• الصليب وحكاياته

من غرائب اللغة الشاعرة:المُنضّب والقُرْضوب

May 31 2011 11:26:38

الكاتب : محمد يوسف عدس

من غرائب اللغة الشاعرة:المُنضّب والقُرْضوب
من غرائب اللغة الشاعرة:المُنضّب والقُرْضوب
(1)
يشوقني أن أتصفح قواميس اللغة العربية من وقت لآخر بحثا عن صحة نطق أو هجاء كلمة معينة، أو التحقّق من معناها واستعمالاتها المختلفة.. هذه عادة قديمة لها فوائدها، ولكنها لا تخلو أيضا من متعة.. حتى إنني لا أملك مقاومة رغبة طارئة من فتح قاموس اللغة إذا وقع تحت نظري بالمصادفة..
والحقيقة أن اللغة العربية ضمن كل المؤسسات الثقافية عندنا قد أصابها العطب.. نتيجة الإهمال والاستخفاف، وضعف التعليم في المدرسة والجامعة.. وللأسف الشديد في الأزهر أيضا، الذي كان في يوم من الأيام معقلا للغة العربية.. وكانت النتيجة فاجعة مفجعة ، فقد شاع الخطأ على ألسنة المتحدثين بالعربية ، وشاعت الأخطاء على أقلام الكُتّاب بشكل فاحش ، خصوصا في الصحافة والإعلام .. والأمثلة على ذلك لا حصر لها.. تصدمني حتى أكره متابعة القراءة أو متابعة مشهد متلفز تكثر فيه الأخطاء اللغوية.
 لقد حدّثت نفسي مرةً أن أغلق أذنيّ بقطعة من القطن قبل الذهاب إلى صلاة الجمعة حتى لا أستمع إلى أخطاء النحو الفاحشة التي يقع فيها الخطيب، فيحرّف الأحاديث النبوية وآيات القرآن الكريم عن معانيها الصحيحة بسبب هذه الأخطاء .. وتكمن العلّة هنا في نقص تعليمه وقلة جهده.. بحيث لا يدرك خطورة عدم استخدام علامات الرفع والنصب في أماكنها الصحيحة، ومن ثَمَّ يصبح المفعول به (على يديه) فاعلا والفاعل مفعولا به.. ولكنك لا تتوقّع أفضل من هذه النتائج البائسة في نظام أصبح رجال الأمن يختارون الأئمة والوُعّاظ، ويجدون الوزير المسئول الذي يوقع على قوائم اختياراتهم، بلا مناقشة ...!
 وفي مجال العبث باللغة، لا تجد أجرأ على اقتحام هذه الأخطاء ببلادة حس عجيبة من المتحدثين في الإعلام المنطوق.. ولست أدرى كيف تنشأ هذه الأخطاء ، ثم كيف تنتشر كالموضة الجديدة ، أو كالوباء في كل مكان.. المسألة تحتاج إلى دراسة, وبحث هو بالتأكيد فوق طاقتي ، بل فوق طاقة أي شخص بمفرده..
(2)
من أعجب هذه المُلوِّثات اللغوية الحديثة التي انتشرت كالوباء إسقاط كلمات: هذا وهذه وهؤلاء وأولئك وكل أسماء الإشارة واستبدالها بلفظة واحدة هي [هكذا] فمثلا بدلا من عبارة " ماذا قال هذا الرجل..؟" أو" ما رأيك في هذه القضية" تسمع للعجب العجاب: عبارة: " ماذا قال هكذا رجل..؟" و "ما رأيك في هكذا قضية..؟"
ويبدو أن بلادة الحس اللغوي.. قد أصابت المستمعين والمتلقّين أيضا.. نتيجة للمناخ الذي أصابه التلوث اللغويّ العام.. ولأن اللغة من الناحية العقلية هي وعاء التفكير.. بحيث يستحيل استقامة التفكير ووضوحه إلا إذا صُبّ في قوالب لغوية سليمة.. لذلك يرى علماء النفس أن ضعف لغة شخص ما وتشوّشها، يؤدّي إلى ضعف وتشوّش في تفكيره.. وتكون الكارثة الحقيقية عندما يتصدّى صاحب التفكير المشوّش هذا لتعليم الناس أو تثقيفهم، أو يتصدّى للحكم في القضايا الفكرية .. وقد تورط في هذه الأخطاء اللغوية على نطاق واسع فئات من الناس كنت أظن أنهم أبعد من أن يتورطوا فيها منهم: الوزراء والقضاة والمحامون والشعراء والأكاديميون. 
أذكر أنني تناقشت يوما مع الدكتور (عمار على حسن) حول هذه المشكلة، فكان بين ما ساقه من أٍسباب وراءها أننا في حقيقة الأمر نستخدم في حياتنا لغتين لا لغة واحدة: العربية الفصحى والعامية .. وأننا عندما نتحدث بالعربية الفصحى نترجم في عقولنا ما تعودنا على فهمه باللغة العامية، وهذه صعوبة لا يستهان بها، خصوصا بالنسبة لمن يرتجل في كلامه محاضرا كان أو خطيبا .. وهو كلام صحيح ومقبول إلى حد كبير.. ولكنه لا يفسر أبدا أن يخطئ كاتب تقرير في كتابة تقاريره.. وأن يخطئ محاضر في قراءة محاضرته المكتوبة، فهنا بالتأكيد نقص في لغته وعجز في معرفته اللغوية بالنحو والصياغة العربية.. وأحيانا قصور شديد في قاموس مفرداته اللغوية.. وفى النهاية هو تعبير عن الكسل والاسترخاء والاستهانة وعدم الرغبة في بذل الجهد والإتقان..
(3)
أذكر عندما أثير موضوع اختراق المكالمات الهاتفية بين الناس من جانب الجهات الأمنية.. وارتفع السؤال: هل يعتبر هذا الاختراق جريمة قانونية أو أخلاقية..؟! وعندما ظن الناس أن استخدام الهاتف المحمول بدلا من الهاتف الأرضي يمنع هذا الاختراق.. صرح وزير الأمن متهكما.. بأن هذا ظن خاطئ ، وأن لدي وزارته أجهزة إليكترونية متقدمة.. [للتنصّت] على هذه الهواتف بسهولة.. حينذاك برزت عندي مشكلة اصطلاحية جديدة لم تكن موجودة في الاستخدام اللغوي من قبل.. وبدأت أسأل نفسي هل المصطلح الصحيح هو [تنصّت] أم [تصنّت]..؟! بينما شُغل آخرون بكيفية التغلب على مشكلة الاختراق الهاتفي.. وسمعت من أحد المهتمين بهذه القضية أن الهاتف المحمول يمكن أن يتحول إلى جهاز إرسال (أوتوماتيكيّ) إلى أي جهة تريد الاختراق.. إذا كان لديها أجهزة إليكترونية معينة.. تتحكم بها في جهازك المحمول.. وأنت جالس في (أمان الله) تتحدث في البيت، خالي الذهن، مع أفراد عائلتك أو أصدقائك وأقاربك .. ويقول صاحب هذا الاكتشاف أنه بحث واجتهد ووجد أن أفضل سبيل لإعاقة اختراق الهاتف المحمول هو أن يضعه في [حلّة]، وهذا اللفظ المصري معناه قِـدْر الطعام أو إناء الطبخ، بشرط أن تضع غطاء القدر على القدر، ولا تتركه مكشوفا في الهواء لتتسلل إليه الموجات (الكهرومغناطيسية) المعادية...!
 تطرّقت إلى هذه القصة بشيء من التفصيل لكي ألفت النظر إلى حقيقة واقعية إذا نظرنا إليها بمنظور شمولي.. بمعنى النظر إلى جملة ما يجرى في مجتمع ما، تجبره ظروف القمع السلطوي وأساليب التجسس المستحدثة التي تمارسها سلطة ما، في تعاملها مع أفراد هذا المجتمع، مستهينة بكرامتهم وخصوصياتهم، وحقوقهم الإنسانية، في حياة آمنة مطمئنة بين ذويهم وأصدقائهم.. ثم كيف تتحول جهود أفراد هذا المجتمع المهدد بالاختراق أو [التصنّت/التنصّت] من جهود إبداعية خلاّقة لتحسين حياتهم وحياة مجتمعهم وتقدّمه، إلى مجرد محاولات دفاعية لمواجهة العدوان الزاحف عليهم من السلطة الجائرة.. في كل مجال من مجالات حياتهم اليومية.. كأن عمل هذه السلطة (بدلا من توفير الأمن والأمان) للناس، هو أن تنغّص عليهم حياتهم، وإعاقتهم عن النشاط المثمر...
(4)
من بين الألفاظ أو المصطلحات التي كنت أبحث عنها مؤخرا في معاجم اللغة مصطلح المنضّب نسبة إلى [اليورانيوم] وكلمة القرض والقضب.. وقرأت خلال البحث ما أضحكني وما أتعسني في الوقت نفسه.. من ذلك: أن هناك كلمة (القُرضوب) والقرضوب هو اللصّ. قال الأصمعيّ: "وأصله قطع الشيء.. فيقال: قرضَبْتُه = قطعته".. ثم يعقّب صاحب القاموس قائلا: "والذي ذكره الأصمعيّ صحيح، فالكلمة منحوتة من كلمتين: من قَرَضَ وقَضَبَ، ومعناهما جميعاً: القطع".
(5)
نحن نعرف، وقد سمعنا بالتأكيد، أن أمريكا في حربها على العراق قذفت بأطنان من اليورانيوم المنضب على الشعب العراقي مما تسبب في تلويث أرضه ومائه ونباتاته بمواد مسرطنة.. وتسبب ولا يزال في سقوط آلاف الأطفال العراقيين قتلى أو فرائس للأمراض القاتلة.. و[هكذا] فعلت إسرائيل في حربها على الشعب الفلسطيني في غزة العام الماضي..
وكلمة منضّب على وزن [مفعّل] اشتقاقا من الفعل الثلاثي نَضَبَ .. يقال على البئر أو النهر أو أي وعاء فيه ماء أو سائل عندما يجف ما يحتوى عليه من ماء أو سائل.. واللفظ نفسه عندما ينتقل إلى الاستعمال المجازي يمكن أن ينطبق على المجتمعات المبتلاة بأنظمة قمعية، لا تكف عن امتصاص عناصر الفاعلية والمقاومة في شعوبها، ومن ثم برز مصطلح (تجفيف المنابع) التي يستمد منها الشعب حياته الروحية وقدرته على المقاومة والصمود أمام الطغيان والاستبداد.. وبهذه العملية يصبح الشعب بالفعل [منضّبًا] ..
ولكن ينبغي أن نفهم أن الشعب المنضب لا يبرز إلى الوجود إلا تحت نظام حكم يقوم بعملية التنضيب، وأنسب وصف لمثل هذا النظام هو المصطلح العربي البليغ الذي أشرنا إليه "القٌرضوب" والذي من معانيه اللصوصية والنهب والسطو.. والسطو هنا حقيقي ومجازيّ أيضا .. أما السطو الماديّ فيدخل فيه نهب الأرض والثروة وأموال الناس وملكياتهم ، وهذا خارج عن إطار اهتمامنا في هذه المقالة.. أما السطو المعنوي فيدخل فيه امتهان كرامة البشر، وانتهاك حقوقهم الإنسانية، وتزوير إرادتهم في الانتخابات العامة، وحرمانهم من حقهم القانوني في المثول أمام قاضيهم الطبيعي بدلا من المحاكم العسكرية.. وخطفهم واحتجازهم في المعتقلات مددا غير محدودة بدون محاكمة.. وتلفيق التهم إليهم.. وأبشع من كل هذا: التعذيب المنهجي البشع الذي ذهب ضحيته أناس كثيرون كان أحدهم وأحدثهم هو الشاب السكندري خالد سعيد.. الذي رأى شهود العيان عملية خطفه وضربه بقسوة ضارية أدت إلى مقتله، ثم إلقاء جثته في الطريق العام.. ولم يصدق أحد، ولن يصدق ألف تقرير طبي مزوّر.. فالناس يعلمون أن مثل هذه التقارير شيء عادي ومألوف لغسل اليد من تهمة القتل العمد.. عندما يكون المتورط فيها بعض عناصر الشرطة.. ولذلك انطلقت المظاهرات في القاهرة والإسكندرية احتجاجا على هذه التجاوزات البشعة، وكان حصاد الشرطة أربعين متظاهرا أُخذوا إلى المعتقلات..!
(6)
لن يصدّق الناس أيضا قصة لفافة المخدرات التي ادعى ضابط الشرطة أن خالد ابتلعها بينما كان أفراد من الشرطة يطاردنه فانسابت محتوياتها في معدته وقتلته.. ولا حكاية أنه وهو يحاول ابتلاعها انحرفت إلى القصبة الهوائية فسدّتها، فمات مختنقا كما يذهب التقرير الطبي الغبيّ.. في حين أن وجه الشاب الممزق الدامى يصرخ بحقيقة أخرى لا يستطيع إنكارها إلا أعمى أو مكابر.. قارن بين صورة خالد سعيد الطبيعية البريئة وصورته بعد مقتله وأنت ترى الحقيقة.. لقد شاهدت مئات الصور مثل صورة خالد لشبان بُسنويّين في عمر الزهور، قتلهم الصرب ومثّلوا بوجوههم البريئة ببشاعة وغلّ لا نظير لهما.. وكان لدىَّ فرصة لمقارنة صورهم قبل القتل وبعده.. فكان قلبي يدمي وأنا أبحث حقائق حرب البوسنة بسبب هذه الصور.. ولم يحملني على ذلك سوى أنني تحريت أن أكتب للتاريخ وأن أسجل في كتابي شهادة منصفة لا أتجنَّى  فيها على أحد.. حتى تكون شهادة لي لا عليّ يوم أن أقف بين يدي الله يوم الحساب..
أعرف أيضا أن أنظمة قمعية مماثلة كالتي كانت في أندونيسيا خلال عهد الدكتاتور سوهارتو .. كان رجال الأمن يخطفون الشبان من بيوتهم أو من الشارع.. ثم يعذبونهم في المعتقلات حتى الموت ثم يلقون بجثثهم في الغابة بعد إطلاق رصاصة في صدر الضحية، ثم يزعم تقرير الأمن: بأن المنكود [تمكّن من الهرب من سجنه فتعقبته الشرطة إلى مكمنه في الغابة، ثم أطلقت عليه عيارا ناريا عندما شرع في مقاومة السلطات]...!
(7)
أما تهمة حيازة مخدرات فهي تهمة شائعة وجاهزة لكل من يعارض النظام المستبد.. أو حتى يمارس الدعوة البريئة المخلصة لله.. ولا تخجل الشرطة أن تهدد بها أناسا من أشرف الناس وأحسنهم خلقا وأعظمهم علما، مثل الشيخ الدكتور عمر عبد الكافي.. وقد سجلت هذه الواقعة الأستاذة الإعلامية الشهيرة كريمان حمزة في كتابها الموسوم بعنوان: "لله يا زمري" تحكى فيه قصة كفاحها وخبرتها مع إدارة التلفزيون المصري خلال ثلاثين سنة   تقول: إن رجال الأمن هدّدوها إن لم تكف عن استدعاء الشيخ في برنامجها الديني فإن لديهم تهمة جاهزة لـه [بالزِّنا وحيازة المخدرات، وأن لديهم شهودا جاهزين عند الطلب]... ويبدو أن الشيخ وصلته الرسالة واضحة (فأخذها من قصيرها) ، وحمل كتبه على كتفيه واستخار الله.. ثم رحل عن وطنه إلى منفاه الاختياري...!
ولم يكن الشيخ عمر وحده هو المستهدف بين الدعاة فقد كانت قائمة الممنوعين من الكلام ومن دخول التفزيون قائمة طويلة يتصدرها دعاة كبار من وزن الشيخ محمد الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور عبد الصبور شاهين.. وكل من كان يُخشى من شهرته ونفاذ شخصيته ووفرة علمه وحضور بديهته وقدرته على التأثير والإقناع.. ألم أقل لك أنها سياسة مروعة لتجفيف المنابع والوصول إلى معادلة: [الشعب المنضّب والنظام القُرضوب].

لك الله يا خالد سعيد.. ظُلِمْتَ حيًّا يا بُنيّ وظُلمت ميًتا.. وندعو الله أن يغفر لك ، وأن يتقبلك مع الشهداء الأبرار ، وأن يثبّت أبويك المحزونين على فراقك بالصبر والإيمان...       

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
الشرق الأوسط: الأزمات والتفكيك والاستقرار

الشرق الأوسط: الأزمات والتفكيك والاستقرار

د / سيف الدين عبد الفتاح بمناسبة انعقاد منتدى الدوحة مؤخرا حول منطقة...

بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية

بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية

أحمد عبد الوهاب علي أولًا: الحضارة الإسلامية قامت على الإسلام: يقول...

مسلسل أرطغرل وتفسير الحاضر بالتاريخ

مسلسل أرطغرل وتفسير الحاضر بالتاريخ

عامر عبد المنعم حقق المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" أكبر نسبة...

جديد الأخبار المزيد
مبادرة خليجية لإقامة علاقات جيدة مع إسرائيل مقابل ماذا؟

مبادرة خليجية لإقامة علاقات جيدة مع إسرائيل.. مقابل ماذا؟

ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن دول الخليج عرضت على إسرائيل...

دراسة تظهر نسبا مثيرة عن المسلمين والمسيحيين ببريطانيا

دراسة تظهر نسبا مثيرة عن المسلمين والمسيحيين ببريطانيا

أجرت جامعة "سانت ماري" اللندنية دراسة عن الديانات في عموم...

واشنطن: النظام السوري يقتل المعتقلين ويستخدم محرقة للتخلص من الجثث

واشنطن: النظام السوري يقتل المعتقلين ويستخدم محرقة للتخلص من الجثث

اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم الاثنين، النظام السوري بقتل...

  • أيام في سيلان والمالديف