الكذاب الجاهل يوحنا الدمشقي رائد الكتابات التشنيعية ضد الإسلام(7)د / إبراهيم عوض ونصل إلى المقارنة بين العقيدتين: والإسلام، كما هو معروف، دين التوحيد النقي الذى لا يدانيه دين آخر في هذا. أما النصرانية فهي ديانة التثليث، وهذا التثليث لا يدخل عقولنا: فأولا كيف يتجسد الله بحيث لا يشغل من الزمان والمكان إلا حيزا محدودا ضئيلا، وهو الذى خلق الزمان والمكان والكون كله، والمطلق الذى لا تحده حدود، والأرض جميعا في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه المباركة؟ وثانيا كيف تنفرد النصرانية بهذا التثليث من بين الأديان السماوية كلها؟ ثم ها هو ذا العهد القديم، الذى يؤمن به النصارى أيضا، فأين منه هذا التثليث؟ الجواب هو أنه لا وجود فيه لتثليث ولا تربيع ولا تخميس! فلماذا النصرانية بالذات دون سائر أديان السماء؟ بل إن الأناجيل ذاتها تخلو تماما من ألفاظ "الثالوث والتثليث والأقانيم الثلاثة"، وليس لهذا من معنى إلا أن تلك العقيدة لم تظهر في النصرانية إلا بعد المسيح وكتابة الأناجيل، أي أنها لم تكن يوما من العقيدة التي جاء بها السيد المسيح عليه السلام وأنها إنما اختُرِعَتْ بأُخَرة، وثالثا أن النصرانية لا تنفرد فقط بالتثليث شذوذا عن أديان السماء، بل تتفق في ذلك مع بعض ديانات الوثنية، إذ كان عند الفراعنة تثليث، وعند الإغريق تثليث، وعند الهنود تثليث. وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا تمكن المماراة فيه بأي حال، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (التوبة/ 30). ورابعا أنه لا يصح أن يقال إن الله قد تجسد ليموت على الصليب ويُصْفَع ويهان ويُضْرَب بالحربة في جنبه ويسخر به كل من هب ودب ويجأر في الفضاء العريض دون أن يجد من يجيبه ويحميه، وذلك من أجل أن يفدي البشر من خطيئتهم. وإذا قيل: لقد كان الله قادرًا على الغفران والفداء دون شيء من هذا العار زعم الزاعمون إنه إنما فعل ذلك كي يشعر بآلام عباده، ومعنى هذا أنه سبحانه ليس عنده القدرة على إدراك آلام البشر أو تصورها إلا إذا ضُرِب وأُهِين وشُتِم وسُمِّر على الخشبة وقُتِل، فأى إله هذا؟ فمن ذا الذى خلق الآلام والأوجاع إذن؟ وهل هناك شيء في كون الله لم يخلقه الله نفسه؟ وسادسًا هل هذا الكائن الجسداني هو الله؟ بطبيعة الحال لا، إذ يقولون إن هذا هو الجانب الناسوتى في المسيح، ومعنى ذلك أن الله ليس هو الذى تألم وصُلِب وقُتِل، أي أنه سبحانه لم يخض تجربة التألم ومقاساة العذاب، بل الذى خاضها هو إنسان مثلي ومثلك أيها القارئ، وعلى هذا فهو سبحانه لم يَفْدِ أحدا، بل الذى تحمل عبء الفداء شخص ليس له في الثور ولا في الطحين، شخص مسكين استضعفه الله و"شَيَّله" القضية دون أن يكون قد ارتكب ذنبا، وهذا واضح من صراخه وهو على الصليب: إلهى، إلهى، لم تركتني؟ وهو ما يتضح أيضا من كلامه قبل ذلك عن الله سبحانه بوصفه "رَبّه"، كما في رده على إبليس مثلا حين أخذه ليجربه وطلب منه، ضمن ما طلب، أن يخر ساجدا له، فما كان منه إلا أن أجابه قائلا: مكتوب أنه للرب إلهك وحده تسجد! وهو ما يعنى مرة أخرى أن الخطيئة القديمة قد عولجت بظلمٍ أشنع منها، فأي لخبطة هذه؟ وسابعًا لو أنه سبحانه وتعالى قد تجسد وصُلِب وقُتِل فداءً لعباده، أفلم يكن ينبغي أن تكون النتيجة هي الغفران الشامل لكل الناس في كل الأزمان؟ لكننا ننظر فنجد أننا لا نزال في مكاننا السابق لم نبارحه، إذ يجب على الناس أن يؤمنوا بتجسد الله وموته على الصليب كرى يتم الفداء. إذن فلماذا نزل وتجسد ومات إذا كان كل هذا لا أثر له؟ وثامنًا لقد كان ينبغي أن يكرَّم يهوذا مرشد الجند إلى المكان الذى كان يختفى فيه السيد المسيح مع تلامذته، أليس هو الأداة التي أعانت على تنفيذ الخطة الإلهية للتكفير عن خطايا البشرية؟ بيد أن النصرانية تقول عكس ذلك تماما، فيهوذا فيها ملعون. عجيبة! وتاسعًا ليس يهوذا وحده هو الملعون، بل أيضا الإله الذى كان تسليم يهوذا إياه للسلطات سببا في أن يبوء هو باللعنة، فقد جاء في سفر التثنية أن من يُصْلَب فهو ملعون. إذن فيهوذا ملعون، والإله الذى سلمه يهوذا للسلطات ملعون أيضا، أي أن النصرانية تسوى بين القاتل والمقتول، وبين الظالم والمظلوم، ومعنى هذا أن الأمر قد ازداد تعقيدا وتشابكا: فعيسى قد أتى لافتكاك البشر من اللعنة التي استحقوها بسبب الخطيئة، لكن موته بدلا من هذا قد جلب اللعنة على يهوذا ، رغم أنه واحد من أولئك البشر الذين نزل الله من عليائه ليفك ربقة اللعنة من حول رقابهم. وفوق هذا فإن الله قد جلب اللعنة على نفسه،ثم إنه بعد هذا كله لم يحل مشكلة الخطيئة المزعومة، بل أضاف إليها خطيئة كفر اليهود وغير اليهود به واستحقاقهم من ثم اللعنة الأبدية، وهى أبدية لأن أحدا لن يأتي بعد ذلك ليعتق البشر من أوهاقها، فالمسيح لا يأتي إلا مرة واحدة! وعاشرًا ما الحكمة يا ترى في سكوت الله كل تلك الدهور المتطاولة التي يعدها علماء الطبيعة بملايين السنين قبل أن يفكر في رحلته تلك الأرضية التي لم تأت بالنتيجة المرجوّة، إذ ما زال مليارات الناس يكفرون بالتجسد، بل يكفرون حتى بعيسى مجرد نبي؟ ولنلاحظ أنه عندما مات المسيح على الصليب كما تقول الأناجيل لم يكن هناك إلا قلة قليلة تؤمن به، حتى الحواريون أنفسهم لم يكونوا يؤمنون به جميعا، بل كانوا ناقصين واحدا هو يهوذا، علاوة على أن إيمانهم بالمسيح لم يكن على المستوى المطلوب، وهذا ليس رأينا نحن، بل رأيه هو، إذ كان يتهمهم بقلة الإيمان وعدم الفهم، كما كان ينادى كبيرهم بـــ"يا شيطان". وفوق هذا فإن صورة الجنة والنار في النصرانية غير واضحة ولا مقنعة، على عكسها في الإسلام كما يعرف ذلك كل من له أدنى معرفة بالديانتين. ثم إن المبادئ الخلقية التي أتت بها النصرانية لا تناسب الطبيعة البشرية في شيء حسبما وضحنا، والدليل على ذلك أنه لا يوجد حتى ممن يتعصبون أشد التعصب لتلك الديانة من يطبّق شيئا مما هو منسوب للسيد المسيح من دعوة مفرطة في المثالية غير القابلة للتطبيق لتَعَاكُسِها تمام التَّعَاكُس مع فطرة البشر. كذلك كيف يكون المسيح ابن الله، وفى إنجيل يوحنا (1 / 5) أن الناس كانت تسميه: "ابن يوسف"، وهو نفس ما قاله متى (1 / 55) ولوقا (3 / 23، و 4/ 22)، وكان عيسى عليه السلام يسمع ذلك منهم فلا ينكره عليهم؟ بل إن لوقا نفسه قال عن مريم ويوسف مرارًا إنهما "أبواه" أو "أبوه وأمه" ( 2 / 27، 33، 41، 42 ). كما قالت مريم لابنها عن يوسف إنه أبوه (لوقا /2 /48). وعلاوة على ذلك فإن الفقرات الست عشرة الأولى من أول فصل من أول إنجيل من الأناجيل المعتبرة عندهم، وهو إنجيل متى، تَسْرُد سلسلة نسب المسيح بادئة بآدم إلى أن تصل إلى يوسف النجار ("رجل مريم" كما سماه مؤلف هذا الإنجيل) ثم تتوقف عنده. فما معنى هذا؟ لقد توقعتُ، عندما قرأت الإنجيل لأول مرة في حياتي، أن تنتهى السلسلة بمريم على أساس أن عيسى ليس لـه أب من البشر، إلا أن الإنجيل خيَّب ظني. وهو ما يؤكده النص التالي المأخوذ من مطلع إنجيل توما (أحد الأناجيل غير القانونية) "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل في موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" في حقلهم: "Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"... وغير ذلك من المواضع التي وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التي كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: "Happy am I for that God hath given me this young child". والآن إلى المقارنة بين موقف كل من أصحاب النبيين الكريمين رضى الله عن الفريقين كليهما: فأما أصحاب السيد المسيح فلسوف نورد تصرفاتهم منذ ظهر الخطر على حياته صلى الله عليه وسلم حتى تم صلبه بناء على معتقدات النصارى. وها هو ذا ما صنعوه حسبما كتب مؤلف إنجيل متى (في الإصحاحين: 26- 27)، وهو يكفى عن مؤلفي الأناجيل الآخرين: "20وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. 21وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي». 22فَحَزِنُوا جِدًّا، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ:«هَلْ أَنَا هُوَ يَارَبُّ؟» 23فَأَجَابَ وَقَالَ: «الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي! 24إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!». 25فَأَجَابَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ وَقَالَ:«هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟» قَالَ لَهُ:«أَنْتَ قُلْتَ».26وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ:«خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي». 27وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً:«اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، 28لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. 29وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيدًا فِي مَلَكُوتِ أَبِي». 30ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ. 31حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ في فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. 32وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ». 33فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ:«وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا». 34قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». 35قَالَ لَهُ بُطْرُسُ:«وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» هكَذَا قَالَ أَيْضًا جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ. 36حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ:«اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ». 37ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. 38فَقَالَ لَهُمْ:«نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي». 39ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». 40ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَامًا، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: «أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ 41اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ». 42فَمَضَى أَيْضًا ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً:«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا، فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ». 43ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. 44فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ. 45ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ:«نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. 46قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!». 47وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. 48وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً:«الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ». 49فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. 50فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟» حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوْا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. 51وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. 52فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! 53أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ 54فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟».55فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: «كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي. 56وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ». حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. 57وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. 58وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِل وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ النِّهَايَةَ. 59وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، 60فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ 61وَقَالاَ:«هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». 62فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» 63وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ:«أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» 64قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ». 65فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! 66مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا: «إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ». 67حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ 68قَائِلِينَ: «تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ؟».69أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِسًا خَارِجًا فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً:«وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ!». 70فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: «لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!» 71ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: «وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!» 72فَأَنْكَرَ أَيْضًا بِقَسَمٍ: «إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» 73وَبَعْدَ قَلِيل جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: «حَقًّا أَنْتَ أَيْضًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!» 74فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. 75فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا. 1وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، 2فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي. 3حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ 4قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» 5فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. 6فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا:«لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». 7فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. 8لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ «حَقْلَ الدَّمِ» إِلَى هذَا الْيَوْمِ. 9حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ الْقَائِلِ:«وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، 10وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ».11فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلاً: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ». 12وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. 13فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» 14فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا. 15وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَادًا فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ أَرَادُوهُ. 16وَكَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ. 17فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» 18لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 19وَإِذْ كَانَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً:«إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ». 20وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. 21فَأجَابَ الْوَالِي وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ مِنْ الاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟» فَقَالُوا: «بَارَابَاسَ!». 22قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» 23فَقَالَ الْوَالِي: «وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟» فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: «لِيُصْلَبْ!» 24فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!». 25فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا:«دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». 26حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. 27فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، 28فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، 29وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» 30وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. 31وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ. 32وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. 33وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» 34أَعْطَوْهُ خَّلاً مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. 35وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». 36ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. 37وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً:«هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ». 38حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ. 39وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ 40قَائِلِينَ: «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». 41وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! 43قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». 44وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ. 45وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. 46وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ 47فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا:«إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». 48وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. 49وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا: «اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!». 50فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ". إن الإنسان ليستعجب أشد الاستعجاب ويتساءل: ترى أين الجموع الذين كانوا يحيطون بالمسيح ويتبعونه في كل مكان يذهب إليه، ويعُدّهم مؤلفو الأناجيل بالآلاف، وكان عليه السلام يطعمهم، ويشفى أصحاب الأمراض المستعصية منهم، بل ويعيد بعضهم إلى الحياة مرة أخرى بعد أن ماتوا؟ بل أين حواريوه المقرَّبون؟ لقد تبخروا كلهم، وكأنهم فَصّ ملح وذاب؟ واليمين التي أقسمها بطرس بأنه لن ينكره ولن يتخلى عنه، ترى كيف نسيها وهان سيده عليه إلى هذا الحد؟ ولدينا أيضا ذلك التلميذ الآخر الذى أمسكه الجند من ملابسه فخلعها عن جسمه وتركها لهم وانطلق هاربا وهو عريان كيوم ولدته أمه. الحق أنها محنة! وأي محنة! أهذه ثمرة كل تلك التربية التي تَلَقَّوْها على يديه صلى الله عليه وسلم؟ أهذه حصيلة كل تلك الصحبة التي صحبوه إياها؟ فأين ذهبت كل تلك الخطب والأمثال التي كان يَسُحّ بها في آذانهم سحًّا؟ أتراهم لم يكونوا يهتمون بما يقول، بل بما كانوا ينتظرونه على يديه من شفاء فقط؟ ولا ننس فوق ذلك أن عيسى، في نظر النصارى، هو إله، وليس بشرا. أفهده غاية جهد الإله؟ إن محمدا إذن، كما سوف نرى حالا، لأبرك أثرا وأقدر في التربية والتوجيه، وهو البشر الذى لم يزعم هو ولا زعم له أحد من أتباعه أنه إله أو ينحدر من صلب الآلهة! أليس كذلك؟ ولا يقل أحد إن المسيح قد نهى تلاميذه عن الدفاع دونه، وأمر بطرس أن يغمد سيفه مرة أخرى، ذلك أن رواية الأحداث على هذا النحو لا تقنع أحدا، إذ من أين أتى بطرس بالسيف؟ وكيف لم يتنبه المسيح إلى ذلك السيف قبل أن يشهره حواريّه؟ بل لماذا كان بطرس يحمل سيفا أصلا، ولم تكن هناك معارك تسوّغ ذلك؟ ولماذا هو بالذات دون سائر زملائه الذى كان يحمل سيفا؟ كما أن الحواريين لم يكونوا رجال حرب. ثم إن محاولات السيد المسيح الابتعاد مع تلاميذه عن أنظار أعدائه دليل على أنه لم يكن يريد الموت، ويعضد هذا صلاته قبل القبض عليه وابتهاله إلى الله أن يجيز عنه تلك الكأس المرة، وكذلك صرخاته على الصليب، وتحقيره قبل القبض عليه من شأن تلميذه الخائن الذى تنبأ بأنه سوف يسلمه إلى الأعداء طبقا لما يرويه مؤلفو الأناجيل، فإذا أضفنا إلى هذا أن السيد المسيح عليه السلام قد أعلنها صريحة مدوية أنه إنما جاء بالسيف، كان من الصعب علينا جدا الاطمئنان إلى ما يُنْسَب له من أن ما أُخِذ بالسيف فبالسيف يؤخذ، وإلا كان كمن يكذّب نفسه بنفسه. هؤلاء إذن أصحاب المسيح عليه الصلاة والسلام، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فنورد لهم تصرفاتهم في موقفين من أخطر المواقف التي مرت به صلى الله عليه وسلم. ولسوف نراهم وهم يضحون بحياتهم وراحتهم من أجله ويفدونه بكل غال لديهم، وكلهم حُبٌّ له وحِرْصٌ على ألا يخلص إليه سوء أو يناله أذى. يستوى في ذلك الرجال والنساء. إنها ملحمة، وأي ملحمة! ملحمة البطولة والإيمان والإخلاص والنبل والتطلع لنيل الشهادة والفوز برضا الله. وها هما ذان الموقفان: فأما الأول فمن قلب المعمعة أثناء معركة أحد بعد أن تحولت كِفّة الميزان لصالح المشركين وتطورت الأحداث بسرعة وأحدق الكفار بالبنى يريدون قتله. وإلى القارئ ما جاء في سيرة ابن هشام بشيء من التصرف: "وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشِقِّه فأصيبت رباعيته وشُجَّ في وجهه وكُلِمَتْ شفته ودخلت حلقتان من حلق المغفر وجنته. ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عُبَيْد الله حتى استوى قائما، ومَصَّ مالك بن سنان الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده. وعن عائشة عن أبي بكر الصديق أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثَنِيّته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غَشِيَه القوم: مَنْ رجلٌ يشري لنا نفسه؟ فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ثم رجلا، يُقْتَلون دونه حتى كان آخرَهم زيادٌ أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه. وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد. قالت: خرجتُ أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سِقَاءٌ فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خَلَصَت الجراح إليّ. وكان على عاتقها جرح أجوف له غَوْرٌ، قالت: إن ابن قمئة، لما ولّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل يقول: دُلّوني على محمد، فلا نجوتُ إن نجا. فاعترضتُ له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة، ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. وتَرَّس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النَّبْل في ظهره، وهو منحنٍ عليه حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها (أي الرسول) بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما. وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبَلَ القومَ فقاتل حتى قُتِل، وقد وجدوا به يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته،عرفتْه ببنانه. أما عبد الرحمن بن عوف فأصيب فُوه يومئذ فهَتِمَ وجُرِح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعَرِجَ". وأما الموقف الثاني فكان في غزوة الحديبية حين لـَجّ الخلاف بين قريش والمسلمين وأضحى الأمر على شفير الانفجار في أية لحظة، وبدأت المفاوضات الشاقة. جاء في صحيح البخاري: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرَة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنيّة التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس : حل حل. فألـحَّتْ، فقالوا: خلأتِ القصواء! خلأتِ القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأتِ القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكنْ حَبَسها حابسُ الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطّةً يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبتْ. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُدَيْبِيَة على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تبرُّضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه. وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. فوالله مازال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نُصْحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم. فإن شاءوا مادَدْتُهم مدة ويُخَلّوا بيني وبين الناس. فإن أَظْهَرْ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جمّوا. وإن هم أَبَوْا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي. وليُنْفِذَنَّ الله أمره. فقال بُدَيْل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا. فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود فقال: أَيْ قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض لكم خُطّة رُشْد. اقبلوها ودعوني آتيه. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبُدَيْل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيتَ إن استأصلتَ أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقًا أن يفرّوا ويَدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص ببظر اللات! أنحن نفرّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أيْ غُدَر، ألستُ أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأَقْبَل، وأما المال فلستُ منه في شيء، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، قال: فوالله ما تنخّم رسول الله صلى الله عليه وسلم نُخَامَةً إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أَيْ قوم، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيتُ مَلِكًا قَطُّ يعظّمه أصحابه ما يعظِّم أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، والله إنْ تنخَّم نخامة إلا وقعتْ في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه،وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون البُدْن (أى الأضاحى)، فابعثوها له. فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آتيه. فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز، وهو رجل فاجر. فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم. فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: "باسمك اللهم". ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله، وإنْ كذبتموني. اكتب: محمد بن عبد الله. قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألونني خُطّةً يعظّمون بها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخِذْنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعَلَى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدّ إلى المشركين، وقد جاء مُسْلِما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذًا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأَجِزْه لي. قال: ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى، فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أَيْ معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئتُ مُسْلِما؟ ألا تَرَوْن ما قد لَقِيت؟ وكان قد عُذِّب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا. قال :فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه، وهو ناصره. فاستمسِكْ بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت :لا. قال: فإنك آتيه ومطوِّفٌ به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يانبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه ودعا حالقه فحلقه. فلما رَأَوْا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل غما. ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى : "يا أيها الذين آمنوا، إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهنّ. الله أعلم بإيمانهن. فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا تَرْجِعوهن إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلّون لهن، وآتوهم ما أنفقوا. ولا جناح عليكم أن تَنْكِحوهن إذا آتيتموهن أجورهن، ولا تُمْسِكوا بعِصَم الكَوَافِر". فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشِّرْك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير، رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا. فاستلّه الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى بَرَد (أي مات)، وفرّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك. قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مِسْعَر حرب، لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيفَ البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. فوالله ما يسمعون بِعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لـَمـّا أرسل: فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: "وهو الذي كَفَّ أيديَهم عنكم وأيديَكم عنهم ببطن مكةَ من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيرا* هم الذين كفروا وصَدّوكم عن المسجد الحرام، والهَدْىَ معكوفا أن يبلغ مَحِلّه. ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تَعْلَموهم أن تطؤوهم فتُصِيبَكم منهم مَعَرّةٌ بغير علم لو تَزَيَّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما* إذ جَعَل الذين كفروا فى قلوبهم الحـَمِيّةَ حَمِيّةَ الجاهلية". وكانت حميّتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبي الله، ولم يُقِرّوا بـــ"بسم الله الرحمن الرحيم"، وحالوا بينهم وبين البيت". ثم لْنقرأْ هذه الباقة البديعة من أحاديثه صلى الله عليه وسلم ونسأل أنفسنا: أو يمكن مثل هذا النبي أن يكون نبيا كذابا مدلسا كما يدعى عليه الأفاقون الأفاكون؟ لنقرأ: "إن الله كتب الحسنات والسيئات: فمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هَمَّ بعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة. فإن هو هَمَّ بعملها كتبها الله له سيئة واحدة"، "إن عبدا أصاب ذنبا... فقال: ربِّ، أذنبتُ... فاغفر لي. فقال ربه: أَعَلِمَ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي. ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا... فقال: ربِّ، أذنبتُ... آخَرَ، فاغفره؟ فقال: أَعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا...، قال: رب، أصبتُ... آخَرَ، فاغفره لي. فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثلاثا، فليعمل ما شاء"، وفى الحديث "أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترَوْنَه كذلك. يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها، أو منافقوها، شك إبراهيم، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاءنا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيتبعونه، ويُضْرَب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان! هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قَدْر عِظَمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم: فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبَق بعمله، أو الموثَق بعمله، ومنهم المخردل، أو المجازى، أو نحوه، ثم يتجلى، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يُخْرِج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يُخْرِجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتُحِشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا الجنة، فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذُكَاؤها، فيدعو الله بما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله: هل عسيت إن أُعْطِيت ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره،ويعطي ربه من عهودٍ ومواثيقَ ما شاء، فيصرف الله وجهه عن النار. فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، قَدِّمْني إلى باب الجنة، فيقول الله له: ألستَ قد أَعْطَيْتَ عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أُعْطِيت أبدا؟ ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب، ويدعو الله حتى يقول: هل عسيتَ إن أُعْطِيتَ ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره. ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدّمه إلى باب الجنة، فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلْني الجنة، فيقول الله: ألستَ قد أعطيتَ عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أُعْطِيت؟ فيقول: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك! فيقول: أي رب، لا أكونن أشقى خلقك! فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك منه قال له: ادخل الجنة. فإذا دخلها قال الله له: تَمَنَّهْ. فسأل ربه وتمنى، حتى إن الله ليذكّره، يقول: كذا وكذا، حتى انقطعت به الأماني. قال الله: ذلك لك، ومثله معه"، "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: أعملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم"، "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرِّقوه، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البَرّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم. فغفر الله له". المصدر : موقع الدكتور إبراهيم عوض
التعليقات
|
|