شهادتي بشأن مشاركة الاسلاميين في ثورة 25 ينايرد. أحمد عبدالدايم محمد حسين قبل أن ننطلق في شهادتنا بشأن مشاركة الاسلاميين علينا أن نستعرض مشاركتهم في التظاهرات أولاً، ثم ننطلق منها لاستعراض شهادتنا بشأن تلك المشاركة ، لذا سنقسم الموضوع لثلاثة أقسام : الأول- سياق الدعوة لتظاهرات 25 يناير : بدأت الدعوة للتظاهر يوم 25 يناير 2011 أول ما بدأت على صفحة خالد سعيد على الفيس بوك يوم 14 يناير 2011. وسرعان ما تضامنت معها حركة 6 أبريل ، حينما دعت الشعب المصري إلى تنظيم مظاهرة شعبية حاشدة أمام وزارة الداخلية في ذات اليوم، لإجبار قيادات الشرطة على التوقف عن ممارسات التعذيب التي أدت إلى وفاة العشرات من الأبرياء طوال السنوات الماضية،.وتجاوب معها حتى الخميس السابق للثورة ، الموافق 20 يناير ، أكثر من 60 ألف شخص. وأعلن الكثيرون عن انضمامهم لصفحة " يوم الثورة على التعذيب والفقر والفساد والبطالة، يوم 25 يناير". كما استبدلت أكبر المجموعات والصفحات المصرية على فيس بوك البروفايل الخاص بها بشعار: " 25 يناير هارجع حق بلدي... كلنا فداكي يا مصر". أو غيروا صورهم لتحمل العلم المصري، متضمناً الرقم 25، إشارة إلى اليوم المحدد للحدث. وفي سياق متصل قام نشطاء الجبهة الحرة للتغيير السلمي بالقاهرة بتوزيع ما يقرب من 3000 دعوة في منطقة الشرابية والوايلي وباب الشعرية للمشاركة في الانتفاضة الشعبية في ذلك اليوم، وأعلنت حركة شباب 6أبريل، وحزب الغد، جبهة أيمن نور، وحملتا دعم البرادعي ودعم حمدين صباحي، اشتراكهم في تلك التظاهرات، بالمقابل أعلنت حملة "مبارك أمان مصر" عن جعل 25 يناير عيداً للوفاء والولاء للرئيس مبارك، وتضامنت معها حملة دعم جمال مبارك، و حملة "لا للعصيان المدني". وظهرت أيضاً صفحات أخرى من شباب الحزب الوطني تدعو إلى عدم الاستجابة لدعوة التظاهر، وأطلق بعض المعارضين للتظاهرات دعوات مضادة تحت شعار " لا لثورة 25 يناير.. لا لتخريب مصر". ومن ثم فإن القوى التي دعت لتلك التظاهرات لم تكن جبهة واحدة، بل دعت إليها حوالى 17 قوى وحزباً سياسياً ، بل وقعوا على بيان جماعي تحت شعار " معاً يوم 25 يناير.. حرية.. عدالة..مواطنة " . الثاني- تفاعل الاسلاميين مع ثورة 25 يناير : هناك فصائل من الاسلاميين ظلت طيلة عصر مبارك رافضة لكل أشكال السلطة والحكم، بل رفعت السلاح ضده، وهناك فصائل دارت مع النظام أينما يدور، وهناك فصائل تباين اقترابها وابتعادها طبقا لحساباتها وموازين قوتها، وعلى هذا نستبعد كل ذلك من هذا التحليل، كونه يحتاج الى جهد كبير ومضنى لجمع هذه المواقف التي تصب في كونها مقدمات للثورة، لكن بالرجوع لتاريخ أول دعوة انطلقت في الرابع عشر من يناير 2011 على شبكات التواصل الاجتماعي الفيس بوك، تحدد يوم 25 يناير كموعد لانطلاق تلك المظاهرات، وتزايد تلك الدعوات يوم 21 يناير، يمكن اعتبار أياً من هذين التاريخين هو تاريخ التجاوب مع تلك الدعوات، فشباب الإسلاميين استجابوا لتلك الدعوات على الفور، وأعلنوا تأييدهم لها ، لكن من الصعب تحديد عدد هؤلاء الشباب الذين تبنوا تلك الدعوات من بدايتها، أو تمييز الإسلاميين الذين شاركوا في إطلاقها ، رغم أنهم اتهموا منذ 20 يناير بأنهم هم المحرضون عليها. ورغم هذا فإن حصر كل اتجاهات الاسلاميين منذ هذين التاريخين وحتى تنحى مبارك عن السلطة في الحادي عشر من فبراير 2011، لا يبدو أمرا سهلاً وميسراً، فرغم أن مدة الثورة 18 يوماً فقط، إلا أن أعداد الاسلاميين الكثيرة، وتقسيماتهم المتعددة، تجعل من الصعوبة بمكان متابعة كل ما قالوه، ورصد جميع ما فعلوه بشكل إجمالي، ومن ثم فإننا إذا عزمنا على جمع مواقفهم، ووضعنا تصوراً لوضعها بشكل مستقل عن بقية المواقف، سنجد هناك ست صعوبات تعترض طريقنا. أولها، صعوبة تمييز الاسلاميين عن غيرهم في أرشيف الصور الخاصة بالثورة ، حيث يصعب تمييز صور الاسلاميين المتصدرين لواجهات المشهد، عن تلك الصور التي التقطتهم ضمن النخب والأفراد الكثرين الذين شاركوا في الثورة، وهم على الهامش أو في الخلفية، فلو أخذنا المكتبة الرقمية، وموقعهاwww.iamjan25.com، مثالاً وشاهداً على تلك الصعوبة، لوجدنا أنها تحتوى على أكثر من 4500 صورة ثابتة و3200 مقطع فيديو تخص الثورة، ومن ثم يمكن تصور تلك الصعوبة التي تعترض المهمة. ثانيها، أنه يمكن تمييز مشاركاتهم بشكل كامل في قنواتهم الدينية، كالرحمة والحافظ والناس والحكمة وغيرها، لكن هناك صعوبة في الالمام بكل البرامج والمواقف التي أبدوها عبر القنوات الأخرى، فضلاً عن الشبكات العربية الإخبارية، كالعربية والجزيرة والمستقلة وغيرها من القنوات العربية، والـ CNN و BBC وغيرها من القنوات الغربية والدولية الناطقة بالعربية وغيرها. ثالثها، هناك صعوبة كبيرة في متابعة كل صغيرة وكبيرة لأشكالهم التنظيمية، وقياداتهم، وشيوخهم وأفرادهم على شبكات التواصل الاجتماعي، ناهيك عن صعوبة جمع كل خطبهم وبياناتهم ومواقفهم عبر كافة المحافظات المصرية. رابعها، صعوبة الحصول على كل مناشداتهم وتحريضاتهم وتحذيراتهم، ناهيك عن صعوبة الحصول على الوثائق وأفلام الفيديو الخاصة بهم، وما التقطته الكاميرات الشخصية والموبيلات الفردية عبر كافة الميادين المصرية. خامسها، هناك صعوبة في رصد كل مدونات الإسلاميين على الانترنت، فضلاً عن الصعوبة التي تمثلها أعباء متابعة تعليقاتهم على الفيس بوك وتويتر، وعلى مقالات الصحف المنشورة على الانترنت، ناهيك عن المواقع الاسلامية ورصد كل مواقفها خلال فترة الثورة. سادسها، هناك صعوبة في تمييز أرشيف الإسلاميين داخل أرشيفات الصحافة المصرية والعربية والاجنبية، ناهيك عن صحافة واذاعات وتليفزيونات الانترنت. الثاني : شهادتي بشأن مشاركتهم خلال أيام الثورة : من يتابع صفحتي على الفيس بوك، يكتشف وجود دعوات كثيرة جاءتني منذ الأيام الأولى لانطلاق الدعوة للتظاهرات، تدعوني للنزول يوم 25 وأننى قبلتها جميعاً، لكن أهم هذه الدعوات التي جعلتني حماسياً لتك التظاهرات تحديداً، تلك التي جاءتني يوم 22 يناير 2011. فهي عبارة عن فيديو لشخص كان ضابطاً بأمن الدولة والأمن المركزي، يحشد لمظاهرات 25 يناير، ويحدد أماكن التجمعات الرئيسية. ومع إن هذه الدعوة لا تختلف عن سابقاتها في التنبيه على أن المظاهرات ستكون سلمية وتدعو للتجمع في حشود وأماكن بعينها، إلا أنها تدعو لاستمراريتها وعدم التوقف عنها حتى ترجع حقوق المصريين كاملة، تدعو الناس للحديث خلالها عن الفقر والغلاء والبطالة ولقمة العيش، وأن يرفع المتظاهرون علم مصر دون أي شعار طائفي، وأن يأتي كل واحد منهم بمياه معدنية، وعلم مصر، وجاكت جلد، وجزمة كوتش، ومنديل قماش وساندوتشات تكفيه طيلة اليوم، وأنه ممنوع حمل أي سلاح ، وأن يأتي في الموعد بالدقيقة عبر مائة مكان في القاهرة والجيزة وعواصم المحافظات، وأن كل مظاهرة ستسير مستقلة، وأن الشرطة تخطط لهم مثلما يخططون، لهذا فإن قائد المظاهرة هو فقط الذي لديه الأمر السري ، وأن المظاهرات تسير عبارة عن مجموعات كل مجموعة تتكون من خمسة أفراد، أيديهم متشابكة، والسيدات خلف الرجال. وميزة هذا الفيديو مختلفة عن كل الفيديوهات الأخرى بالنسبة لي، في كون صاحبه قد عمل ضابطاً بالأمن المركزي، وبالتالي فإن خطته مبنية على أساس أن تكون التجمعات في المناطق الشعبية حتى لا يعطى ضباط الامن المركزي الفرصة لفرش تشكيلاتهم، وعدم الإحاطة بالمظاهرة، مستهدفاً أن تكون المظاهرة متحركة لاكتساب عناصر جديدة تنضم اليها، ولعدم تدريب الشرطة على التعامل في المناطق الشعبية، ولعدم قدرتها على محاصرة ميادين مصر كلها، لعدم وجود قوات كافية تضمن سيطرته على الجيزة والقاهرة. فهذه الدعوة أقنعتني أكثر بأن الأمر مدبر بعناية ودقة، وأنه ليس هبة وينتهي الأمر، وإنما تظاهرات مختلفة عن كل سابقاتها، من هذا المنطلق، واسترجاعاً لحجم الظلم الذي وقع علينا كمصريين طيلة عهد مبارك، واقتناعاً بأن اللحظة التي ننتظرها للتخلص منه قد حانت، قررت المشاركة وبقوة. وبخصوص شهادتي بشأن مشاركة الإسلاميين في الثورة أقول: بأنني حينما شاركت في مظاهرات 25 -28 يناير لم يكن في الحسبان أن نميز شخوص الأفراد في الأيام الأولى للثورة ، بحكم أننا كنا من مناطق شتى ولا يعرف بعضنا بعضاً، لكن لا أحد ينكر أن الشخصيات التي شاركت، بحكم سماتها الشخصية وبحكم زيها وسمتها الإسلامي، قد شاركت بقوة في تلك الأيام ، لكنني لم أر من بينها أحداً من الرموز والقيادات لتلك التيارات الاسلامية ، لكن خرج الاسلاميون معنا، كغيرهم، من مسجد الاستقامة بالجيزة يوم 28 يناير، وحدث ما حدث هناك من مواجهات وسط ميدان الجيزة ، لكن استمروا حتى دخول ميدان التحرير. ولا أستطيع أن أحكي كل التفاصيل لكن سآخذ لقطات من بعض مشاركات الإسلاميين في الثورة، ففي مليونية الثلاثاء في الأول من فبراير2011، أعتقد أنه من لم يقر بضخامة الوجود الإسلامي، خصوصا الإخوان المسلمين، فهو جاحد ومزيف للحقيقة، لكنني لم أشهد واقعة الجمل التي حدثت يوم الأربعاء 2 فبراير، بعدما رجعت مع كثيرين لمنزلي ،وتركنا الميدان عقب خطاب مبارك في الاول من فبراير، لكن حينما ذهبت الى الميدان في اليوم التالي شاهدت بأم عيني اسلاميين كثيرين ممن تعرضوا للإصابات في الرأس والجسد، بل استمعت من كثيرين منهم عن حقيقة الأمر، وعن الانجازات التي حقوقها على أرض الميدان جزءاً جزءاً. هنا حدث كذا ..هنا حدث كذا. ونقلوا لي روايات كثيرة عن مجيء بلطجية الحزب الوطني للانقضاض على الاسلاميين الباقين في الميدان، بعدما غادره أغلب المتظاهرين متأثرين بخطاب مبارك في اليوم السابق، وسمعوا بأن الحزب الوطني قد دفع لهؤلاء البلطجية 50 جنية ووجبة ساخنة لإخراجهم منه، بعد سريان الشائعات باحتمالية حل مجلس الشعب. وفي الجمعة التي سميت بجمعة الرحيل التي توافق 4 فبراير 2011 لي صور كثيرة مع الاخوان داخل الميدان خلال صلاة الجمعة وبعدها، ولعلي إذا قلت : إن الاسلاميين بشتى تصنيفاتهم كانوا هم بارود الميدان وشعلته وقوامه الرئيسي، لا أكون مبالغا بالمرة ، فقد جاءوا حشوداً، وتنافست قياداتهم على مخاطبة الجماهير وحثها على الثورة والبقاء في الميدان حتى رحيل النظام. ولا أبالغ إذا قلت بأن الاخوان المسلمين قد تصدروا المشهد في هذه الجمعة عبر الجموع التي حشدوها من محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والمنوفية والفيوم وبنى سويف ، ورأيت بأم عيني تلك الخطابات التي أرسلت لقيادتهم لحشد الجموع في محافظتهم والمجيء بهم للمبيت في الميدان ليلة جمعة الرحيل ، وسمعت هذه القصص من كثيرين منهم داخل الميدان ، وأعتقد أن وجودهم في الميدان في ذلك اليوم بهذا الشكل لم يحدث طوال تاريخ الإخوان. وسمعت من كثيرين منهم أنهم لم يطلبوا قدوم بقية الإخوان من المحافظات التي بها أحداث، كالإسكندرية والسويس والدقهلية وغيرها ، بل سمعت، ورأيت بأم عيني، بأنهم أعدوا لتلك اللقطة الحاشدة جيداً، فالتقطها العالم بالفعل ، وهو الأمر الذي جعلني أرجح وأكتب حينها على صفحتي بأننا سنرى خطابا دوليا مختلفا بفعل تلك اللقطة الخالدة التي ساهم الإخوان في إخراجها جيدا. وفى جمعة الشهداء أو جمعة الصمود، حسب التسميات المختلفة لها، والتي توافق 11 فبراير 2011 ، امتلأ ميدان التحرير عن اَخره منذ الصباح بالإخوان وغيرهم من الإسلاميين ، واستطعت أن أحصل على مكان متميز قرب منصة التحرير الرئيسية، وهى مقر الإذاعة الرئيسية، داخل الميدان ، وتعرفت على الحشود وتفحصت الوجوه الإسلامية التي تقع في محيط نظري، فتعالت هتافاتهم التي تطالب بإسقاط مبارك تارة، وبمحاكمته تارة أخرى، وبمحاكمة لصوص الشعب تارة ثالثة. وتوالى ظهور المشاهير من الإسلاميين وغيرهم ، حرضوا الشباب على البقاء معتصمين لعدة جمع، وعددوا مطالب الثورة ، وطالبوا بمحاكمة اللصوص والشرطة، وإعادة الأموال إلى الشعب، والملاحظ أن كثرة الجموع جعلت ميدان التحرير مغلق منذ الصباح، فزحفت الجموع في الشوارع الجانبية ، وأقيمت صلاة جمعة أخرى في ميدان عبدالمنعم رياض.
وصلت الجموع صلاة الغائب على الشهداء وعلى روح الشهيد الفريق سعد الدين الشاذلى، بطل أكتوبر الذي توفى الليلة السابقة ، بل ظهر إبداع الإسلاميين وإصرارهم على البقاء أطول مدة في الميدان بما شاهدته بأم عيني وقمت باستخدامه ، حينما صمموا ماسورة واحدة سفلية تتلقى بول الثوار وبقايا وضوءهم، وماسورة أخرى علوية تأتي بالمياه لمن يتوضأ ومن يتبول، وما بين الماسورتين جراكن مقسومة نصفين، يستخدمها الثوار كأحواض مياه، أسفلها وصلة صغيرة ،ومبولة صغيرة ووصلات. وعقدوا العزم على بناء دورات مياه متكاملة، وشاركت حتى ميدان رمسيس، مع كثرين منهم في الأفواج التي خرجت من ميدان التحرير في مسيرات هدفها الوصول للقصر الجمهوري ومحاصرته، وشاهدت تباين المواقف حول هذا الخروجن فقد رفض البعض هذه الخطوة تماما. ولعل عرضي لبعض اللقطات في هذه الشهادة هو غيض من فيض، وذلك مراعاة لتلك المساحة التي أكتب فيها، لذا أختم شهادتي بثلاث نتائج مهمة عن هذا المشاركة: أولها، أن تصور ميدان التحرير، بغير الإسلاميين كان لا يمكن له أن ينجز شيئاً ذا قيمة بدونهم، في الضغط على مبارك ونظامه. ثانيها، أن رباطة جأش الإسلاميين وخبرتهم في مقاومة نظام مبارك، جعلتهم لا يصدقون حيله وألاعيبه خلال مدة الثورة مثلما فعل كثير من الثوار. ثالثها، أن المعركة الرئيسية التي نجح فيها الإسلاميون خلال الثورة، ليس فقط رفضهم لخطاب مبارك في الاول من فبراير والتصدي لبلطجية الجمل، بل إرجاع الثوار مرة أخرى للميدان، وحشدهم من جديد لإجبار مبارك على التنحي والرحيل.
التعليقات
|
|