• الصليب وحكاياته

ليبيا بعد الثورة 1/4

Mar 14 2012 11:22:31

ليبيا بعد الثورة 1/4

بقلم : الدكتور محمد موسى الشريف

قد سَعُدت بزيارة ليبيا قبل ثماني عشرة سنة، وكتبت عن تلك الزيارة حلقتين، ولم أكن أُقدِّر أن أعود إليها بعد ذلك لكن قضاء الله -تعالى- غالب، وأمره ماضٍ، وما قدّره كائن، سبحانه وتعالى، فقد سقط حكم الطاغية الذي جثم على صدور العباد، وأكثر في الأرض الفساد، وفعل القبائح في البلاد، فأخذه الله -جل جلاله- أخذ عزيز مقتدر، بعد أن أمهله طويلاً، وفسح له في المدة، ومدّ له في الأجل، وأرخى له حبل الأمل، ثم حطم الله -تعالى- ملكه، وأزاله عن عرشه، وجعله آية للمعتبرين، وعبرة للناس أجمعين، وذهبت خزعبلاته أدراج الرياح، وتفرق دمه ودم بعض أولاده وأعوانه وأزلامه في البطاح، فعمت البلادَ الأفراح، وفرحت الأرواح، وجاء بعد ليل طويل الصباح، فاللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
وعجيبٌ أمرُ ليبيا، فهي ليست مثل أي بلد في العالم، فقد أغلق النظام السابق البلاد، وقتل المواهب، ومنع العمل الإسلامي، وشَلّ الإبداع، وعزل أصحاب القدرات عن توظيفها، فأصبح الناس خارج ليبيا لا يكادون يسمعون بأحد داخلها، ولا يدرون عن أهلها كبير شيء، ونحن المسلمين نسمع بعاملين ومبدعين وأصحاب مواهب من شتى بلاد العالم الإسلامي وغيره لكننا لا نكاد نسمع بأحد داخل ليبيا، وهكذا هو الظلم الشديد والطغيان الشنيع يفعل بالبلاد والعباد فِعْل الزلازل والكوارث التي لا تُبقي ولا تذر، وتدمر كل شيء.
فلما جئت البلاد الليبية هذه المرة وجدت فيها المواهب التي دُفنت، والقدرات التي حُجِّمت، والإبداع الذي حيل بينه وبين أصحابه، ووجدت الناس فرحين مستبشرين، قد خالطهم قدر غير قليل من الحماسة في تعويض ما فاتهم، واللحاق بنظرائهم في العالم الإسلامي، وإن أردت التعبير بعبارة موجزة فأقول إن البلاد وُلدت بعد هلاك القذافي من جديد، واستأنفت مسيرة حُرِمتها منذ سنين طويلة، حتى الأرض قد اخضرت بعد جفاف، والمطر نزل في غير وقته بغزارة عقب هلاك الطاغية، فرأيت البلاد مخضرة مُوْنِقَة، قد اكتست بسندس وخمائل، فاللهم لك الحمد.
جئت طرابلس بالطائرة المصرية من القاهرة يوم الجمعة 25/صفر 1433، 20/يناير 2012، واستقبلني الإخوة منظمو الرحلة استقبالاً نَمّ عن حبهم وجليل عاطفتهم، وأُخذت إلى قاعة الاستقبال التي كان الطاغية الهالك يستقبل فيها ضيوفه، فتذكرت قول الله تعالى : (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) ، ثم أُخذتُ إلى تاجوراء، وهي بلدة قريبة من طرابلس لا تبعد عنها سوى خمسة عشر كيلاً ودخلت جامع مراد أغا الكبير، وسمعت فيه درس مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق عبدالرحمن الغِرياني وهو مَن هو جلالة وصدعاً بالحق، وهو مَن أفتى الثوار بالخروج، وقال: هو فرض عين على الليبيين، وقد مزج في درسه بين التقرير الفقهي والإرشاد والنصح للمصلين، وعَرّج على المجلس الانتقالي والثروات الليبية والسجون، وأوصى بحسن معاملة السجناء وإعطائهم حقوقهم، فأعجبني منه مراعاته للواقع والجمع بينه وبين تفقيه الناس وتعليمهم شؤون دينهم، ثم بعد السلام عليه خرجت من تاجوراء إلى مْسَلاّته لأزور وزير الأوقاف الليبي الشيخ حمزة أبو فارس، وهو شيخ جليل قد أصابه من القذافي بلاء شديد، وذلك منذ سنة 1392/1972 إلى قيام الثورة، وقد اشتد عليه البلاء جداً زمن الثورة وتنقل متخفياً في أماكن عديدة، وتُوبع بدقة وتعب كثيراً من هذا التخفي، وسكن في أماكن لا تليق بسكنى الآدميين !! لكن الله -تعالى- نجاه، وخرج من البلاد خائفاً يترقب، ثم عاد مكرماً معززاً بعد الثورة، وقد زرته في بيته في مْسَلاته، وقد كان بيني وبين ابنه خالد ود قديم، وشرفني بالزيارة في بيتي بجدة، وقد رأيت أربعة من أبنائه -غير خالد- في زيارتي هذه فرأيت عليهم علائم الأدب والدين والسعادة، فالحمد لله رب العالمين.
ثم خرجت من عند الشيخ فرحاً مسروراً إلى زليطن وبيت الأخ في الله -تعالى- الطبيب الفاضل خالد القَدّار، وهو صاحب الفضل عليّ في هذه الزيارة -بعد فضل الله تعالى- فقد قابلني في تونس في إحدى المحاضرات وطلب مني القدوم إلى ليبيا فوافقته، ثم نسيت الموضوع تماماً، فلما اتصل بي طالباً زيارتي إلى ليبيا فأجبته لم أتذكر أني قابلته في تونس حتى ذكّرني هو بذلك لما قابلته، ولقد أكرمني جزاه الله -تعالى- خيراً، ورافقني في زيارتي هذه إلى كل البلاد التي زرتها فأسأل الله -تعالى- أن يجازيه خير الجزاء.
وفي اليوم التالي زرت الجامعة الأسمرية، وهي جامعة تدرّس المواد الشرعية واللغوية، ومواد الدعوة والإعلام الإسلامي والاقتصاد الإسلامي، وهاتان المادتان الأخيرتان لم يبدأ تدريسهما إلا بعد الثورة الجليلة؛ لأن نظام الطاغية الهالك كان يمنع تدريس مثل تلك المواد، وقد قابلني مدير الجامعة الدكتور عبدالله بن علي جوان مقابلة حسنة جداً، وجال بي بنفسه في مكتبتيِ الجامعة، وأهداني كتباً وأعداداً من مجلات الجامعة، فجزاه الله -تعالى- خيراً، وقد سجن في الثورة ثلاثة أشهر ونجاه الله -¬تعالى- بفضله ومنه.
وقد أعدّ لي محاضرة عامة في الجامعة فاخترت الحديث عن ليبيا وعطائها الشرعي والثقافي والحضاري الإسلامي، وذكرت بعض القصص عن مشاركات ليبيا في نجدة العالم الإسلامي منذ حملة نابليون الهمجية البغيضة على مصر إلى زماننا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى موقعي "التاريخ" وإلى صفحتي في الفيس بوك.
ثم تغدينا في بيت الأخ الفاضل عبدالسلام الصَفراني وانطلقنا عقب صلاة العصر إلى مسرح البلدة -أي القاعة الكبرى- وألقيت فيها محاضرة بعنوان الأمة بين الأمس واليوم، وأعني بالأمس ما قبل الصحوة، وباليوم ما بعد الصحوة، وقد فصلت فيها حال الأمة قبل الصحوة وبعدها في الجوانب الإعلامية والسياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية.
وعقب صلاة المغرب زرت الشيخ الفاضل علي جوان وهو والد مدير الجامعة الدكتور عبدالله الذي ذكرته آنفاً، وكان لقاء طيباً حدثني فيه الشيخ عن حياته وتفصيلات طلبه للعلم زمن الملك إدريس السنوسي -رحمه الله تعالى- والشيخ من الأشراف الفواتير الذين ينحدرون من بلـدة زليطن وينتسبون إلى الشيـخ عبدالسلام الأسمر -رحمه الله تعالى- والعجيب أنه أخبرني أنه حاز درجة الماجستير من بلدة الجغبوب سنة 1387/1967، وتلك مدة مبكرة جداً آنذاك؛ إذ لم تكن شهادات الماجستير تُعطى إلا في جامعات محددة في العالم الإسلامي، والجغبوب واحة بعيدة عن مراكز الثقافة والعلم آنذاك، لكن عجبي زال لما أخبرني الشيخ أن جد الملك إدريس مدفون في الجغبوب ولذلك عُني بها الملك من كل النواحي، وجلب لها كفاءات جيدة من مصر.
وقد زرت في ذلك اليوم زاوية لتحفيظ القرآن على الطريقة الليبية القديمة، وعرفت من القائمين على الزاوية أن تلك الطريقة هي السائدة في ليبيا ألا وهي التحفيظ من خلال الكتابة على الألواح، فيحفظ الطالب الآيات ويحفظ رسم الكلمات العثمانية، ومكتوب على بعض الكلمات عدد مرات تكررها أو تكرر مشتقاتها في القرآن الكريم، فيحفظ الطالب حفظاً متقناً جداً، ويرسم بيده كل القرآن، وهذا شرط في التخرج.
والطالب يسكن في الزاوية ويأكل فيها ويقيم حتى يفرغ من الحفظ، ونظام الزاوية فيه جد وحزم فيستفيد الطالب فائدة حسنة، وتمنيت لو عُمل بهذا النظام في بلادنا فالفارق بين طريقتنا في التحفيظ وطريقتهم كبير جداً، فطرائق تحفيظهم أحزم وأقوى وأجدى وأعود بالنفع على الطالب، والقرآن أبعد من التفلت، وأبقى في القلب والعقل، والله الموفق.


المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
المسلمون في الصين لا بواكي لهم

المسلمون في الصين ..لا بواكي لهم

محمد محمود وصل الإسلام إلى الصين منذ ما يقارب 1400 سنة ، ومنذ ذلك الحين...

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

محمد عبد العظيم أبو طالب منذ الصغر وقضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى...

رمضان يعلمنا الإرادة

رمضان يعلمنا الإرادة

أحمد علون الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته...

جديد الأخبار المزيد
 الأورومتوسطي يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

"الأورومتوسطي" يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

قال "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان": "إن القطاع الصحي...

تونس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

تونس.. رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

أعلنت "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" رفضها القاطع...

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

أعلنت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، أن المنشآت الصحية في اليمن،...

  • أيام في سيلان والمالديف