• الصليب وحكاياته

ليبيا بعد الثورة 3/4

Apr 01 2012 07:35:57

ليبيا بعد الثورة 3/4

بقلم مشرف الموقع

توجهت إلى بنغازي، وهي عاصمة الشرق الليبيّ، الذي يسمى بـ "بَرْقة"، وكان لي في بنغازي محاضرة في كلية الهندسة في جامعتها فور وصولي إليها بالطائرة من طرابلس، وقد بينت للطلاب أن أعظم التخصصات العلمية هو التخصص الهندسي؛ لأن الأمل معلق به في نقل التقنية إلى العالم الإسلامي، وتخليصه من الذل والهوان، وقصصت عليهم بعض قصص المهندسين الذين غيروا واجهة التاريخ مثل عبدالقدير خان المهندس النووي الباكستاني الذي أدخل الله -­تعالى- به باكستان في النادي النووي الدولي، وحمى الشعب الباكستاني من تغوّل الهنادكة، ورفع رأس المسلمين جميعاً.
وذكرت لهم خطوات تفيد كل مريد للتقدم والارتقاء، وحصلت مناقشات لطيفة، ومصارحات مفيدة، وطلبت منهم في النهاية أن يستفيدوا من مناخ الحرية بعد زوال نظام الطاغية، وأن يجتهدوا في عمل كل ما يمكن عمله من أجل الارتقاء بالبلد.
ثم كان بعد العصر لقاء في قاعة أفراح عن موضوع الأخلاق وأهميتها في الإسلام، وبينت في المحاضرة أن الأخلاق في الإسلام لها خصيصة جليلة وهي أنها عبادة يُتقرب بها إلى الله -تعالى- وقد جُعل لها منـزلة عظيمة، ثم ذكرت خلقين مهمين واحداً للرجال وآخر للنساء، أما الرجال فخلق الرفق وأهميته في بناء ليبيا الحديثة وشعبها الذي هو أحوج ما يكون إلى الرفق في مسيرته الجديدة، وأما النساء فخلق الحياء الذي فقدته كثيرات من النسوة للأسف فأثر ذلك على سلوكهن، وحجابهن، وطرائق حياتهن، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم توجهت إلى إحدى المكتبات واشتريت منها بعض الكتب فعرفني صاحب المكتبة فأبى أن يقبض الثمن وأصر على الامتناع فجزاه الله خيراً.
ثم توجهت إلى مسجد نور الرحمن وصليت هنالك العشاء، وكان الإمام هو إبراهيم الدْرِسِي، وكان ذا صوت جميل مؤثر، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ثم قنت نصرةً لأهل الشام فاجتمع له الحُسنيان، وحَسُن منه الفعلان.
وبعد الصلاة تحدثت في موضوع مهم وهو "ليبيا بعد الثورة"، وبينت لهم المخاطر التي تهدد ليبيا، وأن أهم وسيلة لدرء الخطر هو اجتماع الصف وإزالة الخلاف بأسرع ما يمكن، وكان هذا صنيع النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار لما اختلفوا وتواعدوا في الظاهرة للحرب نتيجة مكيدة شاس بن قيس اليهودي، فلما عرف النبي
صلى الله عليه وسلم سارع إلى مكان المعركة ليطوق الخلاف، والمهاجرون رضى الله عنهم تتقطع نعالهم خلفه صلى الله عليه وسلم من شدة سرعته وهكذا ينبغي أن يُفعل في الخلاف.
وذكرت لهم قصة النبي
صلى الله عليه وسلم مع الأنصار حين وجدوا في أنفسهم رضى الله عنهم عندما وزع النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين فلم يعطهم، وهي قصة رائعة، وخبر جليل، وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستميل قلوب الأنصار رضى الله عنهم ويطفئ فتنة لا يدري إلا الله، -تعالى- ما الذي يمكن أن تسفر عنه.
ولقد خوفتهم من عواقب التنازع والاختلاف الذي يمكن أن يفضي إلى فتنة قد تفضي إلى تدخل القوى المتربصة بليبيا، وانتهاز الفرصة لتحطيم ثورتها وتفتيت البلد بدعاوى وحججٍ وذرائعَ لا يعدمونها.وكان هذا صنيع النبي
ثم ذكرت لهم أهمية الرفق بالشعب الليبي، وعدم الاستعجال في التغيير، وذكرت لهم سنة الشريعة الغراء في التدرج بالمسلمين الأوائل، وأننا ينبغي أن نستفيد من هذا النهج الأمثل والطريقة القويمة.
ثم أجبت عن الأسئلة المتنوعة، وكان أهمها مسألة الديمقراطية والموقف منها، فبينت لهم أن الديمقراطية جزآن: جزء الآليات التي لا توصف بضلال أو هدى ولا كفر أو إسلام كصناديق الاقتراع وعدد غرف البرلمان: غرفة أو غرفتان إلخ ...
وجزء هو المحظور كقولهم: الشعب مصدر التشريع، فالكتاب والسنة وما قام عليهما كالإجماع والقياس هما المصدر الوحيد للتشريع، فعلى ذلك لابد من اجتماع القوى الإسلامية لإيصال الصالحين إلى البرلمان وإلى مناصب الدولة كلها.
ثم ذكرت أني أتوق إلى يوم تُنشأُ فيه نظرية سياسية إسلامية كاملة يكون أساسها الشريعة والشورى، لتكون بديلاً عن الديمقراطية الغربية، التي نحن عالة عليها اليوم ونلهج بها في كل المحافل؛ إذ إن الإسلاميين يقولون: إن الإسلام هو الحل، وهذه مقولة لا ريب فيها، لكن أين العمل بها ؟!
وكيف السبيل ونحن نستورد النظم السياسية من الغرب لنحكم بها في بلادنا ولا ننشئ النظام السياسي الإسلامي الذي نريد أن نُحكم به ؟!
ثم في اليوم التالي ألقيت محاضرة للنساء بعنوان "المرأة الداعية" ذكرت فيها أهمية الدعوة في بناء جيل جديد من الفتيات الليبيات يتولين سد الثغرات في العمل النسائي ويرثن القيادات الدعوية الموجودة الآن، وحذرتهن من التهاون في هذا الموضوع المهم لأن ليبيا -والله تعالى أعلم- ستُفتح أبوابها على مصراعيها أمام كل التيارات والأفكار، ولابد من تحصين الفتيات وتربيتهن والعناية بهن، وذكرت لهن أهمية إنشاء المحاضن التي تحفظ -بإذن الله تعالى- الفتيات وتوجههن إلى الهدى والرشاد، وذكرت عدة جوانب أخرى لا مجال لسردها كلها في هذه العجالة.
ثم بعد المحاضرة حضرت حفل الغداء الذي أكرمني به قريبي المهندس عطا الله بن موسى الشريف فجزاه الله خيراً، وحضره الأستاذ أحمد الزبير السنوسي عضو المجلس الانتقالي الليبي، وهو قد سُجن في سجون الطاغية الهالك إحدى وثلاثين سنة !! ثم نجاه الله تعالى وخرج سالماً غانماً الأجر، إن شاء الله تعالى.
وبعد الغداء توجهت إلى المرَج، وهي بلدة المجاهد الليبي الكبير عمر المختار - رحمه الله تعالى ورضي عنه ورفع درجته في عليين- وفيها الزاوية التي كان يعلم فيها الصبيان القرآن قبل التحول إلى الجهاد، وفيها جامع ضخم جداً هو أضخم جامع في ليبيا بناه الملك إدريس -رحمة الله تعالى عليه- وفيه ألقيت محاضرة بعنوان "ليبيا عبر التاريخ"، وذكرت فيها مواقف ليبيا الحديثة تجاه أختيها الجزائر ومصر، أما الأولى فقد ساعدتها ليبيا في ثورتها لطرد الفرنسيين ومدتها بأسلحة كثيرة عن طريق مصر وتركيا زمن رئيس جمهوريتها عدنان مندريس، رحمه الله تعالى، وأما مصر فقد ساعدتها في العدوان الثلاثي سنة 1376/1956 ومنعت البريطانيين من اتخاذ ليبيا قاعدة لإنطلاق الهجمات الصليبية منها، وذكرت غير ذلك من مواقف ليبيا المشرفة في العصر الحديث.
وكان اللقاء بأهل المرَج لقاء رائعاً عاطفياً، وأبدى فيه وجهاء المرج ومشايخه وكبراؤه ومثقفوه أجمل وأرق وأسمى العواطف والمشاعر، فجزاهم الله تعالى خيراً ووفقهم.
وقد أولموا لي وليمة فاخرة، وبعد العشاء توجهت إلى دَرْنة لأبيت فيها، وهي على بعد ساعتين ونصف تقريباً، والله المستعان.
ودرنة والمَرْج والبيضاء هي بلدات في الشرق الليبي في منطقة الجبل الأخضر وما حوله، وهي مناطق خضراء جميلة، وفي الوقت نفسه هي على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتصلح أن تكون وِجهة للسائحين المستقيمين الذين يريدون الاستمتاع بجمال الطبيعة التي خلقها الله -سبحانه وتعالى- لكن المشكلة أن المرافق السياحية غير متوافرة، فعسى أن يتدارك القائمون على أمر السياحة في ليبيا هذا، ويعمدون إلى بناء مرافق سياحية تجمع بين المحافظة على ضوابط الشريعة والجودة في البنيان، والله المستعان.

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
المسلمون في الصين لا بواكي لهم

المسلمون في الصين ..لا بواكي لهم

محمد محمود وصل الإسلام إلى الصين منذ ما يقارب 1400 سنة ، ومنذ ذلك الحين...

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

محمد عبد العظيم أبو طالب منذ الصغر وقضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى...

رمضان يعلمنا الإرادة

رمضان يعلمنا الإرادة

أحمد علون الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته...

جديد الأخبار المزيد
 الأورومتوسطي يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

"الأورومتوسطي" يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

قال "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان": "إن القطاع الصحي...

تونس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

تونس.. رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

أعلنت "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" رفضها القاطع...

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

أعلنت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، أن المنشآت الصحية في اليمن،...

  • أيام في سيلان والمالديف