موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

صور نادرة من مثابرة السلف الصالح في طلب العلم

Apr 08 2013 12:06:17

الكاتب : مدير الموقع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد فمن تأمل سير السلف الصالح وما كانوا يقاسونه في سبيل تحصيل العلم وطلبه علم كيف وصلوا لركب الحضارة وسادوا الأمم في فترة وجيزة  وأخذوا بزمام العلم وصاروا منارة العلم في العالم أجمع ..

فانظر إلى الحاكم يصفهم بقوله : آثروا قطع المفاوز والقفاز على التنعم في الدمن والأوطان، وتنعموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، جعلوا المساجد بيوتهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة، وسمرهم المعارضة، استرواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السهاد، وتوسدهم الحصى. فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس! فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، وقلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلم السنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم.

فهذا ابن الجوزي يقول : كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسي من العدو لئلا أسبق  .

وقال أيضا : كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفاً..

وهذا عبد الرحمن بن خراش المروزي يقول : شربت بولي في السفر لطلب علم الحديث خمس مرات .أي أنه كان ينفد ما معه من ماء فلا يجد غير البول يشربه ليدفع عن نفسه خطر الهلاك .

وهذا الحافظ محمد بن طاهر المقدسي يقول : بلت الدم في طلبي للحديث مرتين: مرة ببغداد ومرة بمكة؛ وذلك أني كنت أمشي حافياً في سفري لطلب العلم في شدة الحر وعلى الرمضاء المحرقة، فأثر ذلك في جسدي فبلت دماً، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث إلا مرة واحدة، وكنت دائماً أحمل كتبي على ظهري في أثناء سفري، حتى استوطنت البلاد وما سألت في حال طلبي للعلم أحداً من الناس مالاً، وكنت أعيش على ما يأتيني الله به من رزق من غير سؤال  .

وهذا جرير بن حازم يقول : جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم منها يوماً واحداً.

وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجد أحدًا يفتحها علي إلا رجلاً ببرك الغماد لرحلت إليه .

وهذا أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده يرحل لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ويرجع إلى بلده وعمره خمسة وستون عاماً، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عاماً، سمع فيها العلم وتلقاه عن ألف وسبعمائة شيخ، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عاماً، ورزق الأولاد، وحدث الناس وعلمهم .

وهذا ابن المقرئ يحدث عن نفسه فيقول : طفت المشرق والمغرب أربع مرات. وقال: مشيت بسبب نسخة «المفضل بن فضالة» سبعين مرحلة، ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها.

وهذا  جابر بن عبد الله الصحابي الجليل يقول: بلغني حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أسمعه، فابتعت بعيراً فشددت عليه رحلي، وسرت شهراً، حتى قدمت الشام، فأتيت عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فأتاه، فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم. فرجع فأخبره، فقام يطأطئ ثوبه حتى لقيني فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القصاص لم أسمعه، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه.

وهذا أبو حاتم الرازي يقول : مشيت على قدمي ألف فرسخ ، ثم تركت العدد ، أي في سفره لطلب العلم  .

وهذا أبو العلاء الهمداني يقول : رحلت إلى بغداد لطلب العلم، فكنت أبيت الليل في المساجد وآكل خبز الذرة ، وكان يمشي في اليوم الواحد ثلاثين فرسخاً  وهو حامل كتبه على ظهره لأجل طلب العلم.

وهذا عمر بن عبد الكريم الرواسي يرحل في طلب العلم، وسماع الحديث من ثلاثة آلاف وستمائة شيخ، وفي إحدى رحلاته سقطت بعض أصابعه من شدة البرد والثلج، ولم يكن معه آنذاك ما يتدفأ به .

وهذا إسحاق بن منصور المروزي من تلاميذ الإمام أحمد، قد كتب مجموعة من المسائل الفقهية ثم رجع إلى بلده نيسابور، ثم إنه بلغه أن الإمام أحمد قد رجع عن تلك المسائل وصار يفتي بغيرها، فوضع إسحاق صحفه وكتبه التي فيها تلك المسائل في جراب، وحملها على ظهره، وخرج راحلاً على قدميه من نيسابور إلى بغداد حتى لقي الإمام أحمد وسأله عن تلك المسائل فأقر له أحمد بما أفتاه به أولاً، وأعجب الإمام أحمد به .

وقال أحمد بن سنان الواسطي: بلغني أن أحمد بن حنبل رهن نعله عند خباز على طعام أخذه منه، عند خروجه من اليمن. وسرقت ثيابه وهو باليمن، فجلس في بيته ورد عليه الباب، وفقده أصحابه، فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم، فعرضوا عليه ذهباً فلم يقبله، ولم يأخذ منهم إلا ديناراً واحداً، ليكتب لهم به ـ أي أخذ الدينار على أن يكون أجرة لما ينسخه لهم من الكتب ـ فكتب لهم بالأجر رحمه الله تعالى .

 وهذا الشعبي يقول عندما سئل: من أين لك هذا العلم كله؟ : بنفي الاغتمام، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمام، وبكور كبكور الغراب .

وهذ الخطيب التبريزي يسافر من تبريز إلى معرة النعمان، ويأخذ معه كتاب تهذيب اللغة للأزهري ليقرأه على عالم مشهور في معرة النعمان، ويضع الكتاب في جراب له ويحمله على ظهره، وكان رحمه الله فقيراً لا مال له، فلم يقدر على استئجار دابة ليركبها، فقطع المسافة ماشياً على رجليه في شدة الحر والقيظ والرمضاء، حتى إنه من كثرة العرق الذي تصبب منه في شدة الحر في هذه الرحلة تسرب البلل من ظهره إلى ثيابه ومن ثيابه إلى الجراب الذي فيه الكتاب، ووصل البلل إلى الكتاب فأثر في الحبر وأفسد بعض الكلمات حتى إن من رأى الكتاب يظنه قد غمس في ماء، وما هو إلا عرق الخطيب التبريزي .

وهذا بقي بن مخلد يرحل من الأندلس إلى بغداد، على قدميه ماشياً، ويقطع القفار والبحار والجبال وكان عمره آنذاك عشرين سنة، وكان مقصوده لقاء الإمام أحمد بن حنبل وسماع الحديث منه، ولما اقترب من بغداد جاءه خبر محنة لإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن، وبلغه أن الإمام أحمد قد منع من التدريس وإقامة الحلقات، وأنه مقيم في بيته رهن الإقامة الجبرية، قال بقي: فاغتممت لذلك أشد الهم والاغتمام ..

ولكنه أصر على مواصلة رحلته، فلما وصل بغداد وضع متاعه ثم ذهب إلى الجامع الكبير بها، ثم خرج باحثاً عن منزل أحمد، فدل عليه، فطرق الباب ففتح له أحمد، فقال له بقي: أنا رجل غريب الدار وطالب حديث، وما كانت رحلتي إلا إليك، فقال: وأين بلدك؟ قلت: المغرب الأقصى، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية فقال: إن موضعك لبعيد، ووددت مساعدتك ولكني في حيني هذا ممتحن ومحبوس في داري، فقال بقي: يا أبا عبد الله! أنا رجل غريب لا يعرفني أحد من أهل بغداد، فإن أذنت لي أن آتيك كل يوم في زي السؤال، فأطرق الباب وأسال الصدقة، فتخرج إلي فتحدثني ولو بحديث واحد كل يوم، فقال أحمد: نعم بشرط ألا تظهر في الحلق وعند أصحاب الحديث، قال بقي: فكنت آخذ عوداً بيدي وألف رأسي بخرقة، وأجعل ورقي ومحبرتي في كمي، ثم آتي باب الدار فأصيح: الأجر رحمكم الله، فيخرج إلي أحمد، ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة حتى اجتمع لي نحو ثلاثمائة حديث، ثم إن الله رفع المحنة عن الإمام أحمد وسمح له بعقد الدروس والحلقات، فكنت إذا جئته وهو في حلقته أفسح لي المكان وأجلسني بجواره، وقال لتلاميذه: هذا يصدق عليه اسم طالب العلم، ثم يقص عليهم قصتي معه، ثم مرة مرضت فأتاني أحمد يعودني ومعه أصحابه ومعهم أقلامهم يكتبون كلام شيخهم .

وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول : لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شاب ـ  قلت لشاب من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولنتعلم منهم فإنهم اليوم كثير، فقال لي: يا عجباً لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فيهم؟ قال ابن عباس: فتركت ذلك الرجل وأقبلت أنا على المسألة، وجعلت أتبع الصحابة وأسألهم، فإن كنت لآتي الرجل في طلب حديث واحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  فأجده قائلاً فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي التراب (أي تنثره) حتى يخرج، فإذا خرج قال: ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟! ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: لا أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأحببت أن أسمعه منك.

وهذا يعقوب بن سفيان يتحدث عن طلبه للعلم وصبره على ذلك ومجاهدته النفس حتى رزقه الله العلم والفقه فيقول: أقمت في الرحل ثلاثين عاماً، ففي إحدى رحلاتي قلت نفقتي، فكنت أعمل بنسخ الكتب ليلاً، وأطلب العلم بالنهار، وفي ذات ليلة بينا أنا جالس أكتب وأنسخ على ضوء السراج، وكان الوقت شتاءً، إذ نزل الماء في عيني، وما عدت أبصر شيئاً فبكيت أسفاً على ذهاب بصري لما سيفوتني من قراءة العلم وكتابته، فغلبتني عيناي فنمت وأنا على تلك الحال، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام، فناداني وقال: لم بكيت؟ فقلت: ذهب بصري فتحصرت على ما فاتني من العلم، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه، فأمر يده على عيني كأنه يقرأ عليها ثم استيقظت فأبصرت، فأخذت نسختي وواصلت الكتابة .

وذكر القاضي عياض أن أبا الوليد الباجي كان أصله من «بطليوس» ثم انتقل إلى «باجة الأندلس» فقيراً حتى احتاج أثناء سفره إلى أن يؤجر نفسه لحراسة درب من الدروب، فكان يستعين بأجره الحراسة على النفقة لطلب العلم، وبضوء مصابيح الدرب على القراءة والمطالعة، ثم إنه تولى ضرب صفائح الذهب وطرقها ودقها  لتكون خيوطاً توضح في النسيج والقماش، فكان يخرج إلى بعض تلاميذه القلائل وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل، ثم بعد ذلك فشا علمه واشتهر صيته وذاعت شهرته فأغناه الله من فضله .

وهذا الزبيدي عالم اللغة الشهير قد طلب العلم على يد أبي علي الفارسي، ففي ذات مرة نام في بيت الدواب الذي كان خارج دار أبي علي الفارسي، وكانت فيه دابة أبي علي، وإنما فعل ذلك لأجل أن يسبق الطلبة إلى أبي علي الفارسي قبل أن يزدحموا عليه، ففي ذات مرة خرج أبو علي من بيته لصلاة الفجر مبكراً قبل طلوع الفجر، فشعر به الزبيدي فتبعه في الظلام، فخاف أبو علي وظنه لصاً وقال: ويحك من تكون؟ قال أنا تلميذك عبد الله الزبيدي، فصاح فيه: إلى متى تتبعني؟ والله ما على الأرض أحد أعلم بالنحو منك.

موقع التاريخ مختصر من كتاب ورثة الأنبياء

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
محرقة حلب ورهانات النظام السوري وحلفائه

محرقة حلب ورهانات النظام السوري وحلفائه

د / خطار أبو دياب الأربعاء 26 أبريل 2016 في يوم اختتام ال�...

التحديات المقبلة أمام المعارضة السورية

التحديات المقبلة أمام المعارضة السورية

يزيد صايغ تواجه المعارضة السورية تحدّيات متزايدة ، &n...;

قراءة وتحليل لكتاب نفاق اليهود لـ مارتن لوثر

قراءة وتحليل لكتاب" نفاق اليهود" لـ مارتن لوثر

  عيسى القدومي الكتاب بعنوان " نفاق اليهود"( ...

جديد الأخبار المزيد
أردوغان: إذا لم نتحرر من التبعية العسكرية للغرب فسنعاني كثيرا

أردوغان: إذا لم نتحرر من التبعية العسكرية للغرب فسنعاني كثيرا

 أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم السبت، ...

حملة إعلامية غير مسبوقة بإيران لدفع المتطوعين للقتال بسوريا

حملة إعلامية غير مسبوقة بإيران لدفع المتطوعين للقتال بسوريا

 دعت وسائل الإعلام الإيرانية، السبت، الإيرانيين وا...

الحوثيون يصعدّون على الأرض ويدفعون بتعزيزات إلى تعز والضالع والحدود مع السعودية

الحوثيون يصعدّون على الأرض ويدفعون بتعزيزات إلى تعز والضالع والحدود مع السعودية

أفاد مراقبون محليون ومصادر عسكرية وأخرى ميدانية بأن م...

  • أيام في سيلان والمالديف