• الصليب وحكاياته

نظرات في عصر الخلفاء الراشدين 7

May 31 2011 19:55:49

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .. وبعد
فقد انتهينا في الحلقات السابقة من الحديث عن خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ والترتيبات الإدارية التي تمت في عصره ، واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى نتحدث عن  خلافة عثمان ـ رضي الله عنه ـ والذي تم اختياره بطريقة قلما يوجد مثلها في تاريخ الأمم الناضجة حضاريا ، وكان بعض الصحابة قد أشاروا على عمر ـ رضي الله عنه ـ بأن يستخلف عليهم رجلا يتفقوا عليه بعد موته ، فقال : ما أريد أن أتحملها حيا وميتا ، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنهم من أهل الجنة  : سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم ، ولست مدخله( لأنه كان قريبا له )  ولكن الستة علي وعثمان ابنا عبد مناف ، وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته ، وطلحة الخير بن عبيد الله ، فليختاروا منهم رجلا ، فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته ، وأعينوه إن ائتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته (1).
وفي الصباح دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام فقال : إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم ،وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض ، إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم ، ولكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس ،فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذن منها فتشاوروا واختاروا رجلا منكم ..
ثم قال : فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام ،وليصل بالناس صهيب ،ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم ،ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا ،ولا شيء له من الأمر ( وكان عبد الله من أفاضل الناس وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم ) وطلحة شريككم في الأمر فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم ، وإن مضت الأيام الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم ، ومن لي بطلحة ؟ فقال سعد بن أبي وقاص : أنا لك به ، ولا يخالف إن شاء الله ، فقال : عمر أرجو ألا يخالف إن شاء الله .(2).
وقال لأبي طلحة الأنصاري يا أبا طلحة إن الله عز وجل طالما أعز الإسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الأنصار ، فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم ، وقال للمقداد بن الأسود : إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم ، وقال لصهيب : صل بالناس ثلاثة أيام..
وانتظر الصحابة الستة المرشحون لمنصب الخلافة حتى قبض عمر ـ رضي الله عنه ـ وفرغ من دفنه ، ثم فقال عبد الرحمن ـ رضي الله عنه ـ: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم فلم يجبه أحد فقال : فأنا أنخلع منها ، فقال عثمان ـ رضي الله عنه ـ: أنا أول من رضي ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أمين في الأرض أمين في السماء ، فقال القوم : قد رضينا ، وعلي ساكت فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ قال : أعطني موثقا لتؤثرن الحق ، ولا تتبع الهوى ، ولا تخص ذا رحم ، ولا تألو الأمة .
فقال : أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير ، وأن ترضوا من اخترت لكم علي ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه ولا ألو المسلمين ، فأخذ منهم ميثاقا وأعطاهم مثله ..
 ثم قال عبد الرحمن لعلي ـ رضي الله عنهما ـ: إنك تقول إني أحق من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ، ولم تبعد ، ولكن أرأيت لو صرف هذا الأمر عنك فلم تحضر من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر ؟ قال : عثمان ، وخلا بعثمان فقال : تقول شيخ من بني عبد مناف وصهر رسول الله صلى الله عليه و سلم وابن عمه لي سابقة وفضل لم تبعد ، فلن يصرف هذا الأمر عني ، ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط تراه أحق به قال : علي ، ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به عليا وعثمان ، فقال : عثمان ثم خلا بسعد فكلمه فقال : عثمان.(3) .
ثم دار عبد الرحمن لياليه يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم ولا يخلو برجل إلا أمره بعثمان ، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل أتى منزل المسور بن مخرمة من الليل فأيقظه فقال : ألا أراك نائما ولم أذق في هذه الليلة كثير غمض، انطلق فادع الزبير وسعدا.(4).  
ودعا عليا فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ! قال : أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي ، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي فقال : نعم فبايعه..
وقدم طلحة في اليوم الذي بويع فيه لعثمان فقيل له : بايع عثمان فقال : أكل قريش راض به قال : نعم ، فأتى عثمان ليبايعه فقال له عثمان : أنت على رأس أمرك إن أبيت رددتها ( وقال له ذلك لأنه كان من المرشحين معه للخلافة وله مثل ما له ) فقال له طلحة : أتردها ؟ قال : نعم ، قال : أكل الناس بايعوك ؟ قال : نعم قال : قد رضيت لا أغرب عما قد أجمعوا عليه وبايعه .(5).
وخرج عثمان ـ رضي الله عنه ـ بعد بيعته وهو أشدهم كآبة ، فأتى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس ،فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار ، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه ، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم ، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور .(6).
وأقبل عوام الناس بعد فراغه من خطبته يبايعونه حتى تمت له البيعة العامة مع الخاصة .
ثم أرسل إلى أمراء الأقاليم يقول :  أما بعد فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة ، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة ، وإن صدر هذه الأمة ( يقصد الصحابة ) خلقوا رعاة ، لم يخلقوا جباة ، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ، ولا يكونوا رعاة ، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء ، ألا وإن أعدل السيرة أن تنظروا في أمور المسلمين فيما عليهم ، فتعطوهم ما لهم وتأخذوهم بما عليهم ، ثم تثنوا بالذمة فتعطوهم الذي لهم ، وتأخذوهم بالذي عليهم ، ثم العدو الذي تنتابون ، فاستفتحوا عليهم بالوفاء .(7) .
وكتب إلى أمراء الأجناد يقول : أما بعد فإنكم حماة المسلمين وذادتهم ، وقد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان عن ملأ منا ، ولا يبلغني عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله ما بكم ويستبدل بكم غيركم ، فانظروا كيف تكونون ، فإني أنظر فيما ألزمني الله النظر فيه والقيام عليه . (8).
وكتب إلى عمال الخراج يقول : أما بعد فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق خذوا الحق وأعطوا الحق به والأمانة الأمانة قوموا عليها ، ولا تكونوا أول من يسلبها ، فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم ، والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ، ولا المعاهد فإن الله خصم لمن ظلمهم.(9).
 وكتب رسالة عامة إلى سائر رعايا الدولة يقول فيها : أما بعد فإنكم إنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع ، فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم ، تكامل النعم ، وبلوغ أولادكم من السبايا ، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن ، فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : الكفر في العجمة ، فإذا استعجم عليهم أمر تكلفوا وابتدعوا .(10).
وزاد في أعطيات الناس مائة مائة ، وهو أول خليفة زاد الناس في العطاء ، وكان عمرـ  رحمه الله ـ يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهما في كل يوم ، وفرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين فقيل له : لو وضعت لهم طعاما فجمعتهم عليه فقال : أشبع الناس في بيوتهم ، فأقر عثمان الذي صنع عمر ، وزاد فوضع طعام رمضان للمتعبد الذي يبيت في المسجد ولابن السبيل وللمثوبين بالناس في رمضان (11) .
ثم واصل الفتوح الإسلامية التي بدأها أبو بكر ثم عمر ـ رضي الله عنهما ـ فأرسل  الوليد بن عقبة لإعادة فتح أذربيجان وأرمينية ، وأرسل عبد الله بن سعد بن أبي سرح لفتح إفريقية ، وألح عليه معاوية لغزو بعض الجزر في البحر المتوسط حتى أذن له ، على ألا يجبر أحدا من الجنود على الخروج معه ، فصار معاوية وفتح جزيرة قبرص سنة 28 هـ.. وقد أصاب من أهلها سبيا كثيرا فلما رآه أبو الدرداء بكى فقيل له : ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل فيه الكفر وأهله ؟ فقال :  ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره ، بينا هي أمة ظاهرة قاهرة للناس لهم الملك إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى ، فسلط عليهم السباء ، وإذا سلط السباء على قوم فليس لله فيهم حاجة  (12) كما غزا معاوية القسطنطينية حتى وصل إلى مضيقها.
وقتل في خلافته يزدجرد آخر ملوك فارس ، قتل طريدا شريدا ، ليختم صفحة سوداء من تاريخ الظلم والكفر والبغي ، وقد ظل قبل موته يتنقل من مدينة لمدينة فارا أمام المسلمين ، واستنصر ملوك الترك والصين فأبوا أن ينصروه فسار إلى مرو فسأل مرزبانها مالا فمنعه ، ثم قاتله فقتل أصحابه ،وخرج هو هاربا على رجليه معه منطقته وسيفه وتاجه حتى أتى إلى منزل نقار على شط المرغاب فلما غفل يزدجرد ، وقيل لما نام قتله النقار ، وأخذ متاعه ، وألقى جسده في المرغاب .(13) .
وفتح المسلمون بعد مقتله أبرشهر وطوس وبيورد ونسا وسرخس ومرو من البلاد التي كانت خاضعة للممالك فارس.
وفتح الأحنف بن قيس مرو الروذ صلحا وكتب لمرزبانها كتابا جاء فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من صخر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مرو الروذ ومن معه من الأساورة والأعاجم سلام على من اتبع الهدى وآمن واتقى ،أما بعد فإن ابن أخيك ماهك قدم علي فنصح لك جهده ، وأبلغ عنك وقد عرضت ذلك على من معي من المسلمين ، وأنا وهم فيما عليك سواء ، وقد أجبناك إلى ما سألت ، وعرضت على أن تؤدي عن كورتك وفلاحيك والأرضين ستين ألف درهم إلي وإلى الوالي بعدي من أمراء المسلمين ، إلا ما كان من الأرضين التي ذكرت أن كسرى الظالم لنفسه أقطعها جد أبيك ، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده ، وأن عليك نصرة المسلمين وقتال عدوهم بمن معك من الأساورة إن أحب المسلمون ذلك ، وإن لك على ذلك نصر المسلمين على من يقاتل من ورائك من أهل ملتك ، جار لك بذلك مني ، كتاب يكون لك بعدي ، ولا خراج عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوي الأرحام ، وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك ما للمسلمين من العطاء والمنزلة والرزق ، وأنت أخوهم ، ولك بذلك ذمتي وذمة أبي وذمة المسلمين وذمم آبائهم.(14).
واختتمت الفتوحات في عصره شرقا بفتح بلاد " الطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان وبلخ " أما في ناحية الغرب فكان آخر الفتوحات التي تمت في عهده فتح عمورية ، وانشغل المسلمون بعدها بأمر الفتنة التي أشعلها المنافقون بقيادة ابن سبأ اليهودي ، والتي انتهت بمقتله في الثامن عشر لذي الحجة سنة خمس وثلاثين ..
وقد عمت الخيرات المسلمين بتلك الفتوحات ، وأتاهم المال من كل وجه ، حتى اتخذت له الخزائن ، وصار ـ عثمان ـ رضي الله عنه ـ  يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية ، ووجد الناس في خلافته من رغد العيش ما لم يروه من قبل.
ودامت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأياما ، وكان قد تجاوز الثمانين من عمره .
وإلى لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية
 
ــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

1ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 580) .
2 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 581)..
3 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 582) .
4 ـ تاريخ المدينة - (3 / 928) .
5 ـ تاريخ الطبري - (2 / 583).
6 ـ المنتظم - (2 / 52).
7 ـ تاريخ الطبري - (2 / 590 وما بعدها ) .
8 ـ تاريخ الطبري - (2 / 591) .
9 ـ تاريخ الطبري - (2 / 591) .
10 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 591)..
11 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء - (ج 4 / ص 371)..
12 ـ تاريخ الطبري - (ج 2 / ص 602) .
13 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء - (ج 4 / ص 376) .
14 ـ الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء - (ج 4 / ص 383)..
المصدر : موقع التاريخ
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
الشيشاننهضة إسلامية غير مسبوقة

الشيشان..نهضة إسلامية غير مسبوقة

هاني صلاح بعد حرمانها من ممارسة شعائرها الدينية خلال الحقبة السوفيتية...

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

فقه الخيانة (استنطاق صراعات التاريخ الإسلامي)

د.نزار السامرائي مع الوقت صارت سقيفة بني ساعدة كابوسا مرعبا خيم...

المسلمون في عينْي أسير صيني

المسلمون في عينْي أسير صيني

د / قاسم عبده قاسم كان المسلمون يتطلعون لفتح الصين، ولكنهم وصلوا...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

المعارضة السورية: نرفض عدم التقدم بالمفاوضات السياسية في جنيف7

قال أحمد رمضان، أحد المتحدثين باسم المعارضة السورية في مفاوضات جنيف7،...

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

الأمم المتحدة ترسل 22 شاحنة تحمل مواد إغاثية إلى إدلب السورية

أرسلت الأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، 22 شاحنة محملة بمواد إغاثية إلى...

 الصحة العالمية تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

"الصحة العالمية" تعرب عن قلقها من سوء الأوضاع الصحية والمعيشية في غزة‎

  أعربت منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، اليوم...

  • أيام في سيلان والمالديف