مفارقة الإنسان والتقدممن زوايا ثلاث، يعالج كل من الكاتب الروماني "كونستانتان جيوروجيو" في رواية "الساعة الخامسة والعشرون"، ورجل القانون الفرنسي "مارسيل بوازار" في "إنسانية الإسلام"، والنورسي في "رسائل النور"، إشكالية المفارقة المحزنة بين الإنسان والتقدم. ولطالما تساءل المتسائلون: أما كان يتحتم على التقدم العلمي والمعرفي أن يكون في خدمة الإنسان كائنًا متفردًا أنيطت به مسؤولية كبرى، وأن يسير جنبًا إلى جنب مع مطالب هذا الكائن المتميز المسؤول، ويستجيب لأشواقه وحاجاته كافة... بمعنى ألاّ يقتصر على تلبية مطالب الحس، بل أن يغطي كل ما يهمّ الإنسان في هذا العالم من أجل أن يحيا حياة متوازنة، متوحدة، آمنة وسعيدة؟ ما الذي حدث لكي يمضي التقدم أبعد من هذا، فيلحق بالإنسان والحياة البشرية المزيد من المنغصات والمتاعب، ويجرّدها شيئًا فشيئًا من عمقها الحقيقي، ويضع بينها وبين أهدافها المشروعة الحواجز والأسلاك الشائكة؟
"جيوروجيو" و"بوازار" و"النورسي" يقفون طويلاً عند هذه الظاهرة غير المبرّرة، فيسلطون الأضواء عليها، ويقترحون سبلاً للخروج من الورطة. أحدهم برؤية أديب، والآخر برؤية قانوني دولي، والثالث برؤية مفكر موسوعي يملك رؤية طائر (View of Bird) يضع العالم كله تحت المنظور. ولسوف نجد كيف يلتقي هؤلاء الثلاثة في نقاط الارتكاز الأساسية للمفارقة، وفي العديد من الحلول والمرئيات. إنها أزمة تضيّق الخناق على الإنسان، بينما كان المفروض أن يحدث العكس، فلماذا؟ ومن ثم غدت قضية جل فلاسفة العالم المعاصرين وحكمائه ومفكريه وكتابه وأدبائه. ولن يتسع المجال في بحث محدد كهذا، أن يلاحق معطيات هؤلاء جميعًا، ولذا سيتم الاكتفاء بثلاثة فحسب وهذا يكفي، لأن ما قدّموه يضع يده على الجرح، ويقدم جانبًا من أسباب العلاج. في رواية الكاتب الروماني "كونستانتان جيوروجيو": "الساعة الخامسة والعشرون"، تبدو أزمة الحضارة الغربية واضحة للعيان، إن مآسيها تعرض علينا كما لو كنا نشهد مسرحية حاضرة: الإنسان الذي سلبت حريته وأدخل في دوّامة من آلية قاسية أحالته إلى "رقيق" وأفقدته حريته وإرادته الذاتية، "المواطنون" الذين ملأوا الشوارع ودور الحكومة والمؤسسات في جماعية سحقت كل ما هو فردي، وتشابهية دمرت كل إمكانية للتنوع والإبداع، وتعميمية محقت كل اتجاه شخصي، ومادية ردمت كل منابع الحب والإيمان في وجدان الإنسان. النظم الصارمة التي أوجدت جحرًا خانقًا بات لا يصلح للتنفس... الصراع من أجل تأكيد أكثر للآلية، واستعباد أشد للإنسان، وتحطيم أعنف للقيم، وتجفيف لا يرحم لمنابع الوجدان... كل منكم سيصرخ بعد مشاهدة منظرين أو ثلاثة من مسرحية الحضارة المعاصرة هذه: "الآن لست أريد متابعة النظر، لأنني تعبت ولأن المشهد طال أكثر من المعتاد، إنني -إذا استمريت على المشاهدة- فسوف لا أرى إلا الأنقاض. سأرى مدنًا متهدمة، ورجالاً متهدمين، وبلدانًا وكنائس وآمالاً كلها متهدمة محطمة". صحيح أن "جيوروجيو" يعالج في روايته هذه، مأساة الإنسان الغربي في النظم الشمولية، أممية كانت أم قومية شوفينية، إلا أنه -وكما سنرى- لا يغفل عن إدانة النظم الرأسمالية بما تنطوي عليه من آلية وذرائعية ساقت الإنسان هي الأخرى إلى التعاسة والعذاب. إن جانبًا من الأدب الغربي اليوم -وبخاصة الرواية والمسرحية- يشكل أهمية كبرى في أية دراسة جادة للحضارة الغربية المعاصرة، لأنه يعكس -بصدق فني مدهش- الأزمة التي تعانيها هذه الحضارة في جناحيها الجماعي والفردي، والضغوط القاسية التي تسلطها على الإنسان فتمزقه وتسحقه. إن ردود الفعل التي يجابه بها الإنسان الغربي المعاصر حضارته المتأزمة هذه، تبدو واضحة للعيان عبر عدد كبير من الروايات والمسرحيات التي كتبها أدباء وفنانون كبار أدركوا جوانب عميقة من الأزمة، وكلهم بلغ درجاتها الدنيا، وجاس في سراديبها وكهوفها، وما أن وصل بعدها الأخير حتى غطاه الظل وأغرقه الظلام. فهل ننتظر نحن منه أن يجد لنا مصدر الضوء، ويدلنا على طريق الخروج؟ إن ما تقدمه لنا هذه الآداب والفنون يقتصر على الخطوة الأولى: تحديد ملامح المأساة، أما الخطوة التالية التي ترسم لنا طريق الخلاص، فما ينتظر من هؤلاء أن يتقدموا إليها، لأنهم ليسوا "على شريعة من الأمر"، وهي خطوة نلقي مسؤوليتها العظمى على أعناق أولئك الذين حملوا أمانة "الكتاب". لماذا "الساعة الخامسة والعشرون"؟ "جيوروجيو" يجيبنا على هذا السؤال: "إن الجو بات لا يصلح للتنفس... إن الجو بات خانقًا... الجو الذي يعيش فيه المجتمع الحاضر... إن الكائن البشري لن يستطيع احتماله... إن البيروقراطية والجيش والحكومة والتنظيم الحكومي والإدارة، كل هذه الأشياء تساهم في تسميم الجو ليخنق الإنسان... إن المجتمع الحاضر يستخدم الآلات والرقيق العنصري... لقد خلق من أجلها... ولكن الإنسان محكوم عليه بالاختناق غير أن بني الإنسان لا يشعرون بذلك... لقد وضعت في روايتي الطريقة التي يموت بها رجال هذه الأرض الذين يحيون في عذاب مريع وقلق قاتل، تخنقهم الأجواء غير الصالحة للحياة". إن التقدم التقني الذي أحرزته الحضارة الغربية، لم توجهه قيم الدين يومًا، بل إنه انطلق أساسًا وأخذ طريقه يوم أعلن العلم انتصاره على الدين -أو هكذا يتوهمون- فلا تعجب -إذن- إذا ما تضاءل الإنسان يومًا بعد يوم إزاء هذا التضخم الآلي، لأنه فقد الإيمان بكرامته، وغض بصره عن التطلع إلى قيم علوية وسجد للآلة. ولأوّل مرة يقدم كاتب غربي تحليلاً رائعًا يتميز بالجدة والحيوية لهذه العلاقة غير المتكافئة بين الإنسان والآلة.
المكتسبات الحضارية إن سؤالاً كهذا لا مبرر له على الإطلاق. أولاً لأن هذه المكتسبات هي حصيلة تاريخ طويل من الكد والجهد المضني أسهمت فيه كل الأمم والحضارات وهو ليس حكرًا على المجتمع الغربي. ثانيًا أن هذه المكتسبات العلمية والتقنية هي في حد ذاتها حيادية الطابع، إذ لا عقل لها ولا إرادة ولا روح لكي تتحكم في مصير البشرية، وإنما الذي يعطيها التوجه صوب هذا الطريق أو ذاك، هو عقل الإنسان وإرادته ورؤيته للكون والحياة والإنسان، بمعنى آخر؛ إن الفلسفة التي تصدر عنها الحضارة المعاصرة، هي السبب في هذه الوجهة المدمرة التي تتجه إليها القوة الصناعية في العالم. ثالثًا لأن الإسلام يجعل الحرص على التقدم، واستغلال قوى الطبيعة، واحتضان المكتسبات العلمية، واجبًا محتمًا على المسلمين دولاً وجماعات ومؤسسات وأفرادًا، ولكنه لا يسمح أبدًا بأن يستعلي (شيء) في الأرض -غير الله سبحانه- على الإنسان الذي كرمه خالقه وحمله في البر والبحر، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً. ومن ثم تبدو مأساة الحضارة المعاصرة في أنها أخضعت الإنسان للأشياء فأشعرته بالدونية، واستعبدته، وكان لابد من العقاب.
"تفرض نفسها حكمًا مطلقًا على كل المستويات، ولا يمكن بدونها، أو بالحري على النقيض منها، مواجهة أي تغيير اجتماعي ولا أي تجديد مادي".
ويبدو أن "الإسلام" يشكل أفضل الوسائل الممكنة لإعادة بناء مجتمع ما بعد الاستعمار، وتلك هي دعوته الروحية والسياسية والدولية الحقيقية". يواصل "بوازار" تحليله فيشير إلى "أن الإسلام دين حي وداينامي يحاول إيجاد مجلى لقوته الداخلية للاشتراك في الحياة الدولية المعاصرة، وفي مساهمته أن تكون جوهرية، لا لأنه يملك فقط تجربة عمرها أربعة عشر قرنًا في العلاقات بين الشعوب، بل لأنه ينقل -كذلك- رؤية أخلاقية للغاية من القانون الدولي، معتبرًا أن الإنسان في التحليل الأخير، رعية من رعايا النظام وهدف أخير من أهدافه". ويؤكد "بوازار" أن ليس ثمة أمام الدول الإسلامية "أي خيار بديل لبناء مستقبلها" وأن ليس على المفكرين المسلمين أن يعدّوا بناءً "أيديولوجيًّا"، فهذا أمرٌ حاصل، إنما عليهم "أن يخلصوا الإسلام من ثقل التقاليد المتراكمة فيعود كما كان في البدء: تحرير العقل وثورة الفكر الحرّ وتوطيد الإنسان".
يمضي "بوازار" لكي يؤكد النزوع التجاوزي للإسلام الذي لا يقف أو يسكن عندما هو كائن، بل يمضي نحو الأحسن والأعلى صوب ما يجب أن يكون. إن الإسلام -كما يلحظ الرجل- يخلق "مثالية حقيقية لأنه خضوع لنظام استعلائي". وعندما يورد "بوازار" كلمة "حقيقية" مضافة إلى المثالية الإسلامية فإنه يعني ما يقول على وجه التحديد، فإن مثاليات شتى حلم بها مئات الوضعيين وأتباع الأديان المحرّفين فلم تتحقق ولم تصنع شيئًا، لأنها في الواقع لم تكن "حقيقية". ها هنا حيث "الداينامية" التي "يولدها" المناخ الديني في الإسلام، وحيث النزوع الدائم إلى فوق، وحيث "التعبير عن المجتمع ليس تبعًا لما هو عليه، وإنما لما يريد أن يكون"، كفيلة بأن تقرّب المثال أو تقترب منه، فتجعل من معطياته متحققة في العالم، متجذرة في الأرض.
التعليقات
|
|