بمَ تقدموا وتأَخرنا والخلق واحد

بتاريخ : 08-01-1433 الموافق Dec 04 2011 07:01:21
عدد الزيارات : 178

بقلم الأديب الراحل / عبد الله النديم

هذا السؤال لهجت به ألسنة الشرقيين واشتغل العقلاء به في كل الممالك الشرقية ، فغدوا يتساءلون فيما بينهم عن الأوروبيين ما قدمهم وأخرنا والخلق واحد، وكما ورد السؤال على ألسنتهم دار عليها كثير من الأجوبة ، وكل واحد يزعم أنه عرف السبب ، ووقف على علل التأخر ، فمنهم القائلون إن الجوَّ له حكم في انفعال الأجسام بحسب ما تدعو إليه طبيعته ، وقد قضى على الشرقيين بالكسل والتقاعد عن الأعمال العمرانية ،كما قضى على الأوروبيين بالعمل وعلوا الهمة ، وعللوا ذلك بعلل تنكرها عليهم الأدوار الماضية ،فقد أخذ الشرق أدواراً علمية مدنية استمدت أوروبا مدنيتها من دوره لأخير أيام كانت على أسوء مما عليه الشرق الآن، ومنهم القائلون إن الدين الإسلامي مانع من التقدم وهو علة العلل في هذا الباب ، وأصحاب هذا القول كالببغا يحكون الصوت ولا يدركون المعنى ، فقد قلدوا في هذا الوهم أوروبيا في قوله الذي طارت به الصحف في كل مكان ، وفاتهم أن الشرق ممتلئٌ بأديان تغاير الدين الإسلامي ، والآخذون بها أضعاف الآخذين بالإسلام ، ومع ذلك فإن تقهقرهم في المدينة والقوى العلمية أكثر من المسلمين ، بل لا نسبة بينهم وبين المسلمين في المدينة والألفة بين الناس ومعاشرة المغايرين لهم جنساً وديناً.

 فلو كان الإسلام مانعاً لرأينا الهند والصين في تقدم أوروبا وحالهم شاهدة بأنهم أحط من المسلمين بدرجات( كتب الكاتب هذا الكلام في القرن قبل الماضي وكانت الصين وقتها لا تعرف شيئا عن التقدم الصناعي الذي وصلت إليه الآن ) ودعوى الأوربي أن الإسلام سبب لحركات الشرق ضد الغرب أنه لا سكون للأفكار إلا بإعدام القرآن والآخذين به مدحوضة بالحروب المتواصلة بين دول أوروبا المسيحية من عهد الرومانيين إلى الآن ، وكلما كثرت مدنية دولة أوروبية كثر تفننها في آلات القتال والتدمير ، مع سكون الشرق هذه القرون الطويلة ، فهو لا يتحرك إلا دفاعاً عن وطنه الموطؤ بأقدام أوروبا الملوثة بالدماء الشرقية، ولا يحركه إلا فتنة أوروبية ، ولا داعي لأوروبا في تحريك الممالك الشرقية إلا الطمع الملكي والتعصب الديني ، وإنما لشدة تمسك هذا الأوروبي بدينه كره أن يرى ديناً غيره ، وأحب أن يسمع صدى صوته في بلاده لتميل النفوس إلى رجل غيور على الدين.

 وقد كان الإسلام اليد القوية أيام صولته فلم يبطش بها بمواطنيه ولا مدها إلى معاهديه ،بل ولا حرَّك بها عصا نحو المتوحشين عند نزولهم على حكمه تحت سطوة سلطانه، ولم يكن عند رجاله من التعصب ما يحملهم على قهر الناس بالتضيق على ترك أديانهم ،بل خيرَّ من نازلهم بين الأخذ به أو الاستيطان على حكمه ،وهذه خصوصية له من بين الأديان ويكفيه من إطلاق حريّة الأعمال إن وفداً من نصارى العرب وفد على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وهو في مسجده ، فلما أدركتهم الصلاة قاموا ليصلوا جهة الشرق ، فأراد الصحابة التعرُّض لهم فمنعهم النبي وتركهم يصلون في حضرته لغير قبلته وعلى غير ملته ، وليس بعد هذا مسلك لحرية الأفكار والأديان.

 ومنهم القائلون إن اختلاف الجنس مانع عظيم ، وهذا وإن كان له وجه ولكن هناك وحدات أُخرى تترك للجنس خصوصيات ومزايا لا تبعده عن الانقياد للسلطة الجامعة للأجناس.

ومنهم القائلون إن الأديان سبب التخاذل الحاصل في العالم ولا سبيل لمنعه إلا بتركها جملة وإعدامها من الوجود ، وهذا الفريق مقلد لدهاة أوروبا الذين أفسدوا كثيراً من الأخلاق الشرقية بهذه النزهات والأوهام. مع إننا لو فرضنا عدم صحة الأديان وأنها وضعت نظامات في أيام الخشونة والجهالة ولا لزوم لها الآن مع وجود القوانين الوضعية لكان من الواجب احترامها واعتبارها ، فإن تأُثير وعدها ووعيدها في النفوس لا يبلغه قانون ، فإن الشخص يمكنه أن يفر من عقوبة القانون ، إما بالبعد عن موجبها وأما بالتحايل على تأويل مواده بالوسائط ، ولكنه لا يمكنه أن يفر من عقوبة الله بأية حيلة على معتقده.

ولو ترك الناس وشأُنهم لأكل بعضهم بعضاً ، ولعجزت أية دولة قانونية عن ضبط أفرادها ، ولو كان لها في كل ذراع عسكري حارس، وما ساعد الملوك على النظام وبث الأمن إلا القانون الديني ، وما فتح الباب لأهل القوانين الوضعية إلا الشرائع الدينية، والدين هو الذي يحمل العسكري على بيع حياته في حرب دينية انتصاراً للدين ،وإقدامه في الحرب الدينية يفوق إقدامه في الحرب الملكية أضعافاً ، وما يدعوه للدخول في ساحة القتال إلا الطمع الأخروي الآتي به الدين، فلو علم العسكري أن لا بعث ولا أجر على عمله لفر من ساحة القتال فإن أرغم قاتل مكرها.

ولا يقال إن الشرف الوطني يلزمه باقتحام غمرات الموت فإنه إذا علم أنه يقدَّم للموت ليفوز الملك أو الأمير بمراده ولا ثواب ولا نعيم فإنهُ لا يبيع حياته بلذة غيره، وإذا بطل هذا كله لزمنا البحث في العلل التي أوجبت التأخر ، ولا نتوصل إليها إلا بمعرفة الأسباب التي قدمت أوروبا فبضدها تتميز الأشياء.

السبب الأول:

لا ينكر أن ممالك أوروبا كانت دوقات وكونتات وايالات وممالك صغيرة وكبيرة ، وإن الذين صيروها إلى ما هي عليه الآن عائلات تسلطت على عائلات ، وضمت الأجزاء إلى بعضها ، وصيرت كل قطعة عظيمة مملكة مستقلة، وعندما تغلبت هذه العائلات خافت من تحرك الهمم خلف الاستقلال فهدتها التجارب إلى توحيد اللغة في بلادها لتميت حمية الجنس التي تدفع إليها اللغة ، فلم يكن في بلاد فرنسا أو انكلترة أو ألمانيا من يتكلم بغير لغة البلاد ، والمراد بعدم التكلم بلغة الغير أن المملكة توحد اللغة في المعاملات والتأُليفات والتعليم والمخاطبات ، فلا يستعملون لغة الغير إلا لضرورة تدعو إليها ، بحيث لا يتوسع فيها إلى حد أن تسطو على اللغة المحلية، وقد اعتنت الدول بذلك حتى إن مثل البلغار قلدت الدول الكبيرة ، ومنعت لغات الغير من استعمالها في مدارسها.

 وبهذا القانون نقلوا كل جنس دخل تحت سطوتهم إلى لغتهم ، فحكمت اللغات على الأجناس التي أخذت بها وصيرتهم كأهلها في الأخلاق والعادات لنسيانهم لغاتهم وانفعالهم بفواعل اللغة الموضوع لها تلك الألفاظ.

ملوك الشرق أخطأُوا هذا الغرض وتركوا المحكومين يتكلمون بلغاتهم ، ويتعلمون بها ، فبقيت الجنسيات حية بحياة اللغة ، وظلت خاضعة بقدر ما دعت ضرورة الضعف والفراغ من المعدات ، وكلما فتح لجنس باب ثورة أو محرك لاستقلال تدافع حول الداعي وتفانى في الخروج ... يشهد بذلك الأمم التي حكمها العرب ولم يوحدوا اللغة فيهم ، فخضعوا بقدر ما استعدوا للخروج من سلطتهم أو للتغلب عليهم حتى تمزقت المملكة ، وتوزعت في أيدي الثائرين والمتغلبين.

والترك والفرس عندما أفرغت إليهم دولة العرب تركوا الناس ولغتهم ولم يوحدوا لغتهم في محكوميهم لا بطريق الإجبار ولا بطريق التعليم فبقيت نار الجنسيات تحت ردم انتهاز الفرص حتى تمت المبادئ ، فقامت عليها الأجناس ثائرة بنفسها أو منبعثة بتحريك الغير لها، ولا ينكر ذلك إلا من جهل استقلال الفرس والأفغان وبخاري واليمن وتونس ومراكش ومسقط وزنجبار والبلغار ورومانيا والجبل الأسود والصرب وممالك السودان والهند الإسلامية ، وقد كانوا تحت السلطة العربية ثم التركية والفارسية بعدها.

وهذا الذي أخاف ممالك أوروبا فاتخذت مما حصل للعرب والترك والفرس كتاباً تدرس فيه وقاية ممالكها من العوارض المعددة لوحدة كل أمة منها ، وكما اتخذت هذه الطريقة لتوحيد الجنسية في بلادها التزمتها في الأمم المتغلبة عليها ، ولكنها لم تجعل الانتقال إلى لغتها إجبارياً بل التزمت التدرج لذلك بتعميم التعليم بها لئلا بنفر المحكومون إذا علموا سعيها في إماتة لغتهم ، فهي تخادعهم باسم التعليم حتى إذا انقرضت الطبقة الحاضرة خرجت التي بعدها مذبذبة ، فإذا مضت جاءت الطبقة الثالثة من جنس الأمة الحاكمة لغة وديناً ، فتأمن ثورتها وتحركها عليها لكونها صارت منها، وإذا دامت هذه الحرب الخفية قرناً أو قرنين والشرق في غفلته منحدر في تيار الأوهام ماتت الأجناس العربية والتركية والفارسية والهندية والمغلولية والحبشية والإفريقية ، وأصبح الشرق مسكوناً بأمم أوروبية لغة وديناً ، وإن ولدوا في آسيا وافريقيا...

السبب الثاني :

عندما تم لكل عائلة أوروبية الاستيلاء على قطعة مخصوصة وحدَّت السلطة في الجنس المتغلب ، فلم تمكن أي إنسان من المتغلب عليهم من أي إدارة ؛ فراراً من توزيع السلطة وضياع القانون بالأهواء والأميال الجنسية ، وخوفاً من اتساع سلطة المقهورين بما يحركهم للاستقلال ، واستمرت الحال كذلك حتى تم نقل الأجناس لغةً وديناً ، وصار المجموع جنساً واحداً، وعند تغلب مملكة أوروبية على مملكة شرقية تجعل الإدارات العالية بيد رجال منها لتوحد السلطة وتتمكن من القبض على أزمة القوى الحربية والمالية والإدارية ، فتراها تسوق الملايين من الشرق بعشرة رجال منها، وهي لا تمكن أجنبياً من إدارتها ، فلا ترى روسياً قائداً لجيش انكليزي ، ولا انكليزياً وزيراً لمالية روسيا ، ولا فرنساوياً وزيراً لمعارف إيطاليا،  ولا إيطالياً وزيراً لحربية فرانسا ، وهكذا بقية الدول، ودول الشرق أخطأت هذا الطريق ولفقت العمال من الأجناس المحكومة وغيرها فانحلت عرى قواها ، وكثر فيها الثورات والتغلبات حتى جاءت الدولة العربية فوحدت سلطتها في دورها الأول فنمت مملكتها بكثرة فتوحاتها ونفذت قوانينها الشرعية والوضعية في الممالك التي ربطت خيولها بأبواب ملوكها وأمرائها، فلما اتسع نطاق المدينة وجنح الخلفاء والأمراء إلى الرفاهية والسكون أسلموا أمور إدارتهم إلى الأجناس المحكومة بهم ، فدعاهم حب الأُثرة إلى نزع ما بيد مواليهم وساداتهم ، ورجعت العرب القهقرى ، وكثر المتغلبون ، وفسد النظام ، وجرت الدماء في كل جهة ، وطمعت دول أوروبا فهاجمت الشرق بعد أن كانت ترعد من ذكره ، ثم انتهى الأمر بجمع السلطة للأمة التركية ، فأخذت دورها الأول بما لا ينزل عن دور العرب ، بل تخطت من آسيا لأوروبا ، وفتحت بعض قطع منها ، واستولت عليها قروناً، وما زالت تزاول الأعمال بنفسها حتى وقفت برزخاً ضيقاً بين أوروبا وبين بلادها وممالك الشرق ، ولما انتهت في المدينة إلى حد الرفاهية والخلود إلى الراحة ، وفوضت أمر كثير من الإدارات إلى غير جنسيتها كانت تلك الأجناس الوسيلة العظمى لتداخل أوروبا في مملكتها ، وكذلك بقية الممالك الشرقية التي أصبحت ميداناً للعب رجال أوروبا بعقول أهلها.

السبب الثالث:

كل عائلة تغلبت على قطعة في أوروبا وحدت دينها والزمت المحكومين بالأخذ به وأراقت غزير الدم في سبيل توحيد الجامعة الدينية لئلا تترك بينهم ديناً آخر يوجب النفرة والفتن الداخلية والتداخل الخارجي ، وقد اعتنت أوروبا بالدين اعتناءً غريباً حتى ملأت بكلماته كتب التعليم من أي فن كانت ، ورسمت الصليب الذي هو الصورة ديناً على ديناً على الملابس وأواني الأكل والشرب والبُسط والفُرش والآلات وأوراق الزيارة والمباني حتى على اعتاب الأبواب ، فلا يكاد يقع بصر إنسان على شيءٍ إلا وعليه هذه الصورة المقدسة ليكون الدين في فكر الواحد منهم في كل طرفة عين، ولعلمهم أن وحدة الدين إذا انضمت إلى وحدتي اللغة والسلطة قامت الملكة على أساس متين اهتموا بنقل الأمم الشرقية بطريق التدرج ، فلم تقهر فرنسا أهل الجزائر وتونس على ترك دينهم كما فعلت أسبانيا في مسلميها عند تغلبهم عليهم ، حيث ألجأتهم إلى التنصر أو الخروج من البلاد، وكذلك انكلترة لم تكره مسلمي الهند ، ولا روسيا قهرت مسلمي طرغستان والتركمان وغيرهم ممن هم في حوزتها ، وإنما التزمت كل دولة أن تعمم لغتها فيهم ، وإن تفتح المدارس لتعليم الأبناء على أخلاق الأمة الحاكمة ، وتمنع تعلم الدين إلا مبادئ قليلة جداً تموه بها على ضعفاء الإدراك ليخرج المتعلمون فارغين من الدين فيسهل نقلهم لأي دين بعد ، فإن تعرضت أمة شرقية لذكر دينها ولو لم تكن محكومة بأمة أوروبية نودي عليها بالتوحش والخشونة والهمجية ، وقيل إن هذا تعصب ديني مع إن التعصب الديني لا يوجد إلا في صنع أوروبا ، ولكن القوة تقول للضعف ما تشاء، وقد أخطأ ملوك الشرق هذا الطريق ، واكتفوا بالفتوح أو التغلب على الغير ، وتركوه على معتقده كما كان يصنع قدماء المصريين والبابليين والفرس والهنود وغيرهم ، ثم جاء الإسلام فاكتفى من الناس بالأخذ به أو الإذعان لملوكه ، وعند ما نشر جناحيه في الشرق والغرب ترك أُمماً كثيرة على أديانهم المسيحية والموسوية والبرهمية والمجوسية والوثنية ، وأعطاهم حرية التعبد من غير أن يتعرض لهم أحد من المسلمين، وهذه مزية لا توجد في دين غيره، ولكنه لم يجن من هذا الغرس الجميل ثناءً ولا شكوراً ، بل هاجمت أوروبا بأجمعها الشام بالنزاعات الدينية ، وخربت دياره ، وأراقت في كل شبر منه دم إنسان ، فجلبت الدمار على مسلميه ومسيحييه وإسرائيلية ، وأصبح فارغاً من معدات العمران ، مُحالاً بينه وبين التقدم بسور الفقر الذي بنته أوروبا بيد التعصب الديني.

ومع كل هذه الفتن فإن أصول ديننا توجب علينا حسن معاملة من غايرنا ديناً ومعاشرة الوطني والمستوطن معاشرة المثيل ، وإن عاملنا بضد معاملتنا له لعدم إمكاننا التصرف في أصول ديننا.

 ولم تكتف أوروبا بتوحيد الدين في بلادها ، بل عقد الأهالي الجمعيات الدينية،  وربوا لها أُلوفاً من القسوس ، وبذلوا لهم الملايين من الذهب ، وبثوهم في الشرق تحت حماية دولهم ورعايتها ، فجاسوا خلال إفريقيا وآسيا داعين إلى الدين ، وقد انحدر الشرق في هذا التيار الذي لا مرسى له ولا مرجع إلا توحيد الدين شرقاً وغرباً، وقد أخطأ الشرقيون هذا الطريق فنامت الأمم في زوايا الإهمال ، وعكفوا على الملاهي يصرفون فيها الذهب والفضة ، وتركوا العلماء والأحبار والرؤساء يجلسون في المساجد والمعابد والهياكل منتظرين من يقطع البراري والقفاز ليتعلم منهم الدين ، وقد التزموا الطرق البطيئة ، وصعبوا على المتعلم طريق الحصول على المعارف ، ولا نعيبهم بالتقاعد عن جوب الأقطار مع ما هم عليه من الفاقة والحاجة إلى الطريق ، وجعلوا أموالهم غنيمة لمن لا يستحقها من نائم في نكبة أو شموع لمولد أو نذور لأضرحة حتى من وفق لرصد شيء للتعليم صودر بما لم يكن في حسابه ، ولهذا تأخرت المعارف في الممالك الشرقية ، وعمت الجهالة عوامه ، واقتصر العلماءُ على التعاليم الدينية في بعض البلاد ، وتركت العلوم الرياضية ، فماتت الصنائع بموت أهلها ، وعم بحث الملوك في إحيائها ،وغفلت الأمم عن فتح المدارس والمعامل على ذمة الجمعيات الخيرية والتجارية ، فأصبح الناس يعدون مخترعات أوروبا من وراء العقول ، وحكموا على أنفسهم باستحالة الوصول إلى تقدم أوروبا لفراغهم من المبادئ العلمية وبعدهم عن المسائل الدولية.

السبب الرابع :

لما تمت تربية أمم أوروبا تحت أحضان ممالكها وجمعياتها العلمية والتجارية ، ورأت الدول لو بقيت على التقاطع والتضاغن مع توحيد الدين بينها صارت عرضة للتفاني في سبيل الأطماع ، وفتحت للشرق بتخاذلها باب تداخل في شؤنها الحربية أو السلمية ، ولم تجد شيئاً تسد به هذا الباب إلا المعاهدات الدولية لتأمن كل مملكة شر جارتها ، وتلتفت لتنظيم إدارتها ، فاجتمعت كلمة ملوك أوروبا على حفظ الوحدة الأوروبية من مس الشرق لها مهما تقلبت المسائل الدولية بين أيديهم ، وعلى توجيه الهمم إلى الشرق فتحاً واستعماراً ، فتراهم إذا هموا بأمر ضد مملكة شرقية خابر بعضهم بعض ، فإذا أرضى هذا ذاك وتمت كلمة التداخل والاستيلاء وثبت الدولة العاملة تحت مراقبة إخوانها فإن فازت بالظفر فذاك ،وإن خذلت تداركها الكل ، وأوقفوا الشرقية عند حدودها ، وكلفوها ما لا يطاق.

فإذا انتهت من دورها قامت الأخرى لنوبتها التي أباحها لها الاتفاق ، وعلى هذا جرت ممالك أوروبا حتى مكنها الوفاق من التغلغل في افريقيا وآسيا، وقد أخطأت ممالك الشرق هذا الطريق الجليل فاستبدلت الاتفاق بالنفرة ، وبث العدوة بين أفراد الأمم ، وانتهت العداوة إلى مساعدة دولة شرقية لدولة أوروبية على أمة شرقية مثلها لاستيلائها عليها ، وما تشعر أنها واقعة في حيالتها بالقومة وبالحيلة المالية ، ولهذا لا نرى اتحاداً بين ملوك الصين والهند ، ولا بين هؤلاء والفرس ، ولا بين المجموع والترك ، ولا بين هؤلاء والأفغان وبخاري ومراكش وزنجبار ، وبهذا التقاطع تمكنت أوروبا من التداخل بين ملوك تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتَّى ، فبتقاطعهم صارت ممالكهم أجزاء صغيرة في قارتين عظيمتين،  فسهل الاستيلاء عليها واحدة فواحدة ، وكل ملك ينظر الحاصل لجاره ولا تتحرك همته لجمع الكلمة الشرقية أو الاتفاق الدفاعي.

وكان لأوروبا اليد القوية في إفساد ملوك الشرق وإيقاع العداوة بينهم بالأكاذيب الموهمة حتى صيرتهم أشد عداوة لبعضهم من عدواتهم لها بل بتقلبها في الخداع والتمويه صارت محبوبة عند البعض من ملوك الشرق، وعلى هذه الأصول الأربعة بنت أوروبا قواعد ممالكها ، وبتربية الأمم تحت أحضانها على هذه المبادئ العظيمة تفرع عن هذه المدينة وتقدم العلم والصناعة واتساع العمران.

الأسباب الفرعية :

وثمة أسباب فرعية تتمثل في :

السبب الأول الفرعي :

إطلاق حرية الكتَّاب في نشر أفكارهم بين الأمم لحياة أفكار العامة باحتكاكها في أفكار العقلاء ، وبهذه الواسطة ربى الكتاب الأمم وهذبوهم ونقلوهم من حضيض الجهل والخمول إلى ذروة العلم والظهور ، ووجدت الدول رجالاً مدربين لم تنفق في تربيتهم درهماً ولا ديناراً ، وإنما رباهم المحررون والعلماء ، وقد أخطأ الشرق هذا الطريق فخاف ملوكه من الكتاب والعقلاء فضغطوا على أفكارهم حتى أماتوها في أذهانهم إلى أن جاءت الدولة الإسلامية العربية ، وأطلقت حرية الأفكار ، وجمعت العلماء من جميع الجهات ، وترجمت كتب الأوائل الحكمية وغيرها ، وفتحت باباً أغلقه الجهل قروناً طويلة ، ولكن بعد ضعفها انقضى دور الضخامة وتوحيد الكلمة ، وجاء وقت المتغلبين فتجزأت المملكة ، وتصدى الثائرون لقتل العلماء وإحراق الكتب وهدم المدارس ، فانطفأت أنوار العلم الشرقية ، وضيق ملوك الشرق على أرباب الأقلام ، فبات الصين والهند والعرقان وبلاد العرب والجبال والغرب على ما كانوا عليه من عداوة الكتاب ، ونفي الظاهر منهم أو إعدامه حتى ألجأوا كثيراً منهم على الالتجاء لأوربا وخدمتها بتغرير قومه وتضليلهم انتقاماً أو قياماً بحق حاميه من الإعدام ، ولو أطلق ملوك الشرق حرية التحرير ، وجعلوا المحررين تحت مراقبتهم ، وساعدوا المخلص في خدمة مملكته وجنسه ، وأسكتوا المفسد والمهيج لأحيوا الأمم التائهة في القفار ، وبعثوا فيهم أرواح غيرة وحمية تصان بها الممالك.

السبب الثاني الفرعي:

بهداية الأمم الأوروبية إلى المعارف وطرق التقدم تجمع أرباب الأموال منهم لفتح صناديق الأعمال المالية، فتحصلوا بالسهام القليلة على نقود كثيرة ، واستعملوها في المعامل والتجارة ،وساعدتهم الدول فحجرت على مصنوع الغير وتجارته لتروج البضاعة الأهلية ،وتحفظ الثروة في داخلية البلاد ، وبهذه الطريقة اتسعت الثروة ، وارتفع الفقراء إلى مقام الأغنياء ،وأصبحت الممالك تباهي بعضها بثروة أهاليها ووفرة ماليتها،  وقد أخطأ الشرقيون هذا الطريق ، وجمعوا المال لوضعه تحت الأرض خبيئة أو لصرفه في الملاذ والشهوات ، وتركوا صنائعهم عرضة للضياع ، واستعملوا مصنوع أوروبا حتى أماتوا الصنعة والصناع ، وحولوا ثروتهم إلى أوروبا ، وصار الصانع الشرقي يئن من ألم الفقر وهو جار الغني ، ولكنه لا يشعر بأنينه لاشتغاله بالملاذ والملاهي.

السبب الثالث الفرعي :

لما رأت دول أوروبا أن المخترعات والصنائع النافعة لا تكون إلا في فريق الفقراء سنت قانون الامتياز والمكافأة والشهادات العلمية والعملية ونياشين الشرف لتبعث في الناس غيرة المجاراة والمباراة في التفنن والاختراع ، وكلما اخترع واحد شيئاً كوفئ على اختراعه والتزامه منه الأغنياء وأرباب المعامل ، فكثر المخترعون وانتهت بهم البعثة العلمية إلى استخدام البخار والكهرباء واكتشاف العوالم القديمة والحديثة،  وقد أخطأ الشرقيون هذا الطريق فحطوا على المخترعين وتركوهم وأعمالهم ، وانكبوا على الأجنبي ومصنوعه ، وأغمض الملوك عنهم عين الرعاية والاعتبار ، ففترت الهمم ، وقعدت عن السعي خلف النافع من بنات الأفكار ، واكتفى كل صانع بالبسيط من الأعمال المتداولة التي لا بد منها لكل أمة.

السبب الرابع الفرعي :

لما رأت دول أوروبا أن الأمية ما تمكنت من أمة إلا عرضتها للضياع والاستسلام إلى الغير عممت التعليم وجعلته إجبارياً حتى أصبح الأميون يعدون في ممالكها العظيمة، وقد اعتمدت كل دولة على توحيد التعليم،  فعلمت الأمة الدين وتاريخ الجنس واللغة وأخلاقها وعاداتها والقانون المدني الجامع لوحدة الأمة وتاريخ المملكة وحقوق الملك وواجبات الدفاع عنه ، حتى سرت روح الحياة الدولية في كل فرد من أفرادها ، واتسع نطاق الأفكار فأصبحوا في حروب فكرية نتائجها الإحياء وامتداد السلطة ، وقد أخطأ الشرقيون هذا الطريق فتركوا الأمم تائهين في الجهالة العمياء لتوهمهم أن المتعلمين يعارضونهم فيما هم فيه ، وما صيرهم لذلك إلا استناد بعض الأحكام إلى الجهلة وضعفاء العقول.

 وقد نامت الأمم الشرقية تحت ردم التهاون وعدم التبصر حتى مات العلم وأهله ، وما تحركت طائفة لعقد جمعية تساعد من بقى من العلماء لتقاعدهم عن جوب البلاد وجوس الفدافد والقفار ، وهم يعلمون من شأن العلماء أنهم لا يملكون شيئاً من الذهب والفضة ، وقد حبس الأمراء والأغنياء الذهب والفضة وجعلوهما وقفاً للملاهي واللذائذ ، وكلما هبت عليهم ريح تبكيت قالوا : ما أخر الشرق إلا العلماء.

 وبموت أهل المعارف احتاج ملوك الشرق لاستخدام أناس من أوروبا يقومون بهم أود ممالكهم ، ومن نظر إلى جمعيات أغنياء أوروبا وعدم حصر مدارسها في الشرق والغرب ورأى أغنياء الشرق وهم يبعثون أولادهم إلى مدارسهم ليتعلموا على قساوة أوروبا على أمور دينهم ودنياهم سفه أحلامهم ، وأيقن أنهم العلة الوحيدة في تأخر الشرق عن أوروبا ، فالفقير العالم ماذا يقول؟  والصانع المعدم ماذا يصنع ؟ والعاقل المحتاج ماذا يعمل ؟ وكلٌ يحتاج إلى المادة ولا مادة إلا جمعيات الأغنياء والأمراء واتجاه الملوك إليها بالعناية والمساعدة المادية

والمعنوية.

السبب الخامس الفرعي :

لما رأت ممالك أوروبا أن الملوك كثيراً ما يقعون في خطأ الرأي بالانفراد فيه أحدثوا مجالس الوزراء والشورى التي تقيدت بها الممالك ظاهراً ، فألقت أوزراها على عواتق أعيان الأهالي ومنتخبيهم لتستمد من أفكارهم ما به يحسن النظام ، وتبقى المملكة حية بحياة قواها العاملة ، وصار للأمم الثقة بملوكهم ووزرائهم ، لعلمهم أنهم لا يصرفون شيئاً ، ولا يحدثون عملاً ، ولا يبرمون أمراً إلا بمشورة نوابهم ، وبتبادل الأفكار بين الوزراء والنواب ظهرت ثمرات عظيمة ، واشتد عضد الدول ، وعظمت قوتها ، واتسعت تجارتها ومعارفها ، وكثر المرشحون للأعمال والإدارات العالية بالتربية في المجالس، وقد أخطأ الشرقيون هذا الطريق بسبب الجهالة التي عمت الأمم الشرقية ، فلم يكن عند ملوكهم ثقة بأعيانهم ووجهائهم ولا يحبون كثرة العقلاء خوفاً من التغلب الذي يحلم به كل ملك شرقي وهو وهم لا حقيقة له ، ولذا نراهم إذا نبغ في ممالكهم أناس وضعوهم تحت سوط التضييق حتى يبغض الغير طريق العقلاء والنبهاء ؛ فراراً من الوقوع فيما وقعوا فيه من البلاء والعناء.

السبب السادس الفرعي:

انتجت تربية الأمم على المعارف إحداث أندية السَّمر والتجارة ، فاتخذت المجالس العديدة لاجتماع أهل الأفكار ممتزجين ببعض الضعفاء لينقلوا عنهم ويتربوا تحت أحضانهم ،وفي تلك المجالس تدور الأحداث على الأمم والممالك وأعمال الملوك وأخلاق العالم وتاريخ العمران، فكانت هذه المجالس روحاً ثانية في جسد المملكة المتحرك بروح الوزراء والنواب والعمال ،وقد علم الملوك حسن مقاصدهم فلم يضيقوا عليهم بشيء يحول بينهم وبين مدارسهم الأدبية، والشرقيون أخطأُوا هذا الطريق وجعلوا مجالسهم قاصرة على الغيبة والنميمة والسعي في أذية فلان ومعاكسة علاَّن والتحاسد والتباغض وتقبيح بعضهم بعضاً واللهو واللعب ، وانقطعوا عن العالم بالمرة ، ومنهم من اقتصر على الإقامة بين أولاده ، ومنهم نفر قليل اشتغلوا بالمعارف واضطرهم تيار المجتمع المدني إلى الانحدار معهم في غالب الأوقات ، وقلَّ أن يجتمع جماعة للبحث فيما ينفع الأمة أو الدولة،  لعلم العقلاء أن أبحاثهم غير معوَّل عليها ولا ملتفت ، لانصراف معظم الأمة إلى الشهوات ، فهذه هي الأسباب التي قدمت أوروبا ونشرت ألوية التقدم في جميع جهاتها ، وبالوقوف عليها عرفنا العلل التي أخرت الممالك الشرقية على اختلاف مواقعها ، وأوقعتها في فخاخ أوروبا ، وعلمنا أن الدين الإسلامي والأديان الشرقية لم تكن السبب في التأخر كما يزعم كثير من الطائرين حول دهاة أوروبا ، بل إن الدين الإسلامي كان السبب الوحيد في المدينة وتوسيع العمران أيام كان الناس عاملين بأحكامه. والجوُّ هو هو الذي كان فيه المتقدمون من المصريين والفنيقين والفرس والهنود والعرب والترك ، وقد تحققنا أن التأخر إنما جاء من تعميم الجهالة بإغضاء الملوك عن وسائل التعليم والتضيق على أرباب الاقلام والأفكار ، وبعد الاغنياء عن الجمعيات ، وتقاعدهم عن ضروب التجارة والنصاعة والزراعة ورضاهم بالبقاء تحت الشهوات ، فإذا أطلق الملوك حرية الأفكار والمطبوعات من تحت المراقبة ، وبذل الأغنياء الذهب في حياة الصنعة وتعميم المعارف في المدن والقرى ومساعدة العلماء على الرحلة خلف حياة العلم ، واجتمعت كلمة الملوك والوزراء والأمم على السعي خلف التقدم أمكنهم أن يوقفوا تيار أوروبا شيئاً فشيئاً ، حتى يضارعوها قوَّة وعلماً، وإلا إذا تركوا هذه الأسباب وبقوا على ما هم فيه من التقاطع والتحاسد والجهالة كان من العبث في الاندية وتمشدقهم بقول بعضهم لبعض بم تقدم الأوروبيون وتأخرنا والخلق واحد.

المصدر : مجلة الأستاذ لعبد الله بن النديم



اضفها لمفضلتك بالموقع Twitter Facebook MySpace Digg Delicious
التعليقات








الهجري <=> الميلادي
يومشهرسنة

هجري
ميلادي


مثال:9665123456789
اكتب رقم جوالك




اكتب اميلك