هذا نبي الإسلام (8)د / أحمد عبد الحميد عبد الحق * الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.. وبعد .. فقد تحدثت في الحلقة السابقة عن رحلة الإسراء والمعراج التي زادت النبي صلى الله عليه وسلم يقينا على يقينه ، وجعلته يقبل على دعوته بكل ثقة واطمئنان على تحقيق موعود الله سبحانه وتعالى له رغم كل المعوقات التي وضعها زعماء المشركين في طريقه ، وأكمل حديثي ـ بعون من الله ـ فأقول : إنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يمكث كثيرا بعد عودته من رحلة المعراج حتى حلّ عليه موسم الحج الذي اعتاد أن يطوف على الناس فيه ، فشمر صلى الله عليه وسلم عن ساعد الجد ، وصار لا يسمع بقادم من العرب له اسم وشرف إلا وأقبل عليه ودعاه إلى ربه ، وعرض عليه ما أرسله الله به ، وغدا يقول لكل من يلقاهم من أفواج العرب : يا بني فلان ! إني رسول الله إليكم ، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به . ويقول : لا أُكره أحدا منكم على شيء ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك له، ومن كره لم أُكرهه . ومع شدة حرصه على جذب الناس إليه لم يشأ أن يسلك غير سبيل الدعوة إلى الإيمان المجرد من كل مصلحة دنيوية ، ولم يجعل لمن عرض عليه اتباعه سوى الوعد بجنة الله سبحانه ، فقد أتى على قوم يسمون " بني عامر" فقال له سيدهم : أرأيت إن نحن تابعناك في أمرك هذا ثم أظهرك الله على من يخالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث يشاء ، فقال له : أفنعرض نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك (1)... لم يقبل رسول الله من هؤلاء الإسلام المشروط بمكاسب الدنيا ؛ لأن الله يريد من المسلم أن تكون عبادته له خالصة من كل شائبة ، ولا ينتظر على إسلامه أجرا ، وقد يمكن الله للمسلمين في الأرض ، ويفتح لهم الدنيا ، وقد فتحها على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ورزقهم من حيث لم يحتسبوا ، ولكن ما كان ذلك في ذهن أحدهم يوم إسلامه ، بل كان أمل كل واحد منهم أن يرضى الله عنه . وأتى على قوم من أهل اليمن ممن جاوروا الفرس ، فقالوا : له إلامَ تدعو ؟ فقال صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به ، فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد ، فقال له أحدهم : وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قوله تعالى :" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " (2) إلى قوله : ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون فقال له : وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، ولو كان من كلامهم لعرفناه ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون" (3) فقال له : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك( قالوا بهتانا ) قوم كذبوك وظاهروا عليك (4) . وأشار إلى رجل آخر منهم يسمى " هانئ بن قبيصة "وقال : وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا ، فرد عليه هانئ هذا قائلا : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وصدقت قولك ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، ولم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو إليه فإن هذا زلة في الرأي ، وطيشة في العقل ، وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر. والتفت إلى رجل ثالث أحب أن يشركه في الكلام يسمى "المثنى بن حارثة " فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنى : قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلمت به ، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة ، وإنا إنما نزلنا بين صريين ، أحدهما اليمامة ، والآخر السماوة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما هذان الصريان ؟ فقال له أما أحدهما : فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فارض فارس وأنهار كسرى ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ، أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوي محدثا ، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول ، فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا . ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا من قبل يهمه جذب الناس إليه فقط ، وبأي وسيلة كما يحدث من كثيرين من أصحاب الأفكار والمذاهب والأحزاب، وإنما غايته إرشاد الناس إلى الله وتعاليمه ؛ ليكونوا بعد ذلك متبعين لأمره سبحانه وتعالى ؛ لذا عذر صلى الله عليه وسلم هؤلاء فيما قالوا ، وكان رده عليهم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه . غير أنه بث في قلوبهم التفاؤل ، وبشرهم بموعود الله الذي ينتظره وينتظر من آمن معه ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال له أحدهم ـ وكأنه ذهل لما سمع هذا الكلام ـ : اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟!(5) . وأجاب الواقع بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، فما هي إلا سنوات حتى كان المثنى بن حارثة أحد المتكلمين الثلاثة يتوغل بقومه هؤلاء في أرض فارس ، فاتحا منها ما شاء الله أن يفتح في خلافة أبي بكر الصديق ، وصدقت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أدهشتهم . وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه على القبائل ، وبينما هو يسير عند مكان يسمى "العقبة " بمنى (مكان تجمع الحجاج بمكة) لقي رهطا من أهل يثرب فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم (6). وكان سبب إسراعهم ما كانوا يسمعونه من اليهود المجاورين لهم بيثرب أن نبياً سيبعث الآن ، قد أظل زمانه ، كما ذكر أحدهم في قوله : إن مما دعانا إلى الإسلام – مع رحمة الله تعالى وهداه لنا – ما كنا نسمع من رجال يهود ، كنا أهل شرك أصحاب أوثان ، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور ، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن ؛ نقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم (7).. رجع هؤلاء المسلمون الجدد إلى قومهم بيثرب مستبشرين بهدايتهم ، فرحين بسبقهم اليهود إلى هذا النبي الذي كانوا ينتظرون لقاءه ، ووصفوا لقومهم صفاته، ودعوهم إلى الإسلام فأسلم كثير منهم ، حتى إذا كان العام المقبل وافى موسم الحج منهم اثنا عشر رجلاً ، فلقوه صلى الله عليه وسلم عند العقبة التي لقوه فيها العام الماضي ، فبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئاً ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصونه في معروف . ثم قال لهم - صلّى الله عليه وسلَّم -:" فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا (أي عوقبتم عليه) فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله تعالى ، إنْ شاء عذب ، وإن شاء غفر". وهذه البيعة حدد فيها رسول الله الأولويات التي يجب أن يدعى إليها الإنسان ، ويلتزم بالمحافظة عليها بعد إسلامه ، وأكد رسول الله أن من فعلها فقد نجا ، ونقول ذلك لنذكر به من يقومون بالدعوة في المجتمعات غير المسلمة ، ليعرفوا المسلمين هناك بواجباتهم ، ولا يدخلوا بهم في أمور فرعية قد تجلب عليهم الأخطار ، مع إن القاعدة الثابتة في الإسلام " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " شاملة للجميع . وبعد أن تمت مبايعتهم بعث صلى اللّه عليه وسلم معهم رجلا من أصحابه يسمى " مصعب بن عمير" يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ، ويقيم لهم الصلاة ، ويساعدهم في دعوة باقي قومهم ، ويهيئ له الوضع بيثرب قبل أن ينتقل إليها ـ كما وعده هؤلاء ـ وأوصاه بالصبر والإخلاص والوضوح والحكمة وحبّ الخير . وإلى لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية والصحة متسع . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش : *مدير موقع التاريخ الالكتروني 1ـ ابن كثير : البداية ج3 ص 139 والسيرة لابن حبان ص 93 2ـ سورة " الأنعام " : الآية 151 : 153 3ـ سورة " النحل" : الآية 90 4ـ الروض الأنف : ج1 ص209 5ـ عيون الأثر : ج1 ص 257 6ـ عيون الأثر : ج1 ص 262 7ـ ابن كثير : السيرة ج2 ص 176 8ـ السابق : ج2 ص 178 وما بعدها المصدر : موقع التاريخ
التعليقات
|
|