل فتوحات العراق ؛ واستجابة لأمر أبي بكر الصديق ، حيث أوصاه قبيل موته بتعجيل إرساله الناس معه ، وقال له : إني لأرجو أن أموت يومي هذا، فإذا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة عن أمر دينكم ووصية ربكم، فقد رأيتني متوفى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما صنعت وما أصيب الخلق بمثله .. (7).
إن الملوك والرؤساء والحكام دأبوا الآن على إقامة الحداد على أسلافهم ونصب السرادقات لتلقي العزاء ، وربما عطلوا مصالح بلادهم أياما طويلة ، وهم يحسبون أنهم بصنيعهم هذا أوفياء لأوطانهم ، ولكن الوفاء الحقيقي كان في سلوك أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ حيث تجردا من ذاتهما ، ولم يضيعا لحظة واحدة في خدمة دينهما وبلادهما .
وكان عمر ـ رضي الله عنه ـ يتكسب من العمل في التجارة مثل الصديق قبل توليه الخلافة ، فظل ردحا من الزمن يعمل فيها بعد مبايعته ، ثم جمع الناس بعد فتح القادسية ودمشق فقال : إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي ، وقد شغلتموني بأمركم ، فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال ؟ فأكثر القوم ( أهل الحل والعقد ) الحديث وعلي بن أبي طالب بينهم ساكت ، فقال له عمر من دونهم : ما تقول يا علي ؟ فقال : ما أصلحك وأصلح عيالك بالمعروف ( أي لك أن تأخذ راتبا قدر ما يصلحك ) ليس لك من هذا المال غيره ، فقال القوم : القول قول ابن أبي طالب ..
هذه هي الحكومة التي كانت تقود المسلمين في السالف ، تجتمع لتقر وتحدد الراتب الذي يناسب الخليفة ، ويصدر القرار منهم فلا يعترض عليه ، ولعل القارئ لهذا الحوار يعرف السر الآن في حرص حكومات الدول المستبدة على تحجيم مقرر تاريخ الخلفاء الراشدين والإطناب في غيره من التواريخ ، حيث تحرص على إبعاد النشء عن مطالبتهم بالتأسي بتلك المواقف ..
ونعود إلى مجلس الحل والعقد مرة أخرى فنقول : إنهم لما أرادوا أن يزيدوا لعمر في عطائه بعد الفتوحات وكثرة الخيرات قال لهم : وإنما مثلي ومثل صاحبي( يقصد رسول الله وأبا بكر ) كثلاثة سلكوا طريقا ، فمضى الأول ، وقد تزود وزاد فبلغ ، ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه ، ثم اتبعه الثالث فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما ، وكان معهما ، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما . (8).
إن الشباب المثقف في أمتنا الآن ، وخاصة من عايش الغرب وتعلم هنالك قد يرى القانون عندهم لا يجيز للحاكم أن يأخذ أكثر مما حدد له ، وقد يزداد اندهاشه وانبهاره عندما يرى من المسئولين في الغرب من قد خضع لنظام المساءلة ، وهو ـ بجهله للتاريخ ـ لا يدري أن ما يبهره في الغرب ما هو إلا غيض من فيض مما كان عليه حكام المسلمين الأوائل .
وكما حرص الصديق على أن يولي الأمر من هم أهله فقط فكذلك فعل عمر ، فقد ندب الناس للخروج إلى العراق مع المثنى ، فلما تأخروا في الخروج إليه وأسرع أبو عبيد بن مسعود ولاه قيادة الجيش ، فقيل له : أمر عليهم رجلا من السابقين من المهاجرين والأنصار فقال : لا والله لا أفعل ، إن الله إنما رفعكم بسبقكم وسرعتكم إلى العدو ، فإذا جبنتم وكرهتم اللقاء فأولى بالرياسة منكم من سبق إلى الدفع ، وأجاب إلى الدعاء ، والله لا أؤمر عليهم إلا أولهم انتدابا ..
لقد سن عمر رضي الله عنه بفعله هذا نظرية الكفاءة وإسناد الأمر إلى من هو أهله ، تلك النظرية التي كانت سببا في التطور السريع الذي شهده العالم الإسلامي في كل المجالات وعلى رأسها الفتوحات الإسلامية ..
وقبل أن يودع أبا عبيد أوصاه قائلا : إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية ، تقدم على قوم قد جرؤا على الشر فعلموه ، وتناسوا الخير فجهلوه ، فانظر كيف تكون ، واخزن لسانك ، ولا تفشين سرك ، فإن صاحب السر ما ضبطه متحصن ، لا يؤتى من وجه يكرهه ، وإذا ضيعه كان بمضيعة . (9).
وهذا الكلام يدل على أن عمر ـ رضي الله عنه ـ كان ملما إلماما كاملا بأحوال عدوه ، وربما كان لديه ملفات كاملة في هذا الشأن ..
وبعد أن فرغ من أمر العراق عين أبا عبيدة بن الجراح خلفا لخالد بن الوليد على جند الشام ؛ لأنه أحس أن أكثر الجنود يريدون أن يحاربوا تحت لواء خالد فقط ؛ لما رءوا النصر حليفه في كل مكان حلّ به ..
ولقد أكثر الظانون بعمر ظن السوء القيل والقال حول سبب عزله لخالد ، ولكنه رضي الله عنه أكد على أنه ما عزله إلا للصالح العام فقال : إني لم أعزله عن ريبة ، ولكن الناس عظموه فخشيت أن يوكلوا إليه . (10).
إن عمر ما كان يعرف هوى النفس طريق إلى قلبه ، وما عين واليا قط لمكانة له في قلبه ، ولا عزل قائدا قط لأنه كان في نفسه منه شيء ، فلقد جرد نفسه لله حتى إنه لما دخل عليه الرجل الذي قتل أخاه قبل إسلامه قال له : لا أحبك أبدا وقد قتلت زيدا ، فيرد عليه الرجل بطبيعة الأعرابي الجاف : وهل بغضك إياي يمنعك حقا من حقوقي ؟ فقال عمر على الفور : لا ، فما كان من الرجل الأعرابي إلا أن قال له : إنما يبكي على الحب الناس ، وكأنه يقول له : لست في حاجة إلى حبك يا عمر ما دام ذاك لن يزيدني أو ينقصني .
وقبل أن يشيع عمر أبا عبيدة بن الجراح أوصاه قائلا : أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي هدانا من الضلالة ، وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد ، فقم بأمرهم الذي يحق عليك ، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم ، وتعلم كيف مأتاه ، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس ، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة ، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك ، فأغمض بصرك عن الدنيا ، وأله قبلك عنها ، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك ، فقد رأيت مصارعهم . (11).
وتتابعت فتوحات الشام في عهده ـ رضي الله عنه ـ حتى تم فتح كل أقاليمها على يد أبي عبيدة ومن معه من القادة ، وعقدت لهم المعاهدات ، وبنفس البنود التي كان يمنحها خالد لأهل العراق ، والتي أشرت إليها من قبل ، ومثال على ذلك ما شرطه شرحبيل بن حسنة لأهل طبرية ، إذ كتب لهم أنهم أمناء على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكنائسهم ومنازلهم إلا ما جلوا عنه وخلوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعا.
وما كتبه أبو عبيدة لأهل بعلبك الذين خرجوا إليه وهو في طريقه إلى حمص فطلبوا منه الأمان والصلح، فصالحهم على أنهم أمناء على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وكتب لهم: " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها ، على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم، داخل المدينة وخارجها، وعلى أرحائهم ( مطاحنهم )، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم وبين خمسة عشر ميلا، ولا ينزلوا قرية عامرة ، فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الأولى ساروا إلى حيث شاءوا ، ومن أسلم منهم فله ما لنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها، وعلى من أقام منهم الجزية والخراج ، شهد الله، وكفى بالله شهيدا "(12)..
وتلك المعاهدات وما احتوته من بنود تحفظ لكل إنسان حقوقه وحريته كاملة كانت تجعل أهالي المدن الشامية الأخرى التي لم تفتح يرحبون بالفتح الإسلامي ، ويسعون للتخلص من نير الاحتلال الرومي ، فا هم أهل حمص بمجرد أن عرفوا بهروب هرقل خرجوا مرحبين بالمسلمين ، وأخرجوا إليهم العلف والطعام ، وطلبوا مصاحبتهم ، فصالحوهم وأمنوهم على أنفسهم وأموالهم وسور مدينتهم وكنائسهم وأرحائهم، واستثنى عليهم أبو عبيدة ربع كنيسة يوحنا للمسجد، وكان قد هرب قوم من نصارى اللاذقية ، فلما علموا بسماحة المسلمين عادوا وطلبوا الأمان على أن يتراجعوا إلى أرضهم ، فأجابوهم على ذلك ، وتركت لهم كنيستهم.
ولما بلغ المسلمين أن هرقل قد جيش الجيوش وسعى لاسترداد حمص ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم ، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم ، ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد ، فأغلقوا الأبواب وحرسوها ، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود. (13).
بل إن أصحاب الأديرة كانوا يسارعون بتقديم العون للفاتحين المسلمين ، فقد مر خالد بن الوليد على دير من الأديرة فأعطوه سلما صعد عليه لفتح أحد الحصون ، فكافأهم على ذلك ، وكتب لهم كتابا بتخفيف الخراج عليهم .
ووصلت أخبار تلك المعاملة إلى هرقل من خلال أحد الروم الذين وقعوا في الأسر ، فسأله وقال : أخبرني عن هؤلاء القوم فقال : أحدثك كأنك تنظر إليهم فرسان بالنهار ورهبان بالليل ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام ، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه ، فقال : لئن كنت صدقتني ليرثن ما تحت قدمي هاتين . (14)..
وقد صادف فتح القدس وجود عمر ـ رضي الله عنه ـ بالشام لتفقد جند المسلمين ، فذهب لتسلم مفاتيح المدينة بعد قدومه من الجابية من أرض دمشق، فمر في طريقه بقوم مجذمين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات، وأن يجرى عليهم القوت الذي يحتاجون إليه في معاشهم (15).
وكان ـ رضي الله عنه ـ يقابل بالترحيب من كل مدينة شامية يمر بها ، وخرج المقلسون ـ وهم قوم يلعبون بلعبة لهم بين أيدي الأمراءإذا قدموا عليهم ـ لاستقباله بالسيوف والريحان، فقال عمر رضي الله عنه: مه، ردوهم وامنعوهم،فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سنة العجم أو كلمة نحوها، وإنك إن تمنعهممنها سروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم، فقال: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبيعبيدة. (16)
وقد بلغه وهو هناك أن جبلة بن الأيهم ـ وكان ملكا على غسان من قبل ـ تشاتم هو ورجل من عامة الناس فلطم عينه، فاشتكى الرجل لعمر فأمره بالاقتصاص من جبيلة فقال: أو عينه مثل عيني ؟ يستنكف أن يسوى بينه وبين عوام الناس ! ولكن عمر رضي الله عنه الذي خرج لينشر العدل بين الرعية ما كان ليترك تنفيذه بين رجلين ، ولو كان أحدهما ملكا والآخر من العامة .
وقبل أن يغادر القدس كتب لأهلها كتابا جاء فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أنه لا تسكن كنائسهم ، ولا تهدم ، ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ، ولا من شيء من أموالهم ، ولا يكرهون على دينهم ، ولا يضار أحد منهم ، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم ( أي عساكر الروم ) واللصوص ، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ، ومن أقام منهم فهو آمن ، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ، ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم ، .. فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ، ومن شاء سار مع الروم ، ومن شاء رجع إلى أهله ، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم ، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية (17).
وبعد الفراغ من فتح بيت المقدس وسائر بلاد فلسطين استأذن عمرو بن العاص عمر رضي الله عنهما في فتح مصر ، فأذن الله ، فسار إليها ، وبعد عدة معارك بين المسلمين والروم وقلة ممن شايعهم من المصريين ممن كانوا ينتفعون بوظائفهم تم تحرير مصر بأسرها من قبضة الروم ، وتوجه عمرو إلى الإسكندرية ، فدخل مع واليها في جولات خاطفة ، ثم كتب إليه أمير الإسكندرية يقول : إني قد كنت أخرج الجزية إلى من هو أبغض إلي منكم معشر العرب لفارس والروم ، فإن أحببت أن أعطيك الجزية على أن ترد علي ما أصبتم من سبايا فعلت ، فبعث إليه عمرو بن العاص إن ورائي أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه ، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عني حتى أكتب إليه بالذي عرضت علي فإن هو قبل ذلك منك قبلت ، وإن أمرني بغير ذلك مضيت لأمره ، فقال : نعم .
ثم كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب كتابا يذكر له الذي عرض عليه صاحب الإسكندرية ، فرد عليه عمر : أما بعد فإنه جاءني كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية على أن ترد عليه ما أصيب من سبايا أرضه ، ولعمري لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحب إلي من فيء يقسم ثم كأنه لم يكن ، فأعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية على أن تخيروا من في أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه فمن اختار منهم الإسلام فهو من المسلمين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه ، فأما من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن فإنا لا نقدر على ردهم ، ولا نحب أن نصالحه على أمر لا نفي له به ، فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذي كتب به أمير المؤمنين فقال : قد فعلت ..
وبتلك المناسبة أشير إلى حقيقة الجزية التي كان ينبغي أن نقف عندها عند أول إشارة لها في معاهدات المسلمين مع أمراء البلاد المفتوحة ، فقد كانت تلك الجزية التي تحصل من البلاد المفتوحة عبارة عن ضريبة من الضرائب التي تحصل في أي مجتمع من المجتمعات القديمة والحديثة ، لا يشذ فيها مجتمع ، وكانت تحصل من البلاد المفتوحة قبل فتحها ، تجبيها الحكومات القائمة ، والجديد في الأمر أن الإسلام هذبها ونظمها ، فبعد أن كانت متعددة صارت على ما يكسبه الأغنياء القادرون فقط ، وأعفي منها الفقير وأصحاب الحاجات الخاصة ورجال الدين ، ومن كانوا يقدمون خدمات للدولة كمساعدة الغزاة المسلمين أو إرشادهم عند الغزو ، كما أعفي منها النساء والصبيان غير البالغين والمرضى والمنقطعين للعبادة، وهذا ما لا تسمح به أي نظم غير إسلامية ، وكان يكتب في عقود الصلح أنها تؤدى على قدر الطاقة .
وإذا كانت الحكومات العلمانية التي هيمنت على العالم الإسلامي الآن تزعم ـ تقربا للنصارى ـ أنها ألغت ضريبة الجزية فإن كل ما فعلته هو إلغاء اللفظ فقط ، في حين أن الشعوب التي تخضع لها ـ الآن ـ مسلمها وغير مسلمها تدفع تلك الضريبة أضعافا مضاعفة ، تمتد لتشمل دخل الإنسان وما يبيعه وما يشتريه ، بل في بعض الدول يدفع أفرادها ضرائب على ما يستهلكونه من كهرباء ، ومياه الشرب ، ومكالمات الهاتف ، حتى الأطعمة تدفع عليها ضرائب مبيعات يتحملها الإنسان الفقير ، ولو كان يستجدي قوته عن طريق الصدقة ، وقد يكون الفرد المسلم يعيش على قدر من الزكاة ورغم ذلك لا يعفى من ضريبة المبيعات التي تسجل على فاتورة المياه في تلك البلاد .
وإذا كان المسلمون قد أعفوا من دفعها قديما فلأن المسلمين كانوا يدخلون الجندية ، ويبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل الله ، كما أنهم كانوا يدفعون حصة زكاة أموالهم التي كانت تحصلها الدولة ، وتعدها مصدرا من مصادر دخلها ، كما أن الدولة الإسلامية تجعل إعفاء المسلم من تلك الضريبة تشجيعا للناس على اعتناق الإسلام ومنحة تقدمها لهم ، وهذا لم يكن يؤثر في اقتصاد الدولة ، لأن هؤلاء الذين كانوا يسلمون كان كثير منهم يشتركون في الغزو ، ومن فتوحاتهم حصلت الدولة جزءا كبيرا من الدخل من خلال الخمس الذي كانت تأخذه ، وبالطبع فإن تلك الأخماس كانت تصرفها الدولة في مشاريعها المتعددة التي تفيد كل المواطنين على السواء على اختلاف دياناتهم ، مثل تشييد الأسواق ، وتوفير الأمن والحسبة لها ، وتصليح الطرق ، وتشييد السدود ، وتوصيل مياه الشرب ، وشق الترع والقنوات ، وبناء المعاهد العلمية والمستشفيات ، وشراء الأسلحة ، وتعيين رجال الأمن ، ودفع رواتب الموظفين ، وكان منهم المسلمون وغير المسلمين ، والمعاشات التي كانت تصرف للفقراء وكبار السن والعجز من كل رعايا الدولة دون النظر لديانتهم .
وبالنسبة لضريبة خراج الأراضي فكانت تحصل من المسلمين وغيرهم ، وتلك الضريبة التي تسمى الآن بضريبة العقارات ، هي أيضا موجودة في كل المجتمعات قديما وحديثا ؛ لكن المميز لها في الإسلام هي محدودتها والعدالة الكاملة في تحصيلها ، وأن جزءا كبيرا منها كان يصرف على المنشآت الزراعية التي تعود على الفلاحين بالنفع ، لدرجة أن ثلث خراج مصر كان يخصص لتطهير ترعها ، وأن الفلاحين كانوا إذا قاموا هم بإصلاحات أو شق ترع بأنفسهم كانت تحسب لهم تكاليفها من المقدار الذي يحصل منهم .
وبعد عود عمر ـ رضي الله عنه ـ من الشام في سنة 15هـ شرع في وضع نظام الرواتب والمعاشات للمسلمين ، ودون الدواوين التي سجل فيها أسماء الناس ووظائفهم وأعمارهم وأماكنهم ..
وقد قال له علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف : ابدأ بنفسك ( على اعتبار أنه رأس الدولة ) فقال : لا بل أبدأ بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب (18).
وشمل عطاءه حتى الصبيان ؛ إذ جعل لكل صبي أو طفل مائة درهم ، ثم جمع ستين مسكينا وأطعمهم الخبز ، فأحصوا ما أكلوا فوجدوه يخرج من جريبتين ، ففرض لكل إنسان ولعياله جريبتين في الشهر ، وقال قبل موته : لقد هممت أن أجعل العطاء أربعة آلاف أربعة آلاف ، ألفا يجعلها الرجل في أهله ، وألفا يزودها معه ، وألفا يتجهز بها ، وألفا يترفق بها ، فمات قبل أن يتيسر له ذلك .
وكان عطاؤه للمجاهدين وأسرهم أولا ثم امتد ليشمل سائر من في رعيته ، فقد مرّ يوما ( وهو في إحدى سفرياته ) بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر فقال له : من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلي ماأرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخله بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ماأنصفناه، أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعنضربائه .
وللحديث بقية إن كان في العمر متسع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1 ـ تاريخ المدينة : 2 / 665.
1ـ عصر الخلافة الراشدة للدكتور أكرم ضياء العمري ص 55.
2 ـ الكامل في التاريخ :ج 1 / ص 397 ..
3 ـ الكامل في التاريخ :ج 1 / ص 397.
4 ـ الكامل في التاريخ :ج 1 / ص 398.
5 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 355.
6 ـ الكامل في التاريخ :ج 1 / ص 394.
7 ـ تاريخ الطبري :ج 3 / ص 112.
8 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 639.
9 ـ تاريخ الطبري :ج 3 / ص 98.
10 ـ الكامل في التاريخ :ج 1 / ص 398.
11 ـ فتوح البلدان : ص 162.
12 ـ تاريخ الطبري :ج 2 / ص 445.
13 ـ فتوح البلدان : ص 153.
14 ـ الأموال للقاسم بن سلام :ج 1 / ص 405.
15 ـ تاريخ الطبري :ج 3 / ص 105.
16 ـ تاريخ الطبري :ج 3 / ص 109.
17 ـ فتوح البلدان :ص 124.
18 ـ المنتظم :1 / 486.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر) 
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
الشيشاننهضة إسلامية غير مسبوقة

الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

هاني صلاح بعد حرمانها من ممارسة شعائرها الدينية خلال الحقبة السوفيتية...

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

د.نزار السامرائي مع الوقت صارت سقيفة بني ساعدة كابوسا مرعبا خيم...

المسلمون في عينْي أسير صيني

المسلمون في عينْي أسير صيني

د / قاسم عبده قاسم كان المسلمون يتطلعون لفتح الصين، ولكنهم وصلوا...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

قال أحمد رمضان، أحد المتحدثين باسم المعارضة السورية في مفاوضات جنيف7،...

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

أرسلت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، 22 شاحنة محملة بمواد إغاثية إلى...

 الصحة العالمية تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

"الصحة العالمية" تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

  أعربت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، اليوم...

  • أيام في سيلان والمالديف