هذا نبي الإسلام (11)د / أحمد عبد الحميد عبد الحق * الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.. وبعد .. فقد أنهيت في المقالات العشر السابقة الفصل الأول من حياته صلى الله عليه وسلم الدعوية ليبدأ بذلك مرحلة جديدة ، ألا وهي مرحلة تأسيس الدولة ، والسير بها في خضم الضلال الذي يحيط بها ، ويواجه بها كل خطر يهددها ، فلنعش معها في المقالات التالية ، ونتلمس فيها خطاه صلى الله عليه وسلم ؛ كي نستطيع أن نواجه مشاكل الحاضر كما واجه رسول الله ومن معه من المسلمين صعوبات الماضي وأبدأ معكم حديثي اليوم بدخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، حيث نزل عليه السلام قبيل دخوله المدينة المنورة ببلدة " قباء " وقد دخلت في حيز المدينة العمراني الآن ، فأقام بها بضعة عشرة ليلة ، شيد خلالها مسجدا متواضع البناء ، يعرف إلى الآن بمسجد قباء ، وهو أول مسجد بني في الإسلام . ثم أدركته صلاة الجمعة وهو داخل المدينة في منازل لقبيلة تسمى "بني سالم بن عوف" فأقام بها مسجدا آخر وصلى فيه الجمعة بمن معه ، وخطب فيهم خطبة ، حمد الله فيها وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم ، تعلمنّ والله ليصعقنّ أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلغك ؟ وآتيتك مالا وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزئ الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته(1). ثم خطبهم صلى الله عليه وسلم الخطبة الثانية ، فقال : إن الحمد لله أحمده وأستعينه ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إن أحسن الحديث كتاب الله ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه . أحبوا من أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا كلام الله وذكره ، ولا تقسُ عنه قلوبكم ، فإنه من يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد ، والصالح من الحديث ، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا بروح الله بينكم ، إن الله يغضب أن ينكث عهده ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (2). وقبل أن أقف وقفة مع صلاة الجمعة التي فرضت على المسلمين قبيل دخول رسول الله المدينة ، ألفت نظر القارئ إلى ما جاء في هاتين الخطبتين اللتين ألقاهما رسول الله وهو يضع نواة الدولة الإسلامية ؛ ليقارن بنفسه بينهما وبين البيانات التي يلقيها كل عظيم عند الوصول لسدة الحكم ، ويعرف مزية تلك الدولة على ما سواها من الدول التي قامت عبر التاريخ ، قديمه وحديثه. إن الخطبة الأولى لم تتضمن أكثر من الحث على التضامن بين البشرية ، وحض الأغنياء على مساعدة المحتاجين كل حسب قدرته ، ولم يفرض صلى الله عليه وسلم ذلك بقوانين الجبرية ، كما حاول أن يفعل زعماء الشيوعية ، حيث صادروا أموال الأغنياء ، وسلطوا عليهم الفقراء بثوراتهم ، وإنما ذكرهم بالله ، وبلقاء الله ، فهو الذي سيكافئ المعطي ، ويعاقب الممسك . وأما الخطبة الثانية فكان محورها نشر الحب بين الناس ، وذكر الله ، وتزكية النفس ، التي بها يرسخ هذا الحب ، وهل تطمح البشرية الآن في أكثر من ذلك ؟؟. ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الجمعة في بني سالم حتى دخل وسط المدينة ، وهناك وجد أهلها في استقباله ، الصغير والكبير ، الرجال والنساء ، الكل قد هتف عند رؤيته : الله أكبر ، جاء محمد ، وتلقوه بالفرح والسرور والبشر ، حتى كان يوما مشهودا ، لم تر المدينة مثله في تاريخها .. وصار لا يمر بدار من دور الأنصار ألا ودعاه أهلها للنزول عندهم ، لينالوا بذلك الشرف في الدنيا والآخرة ، إلا أنه نزل عند أخواله من بني النجار في المكان الذي أوحى الله إليه ببناء مسجده فيه ، ثم قال : أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب : أنا يا رسول الله ، هذه داري ، وهذا بأبي ، فقال صلى الله عليه وسلم : فانطلق فهيئ لنا مقيلًا ( مكانا نقيل فيه) فعاد أبو أيوب وقال : على بركة الله ، فمشي معه وأقام عنده حتى فرغ من بناء مسكنه بجوار المسجد ، وانتقل إليه(3). وإلى لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية وفي الصحة متسع . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش : *مدير موقع التاريخ الالكتروني 1 ـ ابن هشام : السيرة ج3 ص30 وابن كثير : البداية ج3 ص214 2 ـ ابن كثير : البداية ج3 ص214 3 ـ الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص 97 المصدر : موقع التاريخ
التعليقات
|
|