• الصليب وحكاياته

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 5

Jun 24 2010 5:30AM

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 5
نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 5
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .. وبعد
فقد انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة مع التنظيمات الإدارية والمالية التي أجراها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ داخل الدولة الإسلامية ، واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى أكمل معكم الحديث حول تلك التنظيمات فأقول : إنه ـ رضي الله ـ بعث يعلى بن أمية إلى اليمن ، وأمره بإجلاء نصارى نجران لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل موته ( التي قال فيها : لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) ولوصية أبى بكر ـ رضي الله عنه ـ له ، إذ قال : ائتهم ولا تفتنهم عن دينهم ( أي لا تجبرهم على تركه ) ثم أجلهم ، من أقام منهم على دينه ، وأقرر المسلم ، وامسح أرض كل من تُجلي منهم ، ثم خيرهم البلدان ، وأعلمهم أنا نجليهم بأمر الله ورسوله أن لا يترك بجزيرة العرب دينان ، فليخرجوا من أقام على دينه منهم ، ثم نعطيهم أرضا كأرضهم ؛ إقرارا لهم بالحق على أنفسنا ، ووفاء بذمتهم فيما أمر الله من ذلك ؛ بدلا بينهم وبين جيرانهم من أهل اليمن وغيرهم فيما صار لجيرانهم بالريف.. وأبدلهم بأماكنهم أحياء خاصة بهم في الشام والعراق ، واشتر منهم أموالهم وعقاراتهم التي خلفوها ، وخيرهم من شاء نزل الشام ، ومن شاء نزل العراق ..
وقد كتب لهم ـ رضي الله عنه ـ : " أما بعد فمن وقعوا به من أهل الشام والعراق فليوسعهم من حرث الأرض، وما اعتملوا من شيء فهو لهم مكان أرضهم باليمن "(1) .       
ثم سن عمر ـ رضي الله عنه ـ بعد ذلك نظام التعبئة العامة عند الضرورة ، فقد بلغه أن يزدجرد لما حلت به الهزائم المتكررة قرر أن يحشد له كل من يستطيع من أهل فارس فقابل سعيه بالمثل ، وكتب إلى عمال العرب على الكور والقبائل ..  لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا انتخبتموه ثم وجهتموه إلي ، والعجل العجل .(2).
وبعض الحكومات التي تتسم بضيق نظر للأمور تلجأ في أوقات الحروب إلى ما يسمى بالأحكام العرفية والاستثنائية ، وتتخلى عن مبدأ الشورى بحجة مواجهة الواقع ، ولكن عمر ـ رضي الله عنه ـ تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أن أوقات الحروب هي أشد الأوقات حاجة للشورى ؛ نظرا لخطورة القرارات التي تُتُخذ بشأنها ، ولذلك نادى في الناس بعد أن حشدت له جموع المجاهدين وقال : الصلاة جامعة ، وهو النداء الذي كان يصدر عند كل طارئة ، فلما اجتمع الناس إليه قال : إن الله عز وجل قد جمع على الإسلام أهله ، فألف بين القلوب ، وجعلهم فيه إخوانا ، والمسلمون فيما بينهم كالجسد ، لا يخلو منه شيء من شيء أصاب غيره ، وكذلك يحق على المسلمين أن يكونوا أمرهم شورى بينهم ، بين ذوي الرأي منهم ، فالناس تبع لمن قام بهذا الأمر ، ما اجتمعوا عليه ورضوا به لزم الناس ، وكانوا فيه تبعا لهم ، ومن أقام بهذا الأمر تبع لأولي رأيهم ، ما رأوا لهم ورضوا به لهم من مكيدة في حرب كانوا فيه تبعا لهم .(3).
وكان من ضمن الأمور التي تشاور فيها موضوع قيادة تلك الحشود ، وهل يخرج عليها بنفسه أو ينوب عنها غيره ، فاستقر الرأي على أن يبقى هو ويختار لها قائدا ماهرا ، وكان من أشد المؤيدين لهذا الرأي طلحة بن عبيد الله الذي قال : بأبي وأمي اجعل عجزها بي وأقم ، وابعث جندا ، فقد رأيت قضاء الله لك في جنودك قبل وبعد ، فإنه إن يهزم جيشك ليس كهزيمتك ، وإنك إن تقتل أو تهزم في أنف الأمر خشيت أن لا يُكبّر المسلمون ، وأن لا يشهدوا أن لا إله إلا الله أبدا ، فقال بعد هذا القرار : يا أيها الناس إني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم عن الخروج..  
هكذا كان يقضي عمر ـ رضي الله عنه ـ في أخص شئون الدولة ، فلا استبداد ، ولا انفراد برأيه ، ولا إيثار لهواه .
وقد وقع الاختيار على سعد بن أبي وقاص للقيادة العامة لهذا الجيش فقال له عند توديعه : يا سعد لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله ،فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن ، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته ، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء ، الله ربهم ، وهم عباده يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عنده بالطاعة ، فانظر الأمر الذي رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه ، فإنه الأمر ، هذه عظتي إياك ، إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ، وكنت من الخاسرين .(4).
ثم ذكره بدستور الحرب عند المسلمين الذي نأمل أن يأتي اليوم الذي ترقى إليه البشرية بتشريعاته المعاصرة فقال له : فإن لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو قرفه بإشارة أو بلسان كان ، لا يدري الأعجمي ما كلمه به ، وكان عندهم أمانا ، فأجروا ذلك له مجرى الأمان ، وإياكم والضحك ، والوفاء الوفاء ، فإن الخطأ في الوفاء بقية ، وإن الخطأ بالغدر الهلكة ، وفيها وهنكم ، وقوة عدوكم ، وذهاب ريحكم ، وإقبال ريحهم ، واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شينا على المسلمين وسببا لتوهينهم .(5) .
وقد التزم سعد ـ رضي الله عنه ـ وسائر الأمراء بمضمون تلك النصيحة ؛ حتى إنه يوم فتح نهاوند حاصرها المسلمون مدة ثم لم يفاجأ المسلمون إلا وأبوابها تفتح ، ثم خرج السرح ، وخرجت الأسواق ، وانبث أهلها ، فأرسل المسلمون أن ما لكم ؟ فقالوا : رميتم إلينا بالأمان فقبلناه ، وأقررنا لكم الجِزاء على أن تمنعونا ، فقالوا : ما فعلنا ، فقالوا : ما كذبنا ، فسأل المسلمون فيما بينهم فإذا عبد يدعى مكنفا ، كان أصله من تلك المدينة هو الذي كتب لهم ، فقالوا : إنما هو عبد ، فقالوا : إنا لا نعرف حركم من عبدكم ، قد جاء أمان فنحن عليه ، قد قبلناه ، ولم نبدل ، فإن شئتم فاغدروا ، فأمسكوا عنهم ، وكتبوا بذلك إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فكتب إليهم : إن الله عظم الوفاء فلا تكونون أوفياء حتى تفوا ما دمتم من شك ، أجيزوهم ووفوا لهم ، فوفوا لهم ، وانصرفوا عنهم .(6).
والناس كما يقال على دين ملوكهم ، فقد وجد أحد الجنود بعد فتح سعد ـ رضي الله عنه ـ المدائن عاصمة فارس ، وأثناء جمع الأقباض بحُق ( كوز أو علبة ) معه فدفعه إلى صاحب الأقباض ، فقال الذين معه : ما رأينا مثل هذا قط ، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه ، فقالوا : هل أخذت منه شيئا ؟ فقال : أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأنا ، فقالوا : من أنت ؟ فقال : لا والله لا أخبركم لتحمدوني ، ولا غيركم ليقرظوني ، ولكني أحمد الله ، وأرضى بثوابه.(7) .
وإذا كان أهل الدنيا يحرصون عند انتصاراتهم على الاستيلاء على قصور الملوك واستحواذها فإن سعدا لما فتح المدائن رفض أن يجعل إيوان كسرى الذي فر منه يزدجرد وحاشيته قصرا له أو مقرا لحكمه ، وإنما حوله إلى مسجد جامع ، ونصب فيه منبرا ، فكان يصلي فيه أولا ، وفيه التماثيل دون أن يزيلها، ويُجمّع فيه ( أي يقيم فيه الجمع ).(8).
ثم كتب إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ يبشره بنعمة الفتح ، ويصف له حال البلاد ، وحال الناس في البلاد المفتوحة ، فأرسل إليه يقول : أقر الفلاحين على حالهم إلا من حارب أو هرب منك إلى عدوك فأدركته ( أي وقع في الأسر وقت القتال )  وأجر لهم ما أجريت للفلاحين قبلهم .(9) .
إن الحروب عند الأمم الأخرى وعلى مر التاريخ لا يصلى بنيرانها غير عوام الناس ومن بينهم الفلاحين ، ولكن الحرب في الإسلام من نوع آخر ، إذ كان ينعم بها هؤلاء بفضل الأغلال التي كانت ترفع عنهم ، والحرية والمزايا التي تمنح لهم ..
وكان في ثنايا رسالة عمر ـ رضي الله عنه ـ  استفسار خاص عن نصارى بني تغلب الذين نزلوا العراق ، وسؤال عن حال معيشتهم ، وأوصاه بهم خيرا ، فقال له : من أسلم منهم فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، ومن أبى فعليه الجزاء ، وإنما الإجبار من العرب على الإسلام لمن كان في جزيرة العرب ..
وبعد الفراغ من فتح العراق واستقرار الجند المسلمين بها علم عمر ـ رضي الله عنه ـ أن أجسامهم بدأت تضعف لعدم تلاؤم جوها معهم ، فأرسل من يبحث لهم عن الأماكن الصحية المناسبة لإقامتهم ، وأرسل إلى سعد ـ رضي الله عنه يقول : إنه لا تصلح العرب إلا حيث يصلح البعير والشاة في منابت العشب ، فانظر فلاة في جنب البحر فارتد للمسلمين بها منزلا ، فظلوا يبحثون حتى وجدوا أن أصلح مكانين هما الكوفة والبصرة فأسسا بهما المدينتين ..
وقد خطت هاتان المدينتان أولا وسكن الجند فيهما في خيام ، وهاجر إليهم أهلهم ، ثم استأذنوا في بنيان القصب ، فقال عمر : العسكر ( أي الخيام ) أِشد لحربكم وأذكى لكم ، وما أحب أن أخالفكم ، فابتنى أهل المصرين بالقصب، ثم إن الحريق وقع في الكوفة والبصرة، وكانت الكوفة أشد حريقاً ، فبعث سعد نفراً منهم إلى عمر يستأذنونه في البنيان باللبن، فقدموا عليه بخبر الحريق واستئذانه أيضاً، فقال: افعلوا ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة ، فرجع القوم إلى الكوفة بذلك، وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك (10) .
ثم أمرهم أن يجعلوا الشوارع الرئيسية  عرضها أربعون ذراعا ، وما يليها ثلاثون ذراعا ، وما بين ذلك عشرون ، والأزقة سبعة أذرع ليس دون ذلك شيء ، والفواصل بين القطائع ستون ذراعا ..
وبتلك الطريقة التنظيمية خطت سائر المدن الإسلامية ، فلم تعان من أزمة في الازدحام أو ضيق في الشوارع والطرقات ، فضلا عن توفر جانب التهوية الذي هو عنصر أساسي في اجتناب الأمراض . 
وكان أول شيء بُني بالكوفة هو المسجد الجامع ، فاختطوه ثم قام رجل رام شديد النزع في وسطه ، فرمى عن يمينه ، فأمر من شاء أن يبني وراء موقع ذلك السهم ، ورمى به بين يديه ، ومن خلفه ، وأمر من شاء أن يبني وراء موقع السهمين ، فترك المسجد في مربعة خلوة من كل جوانبه ، وبُنى ظلة في مقدمه ، ليست لها مجنبات ولا مواخير ، وبنيت المربعة لاجتماع الناس لئلا يزدحموا ، وكذلك كانت المساجد ما خلا المسجد الحرام ، فكانوا لا يشبهون به المساجد تعظيما لحرمته ، وكانت ظلته مائتي ذراع على أساطين رخام ..
وعملوا على صحن المسجد بخندق لئلا يقتحمه أحد ببنيان ، ثم بنوا لسعد دارا بحياله ( دار الإمارة ) بينهما طريق منقب مائتا ذراع ، وجعل فيها بيوت الأموال..
ثم أنشئت السوق في الفراغ الدائر حول المسجد ، وصارت الشوارع تتقاطع معه ، وأخذت المدينة بذلك شكل الدائرة حوله .
ثم وضع عمر ـ رضي الله عنه ـ نظاما إداريا فريدا في نوعه ، لا يعطي فرصة لأمير بالانحراف في عمله ، فجعل أميرا للحكم أو الإدارة ، وأسند إليه إمامة المسلمين في الصلاة ، وجعل رجلا مستقلا على بيت المال لا يخضع لسلطان الأمير ، وإنما لسلطة الخلافة في المدينة ، وجعل قاضيا للفصل بين الناس ..
وكان كل حين يكتب إلى عماله ويقول : إني لم أستعملكم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أشعارهم ولا على أبشارهم ، إنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة ، وتقضوا بينهم بالحق ، وتقسموا بينهم بالعدل ، وإني لم أسلطكم على أبشارهم ، ولا على أشعارهم ، ولا تجلدوا العرب فتذلوها ، ولا تجمروها فتفتنوها ، ولا تغلفوا عنها فتحرموها ، جردوا القرآن ( أي لا تزاحموا معه العلوم الأخرى ) وأقلوا الرواية عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنا شريككم ..
وكان يقتص من عماله ، وإذا شكي إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه ، فإن صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه به..  
فقد كتب أبو موسى إليه إن رجلا من عنزة يقال له : ضبة بن محصن كان من أمره .. وقص قصته ، فلما قدم الكتاب والوفد والفتح على عمر قدم العنزي ، فأتى عمر فسلم عليه فقال : من أنت ؟ فأخبره ، فقال : لا مرحبا ولا أهلا ، فقال الرجل : أما المرحب فمن الله ، وأما الأهل فلا أهل .(11) .
ومن يقرأ هذا الرد الجافي القاسي من الرجل على عمر ـ رضي الله عنه ـ ويرى حلمه عليه يدرك لماذا يحرص كثير من الحكام الآن على تنحية التاريخ الإسلامي ، وخاصة عصر الخلفاء الراشدين ، من الدراسة بالمدارس والجامعات ، واستبداله بتواريخ قديمة أو حديثة لا تحوي عظة ، ولا تقدم تذكرة من أجل أن ينشأ الشباب على التقديس لهم .
وظل هذا الرجل ثلاثة أيام يتردد على عمر ـ رضي الله عنه ـ فلا يسمع منه غير العبارة ، ولا يلقى منه سوى هذا الرد ، حتى إذا كان في اليوم الرابع دخل عليه فقال : ماذا نقمت على أميرك ؟ قال : تنقى ستين غلاما من أبناء الدهاقين لنفسه ، وله جارية تدعى عقيلة لها قصعة غادية رائحة يأكل منها أشراف الجند ، وليس منا رجل يقدر على ذلك ، وله قفيزان ، وله خاتمان ، وفوض إلى زياد بن أبيه وأجاز الحطيئة بألف ، فكتب عمر كل ما قال ، ثم بعث إلى أبي موسى ـ رضي عنه ـ يستدعيه ـ فلما قدم حجبه أياما ، ثم دعا به ودعا ضبة بن حصن ، ودفع إليه الكتاب فقال : اقرأ ما كتبت ، فقرأ أخذ ستين غلاما لنفسه ، فقال أبو موسى : دللت عليهم ، وكان لهم فداء  ففديتهم فأخذته فقسمته بين المسلمين ، فقال ضبة : والله ما كذب ولا كذبت ، وقال : له قفيزان ، فقال أبو موسى : قفيز لأهلي أقوتهم ، وقفيز للمسلمين في أيديهم ، يأخذون به أرزاقهم ، فقال ضبة : والله ما كذب ولا كذبت ، فلما ذكر عقيلة سكت أبو موسى ، ولم يعتذر  ، وعلم أن ضبة قد صدقه ، قال : وزياد يلي أمور الناس ، ولا يعرف هذا ما يلي ، فقال : وجدت له نبلا ورأيا فأسندت إليه عملي ، قال : وأجاز الحطيئة بألف ، قال : سددت فمه بمالي أن يشتمني ، فقال : قد فعلت ما فعلت .(12) .
فرده عمر ـ رضي الله عنه ـ وقال : إذا قدمت فأرسل إلي زيادا وعقيلة ففعل ، فقدمت عقيلة قبل زياد ، وقدم زياد فقام بالباب ، فخرج عمر وزياد بالباب قائم وعليه ثياب بيض كتان ، فقال له : ما هذه الثياب ؟ فأخبره ، فقال : كم أثمانها فأخبره بشيء يسير وصدقه ، فقال له : كم عطاؤك ؟ قال : ألفان ، قال : ما صنعت في أول عطاء خرج لك ؟ قال : اشتريت والدتي فأعتقتها ، واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فأعتقته ، فقال : وفقت ، وسأله عن الفرائض والسنن والقرآن فوجده فقيها ، فرده وأمر أمراء البصرة أن يأخذوا برأيه .(13) . وأبقى عقيلة بالمدينة ، ولم يردها ..
ثم أعلن ـ رضي الله عنه نتيجة هذا التحقيق الذي أجراه على الملأ فقال : ألا إن ضبة غضب على أبي موسى وفارقه مراغماً أن فاته أمر من أمور الدنيا فصدق عليه وكذب، فأفسد كذبه صدقه، فإياكم والكذب فإنه يهدي إلى النار (14) .
وهذه الرقابة المشددة من عمر ـ رضي الله عنه ـ مع الوازع الديني الذي كان مستقرا في قلوب المسلمين جعل كل أمير من أمرائه لا يشعر أن ثمة أدنى فرق بينه وبين سائر الرعية ؛ حتى إن أبا عبيد بن مسعود الثقفي أهدى إليه بعض أهالي البلاد المفتوحة  آنية فيها أطعمة فارسية فخمة ، وقالوا له : هذه كرامة أكرمناك بها وقرى لك ، فقال لهم : أأكرمتم الجند وقريتموهم مثله ، فقالوا : لم يتيسر ونحن فاعلون .. فقال أبو عبيد : فلا حاجة لنا فيما لا يسع الجند ثم رده إليهم .(15) .
وقد تكرر هذا الموقف معه عندما دخل قرية من قرى "باروسما " إذ صنع أهلها له طعاما ، ثم أُتي به إليه ، فلما رآه قال : ما أنا بالذي آكل هذا دون المسلمين ، فقالوا له : كُل ! فإنه ليس من أصحابك أحد إلا وهو يؤتى في منزله بمثل هذا أو أفضل  فأكل، فلما رجعوا إليه سألهم عن طعامهم فأخبروه بما جاءهم من الطعام .(16). 
وللقارئ أن يتخيل كم كان البون شاسعا بين هؤلاء الأمراء الجدد في العراق الذين جاء بهم الإسلام ، الذين يأبى الواحد منهم أن يتفضل على غيره بلقمة طعام تهدى إليه وبين الأمراء الجدد الذين جاء بهم الاحتلال الأمريكي إلى العراق ، هذا الاحتلال الذي يدعي أصحابه والمعجبون السمو والرقي ، حيث تتناقل وسائل الإعلام كل يوم الحديث عن السلب والنهب والاختلاس الذي يتم على أيديهم..
ولم تكن تلك المساواة التي أوجدها عمر ـ رضي الله عنه ـ بين الجندي والقائد أو بين الأمير توقفت عند هذا الحد ، وإنما تخطت ذلك إلى الأمور العامة التي يجتهد كل فرد في تقريرها ،  فقد أُسر رجل من المسلمين يسمى مطر بن فضة "جابان " أحد ملوك الفرس الذي جيش الجيوش لحرب أبي عبيد ، وهو لا يعرفه ، فوجده شيخا كبيرا فزهد فيه ورغب ، وشجعه على ذلك أن " جابان " خدعه  وقال له : إنكم معاشر العرب أهل وفاء فهل لك أن تؤمني وأعطيك غلامين أمردين خفيفين في عملك وكذا وكذا ، فقال : نعم ، فقال له : فأدخلني على ملككم حتى يكون ذلك بمشهد منه ففعل ، فلما أدخله على أبى عبيد عرفه من حوله وقالوا : هذا الملك " جابان " وهو الذي لقينا بهذا الجمع ، فقال أبو عبيد : ما تروني فاعلا معاشر ربيعة ؟!! أيؤمنه صاحبكم وأقتله أنا ؟ معاذ الله من ذلك ؟! (17) ..        
وفوق ذلك كانت شفقة عمر ـ رضي الله عنه ـ التي شملت الناس جميعا ، والحرص الكامل على سلامتهم ، فقد أصيب أبو عبيد الثقفي في موقعة الجسر ، وبلغ عمر أن بعض المسلمين الذين فروا استحيوا من دخول المدينة فقال : اللهم كل مسلم في حل مني ، أنا فئة كل مسلم من لقي العدو ففظع بشيء من أمره ، فأنا له فئة ، يرحم الله أبا عبيد لو كان انحاز إلي لكنت له فئة .(18).
وأثناء وقعة القادسية كان كل يوم يخرج إلى الصحراء يتشوق إلى خبر يطمئنه على جنوده ، من حين يصبح إلى انتصاف النهار ثم يرجع إلى أهله ومنزله ، فلما لقي البشير ذات يوم ـ وهو لا يعرفه ـ سأله : من أين أتى ؟ فأخبره فقال : يا عبد الله حدثني ، فقال الرجل : هزم الله العدو ، وصار يكلمه وهو يسير مسرعا على ناقته لا يلتفت له ، ولا يقف حتى ينتظره ، وعمر يسرع في السير خلفه حتى دخل المدينة ، فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين ، وعندها خجل الرجل البشير من صنعه معه، وقال : فهلا أخبرتني ـ رحمك الله ـ إنك أمير المؤمنين ، فقال عمر : لا عليك يا أخي .(19).   
ولما وقع طاعون عمواس بالشام أخذت عمر الشفقة على أبي عبيدة بن الجراح أن يصاب فيه ، فكتب إليه أن سلام عليك : أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها ،  فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تقبل إلي ، ولكن أبا عبيدة عرف أنه إنما أراد باستدعائه إليه أن يستخرجه من الوباء ، فقال : يغفر الله لأمير المؤمنين ، ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلي ، وإني في جند من المسلمين لا أجد في نفسي رغبة عنهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله في وفيهم أمره وقضاءه ، فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين ، ودعني في جندي ، فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس : يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة قال : لا وكأن قد كان ..
 ثم كتب إليه : سلام عليك ، أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة ( منخفضة موبوءة ) فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة ، فلما أتاه كتابه دعا أبا موسى الأشعري فقال : يا أبا موسى إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى ، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم.(20)..
وأنا أقرأ تلك الروايات وأقارن بين ذلك التقدير الذي كان يحمله القائد المسلم أو الخليفة لجنوده في قلبه وبين حال الجنود في بعض البلدان الإسلامية التي لاقت الهزائم المتكررة ، حيث يتأفف الضباط إن ينادوا الجندي باسمه ، وإنما : تعال يا ولد ! اذهب يا ولد ! اجر يا ولد ! فأقول : حق للمسلمين الأوائل أن يكونوا النصر حليفهم في جل المعارك التي خاضوها ، وأما نحن فلم يظلمنا القدر فيما حل بنا   .
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة إن شاء الله إن كان في العمر بقية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني.
1 ـ فتوح البلدان للبلدان : 78.
2 ـ تاريخ الرسل والملوك - (2 / 248)...
3 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 660).
4 ـ تاريخ الطبري - (ج 3 / ص 4).
5 ـ تاريخ الطبري - (ج 3 / ص 12)..
6 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 505) .
7ـ تاريخ الطبري - (ج 3 / ص 128)..
8 ـ تاريخ الطبري - (ج 3 / ص 130)..
9ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 471)..
10 ـ الكامل في التاريخ - (1 / 437) .
11ـ الكامل في التاريخ - (1 / 468) .
12 ـ تاريخ الطبري - (2 / 556) .
13 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 557).
14 ـ الكامل في التاريخ - (1 / 468) .
15 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 637)..
16 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 637) ..
17 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 635).
18 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 642)..
19 ـ تاريخ الطبري - (ج 3 / ص 84)..
20 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 488) .
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
الشيشاننهضة إسلامية غير مسبوقة

الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

هاني صلاح بعد حرمانها من ممارسة شعائرها الدينية خلال الحقبة السوفيتية...

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

د.نزار السامرائي مع الوقت صارت سقيفة بني ساعدة كابوسا مرعبا خيم...

المسلمون في عينْي أسير صيني

المسلمون في عينْي أسير صيني

د / قاسم عبده قاسم كان المسلمون يتطلعون لفتح الصين، ولكنهم وصلوا...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

قال أحمد رمضان، أحد المتحدثين باسم المعارضة السورية في مفاوضات جنيف7،...

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

أرسلت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، 22 شاحنة محملة بمواد إغاثية إلى...

 الصحة العالمية تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

"الصحة العالمية" تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

  أعربت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، اليوم...

  • أيام في سيلان والمالديف