موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

في صحبة الأنبياء ( شعيب عليه السلام 7 )

Apr 22 2013 07:39:51

الكاتب : مدير الموقع

د/ أحمد  عبد الحميد عبد الحق *

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .. وبعد ..

فقد عشنا في الحلقة السابقة في صحبة نبي الله صالح ـ عليه السلام ـ ورأينا كيف فعل الله عز وجل  بثمود وديارهم ، إذ أبيدوا عن آخرهم  ، وصارت ديارهم وأراضيهم ملوثة موبوءة ، لا تصلح للسكن بعدهم بسبب شؤم معصيتهم  .  

واليوم بمشيئة الله سبحانه وتعالى نعيش مع نبي الله شعيب ـ عليه السلام ـ الملقب بخطيب الأنبياء ـ عليهم  السّلام ـ الذي بُعِث إلى قومه الذين كانوا يسكنون بمنطقة مدين ، وهي كما قيل : تقع  قرب معان جنوب شرقي الأردن على طريق الحجاز ..

وكان الله قد أنعم عليهم بنعم كثير ، وفرة في الأموال ؛ وزروع وأشجار وثمار ؛ حتى سموا أصحاب الأيكة ـ والأيكة هي الشجر الملتف،  وبسط لهم في الرزق ووسع لهم في العيش ،  ولكنهم لم يقنعوا بوفرة الرزق الحلال كحال بعض الأثرياء ، وإنما دفعهم الشره وحب المال إلى طلبه بالسبل المحرمة ..

وقد ابتدأ ـ عليه السلام ـ دعوته بالنداء الذي وجهه كل نبي إلى قومه فقال : " يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " ..

وهو يوجه إليهم هذا النداء الكريم لأن الله اختاره رسولا إليهم وأمره بدعوتهم :" إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ " أي أمين في تبليغ رسالته إليكم دون زيادة أو نقصان " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ " أي فيما أبلغكم به..

وكما هي عادة البشر ـ إلا قليل ـ لم يلق منهم الاستجابة المرجوة ، ووقع الجدال والخصام بينهم والشك في دعوته ، فكان رده المنطقي الذي تسلم به كل العقول الرشيدة " قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ " أي بدليل على صدق نبوتي ، وهي التي تسمى في عرف الناس بالمعجزة ..

فواجهوه بمثل ما واجهت به الأمم المكذبة أنبياءها ووصفوا آيته البينة إليهم بالسحر ، قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ" ..

فلم يعبأ بهذا الوصف منهم ولا بتكذيبهم له ، واستمر في دعوتهم للتوحيد الخالص ومعالجة الأمرض الاجتماعية المتفشية بينهم ؛ وهي : نقص الكيل والميزان ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والصد عن سبيل الله ، وقطع الطرق ، فقال كما حكى القرآن الكريم :" .. أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا "..

ثم ذكرهم بنعمة الله عليهم بأن بسّط لهم في الرزق وكثّر لهم في الولد ، تلك النعم التي إن جحدوها فسيلقوا لا محالة مصير من سبقهم من المفسدين من الأمم السابقة والمجاورة لهم ، وهم كانوا على دراية بهم وما حدث لهم فقال :" وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" ...

فردوا عليه بأنه لا شأن للدين أو العبادة بما هم عليه ـ كحال العلمانيين الآن الذين ينادون بسلخ العبادة التي هي مجرد طقوس في رأيهم عن المعيشة والمعاملات فيما بينهم وخاصة المعاملات المالية ـ فقالوا :"... يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ ( أي دينك وعبادتك ) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ "..

إن العبادة في رأيهم مجرد حركات جامدة تُؤدى على سبيل العادة ، فما علاقتها بالتصرف في الأموال وأن يفعلوا بها كما كان يفعل آباؤهم ..

ثم يتخيلون بعد ذلك أنهم أصحاب العقول النيرة أو المستنيرة ، ويقولون له : كيف تنادي بذلك وأنت الحليم الرشيد ..

وقد يكون المراد من قولهم :" يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ".. أنهم كانوا يرونه يؤدي الصلاة ويبتهل إلى الله عز وجل ثم يخرج عليهم لدعوتهم مباشرة ، وهم لا يؤمنون بالوحي ، فتعجبوا من ذلك وقالوا : هل هذه الحركات التي تؤديها تأمرك بما تأمرنا به من ترك ما كان يعبد الآباء أو نفعل بالأموال ما نريد ؟ كيف ذلك يا شعيب وأنت الحليم الرشيد ، وقولهم على سبيل الاستنكار .. 

وكان ـ عليه السلام ـ قد عرف منذ نشأته بينهم بالصلاح والخير والحلم والرشاد كحال النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة فلم يملكوا غير أن يقروا له بذلك ، ويؤكدوا له ذلك بأكثر من مؤكد ( إنك لأنت ) ..

وربما جاء وصفهم له بأنه الحليم الرشيد بعد أن اشتد عليهم في المناقشة ، وهو يبين لهم أن غاية العبادة أو الصلاة الحقيقية لا تكون إلا بإصلاح العابد ، ومنها التبرؤ ممن يعبدون من غير الله عز وجل ولو كانوا آباءهم ، وعدم إنفاق الأموال في غير ما ينفع .

وأعود إلى قولهم " أصلاتك تأمرك ... " فأقول إن الصلاة أو العبادة إن أديت كطقوس بحركاتها التي يراها الماديون لا تقدم ولا تؤخر ولا تأمر ولا تنهى ، وإنما إن أديت على أنها شعائر تصل العبد بربه فهي لا محالة تكون وازعا للإنسان عن الوقوع في كل ما يرضي الله عز وجل ، ولذا جاء في القرآن الكريم :" إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .."

وهذا ما كان يوقن به شعيب ـ عليه السلام ـ ولذلك قال لهم لما جادلوه في هذا الشأن :"  يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا " والرزق الحسن قد يكون النبوة التي اصطفاه الله لها أو اليقين أو الرزق المادي الحلال الذي كان يكسبه مقابل التطفيف ونقص المكيال والميزان الذي كانوا يمارسونه .

ومع إن دعوته ـ عليه السلام ـ كانت واضحة المعالم يفهمها الجميع ولا هدف من وارءها غير غير إصلاحهم إلا أن المعاندين منهم ـ كحال الملأ الكافر من كل أمة ـ رأى فيها الفرقة والقطيعة والخروج عليهم والمخالفة لهم ، فجاء رده ـ عليه السلام ـ :"  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ"..

وإلى الآن أول وصف يُسمعُ من المعاندين للمصلحين هو : شق الصف ، نشر الفرقة ، تقسيم المجتمع ، والتي كانت تعني عند الأمم السابقة الخروج على تقاليد الآباء وعند المعاصرين الخروج على المجتمع والدولة التي لا تعني في نظر الحكام المتغطرسين غير السفه الذي يمارسه الكبراء والتقاليد البالية المخلوطة بالمعصية التي يمارسها العامة من الناس .

وقد يقصد من قوله عليه السلام  :"  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" أنهم لما قالوا له :" يا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.." قصدوا من ذلك أن يماروا معه عن طريق لي الحقائق ويقولون له : إنك تامرنا بصلة الأرحام وبر الوالدين وألا نعتدي على أموال الآخرين ، وفي نفس الوقت تأمرنا بمخالفة آبائنا وعبادة غير ما يعبدون وتقيد علينا حرية التصرف في أموالنا ، فكان رده هذا الذي لا لبس فيه :"  ..

وقد يكون قصد بقوله  :"  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" أنه كان في تجارته وفي بيعه واشترائه لا يتعامل معهم بالتعاملات المحرمة ، فلما كلموه في ذلك قال لهم ذلك ، فهو أول من يلتزم بما يدعو إليه ، والداعي أو المصلح ينبغي أن يطبق دعوته على نفسه أولا ، وإلا كان من أول من تسعر به النار يوم القيامة ..

فشعيب إذن لم يرسله الله لينشر الفرقة بينهم وهو لا يريد بدعوته أن يخالف قومه فيما يناههم عنه ، وإنما يريد الإصلاح ، ولهذا قال :"  إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ " .

فأي نبي وأي داع وأي مصلح ما قصد أبدا بدعوته مخالفة من يدعوهم ، إنما يريد الإصلاح فقط ، ولذلك قال عليه السلام :" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " وهذا الإصلاح لا يكون يقينا دائما ولا يملك هو ولا غيره تحقيقه إلا بمشيئة الله عز وجل ، ولذلك قال عليه السلام وأقر بالعجز : ما استطعت ، أي مدة استطاعتي للإصلاح..

ثم عقب على ذلك بأنه لن يصل لهذا الإصلاح إلا بتوفيق من الله عز وجل ، وهذا التوفيق يمنحه الله سبحانه وتعالى لمن توكل عليه " وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"..

إن شعيبا ـ عليه السلام ـ كان بليغا فصيحا حتى سمي بخطيب الأنبياء ، وكان ذا مكانة في قومه ؛ لدرجة أن المشركين رغم كيدهم له تحاشوا الصدام معه ، وقالوا :" ولولا رهطك لرجمناك " ورغم ذلك كان توكله على الله وحده ، فعلى كل داع وكل مسلم يريد أن يتأسى به ألا يغتر لا بقدراته ولا بمواهبه ولا بمكانته بين الناس ، وإنما يكون توكله على الله وحده يطلب منه العون والسداد والتوفيق ..  

واستمر ـ عليه السلام ـ في دعوتهم واستمروا في تكذيبهم ، والناس صنفان : صنف مع الإلحاح في دعوته يقترب من الإيمان شيئا فشيئا ، كما حدث مع أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ أسلموا جميعا بعد أن قدر لهم الله عز وجل الهداية ،  وصنف مع الإلحاح في دعوته يزداد عناده وكراهيته لمن يدعوه ، وربما أيقن بالحق ورفض اتباعه نكالا فيمن يدعوه أو حسدا له ؛ دون أن يفكر في مصلحة نفسه ليدرك أنه الفائز من وراء الاستجابة لمن يدعوه ، وأن عدم انصياعه له لن يضر إلا نفسه ، وتلك الحقيقة ذكّر به شعيب عليه السلام قومه في قوله الذي حكاه القرآن الكريم :"  وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ " ..

ويبدو أن قوم شعيب كانوا على علم بحال هؤلاء الأقوام السابقة ومصائرهم جميعا ، ولكن الطغيان أعماهم كحال من يعرف الحق في كل عصر ..

 وأما قوله :" وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ " فقد يقصد به القرب الزماني ، فكانوا أقرب الأمم السابقة لهم ، أو القرب المكاني فكانوا مجاورين لهم ، أو القرب في المعصية ، فقوم لوط كانوا يقطعون الطريق على الناس وأخذهم للفاحشة ، وهؤلاء كانوا يقطعون على الناس طريقهم لأخذ أموالهم في صورة مكوس وأعشار ..

وكان تذكيرهم بالمصير المؤلم الذي حل بقوم لوط جدير بأن يجعلهم يتركوا عنادهم وشقاقهم له ، وأن يعودوا لربهم ويستغفرونه كما نصحهم في قوله: " وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ "

ولكن يا سبحان الله ! ويا لتعاسة هؤلاء ! بعد هذا الحوار الطويل الذي هو جد ولا يحمل شيئا من الهزل يردون عليه قائلين :" ... يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ " مع إن كلامه واضح لا لبس فيه ولا غموض ولا سفسطة ، يفهمه الصغير قبل الكبير ...

ومع إن المناقشات السابقة التي وردت بين شعيب وقومه كانت تتسم بالهدوء التام والبعد عما يستفز الغير وبعيد كل البعد عما يغضب ، بل حملت طابع الحلم والرشد الذي اتصف به صالح ـ عليه السلام ـ إلا أن رد هؤلاء كان كما حكى القرآن الكريم :" وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ "...

إن شعيبا ـ عليه السلام ـ وقد توكل على الله عز وجل واحتمى بحماه لم يكن يعنيه عزوة رهطه في شيء وإن أرهبت هؤلاء المعاندين ، واستغل هذا الموقف في الدعوة إلى الله عز وجل ، فقال لهم : أرهطي أعز عليكم مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " أي يا قومي أرهطي أعزّ وأكرم عليكم من الله القوي القادر القاهر، وتركتموه خلفكم، لا تطيعونه ولا تعظمونه، ولا تخافون بأسه وعقابه، إن ربي محيط علمه بعملكم، عالم بأحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم على أفعالكم.

وشعيب ـ عليه السلام ـ وأي نبي سابق أو لاحق له لا يجبر أحدأ على اتباعه والاستجابة لدعوته ، ولكنه يريد منهم ألا يتعرضوا لدعوته ولا لمن آمن معه بسوء ، وهو لن يتعرض لهم بسوء ، ولذلك قال لهم : " وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ "...

وهذا كلام منطقي وربما أثر في قلوب البعض منهم ولانوا له وبدءوا يفكرون في الاستجابة له ، ولكن رءوس الكفر منهم لم يرضهم ذلك ، وخافوا على المنافع الدنيوية التي يحققونها بطرق غير مشروعة ، وينفقونها في غير موضوعها ، وقالوا كما حكى القرآن الكريم : "  وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ" فالفجار دائما يرون في الاستجابة للدعوات خسارة لأنها تحول بينهم وبين شهواتهم وملذاتهم وتمنعهم من أكل أموال الناس بالباطل ، ولذا فهم أبعد الناس عن اتباع الحق ..

وبعد أن طال زمن دعوته لهم وازداد إصرارهم على الكذب ، وعلم من خلال الحس والواقع أنه لا أمل في استجابتهم ، وخاصة بعد أن تحدوه بأنهم لا يخافون منه ولا من إلهه قائلين :" فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ "  قال لهم وقلبه كله حزن على المصير الذي ينتظرهم :  وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ " ...

فما دمتم لا تريديون الهداية ولا تقبلون النصيحة ولا تخافون سوء العاقبة فافعلوا ما شئتم فأنتم أحرار في ذلك فلن يضار بذنبكم أحد ، وأما أنا فماض فيما أنا عليه عامل على ما ينجيني ، وقريبا ستعلمون من سيأتيه العذاب المخزي ومن كان منا كاذب في ادعائه ، وترقبوا ذلك فأنا مرتقبه معكم ..

وكأني بالشيطان يحض هؤلاء الملأ على استعجال مصيرهم ، وكان من الممكن أن يمتد بهم العمر وتكتب لهم السلامة وهم على كفرهم وعنادهم ، ولكنهم أبوا تحت تحريض من الرجيم إلا أن يستعجلوا نتيجة الصراع مع الحق بإعلان الحرب على أولياء الله المؤمنين مع شعيب ، ووضعوهم بين خيارين كل منهما شر من الآخر ، فقالوا كما حكى القرآن الكريم : " قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا"..

وهنا يأتي الرد الهادئ من شعيب ـ عليه السلام ـ كعادته :" أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا " ..

والعودة إلى الكفر والمعصية من شعيب ومن معه من الذين ذاقوا حلاوة الإيمان أمر محال مهما أكرهوا عليه إلا أن يشاء الله ، وهو عز وجل لن يشأ لهم إلا الخير والهداية لأنه مطلع على نياتهم الحسنة وعالم بصدقها وهو سبحانه وسع كل شيء علما ..

وعلم الملأ الذين كفروا من قول شعيب ورده السابق أنه ومن معه لن يتزحزحوا عن إيمانهم قدر أنملة فلجئوا إلى تنفيذ تهديهم بطردهم وإقصائهم جميعا من القرية ..

 وتميز الطرفان في ساحة المواجهة ، طرف تسلح بقوته وغطرسته وعدده الوفير ، وطرف تسلح باللجوء إلى مولاه ووليه الله عز وجل الذي لا يقهر ، فوقف شعيب عليه السلام وهو يردد :"  عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ " ..

وإن المرء ليقف مذهولا بفكره أمام هذا الدعاء الذي دعا به شعيب عليه السلام في هذا الموقف العصيب الذي حشد فيه الكافرون كل قواهم لإخراجه ومن معه ، فهو لم يدع بإهلاكهم ولم يدع بإبادتهم ، ولم يدع حتى بالانتصار عليهم ، وإنما دعا بأن يفتح ( يحكم ) الله بينه وبينهم فإن استحقوا الهداية واتباعه هداهم وإن استحقوا الهلاك أهلكهم ، إنه دعاء يخرج من قلب رجل مخلص لا يحمل مقدار ذرة من الكراهية لقومه الذين بعث فيهم رغم كل ما لاقاه منهم طوال حياته ، وأنا أحسب أنه لو امتلك الدعاة والمصلحون الآن جزءا من هذا القلب الحنون مع مخالفيهم لأصحلوا حال البشرية التي صارت أرق قلوبا من ذي قبل ..

توكل شعيب على الله إذن وطلب منه أن يحكم الله بينه وبين هؤلاء الملأ ، والله بعلمه الذي لا يحاط قد اطلع على قلوبهم التي صارت غير قابلة للهداية ولو وجد فيهم أدنى استعداد لها لأمهلهم فحق عليهم عذابه ..

 ومن رحمته الواسعة أنه عز وجل قبل أن يُحل عليهم بعاقبه دبر الوقاية والنجاة لشعيب ومن ومن آمن معه كي لا يصيبهم أدنى مكروه من العقاب السماوي الذي سيحصل بالكافرين المعاندين :"  وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ "..

 

وقد قيل : إن الله عز وجل قد أخذهم بأكثر من عذاب ، فأرسل عليهم الصيحة فزلزلت الأرض بهم ، كما قال عز وجل ..«فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ»  ثم أرسل الله عليهم حرا أخذ بأنفاسهم حتى كادوا يختنقون من شدته ، ثم في أثناء ذلك أرسل سحابة باردة فأظلتهم ، فتنادوا إلى ظلها غير الظليل ، فلما اجتمعوا فيها التهبت عليهم نارا ، فأحرقتهم وأصبحوا خامدين معذبين مذمومين ملعونين في جميع الأوقات ، وهذا ما استخلصه بعض المفسرين من قول الله عز وجل :" فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "  .

وكما قال أحد المفسرين :" وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل عيلهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.

وبعد أن كانوا يملؤون الأرض ضجيجا وصغبا وفسادا وطغيانا إذا بها هادئة طاهرة نقية من شرهم يمر بها المار فلا يجد لهم أثرا كأن لما يوجدوا فيها من قبل..

 فيا لقدرتك يا رب ! أين ما كانوا يباهون به من غطرسة ، وماذا جنوا من جحدهم غير الخسران ؟! لم يضار الله عز وجل بشيء بكفرهم ، ولم يضار شعيب بتكذبهم لهم ، وإنما كانوا هم الخاسرون وكذلك كل من سار على نهجهم الخاطئ : "الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ " ..

وبعد جهاد طويل وبعد طول عناء وبلاء يقف شعيب عليه السلام المملوء قلبه بالرحمة والشفقة ، وكأنه متحسر على ما ألم بهم وما ينتظرهم في الآخرة وهو لم يقصر لا في حقهم ولا في واجبهم يناديهم كما نادى النبي محمد صلى الله عليه وسلم أهل مكة الذين قتلوا يوم بدر ويقول "  يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ " ..

ومن العجب أن الكوارث الطبيعية أو العقاب الذي يأتي من السماء يكون مدمرا لكل من يسقط عليه إلا أنه في حالة شعيب عليه السلام كما في حالة كل الأنبياء الذين حل بهم العقاب السماوي كان يستثنى منه الأنبياء وأتباعم دون أن يمسهم أي ضرر ، وهيأ الله لهم سبل السلامة قبل أن يحل بالمشركين العذاب ؛ لأنهم كانوا متميزين ، وعقاب العصاة الآن إما أن ينزل فيعم الجميع كما نرى في حال الزلازل والبراكين ، أو لا ينزل على الإطلاق ؛ لأن المسلمين لا يتميزون عن العاصين في كثير من الأحيان ، وكما قال الله عز وجل :" لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ..."

وإلى لقاء في الحلقة القادمة إن كان في العمر بقية وفي الصحة متسع ..

المصدر : موقع التاريخ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف