موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصليب وحكاياته

التابعي الزاهد أبو مسلم الخولاني

Sep 20 2011 09:25:11

الكاتب : مدير الموقع

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق*

يحسب كثير من الناس أنه لن يبلغ العظمة ولن يخلد ذكره إلا بالملك الواسع أو الثروة التي لا تعد أو العلم الذي لا يماثل ، لكن هناك سبيل آخر يخلد به الإنسان ذكره ويرفع به قدره ، ألا وهو سبيل الإقبال على الله والزهد في الدنيا ، وقد سلك هذا السبيل التابعي الجليل أبو مسلم الخولاني ، حتى طارت بذكره الركبان ، وعرفه القاصي والداني ، وصار يلقب بحكيم هذه الأمة ..

فمن هو أبو مسلم الخولاني هذا ؟

إنه التابعي عبد الله بن ثوب الداراني ، ولد باليمن وقضى صدر حياته بها في الجاهلية ،حتى إذا قدر الله سبحانه وتعالى له الإسلام شد رحاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن لم يكتب له مشاهدته ومصاحبته ، إذ قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل أبو مسلم المدينة مهاجرا إليه .

ولكن عدم تمكنه من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من الاجتهاد في الطاعة وطلب العلم النافع لينال منزلة عليا عند الله عز وجل ، وهو وإن لم يلحق بشرف الصحبة فقد حاز لقب سيد التابعين كما أطلق عليه علماء السلف ، وكان فاضلاً، ناسكاً، عابداً،  له فضائل مشهورة . (1)

حرصه على طلب العلم بعد إسلامه :

وقد حرص على طلب العلم بعد إسلامه ، فسمع من عمر بن الخطاب ، وأبي عبيدة بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، وأبي ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، وعوف بن مالك ـ رضي الله عنهم جميعا (2).

استقراره بالشام :

وقد انتقل من المدينة إلى الشام بعد ذلك ، وواظب على سماع العلم من الصحابة المقيمين بها وتعليمه حتى لقب بريحانة الشام (3) ..

وكان من أوائل من سمع منه بها معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ فهو يحكي عن نفسه فيقول : " دخلت حمص فرأيت حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا ، فإذا امترى القوم ( اختلفوا أو تجادلوا ) في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا معاذ بن جبل (4) .

شدة تقديره للعلماء الذين سمع منهم :

كان أبو مسلم مجلا لمن تعلم على أيديهم ، شديد التقدير لمن سمع منهم ، ومثال على ذلك ما ذكره في حق عوف بن مالك ، إذ يقول : " حدثني الحبيب الأمين ، أما هو إلي فحبيب ، وأما هو عندي فأمين ، عوف بن مالك الأشجعي ، قال : كنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : " ألا تبايعون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فرددها ثلاث مرات فقدمنا أيدينا فبايعنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلنا : يا رسول الله قد بايعناك ، فعلى أي شيء نبايعك ؟ قال : على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، والصلوات الخمس ، وأسر كلمة خفية ألا تسألوا الناس شيئا ، قال : فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يقول لأحد يناوله إياه " (5) ..

اجتهاده في العبادة :

وكان ـ رحمه الله ـ شديد الاجتهاد في العبادة ؛ حتى روي أنه كان يعلق سوطه في مسجده ، فإذا غلبه النوم مشق ساقيه ، ويقول :" أنت أحق بالضرب من البهائم ، فإذا غلبه النوم قال : منك لا مني " (6) ..

وفي رواية أخرى أنه كان يقول : " أنا أولى بالسوط من الدواب ، فإذا دخلته فترة مشق ساقيه سوطا أو سوطين ، وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا ما كان عندي مستزاد ، ولو رأيت النار عيانا ما كان عندي مستزاد " (7) ..

حرصه على الإبكار إلى صلاة الجماعة :

وكان يحرص على الإبكار إلى صلاة الجماعة ، ويسابق إليها ، لدرجة أنه خرج يوما من داريا يقصد الصلاة في مسجد دمشق ( وهي على أربعة أميال ) ورغم ذلك كان أول من دخل المسجد لصلاة الصبح ، فصلى وجلس حتى طلعت الشمس (8) ..

 حرصه على المواظبة على العبادة بعد أن تقدمت به السن :

وإذا كان بعض الناس يجتهد في العبادة فإذا ما تقدم به السن وهنت عزيمته بوهن قواه فإن أبا مسلم كان عكس ذلك ، كلما تقدم به السن ازداد اجتهاده في العبادة ، فقد حدث سليمان بن المغيرة قال : حدثني بعض أصحابنا أن أبا مسلم الخولاني حيث كبر ورق قال له قائل : لو أقصرت عما تصنع؟  قال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفرسانها :دعوها وارفقوا بها ،فإذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئا ؟ قالوا : بلى . قال : قد رأيت الغاية .

حرصه على الصيام حتى في وقت الجهاد :

وكان ـ رحمه الله ـ حريصا على الصيام حتى في وقت الجهاد ، فقد حدث أبو بكر عن عطية بن قيس قال : دخل أناس من أهل دمشق على أبي مسلم ، وهو غاز في أرض الروم ، وقد احتفر جورة في فسطاطه ، وجعل فيها نطعا ، وأفرغ فيه الماء ، وهو يتصلق فيه ، فقالوا : ما حملك على الصيام وأنت مسافر وقد أرخص لك في الفطر في الغزو والسفر ؟ فقال : لو حضر قتال لأفطرت ولتهيأت له وتقويت ، إن الخيل لا تجري إلى  الغايات وهي بدن ، إنما تجري وهي ضمرة ، ألا وإن أيامنا باقية جائية لها نعمل ( 9) ..

حرصه على إيثار العافية :

وكان ـ رحمه الله ـ يحرص على إيثار العافية ، فقد ذكر الحارث بن يزيد أنه اجتمع يوم صفين هو وحابس الطائي وربيعة الجرشي وكانوا مع معاوية ، فقالوا : ليدع كل إنسان منكم بدعوة ، فقال هو : اللهم اكفنا وعافنا ، وقال حابس : اللهم اجمع بيننا وبينهم ، ثم احكم بيننا وبينهم ، وقال ربيعة اللهم : اجمع بيننا ثم ابلنا بهم وابلهم بنا ، فلما التقوا قتل حابس ، وفقئت عين ربيعة ، وعوفي هو بفضل دعائه بالعافية (10).

خوفه الشديد من جهنم وعذابها :

وكان ـ رحمه الله ـ شديد الخوف والوجل من النار ، حتى روي عنه أنه قال : " ما عرضت لي دعوة قط فذكرت جهنم إلا صرفتها إلى الاستجارة من النار والاستعاذة منها " ..

إكثاره من ذكر الله عز وجل :

 وكان ـ رحمه الله ـ كثير الذكر لله سبحانه وتعالى في كل وقت وعلى أي حال ، حتى رُوي أنه كان يُكثر من رفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان ، وكان يقول : اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون .

 وروي عن  لقمان بن عامر أن أبا مسلم كان يكثر ذكر الله عز وجل فرآه رجل يذكر الله فقال : مجنون صاحبكم هذا ؟ فسمعه أبو مسلم فقال : ليس هذا بالجنون يا ابن أخي ، ولكن هذا دواء الجنون (11) ..

وأتاه رجل فقال له : أوصني يا أبا مسلم ، فقال : اذكر الله تحت كل شجرة وحجر ، فقال الرجل : زدني ، فقال : اذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله مجنونا ..

وقال مروان بن جناح عن يونس : كان من هدي أبي مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله بعد العشاء إظهار التكبير ، فإذا دنا من منزله وسمعته أم مسلم أجابته ، فإذا دخل منزله سلم ، وقال : يا أم مسلم شدي رحلك فإنه ليس على جسر جهنم معبر..

 زهده في متع الحياة :

وكان ـ رحمه الله ـ زاهدا في متع الحياة الدنيا لا يركن إليها ، ولا إلى زينتها ، حتى روي أنه دخل بيته مرة فوجد أهله قد علقوا فيها الستائر فقال : لا أبرح  حتى تنزعوه فنزعوه ثم دخل (12) ..

ثقته بالله سبحانه وتعالى :

وكان ـ رحمه الله ـ شديد الثقة بالله سبحانه وتعالى وبتأييده وفي معيته ، حتى روي أنه غزا أرض الروم مرة فمر هو ومن معه بنهر فقال لهم : أجيزوا بسم الله ، ثم مر بأيديهم ، فمروا جميعا في النهر وهو غمر ، فلما جاوزا قال لهم : هل ذهب لكم شيء ؟  من ذهب له شيء فأنا له ضامن " ..

عفوه وسماحته :

كما كان ذا عفو وسماحة ، وقد ذُكر أنه كانت له جارية تتكاسل في واجبها فقال لها : " لولا أن الله تعالى يقول " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " لأوجعتك ، فقالت : يرحمك الله ، فوالله إني لممن يرجو أيامه ، فما لك لا توجعني ، فقال : إن الله يأمرني أن أغفر للذين لا يرجون أيامه فمن يرجو أيامه أحرى ،انطلقي فأنت حرة " (13) .

وانطلق يوما إلى منزله فإذا جارية له تبكي فقال لها يا بنية : ما يبكيك ؟ فقالت : ضربني سيدي ابنك ، فدعا ابنه فقال : كيف ضربك ؟ قالت : لطمني ، فقال لابنه : اجلس فجلس ، فقال لها : الطميه كما لطمك ، فقالت : لا ألطم سيدي ، فقال لها : عفوت عنه ؟ قالت : نعم . قال :لا تطلبينه في الدنيا ولا في الآخرة ؟ قالت : نعم . قال اذهبي حتى تشهدي على ما تقولين ، فدعت رجالا من الجانب ، فقال لهم أبو مسلم : إن ابني لطمها لطمة فدعوتها لتقتص من ابني فأبت أن تقتص فزعمت أنها قد عفت عنه لا تطلبه لا في الدنيا ولا في الآخر فكذلك قالت نعم ، فأشهدكم أنها حرة لوجه الله ، فأقبل عليه بعض القوم فقال :أعتقتها من أجل أن لطمها ابنك وليس لك خادم غيرها ؟ فقال : دعونا عنكم أيها القوم ! ليتنا نفلت كفافا لا لنا ولا علينا..

 مغالبته لنفسه :

وكان دائما يغالب نفسه الأمارة بالسوء ، ويقول : نفس إذا أكرمتها وردعتها ونعمتها ذمتني عند الله غدا ، وإن أنا أهنتها وأنصبتها وأعملتها مدحتني عند الله غدا ، فقيل له : فمن تيك يا أبا مسلم ؟ قال : تيك والله نفسي .

نصحه لمعاوية وهو أمير :

وبعض الزهاد والعباد ينقطعون عن الدنيا ولا يبالون بما يحدث فيها ، ولا يهمهم أن يكون أميرهم جائرا أو عادلا بحجة أنهم طلقوا الدنيا وقاطعوا أهلها ، ولكن أبا مسلم الخولاني لم يكن من هذا النوع ، وإنما كان إيجابيا لا يرى تقصيرا من أمير ويسكت عليه ، وقد دخل يوما على معاوية فقال له : ما اسمك ؟ قال : اسمي معاوية ، فقال : لا بل اسمك أحدوثة ، فإن جئت بشيء فلك شيء ، وإن لم تأت بشيء فلا شيء لك ، يا معاوية إنك لو عدلت بين جميع قبائل العرب ثم ملت على أقلها قبيلة مال جورك بعدلك ، يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار إذا صفا لنا رأس العين ..

وقد قام إليه مرة وهو  على المنبر فقال : يا معاوية إنما أنت قبر من القبور ، إن جئت بشيء كان لك شيء ، وإلا فلا شيء لك ، يا معاوية لا تحسب أن الخلافة جمع المال وتفريقه ، إنما الخلافة القول بالحق والعمل بالمعدلة ، وأخذ الناس في ذات الله ، يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفا لنا رأس عيننا ، يا معاوية وإياك أن تميل على قبيلة من العرب فيذهب حيفك بعدلك ، ثم جلس ، فقال له معاوية : يرحمك الله يا أبا مسلم ! يرحمك الله يا أبا مسلم ! .

ودخل عليه يوما فقال : السلام عليك أيها الأجير ، فقال الناس : الأمير يا أبا مسلم ، ثم قال السلام عليك أيها الأجير ، فقال الناس : الأمير ، فقال معاوية : دعوا أبا مسلم فهو أعلم بما يقول ، فقال أبو مسلم : إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيرا فولاه ماشيته ، وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية ، ويوفر جزازها وألبانها ، فإن هو أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة وتسمن العجفاء أعطاه أجره ، وزاده من قبله زيادة ، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تهلك العجفاء وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر ، فقال معاوية : ما شاء الله..

 ودخل عليه مرة أخرى فقال : يا معاوية اعلم أنه ليس من راعي  استرعى رعية إلا ورب أجره سائله عنها ، فإن كان داوى مرضاها ، وهنأ جرباها وجبر كسراها ، ورد أولاها على أخراها ، ووضعها في أنف من الكلأ وصفو من الماء وفاه الله تعالى أجره ، وإن كان لم يفعل حرمه ، فانظر يا معاوية أين أنت من ذلك ، فقال له معاوية : يرحمك الله يا أبا مسلم الأمر على ذلك ..

ومع شدته على معاوية في النصح إلا أنه كان سامعا مطيعا له ، لأن طاعة المسلم لأميرة التقي هي طاعة لله ، وقد قال له يوما: والله ما أبغضناك منذ أحببناك ، ولا عصيناك منذ أطعناك ، ولا فارقناك منذ جامعناك، ولا نكثنا بيعتك منذ بايعناك، سيوفنا على عواتقنا، إن أمرتنا أطعناك وإن دعوتنا أجبناك، وإن سبقتنا أدركناك، وإن سبقناك نظرناك (14)

من مأثور كلامه :

وكان له كلام مأثور يجري مجرى الحكم ، من ذلك قوله :

ـ مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء ،إذا بدت لهم اهتدوا ،وإذا خفيت عليهم تحيروا .

ـ مثل الصالحين مثل الأميال في الأرض ينجو بها السالك من الضلالة .

ـ يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بينا بعيدا ، وإن أخذتم يمينا وشمالا فقد ضللتم ضلالا بعيدا ..

ـ كلمة العالم الذي لا يعمل لها تزل عن القلب كما يزل القطر عن الصفا .

ـ العلماء ثلاثة : فرجل عاش في علمه وعاش الناس فيه ، ورجل عاش في علمه ولم يعش معه فيه أحد ، ورجل عاش الناس في علمه وكان وبالا عليه.

ـ أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإن فيه الغنى ، وأقل طلب الحاجات إلى الناس فإن فيه الفقر الحاضر ، وإياك وما يعتذر منه من الكلام ، وصل صلاة مودع يظن أن لن يعود ، وإن استطعت أن يكون اليوم خيرا منك أمس ويكون غدا خيرا منك اليوم فافعل..

ـ كان الناس مرة ورقا لا شوك فيه وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه ، إن سببتهم سبوك ، وإن ناقدتهم ناقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك .

ـ أربع لا يقبلن في أربع ، السرقة والخيانة والغلول ومال اليتيم في الحج والعمرة والصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل ..

مجانبته لأهل الدنيا :

لقد بلغ الزهد والانقطاع عن الدنيا بأبي مسلم شأوا عظيما  ، لدرجة أنه دخل المسجد ذات يوم فنظر إلى نفر قد اجتمعوا جلوسا فرجا أن يكونوا على ذكر وعلى خير ، فجلس إليهم ، فإذا بعضهم يقول : قدم غلام لي فأصاب كذا وكذا ، وقال الآخر : وأنا قد جهزت غلامي ، فنظر إليهم فقال : سبحان الله هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم ؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال لو : دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر ، فدخل فإذا بيت لا سقف له ، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وعلى ذكر فإذا أنتم أصحاب دنيا فقام عنهم ..

نصائحه لأصحابه :

وكان أبو مسلم يحرص على نصح أصحابه ، ويحثهم على الإقبال على الآخرة ، وقد قال يوما لصاحب له : يا مسلم بن حامد كيف بك إذا صرت في حثالة من الناس ؟!! فقال مسلم : يا أبا مسلم وما الحثالة ؟ فقال : قوم لا تعرفهم ولا يعرفونك ، أولئك شرار الخلق ، ألا إن أفضلكم في ذلك الزمان أخملكم ذكرا ، فقال : يا أبا مسلم وما خمالة الذكر ؟ قال : من لم يعرف الناس ولم يعرفوه ، ولم يتصد للفتن فتهلكه ، وأخفهم حاذا ، فقال : يا أبا مسلم وما خفة الحاذ ؟ قال : من قل أهله وعياله ولا يكون .. ولم يكن متشاغلا عن عبادة ربه عز وجل ، إن الرجل منكم يخرج فيتخطف الدنيا من حلها وحرامها لأهله وعياله ، ألا وسيعيش الرجل منكم في ذلك الزمان في حسب غيره ، فقال : يا أبا مسلم سبحان الله ! أو يكون هذا ؟ قال : نعم.  يدرس العلم ، ويذهب الناس ، فينتهي قوم إلى غير آبائهم ، ويتولى قوم إلى غير مواليهم ، لا يجدون من يصدقهم ولا يكذبهم ..

حبه للجهاد في سبيل الله:

يحسب بعض الناس أن الزهاد أو المنقطعين للذكر لا حظ لهم في الجهاد ، وأن جهادهم في الأوراد التي يرددونها ، ولكن أبا مسلم الخولاني كان مثالا للإنسان الذاكر العارف حقا ، لأن من عرف الله هانت عليه نفسه ، وسعى لبيعها ابتغاء مرضاة الله ، وذلك يكون بالجهاد كما جاء في القرآن الكريم ، وقد ورد عنه ـ رحمه الله ـ أنه أقبل ذات يوم من جنازة ، فلقي رفقته يريدون الصائفة ، فقال لبعض من معه : اذهب فمر الغلام أن يلحقني بفرسي وبغلي ، فإن هذا وجهتنا إن شاء الله ، فقيل له : لو أتيت أهلك ثم خرجت ، فقال : ما أنا بفاعل ؛ كراهية أن يسبقه أحد بالخروج ..

وكان إذا دخل أرض الروم لا يزال في المقدمة حتى يؤذن للناس ، فإذا أذن لهم كان في الساقة ، وكان الولاة يتيمنون به فيؤمرونه على المقدمات ..

إنه رجل من الصالحين عرف الطريق فسلكه نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الاقتداء به وبأمثاله فنفوز كما فازوا ، اللهم آمين !!!..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني .

1 ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب : 1 / 264.

2 ـ انظر : تاريخ دمشق 27 / 191..

3 ـ تذكرة الحفاظ :  1 / 49.

4 ـ انظر : طبقات الفقهاء 1 / 46.

5 ـ تاريخ دمشق : 27 / 192 ..

6 ـ تاريخ دمشق  :27 / 203.

7 ـ تاريخ دمشق  : 27 / 206..

8 ـ تاريخ دمشق  : 27 / 207..

9 ـ تاريخ دمشق  : 27 / 208.. .

10 ـ تاريخ دمشق :11 / 351. .

11 ـ  تاريخ دمشق :27 / 209..

12 ـ  تاريخ دمشق :27 / 210 .

13 ـ تاريخ دمشق  :27 / 219..

14 ـ انظر كتاب : المعرفة والتاريخ 1 / 251..

المصدر : موقع التاريخ .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد

أمريكا وروسيا وإسرائيل على قلب رجل واحد في سوريا

فيصل القاسم عندما تتحالف إسرائيل وروسيا في سوريا، وعندما يؤكد الوزير...

الإسلام والمسيحية في الأندلس

ليڨي بروڨنسال إن الهدف الذي نرمي إليه من هذا العمل هو تسليط الضوء...

الشيشان .. أرض الجهاد المنسية

الشعب الشيشاني شعب مسلم محب لدينه، ويعرف عنه قوته وجلادة صبره وروحه...

جديد الأخبار المزيد

الجولاني: الإتفاق الروسي الأمريكي هدفه إجبار الثوار على الاستسلام

أكد أبو محمد الجولاني قائد جبهة “فتح الشام” أن الاتفاق الروسي...

واشنطن بوست: المحجبات مواطنات درجة تانية في مصر

جاء هذا في سياق تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية بعنوان...

فرنسا تجنّد القبائل لصالح حفتر

لم تعد مشاركة العناصر الأفريقية ضمن قوات حفتر خافية على المتابعين...

  • أيام في سيلان والمالديف