إيران والغرب.. نذر حرب أم بوادر تسوية؟مصطفى عياط عاد ملف إيران النووي للاشتعال مرة أخرى، بعد عام طويل من الهدوء التام، في ظل انشغال العالم، والغرب بشكل خاص، بتطورات "ربيع الديمقراطية" العربي، الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط بشكل جزئي، فيما تهدد "الثورة السورية"، إذا ما كللت بالنجاح، بإعادة تشكيل التحالفات والتوازنات في المنطقة برمتها، ولعل ذلك يفسر جانبًا من التصعيد على الجبهة الإيرانية، فطهران على ما يبدو تريد استباق احتمال فقدان حليفها الوثيق في دمشق بتسخين الأجواء، تمهيدًا لتسوية محتملة بأقل الخسائر الممكنة، فيما تريد الولايات المتحدة استغلال مأزق نظام الأسد، لتكثيف الضغوط على طهران، عسى أن يثمر ذلك عن "ربيع فارسي"، يعتقد كثير من المحللين الغربيين أنه "ممكن وقريب". وأهمية نظام الأسد لطهران لم تكمن فقط في كونه الضلع الثالث في مثلث "سوريا- إيران- حزب الله"، وأنه المعبر الرئيسي لمرور الدعم العسكري الإيراني إلى الحزب، فضلًا عن كون دمشق هي اللاعب الأهم في الساحة السياسية اللبنانية، ومهندس تحالفات حزب الله السياسية، وإنما يضاف لكل ذلك دور نظام الأسد في صياغة علاقات طهران مع فصائل المقاومة الفلسطينية، مما منح إيران دورًا في قضية العرب والمسلمين المركزية. كما أن طهران، ومن خلال نظام الأسد، كانت تضمن وجود صوت يدافع عن مصالحها في المحافل العربية، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل توتر علاقاتها بالعديد من الدول العربية، هذا بالإضافة للعب نظام الأسد دور "العراب والوسيط" في علاقات التعاون التي نسجتها طهران في السنوات الأخيرة مع عدد من الدول العربية، وأخيرًا فإن تحالف "طهران– سوريا- حزب الله" منح الأولى "نافذة" للتدخل المباشر في ملف الصراع "العربي- الإسرائيلي"، وهي ورقة تفاوضية بالغة الأهمية، لقدرة من يملكها على المشاركة في صنع "الحرب والسلام" في تلك المنطقة الاستراتيجية، إضافة إلى أن "ضمان أمن إسرائيل" يشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغربية بشكل عام، وقدرة طهران على المس بذلك، سواء بشكل مباشر أو عن طريق حلفائها، تمنحها ميزة إضافية في أي مفاوضات مع الغرب، سواء بخصوص ملفها النووي أو بشأن دورها الإقليمي. "معادلة معقدة" وبالطبع فإن السقوط المحتمل لنظام الأسد لا يعني فقدان طهران تلقائيًا لكل هذه الأوراق، وإنما سيؤثر بشدة في فعاليتها وقابليتها للاستخدام، كما سيحتاج النظام الإيراني لمرونة ومهارة عالية لإعادة ترميم شبكة تحالفاته الإقليمية، وسيكون عليه في النهاية القبول بقدر من ضمور النفوذ، لكن الأهم والأخطر من ذلك هو أن طهران نفسها مرشحة لموجة من "رياح الديمقراطية"، وهو ما يربك النظام بشدة، خاصة أن البلاد مقدمة على انتخابات رئاسية قريبًا، في حين أن "جروح" الانتخابات السابقة لم تندمل بعد، وما زال هناك الكثير من "النار تحت الرماد". ولذا فإن المرشد الأعلى "علي خامنئي"، الممسك بخيوط الحكم في إيران، ربما يضطر هذه المرة للقبول برئيس من معسكر الإصلاحيين، لأن تكرار التدخل الفج في الانتخابات المقبلة، على غرار ما حدث في سابقتها، قد يقود لانفجار شعبي يطيح بالنظام بأكمله، مكررًا سيناريو انتخابات 2010 في مصر، والتي أجمع المحللون على أن تزويرها الفج كان "القشة التي قصمت ظهر النظام". ومن المفارقة أن إيران كانت تمني نفسها بجني ثمار "ربيع الديمقراطية" العربي، بعد سقوط نظام مبارك، عدوها اللدود في مصر، وصعود أو اقتراب أحزاب وتيارات إسلامية من الحكم في كل من مصر وتونس وليبيا والمغرب، وهي أطراف تمتلك معها طهران علاقات ودية، إضافة إلى أن هذه الأحزاب –تقليديًا- لديها مواقف عدائية من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يمنح طهران مساحة أكبر للحركة وبناء تحالفات جديدة، لكن كل ذلك انهار، ليس فقط بسبب مساندة طهران لنظام الأسد في سوريا، ولكن لتدخل إيران الفج في الاحتجاجات التي شهدتها البحرين، وهو ما أثار قلق دول الجوار، ودفعها للتدخل عبر إرسال عناصر من قوات "درع الجزيرة" إلى البحرين، فضلًا عن أن هذا التدخل أضر بالمحتجين ومطالبهم المشروعة، في معظمها، حيث تسبب في وصمهم بـ"الطائفية". "غضب مكتوم" وفي ظل هذه الأجواء الملتبسة، يأتي التحرك الغربي، بقيادة الولايات المتحدة، لتكثيف الضغوط على النظام الإيراني ليضاعف من مأزقه، فواشنطن التي لم تخف رغبتها، بل وتشجيعها، لوصول "ربيع الديمقراطية" إلى إيران، تدرك أن الضغط الاقتصادي قد يكون الوسيلة الأنجع لتضييق الخناق على النظام، وإيجاد حالة من السخط الشعبي على سياساته، تضاف إلى الغضب المتصاعدة في صفوف الشباب، بسبب تفشي البطالة والتضييق على الحريات الشخصية، وانكماش هامش العمل السياسي، هذا فضلًا عن شعور شريحة كبيرة من الأجيال الشابة بأن سيطرة رجال الدين على كافة مفاصل الحكم لم تعد مقبولة أو مبررة، وأنهم لا يمتلكون أي ميزة إضافية كي يحتكروا ذلك. وفي مقابل ذلك فإن هناك وجهة نظر في طهران تعتبر أن البرنامج النووي الإيراني قد "استوى عوده"، وأن حق إيران في امتلاك تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم أصبح أمرًا واقعًا، بعدما نجحت في الوصول بدرجة التخصيب إلى 20 %، كما أن مفاعل بوشهر أصبح بالفعل قيد التشغيل، لتكتمل بذلك دائرة امتلاك طهران للتكنولوجيا النووية، وبالتالي فليس هناك مانع من الجلوس مع الغرب لحسم ذلك الملف، ليس فقط بمفرده، وإنما ضمن حزمة واسعة تشمل الإقرر بدور إيران الإقليمي، سواء في ترتيبات الأمن بالخليج، أو في العراق وأفغانستان ولبنان. "حافة الهاوية" ويخشى أنصار تلك النظرية من أن استمرار التصعيد والتوتر قد يدفع بإسرائيل لشن هجوم على منشآت إيران النووية، مما يقود المنطقة بأكملها لآتون حرب مدمرة، لن تكون إيران بمنجاة من ويلاتها، لكن الأخطر من ذلك هو التأثير المتصاعد للعقوبات المفروضة على إيران، حيث لا يقتصر ذلك على الجانب الاقتصادي، رغم الأضرار الفادحة التي لحقت به، لكنه يمتد أيضًا لجوانب اجتماعية وسياسية، قد تؤدي لانفجار داخلي يطيح بالنظام بأكمله، خاصة أن الاحتجاجات التي أعقبت انتخابات الرئاسة الأخيرة كشفت عن شروخ عميقة بين أجنحة النظام، وأن الدائرة الممسكة بمفاتيح السلطة تضيق، يومًا بعد الآخر، وهو ما يتناقض مع فلسفة النظام السياسي الذي وضعه الخميني عقب الثورة، والقائم على إيجاد توازن مؤسساتي يسمح لكافة الأجنحة بالحصول على جزء من "كعكة الحكم"، ويمنع انفراد أي جناح بالسلطة، لكن هذا التوازن تضاءل منذ وصول "نجاد" للسلطة، حيث سعى للدفع بأنصاره إلى كافة المواقع القيادية، وهو ما حظي في البداية بدعم من المرشد خامنئي، قبل أن يشعر الأخير بخطورة ذلك على موقعه كمهيمن على القرار النهائي، مما دفعه للتدخل العنيف لوقف ذلك التمدد. وفي الإجمال فإن أنصار هذه النظرية يرون أنه حان الوقت لجني ثمار ما زرعته طهران في السنوات الأخيرة من علاقات وتحالفات ومواطن نفوذ، وهو ما يتلاقى مع تيار موازٍ في الغرب، يرى أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية لأوروبا والولايات المتحدة لا تسمح بخوض غمار حرب مع إيران، من المؤكد أنها ستكون مدمرة وواسعة النطاق وباهظة التكاليف، وأنه من الأفضل تكثيف الضغوط على طهران لدفعها للقبول بتسوية بأقل ثمن ممكن، ويشكل التلويح بفرض حظر على صادرات النفط الإيرانية "حافة الهاوية" في ذلك الطريق، فمع أنه قد يجعل الإيرانيين يفقدون أعصابهم، إلا أنهم في النهاية سوف يتصرفون بـ"عقلانية وبراجماتية"، ويرضخون للجلوس إلى مائدة التفاوض سعيًا لحل وسط، كعادة الإيرانيين دومًا في اللحظات الحرجة، وستكشف الأيام القادمة مدى دقة تلك الحسابات من عدمها. المصدر: الاسلام اليوم
التعليقات
|
|