• الصليب وحكاياته

مفتي حضرموت وقاضيها عبدالرحمن بن عبيد الله السقّاف

Jun 09 2012 08:28:05

مفتي حضرموت وقاضيها عبدالرحمن بن عبيد الله السقّاف

بقلم الدكتور محمد موسى الشريف

1300– 1375

1882 –  1955

هو عالم من حضرموت، تلك البلاد النائية البعيدة التي ظلت طويلاً منعـزلة عن سائر العالم الإسلامي، على أنه كان لعلماء وتجار تلك البلاد آثار جليلة رائعة في الهند الكبرى وفي بلاد الملايو (اندونيسيا وماليزيا وسنغافورة) وبرز منهم على مدار التاريخ الإسلامي علماء كان لهم أثر كبير في ثقافة الإسلام وحضارته، وظهر منهم مجاهدون كان لهم أثر رائع في فتوح البلدان ونشر الإسلام وضياء القرآن، ومع كل ذلك ظل البلد منعزلاً عن سائر بلدان الإسلام ردحاً طويلاً من الزمان، وهذا من مفارقات الزمان العجيبة.

وقد زادت عزلة حضرموت في القرون الأخيرة حتى أصبحت بعيدة عن هموم المسلمين في الأقطار الإسلامية الرئيسة، غير مشاركة في الأحداث العظيمة التي تنـزل بها.

وظلت حضرموت هكذا إلى القرن الفائت حيث شملتها اليقظة والنهضة التي شملت أكثر بلاد المسلمين، وبرز منها رجال عظماء كان لهم مشاركة جيدة في الأحداث المحلية والإقليمية، ومن هؤلاء الشيخ العالم مفتي حضرموت عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف.

ولد في قرية عَلَمْ بدر من أعمال سيؤون -بلدة بحضرموت قديمة وهي اليوم مدينة عامرة- سنة 1300/1882، من أسرة علمية علوية عريقة، ينتهي نسبها إلى أحمد بن عيسى المهاجر الحسيني، وهو الذي قدم إلى حضرموت من العراق.

وكان والده من العلماء الصالحين العابدين، وتولى تعليم ولده بنفسه، وكان يُسَرِّب إليه أولاداً ارتضى أخلاقهم ليلعبوا معه، وكان يرقب أخلاقهم وأحوالهم وربما شاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم دقيقة أو دقيقتين تطييباً لهم، فنشأ المترجم له على الخير والدين والصلاح، واجتهد في طلب العلوم وبَزّ فيها أقرانه، واشتهر حتى صار عالم حضرموت ومفتيها وقاضيها، وفقيهها على مذهب الإمام الشافعي.

طريقته في الإصلاح:

يُعَدّ الشيخ من رواد الإصلاح الديني والثقافي والفكري في حضرموت، وممن جهروا بآراء قوية في بيئة غير مساعدة، فمما ذهب إليه:

  1. إنكاره على المبتدعة وأهل الشطح من الصوفية، وهذا منه جرأة عظيمة في بيئة غلب عليها التصوف، وهو نفسه يميل إلى التصوف لكن إلى المعتدل منه غير الشاطح ولا الغالي، ومن صنيعه في هذا الباب وصفه لهؤلاء بأنهم عُشاق الخرافات، مغرورون، هواة الكرامات، الخرافيون، الجهلة حتى قال بعد أن ذكر بعض الشناعات عن بعض أولئك:

"طالما أنكرت مثل هذه الأضاليل التي لها يتذمر الإسلام، وتنتكس الأعلام، وتَكِلُّ عن عَدِّ شرها الأقلام فما حصلت إلا على الملام، وذلك هو الذي استغرق جهدهم في تشويه سمعتي، والتمضمض بعرضي، والتقوّل عليّ والسعاية بي لولا وقاية الله.

وقال أيضاً:

"وأما إنكاري على القبوريين والمغرورين فهو الذي ذهب بأكثر مصالحي المادية ولم يترك لي من صديق، وقد دخلت فيه دون العشرين وهأنذا أَقْرف فيه على السبعين لم أَحِدْ عن مبدئي قيد شعرة، ولم ألتفت عنه يمنة ولا يَسْرة، بغير مساعد ولا معين، ولكني بالله أستعين، وأسأله الثبات إلى الممات"، وقد رد كثيراً من الحكايات الغريبة والكرامات المدعاة، وفندها وأظهر عوارها لذلك رماه كثير من علماء عصره عن قوس واحدة وعادوه.

  1. محاولة إصلاح آل البيت في حضرموت وغيرها:

وكان معلماً بارزاً في حياة الشيخ، فكثيراً ما توجه إليهم بالنقد، وطالبهم بالإصلاح، فمن ذلك:

ـ لما قامت الفتنة بين العلويين والإرشاديين في جاوه بأندونيسيا طلب منه بعض الناس تأليف رد على الإرشاديين، فقال لهم:

"أَفْيَدُ من ذلك أن تصلحوا أنفسكم؛ فإن الخطب بينكم أعظم منه بينكم وبين غيركم، وأعداؤكم من أنفسكم أشد ممن سواهم، ولا سبيل إلا بحفظ الشريعة التي لا يضيع الله من احتفظ بها، وأن تأخذوا على يد المخالف منكم وتردوه إلى الطريق، فإذا قمتم بذلك فقد كُفيتم كل مؤونة، وحصلت لكم كل معونة، وإلا فأنفسكم لوموا، وعليها فارجعوا، وإنا لم نؤمر بالسباب ولا بتقطيع الأسباب".

ـ ومن ذلك أيضاً قوله شعراً يطلب من علماء آل البيت وصلحائهم التحرك لنصرة الدين:

 

إلامَ وأنتم يا بني المصطفى الراسُ

 

تنامون حين يعظم الخطب والباسُ

بمن غيركم -يا مظهر الحق والهدى

 

إذا لم تذبوا عنهما- يهتدي الناسُ

وقد نَجَمت في قُطْوكم حيث إنكم

 

سكتّم ضلالات تزيد وأرجاسُ

إلى أن قال:

هلموا فإن الشر أضرم ناره

 

أليس لكم -أحياكم الله- إحساسُ

ألستم أُباة الضيم من آل هاشم

 

بأهلكمُ انجابت من الكفر أغلاسُ

وقال فيهم أيضاً:

في حضرموتَ رجال منهم انحرفوا

 

عن الطريق فجّروا للأنام بَلا

إلى أن قال:

وكم نصحت وكم فصّلت في خطبي

 

لهذه المحنة الأعراض والعِللا

لكن بهم صمم عن كل صالحة

 

لا يهتدون إلى نحو النجا سُبلا

  1. توجعه من تخلف حضرموت ومطالبته بإصلاحها:

وقد كثر هذا التوجع في كلامه شعراً ونثراً، فمما قاله:

تقدمت البلاد فويح قومي

 

متى يتقدم البلد الأخير

يعز عليّ أنا في جمود

 

يموت به التيقظ والشعور

وأن العالمين بكل أرض

 

يسيرون الأمام ولا نسير

أرى الوطن العزيز يزيد نقصاً

 

وباعي عن تداركه قصير

وقال يحث الدولة العثمانية على فعل شيء لوطنه:

كل البلاد إلى شَأْو العلى نهضت

 

وقُطْرنا من رقاد الجهل لم يُفق

يا آل عثمان هيا انقذوه وقد

 

أضحى يناجيكمُ بالمنطق الذَلِقِ

  1. الإصلاح السياسي:

كان للشيخ السقّاف مشاركة جيدة في العمل السياسي، وهذا من وظائف العالم الأساسية، إذ إن أولو الأمر في البلاد الإسلامية هم العلماء والحكام -كما بين ذلك العلماء- وقد عمل الشيخ على إصلاح بلاده سياسياً، وظهر هذا في الآتي:

  1. حفاظه على الولاء للدولة العثمانية والبراء من الإنكليز:

كان الانجليز في زمن الشيخ قد عقدوا عدة معاهدات حماية مع سلاطين حضرموت، فكان الشيخ يتألم لهذا، وكان يحب أن تتدخل الدولة العثمانية لكن هيهات فقد بلغت من الضعف في زمانه مبلغاً لا يمكن معه نصرة المسلمين في تلك الديار البعيدة عنها، وفي ذلك يقول السقَّاف:

يا رب وانصر جيوش الترك دولتنا

 

واملأ قلوب العدا بالخوف والوجل

واحم الشريعة في شبه الجزيرة

 

بالمولى الإمام من الآفات والعلل

ويعني بالإمام إمام اليمن يحيى حميد الدين، وكان السقاف قد بايعه، وذهب إليه في صنعاء فاستضافه الإمام عنده، وأتاح له مكتبته العامرة فاستفاد منها أيما استفادة.

ـ وكان يعيب على الشريف حسين -على ما بينهما من لُحمة النسب- تواطأه مع الإنكليز ضد الأتراك.

وقال مخاطباً الخليفة العثماني:

فالجور في قطرنا طالت إقامته

 

والبغيَ نعْمه في أيامه السودِ

يا للشريعة بالأغراض قد صُبغت

 

والعدل أصبح فينا جِدُّ مؤود

يا للعلوم امّحت فينا معالمها

 

يا للصواب كمثل الغول مفقودِ

عارٌ عليكم وفيكم نجدة ولنا

 

بكم لعمري اتصالٌ غير مجحودِ

نبيت ندعو لكم من فَرْط رغبتنا

 

في كل ليل لدى السالين مرقودِ

ـ وقد وصلته رسالة من قائد الجيوش العثمانية بـ "لَحْج" سعيد باشا، يطلب منه اعتراف سلاطين حضرموت بأنهم تبع للدولة العثمانية، وذلك سنة 1334/1915، فما زال بالسلطان الكثيري والسلطان القعيطي حتى وقّعا على وثيقة تفيد ذلك، وهذه الوثيقة استاء منها الإنكليز حتى جعلوا الأموال الطائلة لمن يأتي بالشيخ السقاف حياً أو ميتاً.

ـ وقد أرسل الشيخ السقاف قصيدة من نظمه فيها الولاء للدولة العثمانية إلى قائدها سعيد باشا سنة 1334/1915 ومنها هذان البيتان:

أتانا بأن الترك أبدوا تحنناً

 

علينا ومنهم يرتجي الود والعطفُ

وما زلت منذ نيطت برأسي عمامتي

 

وودي لهم حَبْسٌ وشكري لهم وقفُ

وسعى الشيخ السقّاف في إقناع الأمراء والأعيان بالتوقيع على القصيدة لتعميق ولائهم للدولة العثمانية وإقرارهم بتبعيتهم لها، وذلك بطلب من سعيد باشا لما وصلته القصيدة، فما زال الشيخ السقاف يقنع الكبراء بالتوقيع عليها حتى اجتمع له عليها توقيعات كثيرة، وقد جرت له حادثة جليلة مع أحد زعماء حضرموت وهو عبدالله بن عوض بن عبدات، إذ اجتمع به وطلب منه التوقيع على القصيدة التي ثار من أجلها الإنجليز وصار من يوقع عليها ملاحقاً ومتهماً، فلما عرض القصيدة عليه هم بالتوقيع عليها فبين له السقاف عواقب ذلك وقال له: "لا تعجل حتى تعلم أنك بالتوقيع عليها تعرض مالك وآلك للخطر بسنغافورة والمكلا وعدم، وربما يعاتبك أصحابك ويلومك رفاقك فلا تقل إني غششتك، فأخذته حمية واقشعرّ من الغيرة وأخذ ينتفض من الزمع -الرِّعدة- وقال:

أليس هذا واجب الدين؟ أليس هذا سلطان المسلمين؟

فقلت له: بلى.

قال: والله لو أن الشِّفار -أي السكاكين- على رقاب أولادي أمام عيني ما انثنيت عن التوقيع عليها، وليس في دعوة الإسلام مزاحمة" وهذه الحادثة تدل على مدى تمكن حب الدولة العثمانية من قلوب كثير من المسلمين آنذاك.

  1. تأسيس حزب:

وهذه خطوة جليلة متقدمة عن زمان الشيخ السقاف، وتدل على وعيه ونضجه السياسي وفهمه لطبائع الأمور، ففي سنة 1356/1936 سعى الشيخ وبعض العلماء والمثقفين مع السلطان علي بن صلاح القعيطي لتأسيس حزب في حضرموت ومركزه الرئيس في سيئون، وسموه بالحزب الإصلاحي الاقتصادي، وجاء في لائحته أن غرضه إصلاح القطر الحضرمي اقتصادياً وسياسيا...، وضُبطت علاقته بالدولة القعيطية.

ولم يكتف ابن عبيد الله السقاف بهذا بل إنه لما ذهب إلى اندونيسيا وسنغافورة وجد أن الحضارم بحاجة لحزب سياسي إصلاحي فعرض عليهم إنشاء حزب اسمه حزب "النهوض والاعتدال"، لإصلاح الحال في حضرموت وجاوا وغيرهما من البلاد، وإنكار المنكرات، ونشر العلم، لكن يبدو أن الحزبين الذين اقترح السقاف أحدهما وأسس الآخر لم يُكتب لهما النجاح، وفي ذلك يقول:

"قد لقيت في عملي هذا ما يلقاه الحق من الباطل، نُبِزْت بالعيوب، واختُلقت لي الذنوب، وما عليّ من ذلك ما دامت الصحيفة نقية، والساحة بَريّة، غير أني ربما اختنق عزيمتي بعض الأحيان اليأسُ والمَلل ... لأنني أنهض ولا نصير، وأهم بالطيران والجناح كسير، كلما بنيت قصراً قوّضه الجاحدون، وكلما سعيت في أمر عرقله المعاندون، ولله در أم القائل:

إذا ألفُ بانٍ خلفهم هادم كفى

 

فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ

صفاته:

  1. الحفظ الواسع:

كان يرحمه الله تعالى ذا حافظة عجيبة، ينقل آلاف الأبيات وكثيراً من مقولات القدماء من حفظه، وكان يقول عن نفسه: كنت في شبابي أحياناً أضع يدي اليسرى على الصفحة اليسرى خوفاً من أن تقع عيني عليها ويسبق حفظي لها" وهذا مالم نسمع بمثله من أهل عصرنا.

  1. التواضع المقرون بالعزة:

وكان في نفسه متواضعاً وإن غلبت عليه عزة العلم حتى صار أشبه بالزعيم منه بالشيخ، وقد ظهر هذا واضحاً في كتابه "العود الهندي".

  1. الجرأة والشجاعة:

وكان صاحب جرأة وإقدام، يقول الحق ولا يبالي، وقد عَبّر عن طريقته هذه بقوله:

"فلا أقلّ من أن تزنوا يا أيها الناس عموماً وأيها الطلبة خصوصاً كل ما يقال بميزان العلم الصحيح الذي ترجعون إليه في الحلال والحرام، والصلاة والصيام فما وافقه فهو المقبول، وما خالفه فهو المردود" ولا شك أن هذا المنهج بحاجة إلى قوة وشجاعة للأخذ به والسير على هداه.

  1. شاعر مطبوع:

كان ابن عبيد الله شاعراً مطبوعاً، صاحب معاني قوية، وألفاظ رقيقة، ويُعَدّ من الطبقة الأولى من شعراء العصر الحديث، وله شعر كثير مضمن في ديوان له، فمن ذلك قوله مخاطباً العلويين مهيجاً لهم على الإصلاح.

كتاب الله للإصلاح داعي

 

فهل حُرٌ لقول الحق واعي

فقد بُحَّ المنادي للمعالي

 

وما يغني النداء بلا استماع

ألا مُهَجٌ تذوب أسىً ووَجْداً

 

على الشرف المعَرّض للضياع

بني الزهراء ليس الأمر سهلاً

 

فقد حَسَر الفساد عن القناع

ومسّ الدينَ ضيم واضطهاد

 

وآذن شمله بالانصداع

ـ وقال شارحاً حاله مع بعض أهل زمانه ممن خضع للإنكليز:

بقلبي لا يزال جَوَىً مقيمُ

 

كأني منه في الداجي سليمُ

تعاتبني الملاح على سُهادي

 

لأني لا أنام ولا أُنيم

وكيف ينام حُرّ لم يشاهد

 

من الأحوال إلا ما يضيم

مع الأغراض جُلّ الناس مالوا

 

فكلٌ في مفاوزها يهيم

جفاني الأصدقاء وصدّ عني

 

أولى القربى وباعدني الحميم

ويمتاز شعره بالمقارنة بين معاني بعض الأبيات وما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويفضلهما على الشعر.

ويرد على الشعراء إذا خرجوا عن حد الشرع أو أساؤوا الأدب معه.

وهو ممن يحسن نقد الشعر، عارف بأساليبه، واقف على بحر خضم من أنواعه وتقاسيمه.

ـ ولما أجار الملك عبدالعزيز -رحمه الله تعالى- المجاهد العراقي رشيد عالي الكيلاني، ورفض تسليمه للانجليز، تحدث بعض الناس في أهمية تسليمه للإنجليز فقال الشيخ عبدالرحمن: معاذ الله أن يسلم ابن سعود جاره ولو انشقت الأرض أو خَرّت الأخاشب -أي الجبال- هداً، ونظم قصيدة طويلة في عام 1364/1945، وسلمها للملك عبدالعزيز بيده سنة 1368 لمّا حج البيت الحرام، فاخترت منها التالي:

هذا العلاء الذي تسمو الأنوف به

 

إلى النجوم وهذا المجد والحسب

يغنيك عما مضى للعُرْب من شرف

 

هذا الصنيع الذي تعلو به الرتب

فقد أرانا عيانا ما تُشَنِّفنا

 

بدرِّ أخباره الأشعار والكتب

فضيفُ هذا ملوك الأرض تطلبه

 

ومجرم الحرب محتوم له الحَرَب

لكن ذمته للجار غالية

 

فلن يجاب إلى تسليمه طلب

شهامة وسجايا كلها كرم

 

والحق أبلج لا تلوى به الحجب

بابن السعود ويحيى والعزيز لنا

 

أقصى المنى إن أجابوا الصوت واعتصبوا

هم الرعاة علينا الإنقياد لهم

 

ومنهم الرعي والإنصاف والحَدَب

هم خيمة للمعالي نستظل بها

 

والمسلمون لها الأوتاد والطُنُب

أمانة نحن في أيديهم وهمو

 

للعز أو للهوان الشرط والسبب

هم نفحة الدين إن صحت مودتهم

 

والويل إن فشلوا واصطكت الركب

إن لم تحطهم مع الإخلاص جامعة

 

فالشر آت وعز الملك مستلب

  1. سعة العلم:

قد كان السيد السقّاف واسع العلم، بَزّ أهل بلاده فيه، لا يلحقه منهم أحد، وحضر درسه الحبيب عبدالله بن عمر الشاطري الذي تخرج على يديه ألوف الطلاب، وقد كان إمام بلدة تَريم، وكان السقاف يشرح "منهاج الطالبين" للإمام النووي في الفقه الشافعي، فلما سمع شرحه غلبه البكاء والنحيب فرحاً وإعجاباً بوجود مثله في هذا الزمان، فتعجب ابن عبيد الله السقاف من بكائه وانتحابه وسأله عن السبب فقال:

"بكاء فرح وسرور"، وحسبكم بهذا دليلاً على سعة علمه، إضافة لما سبق إيراده في السطور السابقة.

  1. رقته وعاطفته:

قد كان ابن عبيد الله السقّاف رقيقاً تغلبه العاطفة فيعبر عن ذلك شعراً ونثراً، فمن نثره الدال على غلبة عاطفته عليه قوله:

"أذكر أن أول صلاة كانت لي بالمسجد الحرام لما حججنا في سنة 1322 هي الصبح خلف واحد من العلماء يُدعى -فيما أتوهم- خُوقير، قرأ في الأولى بالتين فكاد القلب يخرج عن شغافه عند إشارته إلى البلد بقوله: "وهذا البلد الأمين" ثم ما كفاه ذلك حتى قرأ في الثانية سورة قريش، فلا تسل عما داخلني عند إشارته بقوله: "فليعبدوا رب هذا البيت" وما بيننا وبينه إلا أذرع يسيرة، فلولا الاعتصام بالأجل لالتحقت الروح بالباري عزوجلّ، ولكني:

ضممت على قلبي يديّ مخافةً

 

وقد قرعته بالغطاة القوارعُ

وما ينفع القلب الذي طاش لُبُّه

 

لتلك المعاني أن تُضم الأصابع

وكثيراً ما شنق سمعي، واستوكف دمعي، وامتلك لبي، واستأثر قلبي ما سمعته من قراءة إمام الحرم في صلوات الصبح سنة 1354 وتذكرت صلاة والدي، إلا أن تلك أخشع، وقراءة إمام الحرم أجود وأسمع".

أهله وأولاده:

تزوج من امرأة واحدة، أتت له بسبعة أبناء وبضع بنات، وقد مات ولده بَصْري فرثاه مرات عديدة أودعها ديوانه، وقد اشتد حزنه عليه، وكذلك مات ولده علي بعده فرثاه بمرثية واحدة.

مؤلفاته:

لابن عبيد الله السقاف مؤلفات عديدة في العقيدة والحديث والفقه والأدب والتاريخ، بعضها طبع وأكثرها غير مطبوع، ومن أهم ما طبع كتاب "العود الهندي" الذي أبان فيه عن قريحة شعرية رائعة وحفظ منقطع النظير، والكتاب شرح لبعض أبيات للمتنبي في ثلاثة أجزاء.

وكتاب "إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت" اختصره من كتابه "بضائع التابوت" وطبع في جزء واحد كبير.

قالوا فيه:

ـ قال الشيخ علي بن عبدالله السقاف:

"مفتي حضرموت الشهير الذي اتسعت علومه وشهرته، وطار صيته في البلدان".

ـ وقال الشيخ أبوبكر المشهور:

"حجة عصره وبليغ زمانه، وفقيه أوانه".

ـ هذا وإني لم أنقم عليه شيئاً مما قرأته عن حياته سوى أنه يظهر ميلاً واضحاً لعلي رضي الله عنه حتى يبدوا منه أنه يفضله على الشيخين أبي بكر وعمر إلا أنه يعظمهما ويترضى عنهما، هذا الذي أنقمه عليه من سيرته وأسأل الله تعالى أن يغفره له ويعلي درجته.

وفاته:

توفي رحمه الله تعالى ببلدة سيؤون سنة 1375/1955 بعد مرض ألمّ به، وشُيعت جنازته في مشهد عظيم لم تشهده سيئون في تاريخها، رحمه الله رحمة واسعة.

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصد)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
المسلمون في الصين لا بواكي لهم

المسلمون في الصين ..لا بواكي لهم

محمد محمود وصل الإسلام إلى الصين منذ ما يقارب 1400 سنة ، ومنذ ذلك الحين...

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

لماذا يكرهون صلاح الدين؟

محمد عبد العظيم أبو طالب منذ الصغر وقضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى...

رمضان يعلمنا الإرادة

رمضان يعلمنا الإرادة

أحمد علون الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته...

جديد الأخبار المزيد
 الأورومتوسطي يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

"الأورومتوسطي" يحذّر من كارثة صحية خطيرة تهدد سكان غزة بسبب الحصار

قال "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان": "إن القطاع الصحي...

تونس رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

تونس.. رابطة الدفاع عن حقوق الإنسان ترفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

أعلنت "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" رفضها القاطع...

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

الأمم المتحدة: أكثر من ألف طفل يمني بحاجة للعلاج من الإسهال المائي الحاد يومياً

أعلنت الأمم المتحدة، اليوم الأربعاء، أن المنشآت الصحية في اليمن،...

  • أيام في سيلان والمالديف