تجربة إسقاط الدولة فى الصومال... هل يسعى البعض لتكرارها فى مصر ؟تقرير أعده / د. أحمد عبدالدايم محمد حسين أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة القاهرة.
ما استجد على ثورة 25 يناير من تطورات لاحقة يفرض علينا عرض التجربة الصومالية أمام شعبنا الكريم والقوى السياسية والثورية والاجتماعية، علنا نعيها جيدا قبل أن نشارك في تدمير وتفكيك دولتنا الحبيبة والعظيمة. لأنه وإن كانت ثوراتنا قد نجحت في إسقاط النظام القائم، لكن لا تزال تمر الآن بمرحلة ولادة عسرة لنظام حكم جديد. وما بين بناء هذا النظام وانفراط عقد الدولة خيط رفيع لو تهاوى لوصلت الأوضاع بنا لحالة الصومال. ومن ثم فإن إعادة قراءة تجربة الصومال في العشرين سنة الأخيرة تحديداً لهو أمر ضروري تتطلبه أوضاعنا الآنية؛ بغية العبور الآمن لمرحلة التغيير التي نمر بها. دون تكرار الخطأ الذى وقع فيه الصوماليون بعدما أسقطوا نظام سياد برى في يناير 1991، فساهموا في تفكيك دولتهم وإضعاف سلطات حكوماتهم الانتقالية، بكل ما أوتوا من قوة. ورغم عدم وجود تشابه في أسباب سقوط كلا النظامين، سياد برى وحسنى مبارك، أو في الطريقة التي سقطا بها، فسياد برى سقط بثورة مسلحة، وحسني مبارك سقط بثورة سلمية خالصة، غير أن الأحداث التي تدور عندنا، نحذر من اقترابها من السيناريو الصومالي. بدأت في البداية بالمبالغة في المطالب الفئوية، والانتقال منها للمطالب العائلية والشخصية، ثم الاستجابة للضغوط والإملاءات الدولية بحجة الأزمة الاقتصادية التي نمر بها وحاجتنا للمساعدات، ثم انتقلت لضرب السلطات والمؤسسات الحاكمة، خصوصا الجيش والشرطة. فأوضاعنا التي نمر بها توجب علينا النظر في تجارب الاَخرين والاتعاظ من أخطائهم لتجنبها. فقد استمرت عملية تفكيك كل مفردات السلطة قائمة في الصومال طوال عقدين من الزمن، منذ سنة 1991 حتى سنة 2012. ورغم تباين أسباب ودوافع تفكيك تلك السلطات التي تم انشاؤها خلال تلك الفترة. فمنهم من راَها قد حدثت بفعل عوامل داخلية، ساهمت فيها كل النظم السياسية التي حكمت الصومال منذ 1960وحتى 2011، خصوصاً تلك التي تبنت الاتجاه القبلي عقب سقط نظام سياد برى في يناير1991. ومنهم من رآها قد تمت بتدبير خارجي غربي، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وبمساعدة قوى إقليمية تقودها أثيوبيا. ومنهم من رآها قد حدثت نتيجة انتهاء الحرب الباردة، فحينما كانت هناك حاجة ماسة للصومال في ظل صراع المعسكرين، الشرقي والغربي، حافظوا على بقائها، وحينما انتفت تلك الحاجة، بانهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1990، أجهزوا عليها دون رحمة. ومن ثم فإننا نعرض تجربة إسقاط الدولة في الصومال علنا نتعظ منها جيداً، وندرسها دراسة عميقة حتى لا نكرر الأخطاء التي وقعوا فيها.
ملامح إسقاط السلطة في الصومال: رغم أن القوى الداخلية والإقليمية والدولية قد لعبت دوراً مهماً في تفكيك السلطة في الصومال، غير أننا هنا لا نعني بهذا الأمر، بقدر ما يعنينا ملاح هذا التفكيك على أرض الواقع خلال الفترة من 1991- 2012. ويمكن إجمال تلك الملامح في أحد عشر ملمحاً: الملمح الأول- كثرة الحكومات الانتقالية، كل الحكومات التي عرفتها الصومال خلال العشرين عاماً موضوع التقرير، كانت حكومات انتقالية. وهذا يدل على أن الوضع في الصومال لم يستقر طوال هذه المدة ، فأول حكومة انتقالية تم تشكيلها بعد سقوط نظام سياد بري، وعبر مؤتمر جيبوتى للمصالحة في 15-21 يوليو 1991، جاء على رأسها علي مهدي رئيساً مؤقتا للصومال لمدة عامين، بدأت في 18 أغسطس 1991. ولكن منافسه فارح عيديد اعترض على قرارات المؤتمر، ورفع راية المعارضة بصفته زعيم لأكبر فصيل من فصائل الجيش. فلم تستطع تلك الحكومة ممارسة سلطاتها ، بل إن عيديد نصبته بعض القبائل، سنة 1995، رئيساً. وهو الأمر الذى أبقى الصومال دون حكومة مركزية لفترة طويلة، لدرجة أن مقتل عيديد سنة 1996، لم يجعل الأمور تستقر لتلك الحكومة الانتقالية أبداً.
وثاني هذه الحكومات الانتقالية هي حكومة عبدي قاسم صلاد حسن، التي تولت حكم الصومال سنة 1999، فأوجدت شكل من أشكال السلطة، لكن وقوف أربعة من أمراء الحرب المتمركزين في جنوب الصومال، ورفضهم الاعتراف بها، جعل الوضع غير مستقر حتى عام 2004 . بل لعل الخلافات بين الرئيس قاسم صلاد حسن ورؤساء وزراء حكومته الانتقالية، على خليف جلير، وحسن أبشر، يشير إلى عدم قدرة تلك الحكومة على بناء سلطة موحدة وغير متنافسة.لذا لم تستطع حكومته أن تسيطر من الصومال، اللهم إلا ربع مساحة مقديشيو. وثالث هذه الحكومات الانتقالية هي حكومة الرئيس عبدالله يوسف. وخروج هذه الحكومة بشكل متعثر، باستمرار عقد مؤتمر الدوريت بنيروبى على مراحل منذ اكتوبر 2002 حتى يوليو 2003، يشى بالمشاكل التي واجهتها هذه الحكومة، وأول هذه المشاكل هو أن الاتفاق تضمن تشكيل حكومة فيدرالية انتقالية ، وثاني هذه المشاكل، جاءت حينما تولى محمد على جيدى رئاسة الوزراء لحكومة مكونة من 40 وزيراً. ناهيك عن توتر العلاقات بين رئيس الوزراء والرئيس عبدالله يوسف، حتى بعد إقالته له، فشلت العلاقة بين الرئيس ورئيس وزراءه الجديد نور حسن حسين. وثالث هذه المشاكل، أن اتخاذها لبيدواة، تقع على بعد 250 كيلومتراً شمال غرب مقديشيو، عاصمة للبلاد بدلاً من مقديشيو، يشير إلى حالة الضعف التي تعانيها تلك الحكومة. ورابع هذه المشاكل، تمثلت في سيطرة اتحاد المحاكم الاسلامية منذ بداية سنة 2006، على معظم أنحاء الصومال بما فيها مقديشيو. وخامس هذه المشاكل، تشكلها من زعماء حرب، لا يبحثون عن مصالح الشعب، بقدر ما يبحثون عن مصالحهم الذاتية. وسادس المشاكل، أنها ليست منتخبة من الشعب بل مشكلة على ضوء توازنات قبلية، ولدور اثيوبيا في استبعاد الاسلاميين والتكنوقراط. وسابع مشاكلها، تقوقعها في مدينة بيداوه، وعدم سيطرتها على معظم البلاد. فهي ضيفة على القبائل المحلية وأمراء الحرب فيها. ورغم أن هذه الحكومة حاولت، بشهادة منظمة المؤتمر الإسلامي في يونيو 2006، بناء السلطات الثلاث، إلا أن المشاكل السابقة أدت الى الاحتلال الاثيوبى للصومال. ورابع الحكومات الانتقالية هي حكومة الشيخ شريف شيخ أحمد. حيث بدأت المفاوضات حول تشكيلها منذ مايو 2008، بين تحالف إعادة تحرير الصومال. وحكومة عبدالله يوسف. وبدأت هذه الحكومة أعمالها فى يناير 2009. وحظيت تلك الحكومة بدعم محلى كبير. لكن الصراعات الداخلية أدت إلى فشلها في أداء مهامها الأمنية والسياسية والاقتصادية والخدماتية الموكولة إليها حتى نهاية 2010. فبعد تولِّي الشيخ شريف شيخ أحمد رئاسة الصومال، كلّف عمر عبد الرشيد شرمأركي برئاسة الحكومة الصومالية، لكن حكومته بعد مرور عام على توليها السلطة، لم تستطع تحسين الأوضاع الأمنية والسياسية والإنسانية، بتصعيد المعارضة الإسلامية لهجماتها على المقار الحكومية، فاشتد النـزاع بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء شرمأركي، حتى أصاب مؤسسات الدولة بالشلل التام، واضطر إلى تقديم استقالته في 21 سبتمبر 2010. فكلف الشيخ شريف الدبلوماسي الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، لرئاسة الحكومة في 14/10/2010 . ومن ثم خلص البعض للقول بأن جميع الحكومات الانتقالية منذ 1991 وحتى 2010، قد شكلت جميعها خارج الصومال، لذا فإنها لم تستطع أن تعمر طويلاً فقط ، بل فشلت فى تجاوز المرحلة الانتقالية. فلم تضع أي منها دستوراً دائماً للبلاد، ولم تنظم انتخابات حرة ونزيهة، تشكّل بموجبها حكومة صومالية دائمة. ناهيك عن أن تسميتها حكومات انتقالية يدلل على عدم استقرار الحكم وبقاء السلطة فى الصومال مفككة. الملمح الثاني- انهيار وظائف الدولة الإدارية؛ يعد حديث بطرس غالى فى مذكراته " 5 سنوات فى بيت من زجاج"، حديثاً مهماً حول هذه المسألة. فقد أشار إلى أن عام 1991 هو عام القتل المستمر بين الفصائل المختلفة. حيث تحولت الصومال إلى كتل متناثرة فى غيبة حكومة مركزية. وانقطع التيار الكهربائى، واختفت سلطات الحكم المحلى. وبحلول سنة 1992 كان الصومال قد أصبح دولة متدهورة، وعاد إلى وضع ما قبل الدولة. وأصبحت حرب الجميع ضد الجميع. فقد أدى اندلاع الحرب الاهلية في الصومال إلى انهيار وظائف الدولة المالية والثقافية والاجتماعية والادارية ، وانهيار كامل لكل مؤسساتها وأبنيتها وعودتها الى وضع ما قبل الاستقلال، شمال وجنوب. بل إن نشوب خلاف بين أجهزة السلطة الانتقالية، يشير إشارة واضحة لهذا الانهيار الإداري للأجهزة التي جرت محاولات لتشكيلها. فبعد سقوط برى اختفت مؤسسات الحكم، لكن حينما جرت محاولات لإقامتها، حدث صراع بين أجهزة الدولة، بين رئيس الجمهورية ورؤساء الوزراء مثلما حدث منذ فترة قاسم صلاد حسن وحتى الشيخ شريف شيخ أحمد. فقد تصارعوا جميعاً مع رؤساء وزرائهم. ناهيك عن صراعهم مع رؤساء البرلمانات الانتقالية. ومع غياب السلطة المركزية تولت جماعة التجار إصدار جوازات السفر الصومالية. بل لم تستطع السلطة الموجودة سنة 2001، الدفاع عن المنظمات الخيرية الملاحقة بتهمة الارهاب. بل إن بعض الشخصيات وظفت تلك التهمة في خدمة مصالحها. مثلما فعل عبدالله يوسف مع جامع على جامع في بونت لاند سنة 2002. ومثلما فعل حسين عيديد، تولى التحالف الوطني الصومالي بعد مقتل ابيه 1996، ضد الاتحاد الإسلامي في أحداث ممبسة الكينية في ديسمبر 2002. رغم أن كينيا البلد الذى وقع فيه الحادث، لم توجه للاتحاد هذه التهمة. هذا ناهيك عن أن الحروب الاهلية في نهاية 2002 قد تسببت في زيادة في أعداد اللاجئين في اليمن. وفى جيبوتى. بل أدى غياب السلطة في الصومال إلى حدوث أعمال القرصنة البحرية، مع أنها تجرى تحت سمع وبصر مختلف القوى الدولية والإقليمية . بل إن الحكومات الصومالية، حتى 2010، ظلت عاجزة عن توفير رواتب قواتها وموظفيها. لأن غياب الأمن وعدم الاستقرار وقف حاجزاً أمام الاستثمار في أي قطاع اقتصادي من شأنه أن يُمَكِّنَ الحكومة من الحصول على موارد وإيرادات ثابتة. ناهيك عن عدم قدرة تلك الحكومات على مناقشة الوجود غير الشرعي للقوات الغربية في أراضي ومياه الصومال. الملمح الثالث، انهيار المؤسسات التعليمية، بتفكيك السلطة انهارت المؤسسة التعليمية. وبانهيارها لوحظ أن من يحملون الأسلحة سنة 2010، هم من مواليد بداية التسعينات، أي الذين لم يتعلموا. وأرجع البعض هروب المتعلمين والمثقفين إلى الخارج إلى عمل ممنهج ومنظم من قبل قوى إقليمية ودولية وعصابات صومالية، هدفها تطهير الصومال من كل المثقفين والمتعلمين. بل لم يؤد قيام الحرب الأهلية وتفكيك السلطة إلى إغلاق المدارس أبوابها فقط. بل كان استمرار عدم الاستقرار طوال الفترة من 1991-2010 قد أدى إلى عدم القدرة على انشاء مدارس جديدة من الأساس. الملمح الرابع- انهيار مؤسسة الشرطة؛ فبعد سقوط نظام برى، واصلت الميليشيات تفكيك مؤسسات الدولة، فانهار جهاز الشرطة. فأدى هذا إلى تدمير البنية التحتية للاقتصاد الصومالي ونهب الممتلكات العامة والشخصية. وأدى تفرق قوات الشرطة إلى فرار المساجين، وحدوث تفتيت لأجهزة الضبط والربط. وبانتشار السلاح، رغم حظره من قبل مجلس الأمن منذ سنة1992، في يد الفصائل والمليشيات الصومالية، بتهريبه عبر الدول المجاورة، فشلت السلطات المشكلة في المحافظة على الأمن والاستقرار الداخلي عبر الصومال. بل إن اتهام الرئيس الانتقالي قاسم صلاد حسن في ديسمبر 2003 لأثيوبيا بتوريد السلاح لأمراء الحرب، يشى بأن الدول المجاورة قد لعبت دوراً مهماً في بقاء السلطة مفككة هناك، وضمان تقسيمها إلى كانتونات قبلية متناحرة. وتشديد الرئيس عبد الله يوسف سنة 2005، بوجوب وضع جميع الأسلحة في يد الحكومة، كان هدفه الرئيسي هو إعادة تكوين جهاز شرطة، يحافظ على الأمن الداخلي .ومع ذلك فشلت محاولته. وحينما جرت محاولات من قبل المحاكم الإسلامية، منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، لتشكيل قوات أمنية هدفها الوقوف في وجه الجرائم وملء الفراغ القانوني والأمني الناتج عن غياب الدولة المركزية، وجهت لها بعض الدوائر الغربية، الأميركية والأوروبية، تهمة الإرهاب. ورغم ذلك دخلت المحاكم في صراع مع أمراء الحرب، انتهى بفرضها للأمن والاستقرار سنة 2006 ، غير أن الاحتلال الاثيوبي أوقف هذه المحاولة لخلق جهاز أمنى داخل الصومال. ويعد فشل حكومتي صلاد حسن وعبدالله يوسف، في تشكيل جهاز أمن داخلي له تأثير في الصومال، ليس فقط لحاجة هذا الجهاز لجهود جباره لإرجاعه من جديد، بل لدور القوى الخارجية في استمرار عدم وجوده. ورغم وجود قائد للشرطة في عهد حكومة عبدالله يوسف، هو عبدي حسن عوالي (قيبديد) ، الا أن وجود ميليشات داخلها، قَادَهُ لأن يصبح أميراً من أمراء الحرب. وظل كذلك حتى سيطرت قوات الدراويش (الاسم الذى يطلق على قوات المحاكم الاسلامية) على مليشياته سنة 2008. وجرت محاولة إصلاح للأجهزة الأمنية وقوات الشرطة، باختيار علي مدوبي خلفاً لقيبديد.غير أن الأجهزة الأمنية للحكومة الصومالية ما زالت تعاني من ضعف كبير، سواء من ناحية القدرة على إعادة الأمن، أو السيطرة على البلد، أو المحافظة على دفع رواتب الأفراد الشهرية، أو رفع معنوياتهم الدينية والوطنية وطرد إدارتهم السيئة. لذا تعاقدت حكومة الشيخ شريف مع شركة أمريكية تعمل في قطاع الأمن، تُدعى «Corporate Security Solutions, Inc. (CSSI ، لتوفير الحماية للمسؤولين والمؤسسات الحكومية من خطر الإرهاب، وأيضاً لمكافحة القراصنة. وبموجب هذا العقد تقوم الشركة، بتوفير الأمن الشخصي للمسؤولين الحكوميين، وكذلك أمن المواكب الحكومية التي تتنقل ما بين المقرات الحكومية داخل العاصمة مقديشو، إلى جانب تقديم خدمات واستشارات أمنية، وتدريب قوات الأمن الصومالية. ويعتبرها المسئولين الصوماليين، بأنها ستكون، بخبرتها، رصيداً قيماً للحكومة الصومالية في جهودها الرامية إلى إنشاء دولة صومالية مأمونة وآمنة لمواطنيها. الملمح الخامس- انهيار المؤسسات الاقتصادية؛ فقد انهارت كل المؤسسات الحيوية بسياسة التأميم العشوائي، وعدم الكفاءة في إدارتها بعد التأميم. وأدى انهيار النظام المصرفي والضرائبي، مع انقطاع المساعدات الأجنبية، إلى انهيار كل الخدمات العامة، وكل وظائف الدولة. ناهيك عن أن القدرة الاقتصادية المتفوقة للجنوب عن الشمال الصومالي في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية، تغيرت لصالح الشمال بعد سقوط نظام سياد برى. بل لم تستطع الدولة فى الجنوب توفير الطعام لسكانها. وصارت الميلشيات المتصارعة تتقاتل على الأغذية والمكانة والأرض. الملمح السادس- تعدد الجيوش، حينما سقط نظام سياد برى تبخر الجيش الصومالي تماماً. ولم يبق على أرض الصومال إلا جيش المؤتمر الصومالي الموحد، يضم قوات من حركات سياسية مختلفة. لكن حينما أُعلَِن علي مهدي رئيساً مؤقتاً للبلاد، بدأ النزاع على السلطة سنة 1991، فانقسمت تلك القوات إلى قسمين: قسم يترأسه اللواء محمد فارح عيديد. وقسم اَخر بقيادة على مهدى. فى حين ظلت هناك ميليشيات تابعة لقبيلة الدارود، تدافع عن نفسها بحكم انتماء سياد برى لها. وانسحبت قوات الحركة القومية الصومالية سنة 1991 من القوات الرئيسية التي حاربت نظام سياد برى، وكونت جيشاً مستقلاً لما سمى بجمهورية أرض الصومال. وانسحبت كذلك قوات الجبهة الصومالية للخلاص الوطني، بقيادة عبدالله يوسف، وكونت جيشاً مستقلاً لما سمى بدولة أرض بونت لاند سنة 1998. ناهيك عن أن انقسام المؤتمر الوطني الصومالي إلى جيشين متقاتلين، قد أدى الى انقسام أكثر، باستقلال الحركات سياسية عن المؤتمر، وتكوين جيوش خاصة بها. وهو الأمر الذى أدى إلى بروز ما عرف في تاريخ الصومال المعاصر بأمراء الحرب. ولم تستطع الحكومات الانتقالية، بما فيها محاولات حكومتي صلاد حسن وعبدالله يوسف، تكوين جيش وطني له تأثير فعال في دولة الصومال. وهو الأمر الذى أدى إلى تعدد الجيوش الموجودة على أرض الدولة الواحدة. وظل أمر عدم وجود جيش مركزي قائماً، حتى بعد انتخاب الشيخ شريف شيخ أحمد رئيساً لها في يناير 2009. وحتى 2012 بقيت هناك جيوشاً ستة، تتنازع هذا الجزء الجنوبى من الصومال: أولها، المليشيات التابعة للمحاكم الإسلامية، أو ما يسمى بقوات الدراويش. ثانيها، القوات الحكومية المشكلة في فترة حكومة عبدالله يوسف. ثالثها، القوات التابعة للجنرال عبدي حسن عوالي (قيبديد). رابعها، القوات التي استطاع الشيخ شريف تكوينها بمساعدة القبائل. خامسها، قوات حركة شباب المجاهدين. سادسها، قوات تنظيم أهل السنة والجماعة. والملاحظ أن الشيخ شريف شيخ أحمد قد فشل فى توحيد الجيوش الأربعة الأولى في جيش واحد، لمواجهة قوات حركة شباب المجاهدين وتنظيم أهل السنة والجماعة. مما جعل نظامه مضطراً للاعتماد على القوات الإفريقية في تلك المواجهة. بل حتى 2012، لم يستطع أن يحرر حتى العاصمة مقديشو، من قبضة تلك القوات. ونخلص من ذلك بأن وجود ثمانية جيوش على أرض دولة واحدة، ستة منها موجودة داخل الصومال الجنوبي، وسابع خاص بجمهورية أرض الصومال، وثامن خاص بأرض البونت لاند، يدلل دلالة واضحة على عدم قدرة أي سلطة تنفيذية باتخاذ القرار الفصل في أمر الدولة. لأنه من ضمن وجود شروط الدولة القدرة على فرض سلطاتها على مواطنيها. الملمح السابع- تعدد الدساتير؛ حينما سقط نظام سياد برى سقط معه الدستور القائم، فقرر مؤتمر جيبوتى للمصالحة (يوليو 1991)، العمل مؤقتا بدستور 1961، لمدة لا تزيد عن عامين. وبعدما استقلت جمهورية أرض الصومال عن الدولة الأم سنة 1991 ظلت بلا دستور حتى سنة 1994. حين تبنت الحركة القومية الصومالية ممارسات دستورية تتضمن تداول السلطة والمشاركة الانتخابية، إلى أن استطاعت انشاء دستور مستقل بها. في حين أن دولة بونت لاند تبنت دستوراً جديداً منذ استقلالها سنة 1998، نص على أنها جزء لا يتجزأ من دولة الصومال. إذاً، نحن أما ثلاث دساتير تحكم ما كان يعرف بدولة الصومال. ورغم وجود دستور تبناه الصومال الجنوبي سنة 1991 لمدة عامين، ريثما تتفق فصائل المعارضة على دستور جديد، إلا أن هذا لم يتم . حيث ظهرت دساتير انتقالية متعددة مع كل حكومة انتقالية جديدة، بدءاً من سنة 2000 حتى 2010. فمؤتمر جيبوتي سنة 2000، نتج عنه وثيقة "دستور مؤقت"، شكلت القاعدة الرئيسية لحكم الرئيس عبدي قاسم صلاد. واستمر هذا الدستور المؤقت حتى عام 2004. ورغم المشاكل التي برزت خلال عمل دستور انتقالي جديد، في مؤتمر نيروبي في يوليو 2003 ، إلا أن ذات المؤتمر أقر في أكتوبر 2004، ما يعرف بالدستور الفيدرالي لدولة الصومال. ولم يتم تغيير هذا الدستور حينما تسلم الشيخ شريف السلطة في الصومال، بل أجريت تعديلات عليه تسمح له بالحكم. لهذا يعترض كثير من الصوماليين على حكومته بأنها لم تستطع كتابة دستور رسمي معتمد لدى الأوساط الشعبية الصومالية عبر استفتاء شعبي. بل جرت خلافات حادة بين الشيخ شريف وبين رئيس وزرائه عمر عبد الرشيد شرمأركي، حول مسودة دستور، أدت الى الاطاحة برئيس الوزراء. لهذا تم تعيين مدوبي نونو في نهاية فبراير 2010 ليكون وزيراً للدستور. فشكل لجنة خبراء في أحكام الشريعة الإسلامية، لتتعاون مع اللجنة الدستورية في البرلمان الانتقالي، تمهيدا لصياغة دستور جديد للبلاد. ووفقا للميثاق الانتقالي الصومالي المعمول به حتى 2012 ، الذى ينص على أن تكون الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي لسن القوانين المعمولة بها في البلاد، فإن على الحكومة صياغة دستور جديد، يتم طرحه بعد ذلك لاستفتاء شعبي قبل الانتخابات المقرر إجراؤها قبل انتهاء الفترة الانتقالية للحكومة الحالية عام 2011. لهذا نخلص الى نتيجتين: أولهما، أن جميع الحكومات الانتقالية الصومالية منذ عبدى قاسم صلاد حسن حتى الشيخ شريف شيخ أحمد، لم تفلح في تجاوز المرحلة الانتقالية، وتضع دستوراً دائماً للبلاد. ثانيهما، تعدد الدساتير التي تحكم الصومال، بل هنك دساتير دائمة تحكم جمهوريتى أرض الصومال وبونت لاند، ودساتير انتقالية تحكم دولة الصومال الجنوبي. الملمح الثامن- تعدد السلطات التشريعية والبرلمانات الانتقالية؛ تعددت السلطات التشريعية في الصومال بتعدد البرلمانات الانتقالية. ورغم انهيار السلطة التشريعية في الصومال بانهيار نظام سياد برى سنة 1991، إلا أن جمهورية أرض الصومال قد اعتمدت على قوانين عرفية حتى سنة 1994. حينما تشكل أول برلمان خاص بها، مكون من 150 عضواً. وكذلك الأمر حدث فى دولة البونت لاند. أما في الدولة الأم، فقد بدأت سلسلة من البرلمانات الانتقالية: أولها البرلمان الانتقالي الذى انتخب سنة 2000 . ثانيها البرلمان الانتقالي الذى اتفق عليه في مؤتمر نيروبي في نهاية 2003، والذى يتكون من 351 عضواً.وذكر البعض بأنه يتكون من 275نائباً، مختارين من قبل شيوخ القبائل وزعماء المليشيات. وهو البرلمان الذى افتتح في كينيا في أغسطس 2004، ومدته خمس سنوات ، وظل يعقد جلساته في نيروبي منذ 2004 إلى أن انتقل إلى مدينة بيدوا فى فبراير 2006. وهو الذى تولى رئيسه منصب رئيس الجمهورية على إثر استقالة عبدالله يوسف من رئاسة الصومال، حتى عشية انتخاب الشيخ شريف رئيسا فى 30 يناير 2009. ثالثها، البرلمان الانتقالي الذى تشكل في ظل رئاسة الشيخ شريف شيخ أحمد، حيث تم توسيع عضويته لتصل إلى550 نائباً. وهو البرلمان الذى اعترض على المرسوم الرئاسي الذى أصدره رئيس بونت لاند، عبد الرحمن فرولي، في فبراير 2010، يكلّف فيه وزراء وأكاديميين بإنشاء عَلَم خاص ونشيد وطني لدولة بونت لاند، معتبراً هذه الخطوة بانها تصب في مشروع الانفصال. وهو البرلمان الذى حدث خلاف بين رئيسه، شيخ آدم مدوبي، ورئيس الحكومة عمر عبد الرشيد. وبالتعاون بينه وبين الرئيس شيخ شريف أجبر حكومة عمر عبد الرشيد على الاستقالة في 21 سبتمبر 2010. ورغم أن تلك البرلمانات الانتقالية كان من مهامها الموافقة على الحكومات الانتقالية، إلا أن مدتها كانت مقيدة بمدة تلك الحكومات. ومن ثم نخلص إلى نتيجة هامة؛ بأن السلطة التشريعية أصبحت متعددة، ليس بتعدد البرلمانات الانتقالية فقط، ولكن بعدد مؤسساتها فى ثلاث دول داخل الدولة الواحدة؛ الصومال الجنوبى وبونت لاند وأرض الصومال. الملمح التاسع- مشكلة التمثيل الدبلوماسي؛ نتج عن نشوب الحرب الأهلية في الصومال منذ سنة 1991، ذهاب الدولة المركزية، وغيابها عن الحضور الإقليمي والدولي. وبالتالي لم يعد للسفارات الخارجية للصومال وجود، أو دور يذكر في ترتيب أوضاع المغتربين في أنحاء العالم. وغاب الصومال عن جميع الهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية؛ كالأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية وغيرها. وهذا يعني غياب قضاياه وهمومه وممثليه الشرعيين في هذه المؤسسات. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل انقسم الصومال نفسه إلى عدة اقسام، سعى كل قسم للاعتراف الدولي به. مثلما فعلت جمهورية أرض الصومال التي ظهرت منذ 1991، لكنها فشلت، بإقرار رئيسها في أواخر تسعينيات القرن العشرين، في الحصول على الاعتراف الدولي بها . كذلك الأمر حدث مع بونت لاند، التي استقلت سنة 1998، لكن بفشلها في الحصول على الاعتراف الدولي، اضطرت للقبول – حسب ما ينص دستورها- بأنها جزء لا يتجزأ من دولة الصومال. ومع أن جمهورية "أرض الصومال"، ظلت تسعى للحصول على الاعتراف الدولي بها، لكن دون جدوى، لذا لجئوا في سنة 2001 الى اجراء استفتاء شعبي، كرس الانفصال المطلق. فعملت على تأسيس حكومة وبرلمان وجيش، كما أصدرت جواز سفر لسكانها منذ سبتمبر 2000. ورغم أن الاعتراف الدولي ظل مقصوراً على الصومالي الجنوبي، باعتباره ممثلا للصومال ككل، إلا أن أهم المشاكل التي واجهته، هى مشكلة التمثيل الدبلوماسي. فباستثناء احتفاظ الصومال بسفارتين مفتوحتين في مصر وليبيا، لم يوجد تمثيل دبلوماسي خارج الصومال منذ انهيار الحكومة المركزية سنة 1991. ويبدو أن هذا الأمر استمر حتى تشكيل حكومة قاسم صلاد حسن، حيث تبادلت الصومال سنة 2002، إضافة إلى مصر وليبيا، العلاقات الدبلوماسية مع اريتريا. واعتمدت الصومال في ديسمبر 2009 سفيراً جديداً لها في ليبيا وتجمع دول الساحل والصحراء ( س –ص). وكذلك الأمر حدث مع السودان في بداية 2011، ومع كينيا. وفي السنين الأخيرة أصبح للصومال تمثيل دبلوماسى في دول الخليج: في قطر، وفى الإمارات، وفى السعودية، وفى الكويت، وفى عمان، وفى البحرين، وفى الجمعية العامة للأمم المتحدة. الملمح العاشر- الدويلات المنفصلة، أخطر شكل من أشكال تفكيك السلطة في الصومال هو هو تفكيك الدولة الصومالية إلى عدة دويلات: أولها، جمهورية أرض الصومال، فقد أعلنت الحركة القومية الصومالية فى 17 مايو1991، قيام جمهورية أرض الصومال، وعاصمتها هرجيسا. وأعلنت أول حكومة إقليمية هناك بقيادة عبد الرحمن نو. في الفترة من 1991-1993 ، ثم تولى بعده محمد إبراهيم عقال في الفترة من 1993-2002، ثم تلاه طاهر ريالى كاهن، الذى فاز بأول انتخابات رئاسية، في الفترة من 2003 حتى الاَن. وكانت جمهورية أرض الصومال، بحلول عام 1994، قد أحدثت تغييراً في التمثيل النسبي في البرلمان. وما عانته تلك الدولة الوليدة منذ تأسيسها وحتى نهاية فترة البحث، هو عدم الاعتراف الدولي بها. ومن ثم فإن استكمالها لكل ملامح الدولة، من صدور جواز سفر خاص بسكانها، منذ سبتمبر 2000، ومن وجود حكومة وبرلمان منتخب، وجيش وشرطة، ومؤسسات، لم يشفع لها فى الانفصال النهائي والكامل عن الصومال. ومن هذا المنطلق، حسب ما اشارت به جريدة الحياة في فبراير 2002، عانت، منذ انفصالها في سنة 1991، من صعوبات كثيرة في الحياة، وفى الغذاء، وفى التعليم، وفى الصحة، ومن القلاقل التي صدرتها جمهورية بونت لاند، ومن رفضها لحضور مؤتمرات المصالحة، وإصرارها على أنها جمهورية مستقلة ذات سيادة، ولا علاقة لها بما يجرى فى الصومال. ومع ذلك حققت هذه الدولة استقراراً سياسياً وأمنياً بالمقارنة مع بقية المناطق الصومالية. لذا فان خيار أهلها، ومنذ استفتاء مايو 2001، يؤيد الانفصال عن بقية الصومال على طول الخط. ورغم أن جمهورية أرض الصومال، نشأت للحيلولة دون حدوث حروب قبيلة، وعزل سكانها عن الصراعات القائمة في بقية الصومال، إلا أنها فشلت، رغم مرور عقدين على انفصالها، فى الحصول على اعتراف دولي أو تمثيل يعتد به لدى دول الجوار. ثانيها، جمهورية بونت لاند؛ وأهم قبائله، قبيلة المجيرتين. وظهرت تلك الدولة حينما دعمت الولايات المتحدة الامريكية واثيوبيا عبد الله يوسف بالمال والسلاح لترويج المشروع الانفصال داخل الصومال. وهو الأمر الذى حفزه على إعلان استقلال منطقة الشمال الشرقي للصومال تحت مسمة جمهورية بونت لاند ، وعاصمتها "جروي، في أغسطس 1998. وترأسها بعده جامع على جامع، الذى اختير فى مؤتمر عرتا جيبوتى في اغسطس 2000. ثم تلاه يوسف حجي تور ثم جمعة علي جمعة ، ثم عبدالله محمد فرولى من 2008 حتى الاَن. وتمتعت جمهورية بونت لاند الوليدة بالاستقرار السياسي، حيث استطاعت الجبهة الديمقراطية لخلاص الصومال، بقيادة الجنرال عبدالله يوسف، فى إحكام السيطرة عليها. بل حافظت على تأمين حدودها الجنوبية. لهذا لم تعلن الجبهة انفصالاً عن باقي الصومال، بل أكدت أن إدارتها تقوم بتسيير الأمور في الإقليم لحين انتهاء الحروب وعودة الجمهورية التي انهارت عام 1991. وشارك ممثلوها في جميع مؤتمرات المصالحة التي سعت؛ لإعادة الدولة الصومالية للحياة السياسية. وجرت عدة محاولات، منذ عام 2002، لإعادتها للدولة الأم. واستمرت العلاقات قوية بين اثيوبيا وبونت لاند، بل تزايدت منذ سبتمبر 2003. وهى التى أوصلت رئيس بونت لاند عبدالله يوسف إلى سدة الحكم فى الصومال سنة 2004. بل إن المحاكم الاسلامية سيطرت عام 2006 على كل أنحاء الصومال عدا بونت لاند، بفضل دعم اثيوبيا. ولما لم تستطع الجمهورية الوليدة الحصول على الاعتراف الدولي، أعلنت أنها جزء من دولة الصومال، لكنها فضلت الخيار الفيدرالى، كسبيل لحل المعضلة الصومالية. مع أن الظروف الاقتصادية لسكانها جعلتها منطلقاً لعمليات القرصنة البحرية، التي اشتد عودها منذ 2008. وبرزت الخلافات بين دولة بونت لاند، ذات الحكم شبه الذاتي، وبين الحكومة الانتقالية الصومالية بقيادة الشيخ شريف حول حصَّة بونت لاند من المنح الدولية للصومال. ورغم زيارة رئيس الوزراء الصومالي عمر عبد الرشيد شارماركي لبونت لاند لحل تلك الخلافات، غير أن الاجراءات التي اتخذتها بونت، بإصدار رئيسها عبد الرحمن فرولي مرسوماً رئاسياً بإنشاء عَلَم خاص ونشيد وطني لها، يصب في اتجاها، منذ 2010، نحو الانفصال. وهو الأمر الذى ترتب عليه رفض البرلمان الصومالي لتلك الاجراءات. بل تطور الوضع للأسوأ في 16 يناير 2011 . حيث أعلنت حكومة بونت لاند عن قطع جميع روابطها بالحكومة الفيدرالية في مقديشو. وأصدرت بياناً صحفياً في 22 يناير 2011، تمنع فيه جميع من له صلة بحكومة مقديشو ، من البقاء على أراضيها. وأصدرت قراراً بفك الارتباط السياسي وكافة أشكال التعاون معها. مما دفع الحكومة الفيدرالية بمقديشيو إلى إتهام إدارة بونت لاند بالتفريق بين الشعب الصومالي، ومحاولة تكرار التجربة الانفصالية في شمال غرب الصومال. ثالثها، جوبالاند وشبيلى الوسطى، جرت عدة محاولات، عقب انهيار محادثات السلام بالقاهرة، لإقامة حكومة "جوبا لاند". بل تصاعدت ظاهرة الدويلات المنفصلة بمحاولة استقلال إقليم شبيلى الوسطى. رابعها، كيان جنوب غربي الصومال؛ أغلب سكان الإقليم من قبيلة الرحانوين، وقد أعلن انفصاله في أبريل 2002 ، تحت قيادة العقيد حسن محمد نور "شاتي جدود"، مدعوماً عسكرياً وسياسياً من اثيوبيا، متخذاً من بيداوا عاصمة له. خامسها، كيان جالكعيو؛ فقد أعلن عن انفصال منطقة جالكعيو الواقعة شمال شرقي الصومال في أكتوبر 2002 . وسكانه من قبيلتي الهويه والدارود. وقد أقام الكيان الجديد، علاقات دبلوماسية مع إدارة بونت لاند. سادسها، جيب بوصاصو، فقد استطاع هذا الجيب المنشق عن بونت لاند أن يختطف ميناء ومطار بوصاصو. وحسب أحاديث مسئوليه، بأن غياب الأمن فى مقديشيو، هو الذى دفعهم إلى إعلان الحكم الذاتي وإدارة شئونهم بأنفسهم. الملمح الحادي عشر- اعتبار الصومال أنموذج عالمي للدولة الفاشلة، وضعت الصومال كأنموذج للدولة الفاشلة، حينما وضعها المفكر الأمريكي نعوم تشو مسكي، في كتابه :“الدول الفاشلة”، على رأس قائمة الدول الفاشلة. وحينما وضعتها مجلة Foreign Policy على رأس قائمة الدول الضعيفة. وحيما احتلت، في مجمل الدراسات الدولية لمعرفة الدول الفاشلة والمرشحة للفشل لسنة 2008، صدارة القائمة الدولية التى تضم 177 دولة، برصيد 114.2 نقطة. وجاء اختيار الصومال على رأس قائمة الدول الفاشلة، لأنها مقسمة بين القبائل، وأن دور الدولة فيها قد اختفى ولم يعد له أي أثر يذكر، وأن كل النماذج أو المؤشرات للدولة الفاشلة تحققت فيها؛ سواءً المؤشرات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية وسوء التوزيع للفرص العامة على المواطنين، من معيار الكفاءة والأصلح ، ثم الحركة السلبية للهجرات واللجوء، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والميراث العدائي بين القبائل والأعراق، والطوائف، وغياب التنمية، ومستوى الفقر المنتشر، وانعدام المساواة، وفقدان شرعية الدولة، وغياب القانون, وتدخل دول خارجية في شئونها، بما في ذلك التدخلات العسكرية. خلاصة القول : خلاصة تجربة الصومال تقول بأن وجود السلطة، بكافة أشكالها التنفيذية والتشريعية والقضائية، كان قائماً في الصومال حتى سنة 1990. وأن عدم وجود مشروع سياسي لدى أحزاب المعارضة، التي قادت المعركة لإسقاط نظام برى، يعبر عن شكل السلطة والدولة التي يبغونها، هو الذى تسبب في الجهل ببديهيات تكوين السلطة الجديدة. فالأخطاء التي ارتكبتها القبائل الصومالية، في عدم قدرتها على هذا البناء للسلطة بعد هدمها، وسعيها، حين تحولت إلى أحزاب سياسية، وفرضت نفوذ أبناءها في لعبة توزيع الثروة والنفوذ والمناصب، قد ساهم في استمرار تفكيك السلطة وتقويض أركان الدولة طوال الفترة من 1991-2012. ناهيك عن الدور الذى لعبته القوى الاقليمية، خصوصا أثيوبيا وكينيا، في هدم السلطة القائمة هناك، واستمرار هذا الدور في تفكيك أي سلطة يتم الاتفاق عليها حتى 2012. فكما عملت اثيوبيا على هدم نظام برى سنة 1991، عملت أيضاً ، على إبقاء الصومال مفتتاً ومنقسماً. عبر الأجندة القبلية، وعبر التدخل العسكري، وفى صياغة الدستور، وفرض مشروع التقسيم لعدة دول، بمباركة دولية، وبمساعدة كينية، وبارتباك في المواقف العربية. ومن المؤكد أن عملية التنسيق الإقليمي والدولي في إنجاح مخطط تفكيك السلطة في الصومال كان له دور مهم في هذا الأمر. ففي العقد الأول من الأزمة؛ قسمت القوى الاقليمية والدولية نفسها لفريقين، راح كل فريق يقدم دعمه لأحد جبهتي القتال، جبهة على مهدى أو جبهة فارح عيديد وابنه حسين عيديد من بعده. وبذا ضمنت تلك القوى بقاء الصومال مفتتاً ومفككاً. بحيث لم تستطع أى قوة محلية أن تفرض نفسها، وتلزم القوى المنافسة بالخضوع لسلطانها. وفى العقد الثاني من الأزمة أخافت الجميع وأرهبتهم بمسألة الارهاب. ففرضت استمرار الانقسام الداخلي، وعدم قيام سلطة دائمة تعيد الأمن والاستقرار داخل الصومال. وثمة نتائج ثلاث نخلص إليها من هذا التقرير: الأولى، أن كثرة الحكومات الانتقالية، وانهيار وظائف الدولة الادارية والاقتصادية، و انهيار المؤسسات التعليمية، وانهيار مؤسسة الشرطة، وتعدد الجيوش والدساتير والسلطات التشريعية والبرلمانات الانتقالية ، وبروز الدويلات المنفصلة، وعدم التمثيل الدبلوماسي المناسب، واعتبارها أنموذج عالمي للدولة الفاشلة، كل ذلك كان أخطاء قاتلة ارتكبها الصوماليون في حق أنفسهم ودولتهم. وسواء كانوا مدفوعين من قبل قوى خارجية لارتكابها، أو تمت بفعلهم، وبما ارتكبته أيديهم، إلا أننا وجب علينا أن نتعلم من دروس تجربتهم القاسية. وأن نتعلم جيداً من دلالاتها وتداعياتها. الثانية، أن نحافظ على السلطات القائمة ونعززها ولا ننهكها كما يحدث الاَن. الثالثة، أن الدرس الأهم بأننا لو فككننا دولتنا فهناك صعوبة حقيقية في بنائها مرة ثانية. فكل المحاولات التي بذلت لإعادة بناء السلطة في الصومال، قد لاقت فشلاً ذريعاً في كل المرات التي أقيمت فيها. ومن ثم فإننا ندعو صناع تلك الحالة من التفكيك، أو الساعون في طريق إسقاط دولتنا الكريمة، لقراءة أخطائهم وتقييم أفعالهم التي ارتكبوها في حق شعبهم، وفي حق دولتهم. حفظ الله بلدنا من كل سوء، وأبقاها حرة أبية قوية شامخة فى وجوه أعداء الخارج والداخل.
التعليقات
|
|