موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

الإمام الشافعي ... منارة غزة تضيء الآفاق

Dec 08 2012 08:16:57

الكاتب : مدير الموقع

كتبه  مصطفى كريم

إنها منارة من أرض غزة الأبية، زاد نورها من قبس مكة المكرمة، وازداد وهجها من نور المدينة المنورة الشريفة، فسطع في كل أرجاء الدنيا علمًا وورعًا وتقوى وخلقًا.

نسبه ونشأته:

 

هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، ينتهي نسبه في جده السابع إلى هاشم بن المطلب بن عبد مناف، فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وجده المطلب هو الذي ربى هاشمًا جد النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ولد الإمام الشافعي في غزة بفلسطين في القبائل اليمنية التي كانت تقطن هناك عام 150هـ، ويشاء الله عز وجل أن تكون نفس السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وعندما بلغ سنته الثانية توفي والده، فرحلت أمه به إلى مكة، وتجمع الروايات على أنه عاش عيشة اليتيم الفقير الذي يحس بشرف أصله وعلو نسبه.

 

 يقول في ذلك محمد أبو زهرة رحمه الله: (إن الشافعي في نشأته الأولى عاش عيشة اليتامى الفقراء مع نسب رفيع، وإن النشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يتجه في أول عمره إلى المعالي بمتقضى نسبه ما لم يكن فيه شذوذ، أو في تربيته انحراف، ولم يكن أحدهما في الشافعي، بل كانت ذات التنشئة تتجه به إلى السمو والرفعة من تلقاء نفسها، وإن الفقر مع هذ العلو النسبي يجعله قريبًا من الناس يحس بإحساسهم، ويندمج في أوساطهم، ويتعرف دخائل المجتمع ويستشعر مشاعره) [محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة، ص(249)].

 

مراحل حياته:

 

رحل الشافعي إلى البادية، خاصة إلى قبيلة هذيل؛ ليقوم لسانه ولينأى عن اللحن والعجمة التي غزت الأمصار، ويحكي عن ذلك فيقول: (فلزمت هذيلًا في البادية أتعلم كلامها وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب فبقيت فيهم أرتحل برحلتهم وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)].

 

ولما عاد رحمه الله إلى مكة، تعلم على يد أحد شيوخها، وهو مسلم بن خالد، والذي قال له وهو شاب، سنه خمس عشرة سنة، ويقال ابن ثمان عشرة: (قد آن لك أن تفتي يا أبا عبد الله) [ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض، (1/139)]، ولكنه آثر أن يرتحل إلى بقعة هي من أقدس بقاع الأرض، وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ويومها تذكر حين مر به رجل من بني عثمان من الزبيريين، فقال يا: (أبا عبد الله، عزَّ عليَّ أن لا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه؛ فتكون قد سدت أهل زمانك)، قال: (فقلت: ومن بقي يُقصد إليه)، فقال لي: (هذا مالك بن أنس) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285)].

 

اللقاء الأول مع الإمام مالك:

 

 ذهب الفتى المكي وهو على أتم الاستعداد للقاء الإمام مالك، والتتلمذ على يديه، حيث يقول: (عدت إلى الموطأ فاستعرته وحفظته في تسع ليال) [الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، (1/125)]، وحفظه وهو ابن عشر سنين، وفي ذلك يقول: (حفظت القرآن وأنا ابن سبع، وقرأت الموطأ وأنا ابن عشر سنين) [الوافي بالوفيات، الصفدي، (1/222)].

 

ولكن اللقاء لم يكن بهذه السهولة، ونترك المجال له رحمه الله ليحكي عن قصة اللقاء الأول بين قامتين سامقتين من علماء الأمة فيقول: (دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، قال فقدمت المدينة وأبلغت الكتاب إلى الوالي، فلما أن قرأه قال: والله يا فتى إن أمشـي من جوف المدينة إلى جوف مكة حافيًا راجلًا أهون علي من المشي إلى باب مالك بن أنس؛ فإني لست أرى الذل حتى أقف على بابه.

 

ثم انطلقا فتقدم رجل فقرع الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاك إني بالباب، فدخلت فأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقرئك السلام، ويقول: إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف، فقال لها: قولي له معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة.

 

قال: فدخلت ثم خرجت وفي يدها كرسي فوضعت، ثم إذا أنا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طوال مسنون اللحية ـ أي طويلها ـ فدفع الوالي الكتاب من يده، ثم قال مالك رحمه الله: يا سبحان الله وصار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالرسائل.

 

قال الشافعي: فرأيت الوالي وقد تهيبه أن يكلمه فتقدمت إليه، فقلت له: أصلحك الله إني رجل مطلبي ومن حالي ومن قصتي فلما أن سمع كلامي نظر إلي ساعة، وكان لمالك فراسة  فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشأن.

 

ثم قال: نعم وكرامة، إذا كان غدًا تجيء ويجيء من يقرأ لك الموطأ، قال فقلت: فإني أقوم بالقراءة، قال: فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأه ظاهرًا والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكًا وأريد أن أقطع القراءة، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، يقول لي: بالله يا فتى زد، حتى قرأته في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك بن أنس) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/285-286)].

 

الإمام  الشافعي واليًا:

 

وبعد وفاة الإمام مالك، قدم والي اليمن إلى الحجاز، فكلمه بعض القرشيين في أن يصحبه الشافعي، ويحدثنا الإمام رحمه الله عن حالته المعيشية آنذاك فيقول: (ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به فرهنت دارها على ستة عشر دينارًا ودفعتها إلي فتحملت بها مع والي اليمن) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/281-282)]، ثم عمل واليًا على نجران في عصر هارون الرشيد.

 

 وكان أول ما فعل رفع المظالم عن أهل نجران، ويقول عن ذلك: (فرفع إلي الناس مظالم كثيرة فجمعتهم وقلت لهم اختاروا لي سبعة منكم من عدلوه كان عدلًا مرضيًّا ومن جرحوه كان مجروحًا قصيًّا فاختاروا لي منهم سبعة، فجلست وأجلست السبعة بالقرب مني فكلما شهد عندي شاهد بعثت إلى السبعة فإن عدلوه كان عدلًا وإن جرحوه كان مجروحًا، فلم أزل أفعل ذلك حتى أتيت على جميع من تظلم إلي فكنت أكتب وأسجل) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/283)].

 

وفي هذه الفترة التي قضاها الشافعي في هذا العمل برزت في حياته صفاتان، وهما:

 

1.   نبوغه وذكاؤه وعلمه، وحصافته في إدارة الأعمال وتسيير شئونها.

 

2.   عدله الذي لا يعرف الشفاعة أو الوساطة وخشيته لله في ولايته التي لا تعرف الجور ولا تميل عن الحق، حتى أن والي اليمن بعث إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين قائلًا: (... وههنا رجل من ولد شافع بن المطلب لا أمر لي معه ولا نهي) [تاريخ دمشق، ابن عساكر، (51/286)].

 

مؤلفاته وتلامذته:

 

 ثم ترك الولاية وأخذ في الاشتغال بالعلوم، ورحل إلى العراق وناظر محمد بن الحسن وغيرَه؛ ونشر علم الحديث ومذهب أهله، ونصر السنة وشاع ذكره وفضله وطلب منه عبد الرحمن بن مهدي إمام أهل الحديث في عصره أن يصنَّف كتابًا في أصول الفقه فصنَّف كتاب الرسالة، وهو أول كتاب صنف في أصول الفقه.

 

 وصنف في العراق كتابه القديم ويسمى كتاب الحجة، ويرويه عنه أربعة من جلِّ أصحابه، وهم أحمد بن حنبل، أبو ثور، الزعفراني والكرابيسي.

 

ثم خرج إلى مصر سنة تسعة وتسعين ومائة  ـ وقيل سنة مائتين ـ واشتغل في طلب العلم وتدريسه، وفوجىء بكتاب اسمه "الكشكول" لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وقرأ فيه العديد من الأحاديث النبوية التي رواها عبد الله ودوَّنها، وبناءً عليه غيَّر الشافعي الكثير من أحكامه الفقهية وفتاواه لما اكتشفه في هذا الكتاب من أحكام قطعت الشك باليقين أو غيرت وجهة أحكامه، حتى أنه حينما يسأل شخص عن حكم أو فتوى للإمام الشافعي يقال له: هل تسأل عن الشافعي القديم (أي مذهبه حينما كان في العراق)، أم مذهب الشافعي الحديث (أي الذي كان بمصـر).

 

كما صنَّف كتبه الجديدة كلها بمصر، وسار ذكره في البلدان، وقصده الناس من الشام والعراق واليمن وسائر النواحي لأخذ العلم عنه وسماع كتبه الجديدة وأخذها عنه، وساد أهل مصـر وغيرهم وابتكر كتبًا لم يسبق إليها منه أصول الفقه، ومنها كتاب القسامة، وكتاب الجزية، وقتال أهل البغي وغيرها.

 

وأشهر تلامذته الإمام البويطي يوسف بن يحيى، والإمام إسماعيل بن يحيى المزني، والإمام الربيع بن سليمان المرادي، وحرملة بن يحيى.

 

عبادته وإيمانه:

 

فقد كان رحمه الله عابدًا لله تبارك وتعالى، فقد كان يقسم الليل ثلثًا للعلم، وثلثًا للعبادة وثلثًا للنوم، وكان له تعامل خاص مع كتاب الله، يصفه صاحب الإحياء بقوله: (وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله تعالى لنفسه ولجميع المسلمين والمؤمنين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه وللمؤمنين) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)]، وكانت قراءته للقرآن تبكي السامعين، يقول بعض جلسائه: (فإذا آتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس من بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته) [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/24)].

 

خلقه القويم:

 

عرف الشافعي برفعة خلقه، كما وصفه شيوخه في مكة: (فلم تعرف عنه صبوة) [مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي، (1/219)]، وكان نزيهًا في علمه وورعًا حيث يقول: (وددت أن هذا الخلق تعلموا العلم على ألا يُنسب إلي منه حرف) [طبقات الشافعي الكبرى، السبكي، (3/194)]، ويصفه شديد ورعه فيقول: (ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا) [طبقات الشافعي الكبرى، السبكي، (3/194)]، ويقول أيضًا: (من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه)  [إحياء علوم الدين، الغزالي، (1/27)].

 

وكأن الشاعر قد لخص هذا الخلق القويم وتلك القيم العظيمة التي عاش بها الشافعي من حلم وكرم وبر وشكر ولين وصبر، فقال في أبيات رائعة:

 

إن المـكارم أخلاق مطهـرة               الــدين أولهـا والعقل ثانيها

 

والعلم ثالثها والحلم رابعــها              والجود خامسها والفضل سادسها

 

والبر سابعها والشـكر ثامـنها             والصــبر تاسعها واللين باقيها

 

وفاته:

 

يقول الحسن بن الربيع: (توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة، بعد ما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين) [حلية الأولياء، أبو نعيم، (4/73)].

 

ويقول ابن خلكان عن الشافعي رحمه الله: (وقد اتفق العلماء قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه ونزاهة عرضه وعفة نفسه وحسن سيرته وعلو قدره وسخائه) [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/166)].

 

لما مات رثاه خلق كثير، وهذه المرثية منسوبة إلى أبي بكر محمد بن دريد [وفيات الأعيان، ابن خلكان، (4/168)]، يقول فيها:

 

ألم تر آثار ابن إدريس بعده ... دلائلها في المشكلات لوامع

 

معالم يفنى الدهر وهي خوالد ... وتنخفض الأعلام وهي فوارع

 

مناهج فيها للهدى متصرف ... موارد فيها للرشاد شرائع

 

ظواهرها حكم ومستبطناتها ... لما حكم التفريق فيه جوامع

 

لرأي ابن إدريس ابن عم محمد ... ضياء إذا ما أظلم الخطب ساطع

 

إذا المفظعات المشكلات تشابهت ... سما منه نور في دجاهن لامع

 

أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع

 

توخى الهدى واستنقذته يد التقى ... من الزيغ إن الزيغ للمرء صارع

 

ولاذ بآثار الرسول فحكمه ... لحكم رسول الله في الناس تابع

 

وعول في أحكامه وقضائه ... على ما قضى في الوحي والحق ناصع

 

بطيء عن الرأي المخوف التباسه ... إليه إذا لم يخشَ لبسًا مسارع

 

وأنشا له منشيه من خير معدن ... خلائق هن الباهرات البوارع

 

_________

 

أهم المراجع:  

 

1.    تاريخ دمشق، ابن عساكر.  

2.    ترتيب المدارك وتقريب المسالك، القاضي عياض.  

3.    الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون.  

4.    الوافي بالوفيات، الصفدي.  

5.    إحياء علوم الدين، الغزالي.  

6.    مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان، اليافعي.  

7.    طبقات الشافعي الكبرى، السبكي.  

8.    حلية الأولياء، أبو نعيم.  

9.     وفيات الأعيان، ابن خلكان.  

10.  محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، محمد أبو زهرة.

 

المصدر :  لواء الشريعة

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف