هذا نبي الإسلام (6)

الكاتب : مشرف الموقع بتاريخ : 27-06-1432 الموافق May 31 2011 19:09:19
عدد الزيارات : 12

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين..
وبعد .. فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن أساليب المشركين في مواجهة الدعوة الإسلامية ، وأكمل حديثي فأقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى التضيق على أصحابه أن بعضهم بدأ يُفتن تحت ضغط التعذيب ـ والناس تختلف في تحمل البلاء ـ لم يشأ أن يحملهم فوق ما يطيقون ، أو أن يتركهم يدخلون في صراع لا تحمد عواقبه مع المشركين الذين يستفزونهم كل حين ، وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة حيث كان يعلم ( ربما من خلال رحلاته التجارية) أن بها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد ، وقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجاً مما أنتم فيه"(1) غير أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم بذلك ، وإنما ترك لهم حرية الاختيار بين البقاء والصبر على الأذى بمكة أو الخروج إلى الحبشة .
فخرج إليها سرا قرابة مائة مسلم ومسلمة ، تاركين وراءهم المال والأهل والوطن إلى بيئة تختلف عن بيئتهم في كل شيء حتى في اللغة ؛ كي يستطيعوا أن يحافظوا على إيمانهم بالله تعالى.
ولكن لم يرض الطغاة من قريش عن هذا الفعل ، فهم يصرون على ألا يعبد الله في الأرض ، ولو كان خارج ديارهم ، وعز عليهم أن يجد المؤمنون بالله مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين منهما وأرسلوهما بهدايا مستطرفة لملك الحبشة ولبطارقته ليرشوهم بها ، وطلبوا منه أن يطرد المسلمين من بلاده ، ويعيدهم إلى مكة ، وقالا له : أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه (2).
لكن ملك الحبشة كان كما حسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عادلا منصفا ، ولم يشأ أن يستجيب لهم قبل أن يقابل المسلمين ، ويتعرف على حقيقتهم ، ومدى صدق رسل قريش فيما ادعوه ، فأرسل إليهم من يحضرهم بين يديه ، فجاءوه وقد أجمعوا على الصدق معه كائنًا ما كان‏ ،‏ فقال لهم مستفسرا ‏:‏ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ‏؟‏.
فقال أحدهم وهو" جعفر بن أبي طالب" ابن عم رسول الله : أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئًا.
وعدد عليه أمور الإسلام ثم قال له: فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئًا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك‏(3).‏
فقال له ملك الحبشة‏ :‏ هل معك مما جاء به عن الله من شيء ‏؟‏ فقال له جعفر‏:‏ نعم‏.‏ فقال له النجاشي‏:‏ فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه مقدمة سورة "مريم " وهي "‏ كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ..... ".
فبكى النجاشي ( ملك الحبشة) حتى ابتلت لحيته من كثرة بكائه ، وكذلك أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال ( أي النجاشي ):‏ إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مصدر واحد ـ أي كلاهما من عند الله ـ ثم قال لرسولي قريش : انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون .
فخرجا من عنده وهما عازمان على أن يحتالا عليه بحيلة أخرى ـ كحال بطانة السوء مع كل حاكم عاقل ـ لعلها توقع بينه وبينهم ، فأتياه من الغد فقالا : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما ، وهي العبارة التي يرددها الآن من يعملون على بث كراهية المسلمين في قلوب العوام من النصارى ، ثم قالا له ليزداد غضبا : أرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه ، فأرسل إليهم ليسألهم عنه ، فأجابه جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ، يقول : " هو عبد الله ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول " .
وهذه نظرة الإسلام إلى عيسى عليه السلام ، هو نبي من البشر مثله مثل سائر الأنبياء ، أرسله الله إلى بني إسرائيل ، وكان النجاشي من المؤمنين بذلك ، فصدق قولهم .
رد النجاشي رسل قريش بهديتهم التي جاءوا ليرشوه بها ، ثم أوصى أهل مملكته بالإحسان إلي ضيوفه المسلمين ، وعدم التعرض لهم بسوء ، فاستجابوا له ، ونفذوا وصيته خير تنفيذ ، حتى قال أحد هؤلاء المهاجرين : " فجاورنا خير جوار ، أمنا على ديننا وعبدنا اللّه ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه.
ولم يُضيع الله عليه جميل هذا الصُنع ، إذ لم يمض على تلك الحادثة غير قليل حتى خرج عليه بعض البغاة يريدون خلعه من المُلك فنصره الله عليهم .
وعاد الرسولان إلى مكة خائبين بعد رفض النجاشي الاستجابة لطلبهما " فاستشاط المشركون غضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، واشتدت ضراوتهم على من بقي من المسلمين بمكة وعلى رسول الله ، فقد حرضوا عتيبة بن أبي لهب يومًا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه.
كما جاء إليه نفر منهم وهو قائم يصلي عند الكعبة ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، وأخذوا بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه، وهو يبكي ويقول‏:‏ أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله‏ ؟‏ فلُهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر يضربونه حتى كاد يهلك .
فسمع بنو تيم قومه بذلك فأسرعوا إلى المسجد ، فأجلوهم عن أبي بكر وقالوا لهم : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عُتبة بن ربيعة( أعظم الحاضرين) ثم حملوه في ثوب، وهم لا يشكّون في موته، حتى أدخلوه منزله، وجعلوا يكلمونه حتى أجاب فتكلّم آخر النهار ، فكان أول ما قاله : ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ؟ فعاتبوه على ذلك.
وهذا الاعتداء وذلكم التعذيب جعلا قلوب بعض العقلاء ترقُّ للإسلام ، فقد رجع حمزة بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ يوما من رحلة صيد ، فقابلته جارية عند الكعبة ، وقالت له : لو رأيت أبا الحكم وهو يسب ابن أخيك وهو ساكت لا يكلمه ، فأخذته الحمية ومشي إلى أبي جهل فضربه في رأسه فَشَجَّهُ ، وقال له : تشتم ابن أخي وأنا على دينه ‏؟‏ .
ثم ذهب إلى رسول الله فأعلن إسلامه، ‏ولم يمض غير قليل حتى أسلم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بعد حادث اعتداء منه على أخته المسلمة وزوجها جعل قلبه يرق لما هما عليه ، وكانت هذه انفراجة يسيرة في حياة المسلمين ؛ وذلك لأن هذين الرجلين كان قد شاع صيتهما في القوة والشجاعة والبأس ، مما جعل كثيرا من السفهاء بمكة يهابونهما .
وبعد فشل أسلوب الاضطهاد والتعذيب في إيقاف المد الإسلامي ، وفرار كثير من المضطهدين إلى الحبشة ، وإسلام حمزة وعمر الذين زادا المسلمين منعة ، لجأ زعماء الشرك بمكة إلى أسلوب آخر لعله يكون أشد تأثيرا ، وهو أسلوب التجويع أو الحصار الاقتصادي ، فقد اجتمع سادة المشركين بمكة ، واتفقوا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على معاقبة المسلمين والمناصرين له من بني هاشم وبني المطلب ، بأسلوب أشد تأثيرا ، وهو ألا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يزوجوهم ، أو يتزوجوا منهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول اللّه للقتل ..
 يعني أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة ؛ انتقاماً منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة توكيداً لأنفسهم ، وعلقوها في جوف الكعبة في أول المحرم سنة سبع من النبوة ، واضطروهم إلى الانتقال والمعيشة في شِعب يسمى "شعب أبي طالب"(4)..
وصاروا لا يتركون طعامًا يدخل مكة ، ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، وكان أبو لهب يحض التجار ، ويقول لهم : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، وأنا ضامن ألاّ خسارة عليكم ، فيزيدون عليهم في قيمتها أضعافا ، وصار الرجل من المسلمين يخرج إلى السوق ، ويرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يديه شيء يتقوون به ، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى بلغ بالمسلمين ومن حالفهم الجهد، واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود (5).
وكان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يصرخون من الجوع ، وكان لا يصل إليهم شيء من طعام إلا سرًا ، ولا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، وقد صور سعد بن أبي وقاص ( أحد المسلمين المحاصرين ) مدى ما كان يعانيه من جوع بقوله : خرجت ذات ليلة لأبولَ فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد ، فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثا ، ‏وللقارئ أن يتأمل إلى أي حد وصل الأمر به حتى يأكل مثل ذلك .
وقد أنفق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وزوجته خديجة رضي الله عنها مالهما كله على المحاصرين ، وكذلك أبو طالب حتى صاروا إلى حد الضر والفاقة ...
ولبث المسلمون وبنوهاشم في هذا الشعب ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء والجهد ، وقطع المشركون عنهم الأسواق ، فكانوا لا يتركون لهم طعاما يقدم مكة ، ولا بيعا إلا بادروهم إليه فاشتروه .
ورغم ذلك لم يخرجوا عن الأخلاق التي رباهم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ضجر أحدهم بالإسلام وما ناله من الشدة بسبب اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما اُضطر أحدهم لأن يسلك في سبيل الحصول على لقمته سلوكا مشينا ، وما خان أحدهم نبيّه بالميل إلى المشركين وممالأتهم طمعا في الحصول على طعامه.
ومن العجب أن أبا طالب رغم أنه لم يكن على دين رسول الله إلا أن شدة الحصار لم تزده إلا حرصا على حمايته والدفاع عنه ، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه ؛ ليرى ذلك من أراد به مكرا أو اغتيالا ، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه.
وشاء الله أن يتحرك أصحاب القلوب الرحيمة من عامة قريش وبعض سادتها ممن تأثروا بما أصاب المحاصرين ، وأظهروا كراهيتهم لهذه الصحيفة الظالمة ، ومن هؤلاء رجل يسمى "هشام بن عمرو بن الحارث" الذي كان يأتي بالبعير ليلا وقد حمله طعاما ، حتى إذا بلغ فم الشعب المحاصرين فيه خلع خطامه من رأسه ، ثم ضرب على جبينه فأدخله الشعب عليهم ، ثم يأتي به مرة أخرى ، وقد حمله بُرا ( نوع من القمح ) فيفعل به مثل ذلك.
وظل يستحث رفاقه حتى اجتمع نفر منهم ، ولام بعضهم بعضا على ما يحدث لهؤلاء دون أن يقترفوا إثما أو خطيئة ، واتفقوا فيما بينهم على السعي في نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه ، ورءوا أن اختلافهم مع المسلمين ليس مبررا للقسوة عليهم إلى هذا الحد ، وكان مما قاله لأحد أقاربه : أرضيت أن تأكل الطعام ، وتلبس الثياب وتلهو ، وأخوالك حيث علمت لا يأكلون ولا يلبسون لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟... ، أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام (أبي جهل) ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا(6)..
وتعاطف هؤلاء ومن قبلهم ملك الحبشة دليل على أن غير المسلمين ليسوا كلهم مجتمعين على معاداة الإسلام ، وأن من بينهم من يمتلأ قلبه بالسماحة والرأفة ، ومن بينهم من هو على استعداد للمساهمة بماله ووقته وفكره ورأيه لنصرة قضيتهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينظر لمثل هؤلاء نظرة احترام وتقدير كما سنرى بعد قليل ، حيث قال عن أحدهم وكان يسمى " المطعم بن عدي " بعد غزوة بدر : لو كان حيا لتركت له هؤلاء الأسرى ؛ إكراما له.
وبدأ هؤلاء النفر الذين سعوا في فك الحصار عن المسلمين في كسب الرأي العام لمساعدتهم في نقض صحيفة الغدر ، فأقبل أحدهم على الناس وقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ، فقال أبو جهل "رأس الكفر" : والله لا تشق ، فرد عليه آخر بقوله : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابتها حين كتبت ، فقال ثالث: صدق لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقر به ، فقال رابع : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ، وقال خامس : مثل ذلك .
 ولم يجد أبو جهل ومن على غدره غير التسليم لهم ، ونجحوا في فك الحصار عن المؤمنين الذي دام ثلاث سنين(7).
والآن المسلمون من الممكن أن يستفيدوا من وقفة أصحاب القلوب الرحيمة من غير المسلمين في نصرة قضاياهم في المحافل الدولية ، وتخفيف وطأة الحصار على من يقع عليهم في فلسطين وغيرها ، وما أكثر هؤلاء !.
أحس زعماء الشرك بالهزيمة أمام رسول الله بعد نجاح أصحاب القلوب الرحيمة في فض الحصار ، وبدءوا يتنازلون عن فكرة قتله ، وسعوا في مفاوضته على أن يتركوه وشأنه ، ويتركهم وما يعبدون ، لا يتعرض لآلهتهم المزعومة ، فذهبوا إلى أبي طالب وقالوا‏ :‏ يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ له منا ، وخذ لنا منه ؛ ليكف عنا ، ونكف عنه ، وليدعـنا وديننا ، وندعه ودينه .
 وما كان أرضى رسول الله بذلك لو صدقوا ، وقد أنزل الله ســورة" الكافرون " لتؤكد لهم هذا الميثاق الذي طلبوه ، ألا يكرههم على الإسلام ، ولا يكرهونه على عبادة أصنامهم ، فقال سبحانه وتعالى : " قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم دينكم ولي دين " لكنهم سرعان ما نكثوا عهودهم .
إذ لم يمض غير وقت قصير حتى مات أبو طالب ، وسبق ذلك بقليل أو لحقه وفاة خديجة ـ رضي الله عنها ـ فانتهزوا تلك الفرصة وعاد سادتهم إلى ما كانوا عليه من عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعرضوا له بالإيذاء في كل طريق ، وأصابه من الأذى ما لم يصبه من قبل ، ونسي هؤلاء ما قالوه لأبي طالب " ليكف عنا ونكف عنه" وتنكروا لما جاء في ميثاق الله تعالى " لكم دينكم ولي دين ".
وحال هؤلاء المشركون تماما بينه وبين الالتقاء بالناس ليعرفهم بالإسلام ، فاجتمعت عليه صلى الله عليه وسلم الأحزان ، حزن على عمه الذي كان يحوطه ويرعاه وينصره ، وضاعف من هذا الحزن أنه مات على شركه ، وكان يتمنى له وهو أحب الناس إلى قلبه الهداية ، وحزن على زوجته خديجة ، والتي صحبته فكانت نعم الزوجة ، أذهبت عنه همه وخففت عنه حزنه ، ووضعت مالها وتجارتها في خدمة دعوته ، وأعانته على ما كلف به من ربه ، وحزن على قومه الذين لم تزدهم دعوته لهم إلا إعراضا ، يدعوهم إلى الجنة ويتفلتون منه إلى النار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
*مدير موقع التاريخ الالكتروني
(1) ابن هشام : السيرة النبوية ج2 : صـ 66
(2) السابق : جـ 2 صـ 69
(3) انظر القصة كاملة في سيرة ابن كثير الجزء الثاني 
(4) ابن هشام : السيرة النبوية جـ 2 صـ 195 وما بعدها
(5) الروض الأنف ج1 ص 179
(6) ابن هشام : السيرة ج2 ص 199 وما بعدها 
(7) تاريخ الطبري  :ج1 صـ 553
المصدر : موقع التاريخ


اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
اضافة تعليق

اضافة تعليق











التعليقات







الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك