• ثروة القذافى 85 مليار يورو
  • الأردن.. الحركة الإسلامية تتجه للاعتذار للخصاونة
  • أمريكا.. إقالة 26 سائقاً مسلماً بسبب الصلاة
  • دراسة : انتحار شخص كلّ 15 دقيقة في الولايات المتحدة
  • رفضا لبقاء قوات الاحتلال تحت أي مسمى.. مظاهرات في ساحة التحرير وسط بغداد
  • "الشبّيحة" يقتلون متظاهري حماه من داخل "مستشفى الأسد"
  • خوفا على مصيره.. "مبارك" يبكى بشكل هيستيري بعد أن شاهد القذافي مقتولاً
  • القرضاوي يدعو لوحدة بين تونس ومصر وليبيا ويتوقع نهاية الأسد وصالح
  • مجلس الأمن يصوت خلال ساعات لمطالبة «صالح» بوقف القمع و«الرحيل فورًا»
  • وزارة العدل القبرصية . 29 مليار دولار و274 كليو ذهب و50 بلاتين ثروة آل مبارك بقبرص


سيد الشهداء العالم الصادع عبدالعزيز البدري السامرائي

الكاتب : مشرف الموقع بتاريخ : 05-06-1432 الموافق May 09 2011 07:05:00
عدد الزيارات : 986

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

عبدالعزيز البدري السامرائي

1349-1389
1930-1969
لا أعرف بلداً في بلاد العرب كثر فيه القلاقل والفتن منذ فجر تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا مثل البلاد العراقية، فكم فتنة فُتن بها العراقيون، وكم من دماء سالت، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لكن الله - تبارك وتعالى- رزق العراق بعلماء عاملين كانوا هم قُبَّ الميزان، وصِمام الأمان، ومَفْزَع الناس، فوقفوا في وجه الطغاة والظلمة، وصدعوا بكلمة الحق، لم يخافوا لومة لائم، ولم يخشوا إلا الله سبحانه وتعالى، وأحسب أن من رؤوس هؤلاء العلماء ومن كبارهم الشيخ المجاهد الشهيد بإذن الله تعالى عبدالعزيز البدري.
ولد - رحمه الله تعالى- في رصافة بغداد في حدود سنة 1347هـ/1939م وتوفي مقتولاً شهيداً سعيداً حميداً بإذن الله سنة 1389/1969 فقد عاش قرابة أربعين سنة لكنه ترك أثراً كبيراً لا يتناسب مع عمره القصـير -رحمه الله تعالى- فما أشبهه بمن مات وقد ناهز الأربعين أو جازها بقليل مثل الإمام النووي والإمام البنا رحمهم الله تعالى.
ولد زمان الملكية، وعاش فيها حتى سقطت، وشهد ألاعيب الانجليز في العراق إلى أن حانت ثورة عبدالكريم قاسم سنة 1378هـ/1958م وقد كانت ثورة شيوعية حمراء حمقاء، ثم توالت الثورات والحكومات إلى أن استولى البعث على السلطة سنة 1388/1968 وجاء أحمد حسن البكر وصدام، وفي عهد البعث المشؤوم نال البدري الشهادة على يد طواغيت ذلك الحزب الذي أذاق المسلمين أصنافاً من العذاب.
كان أبوه عبداللطيف البدري من أهل سامراء ومن أسرة منسوبة إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، وحُبب إليه التنقل بين دروس العلماء في المساجد والمدارس والبيوت، وكان يسمع منهم تحسرهم على قلة من يطلب العلم الشرعي؛ وذلك لأن خطة الإنجليز كانت منصرفة إلى التزهيد في العلم الشرعي وصرف الطلبة عنه، ومن أصر على دراسته فإنه يعين مدرساً بثلث راتب المهندس والطبيب نكاية فيهم وازدراء لهم، فأحب عبداللطيف أن يكون مِن أبنائه السبعة مَن يدرس العلوم الشرعية فعرض الأمر على عبدالعزيز، وكان آنذاك يدرس في مدرسة متوسطة نظامية فدهش الوالد لاستجابة ابنه السريعة وقبوله الدراسة الشرعية، فانتظم في المدرسة، وكان يفخر بها، فقد نزع سراويله "بنطاله" ولبس العمامة والجبة وصارت هيئته هيئة طلاب العلم الشرعي، وظل يدرس حتى انتهى من الثانوية الشرعية وعُين خطيباً في أحد المساجد، لكنه تنقل بعد ذلك في كثير من مساجد بغداد، وطلب العلم على مشايخ بغداد منهم الشيخ أمجد الزهاوي ومحمد فؤاد الألوسي ومحمد القزلجي، وغيرهم.
انضم الشيخ عبدالعزيز البدري الى جمعية الآداب الإسلامية التي أنشأها العلماء للمحافظة على آداب الإسلام في العراق، وذلك قبل ظهور الصحوة الإسلامية، فقد كانت البلاد في حالة من الأخلاق العامة يُرثى لها، ثم شارك في جمعية كبار العلماء برئاسة شيخه أمجد الزهاوي -وقد ذكرته في هذه الحلقات من قبل- لكن لما كانت سنه صغيرة فقد كان مثل المقرر "السكرتير" للجمعية، يكتب بياناتها ببلاغة وفصاحة وجرأة.
وكان يدفع العلماء بجرأته ليتحركوا في بعض القضايا.
ـ علاقته بحزب التحرير :
في زمن الشيخ عبدالعزيز البدري عظمت قوة حزب التحرير، وكان ينادي بإصلاح الحكام أو إزالتهم لتعود الخلافة الجامعة، وينـزل للناس بيانات جريئة وقوية، فوجد قلوباً مقبلة وآذاناً صاغية، أما الإخوان فكانوا يُعنون بالتربيـة الهادئة المتدرجة من القاعدة إلى القمة، وما كان لهذا المنهج أن يستهوي رجلاً مملوءاً حماسة وقوة وجرأة مثل البدري بل أستطيع أن أقول إنه -في الجملة- ممتلئ تهوراً، فجذبه حزب التحرير حتى صار من أبرز أعضائه بل تولى رئاسته في العراق، وشارك في إدارته مع الشيخ تقي الدين البنهاني رئيس الحزب.
لكن سرعان ما تبين له أن حزب التحرير تحول إلى حزب يؤثر الكلام والجدل، ومعاركه معارك كلامية فكره منهجهم لأن من طبيعته النشاط والتحرك القوي فانسحب من الحزب سنة 1376/1956 وعمره آنذاك حوالي 25 سنة فقط!! لكنه لأدبه ووفائه لم يشأ أن يعلن انسحابه فظل متحملاً تبعات حزب التحرير وبياناته إلى أن قامت ثورة عبدالكريم قاسم الدموية فقدر له الحزب صنيعه وأعلن أن الشيخ عبدالعزيز البدري قد انسحب من الحزب.
ـ الحركة الإسلامية :
بعد انسحابه من حزب التحرير أنشأ البدري "الحركة الإسلامية" التي كانت تنظيماً سرياً دقيقاً، وأنـزل هذا التنظيم بياناً أيام ثورة عبدالكريم قاسم عندما اعتدى الشيوعيون على مكتبة في الزبير فأحرقوا أكثر كتبها ومخطوطاتها، وبياناً آخر لما اعتدى الشيوعيون على جمعية الأستاذين الصواف والزهاوي وأحرقوا المكتبة وداسوا المصاحف، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد عرض عليه بعض العسكريين الانتظام في الحركة الإسلامية واشترطوا عليه أن يكونوا معه في القيادة فقط أما التنظيم فينبغي أن يكونوا في تنظيم مستقل، فوافق البدري وعمل هذا التنظيم العسكري عدة عمليات أزعجت الشيوعيين، لكن بقي فرعا التنظيم مرتبطين بالبدري وشخصيته القوية وما كان لهما معالم واضحة ولا أثر قوي.
ـ من مواقفه :
ذكر الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي أنه كان في الخمسينات يعمل في السلك البرقي، فأذاعت وكالات الأنباء في الراديو أن جمال عبدالناصر قد اختارته الماسونية العالمية رئيساً فخرياً لها في الشرق الأوسط، وكان الشعب العراقي آنذاك يحب عبدالناصر، مخدوعاً به، فلم يصدقوا عندما سمعوا النبأ، فدخل الشيخ البدري إلى دائرة البرقيات وبيده برقية إلى عبدالناصر تخبره بإذاعة النبأ الخطير من وكالات الأنباء العالمية، وتطلب منه أن يستنكر ذلك النبأ لأن الشعب العراقي لم يصدق ذلك، وقال الأستاذ صادق إنه هو الذي استلم منه البرقية وهي مذيلة بتوقيعات كبار علماء العراق وعلى رأسهم الشيخ أمجد الزهاوي، وانتظر العلماء سماع التكذيب لكن مرت أيام وأسابيع ولم يحدث ذلك، ثم ختم بقوله: والله شهيد على ما أقول.
ـ ومن مواقفه الجميلة أنه لما علم بصدور حكم الإعدام على الأستاذ سيد قطب رأس وفداً من علماء أهل السنة وذهب بهم إلى كربلاء والنجف وطلب من علمائها التدخل لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام فذكر له محسن الحكيم أنه أبرق إلى الرئيس المصري عبدالناصر ألا يعدم سيداً .
وأقول: لكن هذا لم يُجْدِ عند الطاغية شيئاً فرحمة الله تعالى عليهم.
وقد كان الشيعة يعرفون قدره ويحبونه فعندما سقط نظام صدام أقام الشيعة احتفالاً ذكروا فيه مآثره وسيرته الجهادية.
جرأة البدري الفائقة :
كان أهم صفات الشيخ عبدالعزيز البدري جرأته الفائقة كل الحدود، بل لا أعلم أحداً أجرأ منه منذ سلطان العلماء العز بن عبدالسلام إلى زمن البدري، فقد كان لا يبالي بالموت بل يتعرض له في مظانه، رحمه الله تعالى، وقد قال فيه الدكتور صالح السامرائي حفظه الله: إنه رجل لا يعرف الخوف، فمن الدلائل الواضحة على جرأته أنه بعد قيام ثورة عبدالكريم قاسم المرعبة بأسبوع فقط خطب خطبة عصماء كفر فيها الشيوعيين ونَفّر القلوب منهم، فأزعج الشيوعيين حتى أن فاضل المهداوي رئيس محكمة الشعب الهزليـة -التي نكلت بالعراقيين وقتلت منهم كثيراً من المظلومين- اشتكى في المحكمة نفسها من البدري، فعزم الشيوعيون على التخلص منه، وكان البدري آنذاك يخطب في جامع في الكَرْخ وكان الناس يملأون المنطقة يوم الجمعة حتى المقاهي فتوجه الشيوعيون إلى المنطقة لينظفوها بزعمهم، فجمع البدري الناس، وسلح بعضهم، وكان له سلاح، فهبوا جميعاً لصد الشيوعيين، وكان يتلو عليهم قول الله تعالى: "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون" وصار يطلق الرصاص على الشيوعيين فانهزموا كالفئران ولله الحمد، وهذه بادرة لم تقع في العالم العربي والإسلامي في التاريخ الحديث، والبدري بهذا أعاد الهيبة للعلماء والمشايخ الذين استمرأوا الذل طويلاً ورضوا بالهوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ـ ومن جرأته أنه أفتى بكفر عبدالكريم قاسم وحِلّ دمه!! وهذا من الجرأة والشجاعة بمكان لم يصل إليه أحد، وهذا الذي أدى بعبدالكريم إلى أن يأتي بالبدري ويتلطف معه، لأن الفتوى أحدثت بلبلة في صفوف العراقيين، ثم لما أعدم عبدالكريم بعض الضباط سَيّر البدري مظاهرة ضده سار فيها حوالي أربعين ألفاً، ولقبه بـ "عتل بعد ذلك زنيم" فأُجبر على الإقامة في منـزله عاماً كاملاً من 2 ديسمبر 1959 إلى 2 ديسمبر 1960.
ـ ومن المواقف الجريئة أنه أعلن أنه يريد الحج فلم يؤذن له، فأعلن أن سيحرم من بيته ويتجه إلى الحدود فإن مُنع ذبح دماً للإحصار وأعلن للناس أنه محصور، فاستشار عبدالكريم قاسم بعض علماء السوء فأشاروا عليه ألا يجعل البدري يصنع هذا حتى لا يلتف عليه الناس لكن ليأت به ويسترضه ثم يسمح له بالحج، وهكذا صنع عبدالكريم قاسم فجاء به واسترضاه وقال له: أنا لا علاقة لي بالشيوعيين وهؤلاء مجرمون وأذن له بالحج، ثم ودعه عند الباب وقال له سأُعنى بأولادك وأعطيهم بعض الهدايا في غيابك، فأمسك البدري بكتفي عبدالكريم وهزهما بعنف وقال له: إياك أن تصنع هذا، فأنا لست من العلماء الذين تشتريهم بمالك، وأسمع عبدالكريم كلاماً قاسياً وصعباً، فقال له عبدالكريم: إنما أردت أن أختبرك، وذهب ليحج، والتقى بزعماء الدعوة ومشايخ المسلمين هنالك.
ـ وجاء زمن الرئيس عبدالسلام عارف، وبقي الشيخ على ما هو عليه من جرأة وقوة، حتى أن الرئيس عبدالسلام فاجأ البدري يوماً وهو يخطب الجمعة بدخوله الجامع، فحوّل البدري مجرى الخطبة ليقول صائحاً: يا عبدالسلام : أقم الإسلام، يا عبدالسلام : القومية لا تصلح لنا، يا عبدالسلام، يا عبدالسلام وظل هكذا يناديه بقوة، ثم بعد الصلاة جاء عبدالسلام ليسلم عليه وقال له : إنك ذو جرأة وأشكرك على ذلك، ثم نُقل من مسجده إلى مسجد آخر وضُيق عليه.
ثم ذهب ليحج سنة 1385/1965، وقد أخبرني شيخي وأستاذي الدكتور محمد علي إبراهيم أنه كان في المسجد النبوي لما جاء البدري للصلاة فيه، فوقف وخطب المصلين خطبة قوية جريئة، وقد كان هذا ديدن البدري أينما حل رحمه الله.
ـ وكان إذا خطب قال في المقدمة : أعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات حكامنا!!
وإذا فرغ دعا قائلاً : اللهم ارزقنا بدولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا من الدعاة إلى طاعتك، والاقتداء إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة وشهادة في سبيلك.
ولما هزم العرب الهزيمة المذلة سنة 1387/1967 ذهب إلى المجاهدين في فلسطين ليقاتل معهم لكنهم طلبوا منه العودة إلى العراق وحملوه أمانة القضية الفسلطينية، فعاد.
وخطب بعد الهزيمة خطبة هائلة بكى فيها وأبكى، وخوّن الأنظمة العربية وحملها المسؤولية، وبعد الصلاة أعلن عن تكوين وفد شعبي من سنة وشيعة خرج به إلى ماليـزيا وأندونيسيا والهند وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا لشرح أسباب الهزيمة ويلصقها بالقادة الثوريين، وكان في الوفد د.صالح السامرائي وصالح سريّه والشيخ البدري على رأسه، في 12 رجلاً من رجال العراق، فأحرج الوفد السفراء العرب وغضب بعضهم، وطلبوا من الحكومة العراقية توضيحاً لإذنها للوفد بالسفر وطلبوا معاقبة الوفد، فلما عاد الوفد إلى العراق ضُيق على البدري.
وقد ذكر الاستاذ الدكتور صالح السامرائي –حفظه الله تعالى-في مذكرة كتبها عن رحلته هذه عن البدري جملة امور منها أنه كان يرفض ان يربط حزام المقعد فى الطائرة توكلا على الله تعالى وهذا قد لايوافقه عليه بعض الناس لكن ذكرت ذلك ايضاحا لطريقته ونهجه.
ومنها انه كان فى الطائرة معه من بغداد الى طهران فعرضت احدى المضيفات الخمر لبيعها فوبخها البدري وسائر المضيفين والمضيفات بشدة كبيرة.
وفي ايران قابل الوفد المرجع الشيعي شريعة مداري فسأل عن أعضاء الوفد الشيعيين ثم أراهم صورة مزعومة للامام علي رضي الله عنه فكلمه الشيخ البدري وحثه على الجهاد والحركة من أجل فلسطين واشتد عليه فحاول الدكتور صالح ان يهدئ الشيخ البدري فلم يستطع.
ووصف الدكتور صالح الشيخ البدري بأنه كان يلهب مشاعر الجماهير فى كل مكان ذهب اليه الوفد الا فى ايران وتركيا فقد حيل بينه وبين الشعب.انتهى ماذكره الدكتور صالح حفظه الله تعالى.
وجاءت الحكومة العراقية زمن عبدالرحمن عارف برجل من كندا اسمه نديم البيطار -وكان أحد منظري حزب البعث- وجاؤوا به ليفند مزاعم البدري بأن البعثيين والناصريين والقوميين هم أسباب الهزيمة، فأراد نديم أن يبين أن الإسلام بأفكاره الغيبية هو السبب!! وألقى محاضرة بهذا المعنى، وأراد إلقاء محاضرة أخرى في النادي الثقافي بحي المنصور فطلب البدري من الحكومة أحد شيئين: إما أن يسمحوا له بالتعقيب بعد المحاضرة أو أن يحاضر في مكان آخر يعينه ويعين زمانه، فرفضت الحكومة، فخطب يوم الجمعة وأعلن أنه ذاهب إلى مكان المحاضرة بعد صلاة العصر، فلما صلى العصر اجتمع عليه الناس فأخذ سلاحه وتقدم بهم، وصار الناس ينضمون إليه، وساعدهم على ذلك جرأته وقوته وشجاعته ورؤيتهم له شاهراً سلاحه صائحاً مندداً، واستطاع أن يدخل قاعة المحاضرة فحدثت فوضى هائلة وهُرِّب البيطار من باب خلفي إلى المطار مباشرةً وأخفقت الحكومة في تحقيق ما أرادته، وسجنت البدري أياماً في سجن المنصور ثم أخرجته، لله درّه.
وقد ذكر لي الدكتور صالح السامرائي أن صداماً كان في القاعة آنذاك.
تضحياته :
لا جرم أن البدري في شجاعته قوته وجرأته قد لقي من جرأته ما لقي، فقد كاد يقتل مراراً، وسجن أربع عشرة مرة ووضع في الإقامة الجبرية مرات تطول وتقصر، وهذا قدر كل من تصدى للظلمة والطغاة وأراد أن يغير بلاده إلى الأفضل والأحسن، وهذه مسيرة الأنبياء العظام والمرسلين الكرام وصحبهم منذ فجر التاريخ إلى زمن سيدهم وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم هذا هو الذي سار عليه الخُلّص من أصحابه رضي الله عنهم ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الناس هذا، وكل دعوة ليس من ورائها تضحية فهي دعوة ناقصة على أصحابها مراجعة شأنهم والنظر في أحوالهم.
ومن لطائفه أنه كان يصحب معه حقيبة فيها حاجاته التي يريدها معه في السجن فإذا طُلب ليسجن أخذ معه حقيبته.
ولما قامت ثورة البعث سنة 1388/1968 ذهب ليحج فلما عاد مرّ بالرياض فحذره أصحابه من تضييق البعث على علماء العراق وطلبوا منه البقاء في الرياض لكنه رفض وبين لهم أنه رمز ولابد أن يعود، فلما عاد قبض عليه البعثيون.
وقد حكى ابن أحمد البدري كيف قبض على أبيه البعثيون فقال:
"عاد والدي من المسجد بعد الفراغ من أداء صلاة العشاء بسيارة صديقه عبدالغني شنداله فانقض عليه وعلى زميله أزلام عصابة صدام الذين كانوا متربصين بهما في الأزقة والشوارع المحيطة بدارنا فاعتقلوهما، وبعد منتصف الليلة نفسها حضروا مرة أخرى فقاموا بتفتيش الدار بشكل عشوائي وهمجي، وصادروا كل أشرطة خطب الجمعة، كما صادروا مخطوطين لكتابين كان قد أكمل تأليفهما معدان للطبع هما "كتاب الله الخالد" و "الإسلام حرب على الاشتراكية والرأسمالية".
وحقق معه مدير الأمن العام ناظم كزار واتهمه بأنه عميل لأمريكا، فقال له البدري: بل أنتم عملاء أمريكا فقد فضحكم علي صالح السعدي وقال إنكم جئتم للحكم على قطار انجلو- أمريكي، فصفعه ناظم على وجهه، فكانت المفاجأة المذهلة أن الشيخ البدري قفز على ناظم وبصق عليه وضربه وهو أعزل وسط المجرمين، فعند ذلك ضُرب بالأسلاك حتى أغمي عليه، ثم عذبوه عذاباً شديداً حتى قتلوه بعد أن كسروا عظامه، ونتفوا الجانب الأيمن من لحيته، ورموا جثته على باب بيته، فلما خرجت زوجه صباحاً لتشتري الخبز وجدت جثة زوجها على الباب وقد مُثل به تمثيلاً فاحشاً فأغمي عليها من هول المفاجأة، رحمه الله تعالى وغفر له ورفع درجته في عليين وتقبله في الشهداء الصالحين.
قال ولده سعد البدري :
"عرفنا أن والدي في إحدى زنزانات قصر النهاية السيء الصيت ويستجوب من قبل صدام وناظم كزار، بكل فخر أستطيع أن أباهي بوالدي الذي كان شجاعاً بحق وصبوراً مؤمناً حيث ذكر لنا أحد الشهود الذين كانوا معه في الزنزانة قائلاً: لم أر في حياتي رجلاً بشجاعته داخل المعتقل وهو يعذب ويفقد الوعي، ثم يعود إلى رشده، فيعذب مرة أخرى وهو يكرر ذكر الله، ثم يفقد الوعي تارة أخرى، ويرسل إلى مستشفى الرشيد العسكري لإيقاظه من غيبوبته ثم يعاد إلى التعذيب وهكذا، وهو يذكر اسم الله تعالى ويقرأ آيات من الذكر الحكيم ويندمج بأدعية مستجابة لنيل الشهادة فينالها في 26/6/1969".
وقال الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي أن أحد أقربائه كانت زنزانته جوار زنزانة الشيخ فقال: كان معذبوه يمرون عليه فيبصقون نحوه ويقولون: يا جاسوس!! يا خائن!! هذا مصيرك!! فيبصق عليهم ويقول: كل الشعب يعرف أنكم أنتم الجواسيس يا عملاء شركات النفط البريطانية، وأكد له قريبه أنه لم يشاهد أو يسمع في الدنيا مثل هذا الرجل الصلب الصبور، الله أكبر.
ومنع الأمن دفنه في سامراء التي كانت تغلي من قتله بتلك الطريقة، فدفن قرب شيخه الزهاوي في مقبرة الأعظمية، فلما دفن حصل هياج شديد في المقبرة، وتألم لحاله كثير من الناس، ورفعت شعارات لم تعجب السلطة الحاكمة فعاقبت بعضهم بالسجن 15 عاماً!!
وانتقم الله من ناظم هذا فقد حاول الانقلاب على البعث فقتله صدام شر قتلة بعد أن عذبه عذاباً شديداً.
من مؤلفاته :
ألف الشيخ رحمه الله تعالى عدداً من الكتب منها: "الإسلام بين العلماء والحكام"، وكتاب "حكم الإسلام في الاشتراكية"، وكتاب "الإسلام ضامن للحاجات الأساسية للفرد" ، و"كتاب الله الخالد القرآن الكريم".
ـ أولاده :
للشيخ أربعة أبناء وأربع بنات، وتصفه ابنته علياء بأنه كان أباً مثالياً ومربياً وفاضلاً عادلاً لا يفرق بين الابن والبنت، كان يحثنا على أداء الصلاة في أوقاتها وخاصة صلاة الفجر.
وقالت ابنته الكبرى آلاء: إننا فقدنا والدنا ونحن في أمس الحاجة إليه، وإلى عطفه وحنانه... وفي اللحظات التي كنا نراه فيها كان يحثنا على حفظ القرآن الكريم ويَعُدُّنا لأن تكون دعاة في المجتمع، والحمد لله أنا وأخواتي الثلاثة نمارس تدريس قواعد اللغة والتعليم والتربية الإسلامية، ونعمل على تحفيظ القرآن الكريم وإلقاء المواعظ الدينية.
وأما زوجه فقد ماتت في حادث سيارة سنة 1396/1976 رحمها الله رحمة واسعة.
ـ عجيبة :
يذكر ولده محمد بأن أحد أفراد الأمن قد أخبره في سنة 2000 عندما كان يبحث ضمن فريق مشترك من الأمن والمخابرات العامة والآثار عن قبر أحد أبناء المتوكل في المقبرة الأعظمية وبجوار قبر الشهيد البدري أنهم عندما حفروا للبحث فُتح قبر الشهيد وانكشف الغطاء عن جثته الطاهرة فضغط على جسده فرآه طرياً وكأنه دفن تواً بعد 31 عاماً من استشهاده ودفنه، فدخل الرعب والخوف في قلوبهم فأعادوا التراب إلى مكانه وفروا هاربين.
ومن المناسب أن أذكر هنا حادثة مهمة لها صلة بقضية حفظ جسده الطاهر ذكرها الأستاذ المؤرخ صادق الجميلي فقد قال :
"لما كان الشيخ البدري يخطب الجمعة في جامع إسكان غربي بغداد أخذ يهاجم النظام الحاكم وينتقد أخطاءه بكل جرأة وصراحة من منبر الجمعة، وكان يستقطب الشباب المسلم وأجهزة التسجيل التي كانت يمتلكها البعض منهم تلتقط خطبه النارية وتوزع بينهم... كان يسكن كاتب هذه السطور في حي القادسية ووقف في الشارع العام ينتظر سيارة أجرة فإذا بالشيخ أحد ركاب السيارة التي وقفت فامتطيتها وجلست على كرسي بجنب الشيخ، فسلمت عليه ودار الحديث بيننا حول خطبة في المسجد فأبديت له نصيحة أن يقلل من حماسه لأننا نعيش في نظام لا يرحم ناقديه، فقال لي: لا يا أخي لا فأشار إلى زنده الأيسر ومسكه بقوة وقال: إذن لماذا نُسمِّن هذه الزنود؟ ألتكون طُعْماً للدود في القبور؟!! فسكتُّ". وقد سقت هذه الحادثة مقترنة بالحادثة التي قبلها لأبين أن الله حفظ زنده وسائر جسده فلم يأكله الدود، ولله الحمد.
ـ وفي الختام لابد من أن أقول :
ليت الشيخ البدري اتفق مع العلماء واجتمع معهم لتكوين جبهة فلربما كان أجدى وأنفع للإسلام، لكنه كان يرد على العلماء الذين ينصحونه بالتريث رداً خشناً ويتهمهم بشتى أنواع الاتهامات، وكانوا يدخلون عليه في إقامته الجبرية ويطلبون منه الهدوء فكان يصدهم بقوة، وقد ألف كتابه المعروف رداً عليهم واسمه "الإسلام بين العلماء والحكام".
وهذا أدى إلى أن تضعف صلته بالعلماء، أقول هذا وأنا لا أبلغ عشره في جرأته وقوته وتضحيته وشجاعته وإقدامه لكني كنت أتمنى هذا حتى يُستفاد من هذا العالم الصادع بالحق الشجاع الجريء الذي لم نر مثله منذ قرون طويلة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ويكفيه أنه أعاد للمشيخة شيئاً من الهيبة التي فقدت منذ زمان طويل، والله المستعان، فأين مثله اليوم من علماء المسلمين بل أين عُشره رحمه الله تعالى ورفع منزلته في أعلى عليين.
المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)


اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك