• الصليب وحكاياته

ونحن على أعتاب العيد

Apr 12 2011 07:45:25

ونحن على أعتاب العيد
ونحن على أعتاب العيد
رءوس تقطع .. عظام تهشم .. بطون تبقر ..نحور تذبح .. جثث تحرق .. أشلاء تمزق ..دماء ملت الأرض من شربها .. مساجد تهدم على زوراها .. بيوت تخر على ساكنيها .. نيران تتصاعد ألسنتها في السماء ، تشكو حرها الجمادات قبل الكائنات الحية  .. مشاهد لو رآها الإنسان السوي في منامه لهب خائفا مزعورا ، فكيف بمن رآها تتكرر أمام عينيه كل برهة بأرض العراق ؟!!.

 

لقد شهدت البشرية في تاريخها الطويل مآسي لا تعد ، ولكني أحسب أنها على قسوتها لم ترق في فظائعها إلى هذا الحد الذي نسمعه ..

 

نعم ، دمرت بغداد أيام الزحف التتري ، وسالت من المسلمين دماء غاصت فيها أرجل الخيل ببيت المقدس على أيدي الصليبيين ، ولكن ذلك انتهى بعد أسابيع ، حرص بعدها كلا المعتدين على إبقاء المسلمين سالمين معافين ؛ ليستعبدوهم في عمارة الأرض بما يعود عليهم بالنفع ، ولكن مع العبودية كان الناس يحسون ببريق من الأمل خفف عنهم تقلبات الدهر ومحنه ، خاصة بعد أن شعروا أن هنالك من أهل الإخلاص من يسعى لعتقهم وتحرير أراضيهم ..

 

أما من ببلاد العراق الآن ، فقد مر على حالهم التي سبق وصفها سنوات وسنوات ، ولم تأت عليهم لحظة إلا وهي أسوأ من التي سبقتها ، وما أحسوا إلى الآن ببصيص من نور يتسلل من بين الظلمات ليصل إليهم ..

 

وإذا كانت العامة من الناس قد أُلهي أكثرهم بلقمة العيش التي صارت غايتهم ، وانشغل الملوك والرؤساء والأمراء بما أهمهم ، وتاه الأثرياء في أسواق الأرض التي كثرت دروبها وتشعبت ، وتبلد الإحساس في قلوب الجميع ..فما الذي دهى العلماء وأهمهم ، وجعلهم يغفلون عن رسالتهم التي ورثوها عن أنبيائهم ، وما الذي أنساهم التفكر في البحث عن مخرج من ذلك الجحيم الذي يعيشه العراقيون ، وهم أول من سيسأل عن ذلك يوم القيامة بعد أن تحملوا عبء إرشاد الأمة ، وساروا في هذا الطريق مختارين ..

 

كيف تطيب لهم الحياة وهم يسمعون ويشاهدون كل لحظة العشرات بل المئات تزهق أرواحهم وتحرق أجسادهم ، وكيف يهدأ لهم بال في هذا الجو المفعم بالمآسي ، وكيف يسكن لأحدهم جفن بنوم أو نعاس وبكاء الأطفال ونوح الثكالى وصراخ الشيوخ قد طن الآذان ..

 

ألا يجلسون جماعات أو مثنى أو فرادى ، ويتفكرون في هذا الأمر الذي هو جد خطير ؟!! ألا قطع كل واحد منهم جزءا من ليله ونهاره في البحث عن مخرج لحال هؤلاء المساكين بالعراق ؟!! ..ألا يجعلون هذا الأمر شغلهم الشاغل حتى تنكشف الأزمة وتزول الغمة ، ألا يقدم بعضهم على مثل ما أقدم عليه ابن تيمية ـ رحمه الله ـ الذي تعرض للملك التتري الذي اعتنق الإسلام ـ مشوها ـ وقال له : إنك تزعم أنك مسلم وجنودك وأتباعك يفعلون بالمسلمين ما يفعلون ، وقد كان من قبلك كافرا ورغم ذلك لم يصب المسلمون في عصره بمثل ما أصيبوا في عصرك  ..

 

ليقولوا لمن يحرك هؤلاء الجناة : إنكم تزعمون أنكم على الإسلام ، وقد فعل أتباعكم ما لم يفعله الكفرة من اليهود والإنجليز والأمريكان ، فكفاكم ...

 

ألا يتبرع بعضهم ـ وبقلب خالص ـ للسعي بين طرفي النزاع من السنة والشيعة بمثل ما سعى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأوس والخزرج حين أرادت قريش أن تؤلب المنافقين على المسلمين بالمدينة بعد الهجرة ، وكان مما قاله لهم صلى الله عليه وسلم : "لقد بلغ وعيد قريشٍ منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم !" (تهذيب سنن أبي داوود)..

 

وليقولوا لرؤساء تلك الطوائف المتقاتلة : لقد بلغ بلكم الأمر أن فعلتم بأنفسكم ما عجزت عن فعله جيوش الأمريكان ومن تحالف معهم ، فعلام ذلك ؟..

 

وليهدئوا من ثورة المندفعين إلى المزيد من الانتقام نتيجة لما حل بهم في العقود الماضية على يد أناس زالت دولتهم ، وانتهى أمرهم كما فعل الأوزاعي مع السفاح ـ الخليفة العباسي الأول ـ الذي جرت نيران الغضب في عروقه  بعد توليه الخلافة ؛ فاندفع ينتقم ممن قدر عليه من بني أمية ؛ ثأرا لما حصل أيام خلافتهم ..إذ استطاع الرجل بثقته في ربه ورغبته في ثوابه أن يقنعه أنه لا يصح قتال من قال : لا إله إلا الله بحال من الأحوال ، وأن هؤلاء لا ذنب لهم فيما وقع من الآخرين وإن كانوا أقاربهم ، وحقنت دماء العشرات والعشرات بتلك النصيحة ..

 

فليبحث العلماء ويتشاوروا فيما بينهم من أجل الوصول لحل لتلك القضية التي أفزعت الجميع ، وليفرغوا أنفسهم وأوقاتهم لذلك ..

 

وليقولوا بلين لأصحاب المآرب الدنيوية ما قاله الصحابي الجليل لعبد الله بن الزبير لما همّ بمقاتلة الممتنعين عن بيعته بالخلافة : لو كانت هذه الأنفس دجاجا يمتلكه أبوك الزبير ما جاز لك أن تسرف فيها ..

 

إن السعي في ذلك ـ وربي ـ أهم من المؤتمرات التي تعقد ، والندوات التي تقام ، والخطب التي تلقى ، واللقاءات التي تتم ،والرسائل التي تتطبع ، والبيانات التي تصدر باسم خدمة الإسلام ونصرته ..

 

وأي نصرة للإسلام ولنبي الإسلام بعد إزهاق نصف مليون روح مسلمة في قطر واحد من الأقطار الإسلامية ، وفي سنوات معدودة ..

 

نصف مليون زهقت أمام أعيننا ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان يذكر أن زوال الدنيا أهون عند الله من إراقة حفنة دم من مسلم ، وقد ذكر الله في عليائه أن من تسبب في قتل نفس مؤمنة أو شارك في قتلها ولو بالسكوت عقابه كمن قتل الناس جميعا ، ومن تسبب في نجاة نفس واحدة من الهلاك والموت ثوابه كثواب من أحيا الناس جميعا ، فقال سبحانه وتعالى : " .. أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .."( سورة المائدة : 32).

 

إن الله سبحانه وتعالى قصر الصلاة للمسلم ، ورفع عنه بعض أركانها وقت انشغاله بالجهاد الذي هو في الأصل لتوفير الأمن للمسلمين ، وأسقط فريضة الصيام عن المجاهد وقت قتاله ، وأباح له الفطر ، وما ذلك إلا لعظم ما يقوم به ، وهل هنالك في الإسلام أعظم من هاتين الشعيرتين فينشغل به الإنسان عن واجبه تجاه تلك القضية ؟؟..

 

إن تعللات العلماء وأعذارهم بسبب التهاون في هذا الأمر قد تكون كثيرة ، ولكن أمور التقصير قد تكون أعظم وأكثر ..

 

قد يتعلل العالم بأنه تكلم في هذا الأمر حتى بح صوته ، وقد يتعلل بأن الولاة الذين بيدهم هذا الأمر في منأى عن ذلك ، وقد يتعلل بأن الأطراف المتصارعة ترفض الانصياع ، وليس لديها نية في الإصلاح ، وقد يتعلل بان هنالك جهات خارجية تتدخل في الأمر بصورة خفية و ...نعم كل ذلك صحيح ، ومشاهد للعيان ، ورغم ذلك يستطيع العلماء أن يجدوا لتلك الأزمة المتداخلة أسبابها حلولا وحلولا بأن:

 

ـ يعزموا على ألا يهدأ لهم بال ، أو يستريح لهم جسد حتى يجدوا لذلك مخرجا بمشيئة الله ، فلا يتركوا دربا يحسبونه مساعدا لهم في ذلك إلا ويسلكوه ، مسترشدين بقول نبينا صلى الله عليه وسلم : " ..استعن بالله ولا تعجز " ( صحيح مسلم) ..

 

ولعل قصة العالم الإسكافي الذي شاهد حادث اختطاف أحد القادة الأتراك لواحدة من النساء من شوارع بغداد دون أن يجرؤ أحد من المارة على منعه محفزة لهم على ذلك ..

 

فقد قضى الرجل ليله في البحث عن حيلة يرد بها اعتداء هذا المتجبر العربيد على المرأة المسكينة حتى هداه تفكيره إلى أن يؤذن للفجر في غير ميعاده ؛ لعله يستطيع أن يجمع من زوار المساجد من يردون على العربيد كيده ، وكانت نتيجة إخلاصه أن يصل أمر ندائه في غير الموعد إلى الخليفة في قصره ؛ فيرسل من الجنود من يدقون عنق هذا المتجبر العربيد بعد أن اطلع على فعلته ..

 

ـ وأن يشكلوا من بينهم جبهة عالمية لدراسة أساب استمرار تلك الأزمة ، ووضع الحلول لها ، ولتكن لقاءاتهم بعيدة عن المحافل ، بعيدة عن وسائل الإعلام بأنواعها ، وخاصة البث المباشر على الهواء ؛ لأنه ما حال بين كثير من اللقاءات وبين النجاح إلا الهوى ، ولو تمت تلكم اللقاءات والمشاورات عبر (غرف النت )لكان أفضل لأنها تتيح الفرصة لكثير من الشخصيات الممنوعة من السفر بالمشاركة فيها ، وهذه اللقاءات لن يكون فيها من الأسرار فيخشى من التصنت عليها.

 

ـ وأن يقضي العلماء المشاركون في هذا الأمر وقتا طويلا في التضرع إلى الله قبل كل لقاء ؛ لتكلل الأعمال بالنجاح مقتدين بسلوك عبد الله بن عباس حين بعثه علي رضي الله عنهما لدعوة الخوارج ليعودوا إلى كنف الجماعة ، ويتخلوا عن  أفكارهم المنحرفة.

 

ـ وأن يستعينوا بأبحاث متنوعة ( نفسية ـ عقدية ـ سياسية ـ اقتصادية ـ تاريخية ) من أصحاب الشأن حول جذور تلك الفتنة التي ضربت العراق والحلول المقترحة لها، فكم من أفكار عند أناس خملت بخمول ذكر أصحابها ، ولو ظهرت للوجود لانبعث منها من النور ما يكفي لإضاءة المعمورة ..

 

ـ أن تنتدب مجموعة من هؤلاء العلماء من غير العراقيين لمقابلة زعماء الطوائف المتنازعة داخل العراق وخارجه، ويتلطفوا معهم ، ويسلكوا معهم كل السبل في أن يتعاونوا معهم في البحث عن مخرج من النفق المظلم الذي حصر فيه العراقيون ، ولتكن تلك اللقاءات أيضا بعيدة عن المجاهرة ووسائل الإعلام ، بعيدة حتى عن الإعلان عنها ، حتى لا يكون للنفس أي حظ فيها ، وحتى لا يجد المعترضون حرجا في الاقتناع بالرأي المخالف له ، وأن يظلوا بكل فريق حتى يستجيب لنصحهم ، فاللقاءات العابرة لا جدوى من وراءها ، وأن يرى المتخاصمون في هذا الوفد شفقة عليهم وحبا لهم ، وحرصا على نفعهم ، وأنهم مستعدون لتحمل كل مشقة من أجل لم شملهم .

 

وإذا كان من بين المقاتلين عصابات يدفعها الرغبة في المال إلى السطو والسرقة والقتل والخطف فليستعينوا عليهم بما يتبرع به رجال الأعمال الخيرين ، فدفع المال ـ ولو كان زكاة ـ إلى هؤلاء إن كان فيه كفهم عن جرائمهم أفضل من إنفاقه في جهات عديدة من جهات الخير ، فقد كان صلاح الدين رحمه الله يدفع إلى الأعراب الذين كانوا يعتدون على الحجاج من المال ما يلهيهم به عن قطع الطريق ، ويكف شرهم عن الحجاج ، أما من كانت أمنيتهم زوال الإسلام والعروبة من العراق فليتربصوا بهم اجتماع السواد الأعظم من الناس عليهم .

 

ـ أن يذهب من يستطيع من هذا الوفد إلى الحكام المعنيين بالأمر في المنطقة ، ولتكن تلك اللقاءات إن تيسرت بعيدة عن الأضواء وخفية ، فكثير من المسئولين وخاصة في دول الخليج العربي ما جعلهم ينصرفون عن السعي الحثيث في علاج تلك المشكلة إلا الأوضاع التي يعيشون فيها ، والضغوط الخارجة عن إرادتهم .

 

ـ أن يحرص بعض هؤلاء العلماء ( من البلاد ذات الصلة الطيبة بإيران ) على فتح قنوات اتصال مع المسئولين بإيران ، وذوي النفوذ من العلماء بها؛ لعلهم يستطيعون أن يدفعوهم إلى استغلال نفوذهم في إقناع المحرضين على سفك الدماء بالكف عن ذلك .. وإخلاص القائمين بهذا الأمر كفيل إن شاء الله بجعلهم يستجيبون لطلبهم ، فقد قام نفر من العلماء أيام الحرب العراقية الإيرانية بمثل ذلك ولقوا استقبالا حسنا .. 

 

ويا حبذا لو تحمل المشاركون من العلماء في تلك اللقاءات نفقات مشاركتهم من مالهم الخاص ؛ فذلك أدعى للإخلاص ، وإذا كنا نعد الصلح في مثل هذه القضية من العبادات  المأمور بها المسلمون كما قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما..." ( الحجرات : 9) فلنعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصر على أن يجعل نفقة الهجرة من ماله الخاص ؛ لأنه عدها عبادة يتقرب بها إلى الله ..

 

وهذا إن شاء الله لو حدث كفيل بأن يلم شعث العراق الممزق ،ويحقن دماء من تبقى من أهله ، ويبدل خوف الناس أمنا ، وخراب ديارهم عمارا ، وفي قصة الرجل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ما يبعث فينا الأمل بذلك ، ونحن على أعتاب العيد وننتظر أن يهل علينا بفرحه وسروره .

 

إدارة الموقع 
التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
طموحات استدعاها الفراغ العربى

طموحات استدعاها الفراغ العربى

فى الفراغ المخيم يعاد رسم خرائط العالم العربى هذه الأيام تحت أعين...

وقفة لا بد منها فرية القديس مرقس (3 / 3)

وقفة لا بد منها فرية القديس مرقس (3 / 3)

تؤكد الكنيسة المصرية، وفقا للتراث، أنها قائمة على جهود القديس مرقس...

جديد الأخبار المزيد
المعارضة السورية تعثر على ذخائر مصرية في مخازن النظام بحلب

المعارضة السورية تعثر على ذخائر مصرية في مخازن النظام بحلب

نشر قيادي في فصائل المعارضة السورية صورة تظهر صناديق...

خبير أمريكي بملف الإرهاب يكشف شبكات حزب الله الإجرامية

خبير أمريكي بملف الإرهاب يكشف "شبكات حزب الله الإجرامية"

نشر معهد واشنطن للدراسات مقتطفات من مساهمة ماثيو ليفيت،...

جنرال إسرائيلي: السيسي سيرد على الخليج بـ ثلاجات مفخخة

جنرال إسرائيلي: السيسي سيرد على الخليج بـ"ثلاجات مفخخة"

توقع جنرال إسرائيلي بارز أن يرد زعيم الانقلاب في مصر عبد...

  • أيام في سيلان والمالديف