موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

موسى عليه السلام.. وجوانب الحقيقة

Jun 13 2013 09:25:26

الكاتب : مدير الموقع

عماد العبار

لا شك أن لكل قصة في القرآن طابعها المميز، ولا شك أيضاً أن قصة موسى مع بني إسرائيل تأتي في مقدمة القصص القرآني، فهي تقدم تسجيلاً دقيقاً لمرحلة إنسانية هامة، كانت وما تزال تعتبر من أعقد المراحل التي مرّت بها البشرية على الإطلاق.

الغريب في القصة أنك كلما تأملت بها تخرج منها بفهم جديد، بحسب الظروف التي تعيشها في لحظة قراءتك لها، وهي خاصية تمتد لمجمل النص القرآني، فهو مفتوح على الزمن والحدث، يخاطبك ويفهم متطلباتك في كل مرة تحتاجه فيها، فهو ليس مجرد نصوص أحكام جافة، بل نص حي، تجده حين تبحث فيه .. عنه!.

تظهر القصة وحشية غير مسبوقة لفرعون ونظامه، بشكل يجعل منه أمثولة في التاريخ، إذ يكفي أن تقول عن فلان أنه كفرعون، حتى تحرك في وعي المتلقي أشد مشاعر الرهبة من شدة الجبروت والدموية، ففرعون هذا كان يذبح غلمان بني إسرائيل بعد رؤيا رآها، خشية أن يسلبه أحدهم ملكه كما فسّر له بعض أعوانه تلك الرؤيا، والتي أصبحت حقيقة فيما بعد!، وهو لم يترك عاماً بدون ذبح الغلمان إلا حرصاً على استمرار وجود الأيدي العاملة، والتي كان بنو إسرائيل يشكلون غالبية هذه الطبقة، وتقول الروايات التاريخية أنه عمل على هذا النهج في ذبح الأطفال طيلة فترة حكمه، التي قال عنها المؤرخون، أنها تجاوزت الستين عام!.

في مثل هذه الظروف نشأ موسى، ولكن اقتضت المشيئة الإلهية أن يتناوب في فترة طفولته بين بيئة أهله في بني إسرائيل، وبين أسرة فرعون، وهذا كان جزءاً من عملية التربية والإعداد لمرحلة لاحقة، هي المهمة والتي سيتغيّر على أساسها كل شيء (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي). وفي الحقيقة إن مرحلة الإعداد التي كثيراً ما نغفل عنها في حياتنا، كانت هي الأساس الذي لا غنى عنه لتحقيق كل النتائج اللاحقة ..

رأى موسى عليه السلام الحقيقة من مختلف جوانبها، فأن تعيش في بني إسرائيل هذا لوحده سيجعلك تحمل كلّ حملهم السلبي تجاه فرعون وملئه، فضلاً عن أن موسى نفسه هو أحد الضحايا الناجين من بطش فرعون!، وأن تعايش واقع الحال في بيت فرعون، يحتم عليك أن ترى الصورة متكاملة أكثر، فيها وجهة نظر المستضعف، ووجهة نظر المستكبر، وما بينهما من تقاطعات، يكون فيها المستكبر مستضعفاً، والمستضعف مستكبراً. فتعاصر ظلم المستضعف، بل تمارسه أيضاً وتكرر بعض أخطائه، كما حدث مع موسى حينما قتل الرجل من أنصار فرعون. كما سيتاح لك أن تعايش الحالة الإنسانية للطاغية، ربما ليس في شخصه مباشرة، بل في من يحيط به، وفي أقرب المقربين منه، زوجته التي منحت فرصة الحياة للفكرة التي ستهدم الطغيان فيما بعد، والرجل المؤمن من آل فرعون، والذي لم يكن دوره أقل أهمية .. هذه المعايشة لم تكن من قبيل الصدفة أبداً، فالتغيير قد يبدأ نتيجة الحِمل السلبي، كالحِمل الذي حمله بنو إسرائيل. كان من الممكن أن ينتفضوا على عدوّهم، كانت لديهم كل المبررات لذلك، فمن وجهة نظرهم كضحية، لم يكن ليمنعهم شيء من أن يفعلوا كل ما هو بإمكانهم، فالظلم الذي تعرضوا له على مدى عقود لا تحمله الجبال، إلا أن الانتفاضة التي قد تبدأ كلحظة انفجار، لن تصل إلى شيء إن لم يسبقها مراحل إعداد ( أو يتخللها مراحل إعداد وإصلاح ومراجعة ذاتية)، ستكون مجرد لا شيء، إن كانت فقط مجرد انفجار عبثي، إن لم يسبقها أو يتضمنها فهم للتغيير والمراد منه وأساليبه ..

قصّة موسى عليه السلام هي قصتنا!، لأنها قصة الإنسان ببساطة، فإن لم تفهم ظروف عدوك، إن لم تفهم كيف أصبح عدواً لك وكيف أصبحت مستضعفاً، فإنك لن تصل لشيء، هكذا وبكل بساطة. فشيطنة عدوك هي الحاجز الذي سيحجب عنك الرؤية في البداية، بعد قليل ستنكر أخطاءك، ولن يبقى أمامك سوى أن تزيل الطاغية من الوجود، ربما يحدث ذلك، ولكنك بالتأكيد لن تشعر بأنك أصبحت في تلك اللحظة بالذات مكانه، لن تشعر ؟!، بل ستشعر ولكن سيأتي من يقول لك (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) !.

في القصة لفتة معبرة جداً، فحياة موسى في بيت فرعون جعلت منه جزءاً من ذلك النظام بشكل أو بآخر، بل إن لذلك النظام فضلا في إبقائه حياً (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِين)، وهذا لم يتعارض مع أن يكون فيما بعد على رأس عملية تغيير ذلك النظام. ليس في الأمر ما يمنع وليس هناك شروط تعجيزية، المطلوب منك فقط أن تصبح في لحظة ما صاحب مشروع للتغيير، وأن تكون على رأسه، على رأسه في مواجهة فرعون، وليس في الصفوف الخلفية منتظراً اكتمال العملية لتكون مكان فرعون !.

وكغيره من البشر أخطأ موسى قبل أن يُكلّف بحمل الرسالة، فقتل رجلاً، دفاعاً عن الذي هو من شيعته، لم يترك فرعون فرصة استخدام الغلطة القديمة أثناء حواره مع موسى (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ). لم يكن إعداد موسى يتضمن تعليمه أصناف المراوغة اللفظية لتبرير القتل، حتى ولو كان عن طريق الخطأ، مع أن مساحات تبرير تلك الفعلة كانت واسعة، بل كان الرد بمنتهى البساطة والقوة والوضوح (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ)!.. حين تبرر الخطأ تستهلك وقتك وجهدك وقيّمك، وأنت في عملية التغيير تحتاج الثلاثة، فلا شيء يستحق تبرير الخطأ، لا شيء يستحق المراوغة، ولن تفلح شيطنة الآخر في التعميّة عن الخطأ شديد الوضوح .. فعلتها إذن وأنا من الضالين .. كنتُ من الضالين .. ولكني اليوم مكلّف بأن أنتشلك وأنتشلني مما نحن فيه ..

مسيرتنا في الحياة هي عملية صناعة مكتملة الأركان، صناعة تدخل فيها عوامل كثيرة متشابكة لدرجة التعقيد، لكن في النهاية هي التي سترسم شخصيتنا ووجهتنا النهائية ضمن أحد الطرق في هذه الحياة.

صناعة شخصية موسى عليه السلام كان لها ظرفها الخاص، ليس فقط لكونه نبي، بل لأنه سيقوم أيضاً بدور لا يليق إلا بأولي العزم من الرسل، دور الخروج بأمة بني إسرائيل من مأزقها التاريخي .. مأزق العبودية والقتل والامتهان، مأزق الطائفية والقتل على الهوية، فبعد أن قسم فرعون هذا المجتمع إلى شيع وطوائف، استضعف طائفة وخصّها بكل أشكال امتهان الكرامة الإنسانية (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)، ولأن القتل كان سمة ذلك العصر المشؤوم على بني إسرائيل، عصر القوة الغاشمة واستعلاء الإنسان على الإنسان، كان على موسى أن يمرّ أثناء صناعة شخصيته النبوية، بمفاصل حياتية هامة سيتخلّص معها من الافتتان بالقوة واستخدامها شيئاً فشيئاً، ولأن ذلك المجتمع كان أيضاً مجتمع التحزبات الطائفية كما أردا له فرعون، كي يستطيع استضعاف أي طائفة منه كما يشاء، فلقد كان على موسى أن يخرج أيضاً من هذه الجدلية، ولكن بعد تجربة قاسية جداً سيكون لها أثرها عليه لفترة ليست بالقصيرة، وسيحفظها له فرعون ليستخدمها ضده في حوارهما المشهود.

يذكر القرآن أن موسى ذلك الفتى القوي البنية، وصاحب المكانة كونه قريب من الأسرة الحاكمة دخل المدينة فوجد شخصين يقتتلان، فانحاز موسى بحكم الطبيعة البشرية وبحكم العقلية السائدة حينها، إلى الذي من شيعته، لم ينحز موسى للحق حقيقة في تلك اللحظة، بل كان انحيازه انحياز عصبية وتحزّب، وهنا كانت المحنة الحقيقية، فالقتل سيكون نتيجة منطقية حين ينحاز شخص ببنية موسى بشكلٍ غير واعٍ لطرف دون آخر.

تعلّم موسى من الدرس الأول، ولو أن الضريبة كانت كبيرة جداً، (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ)، وكذلك ستكون الضريبة دوماً، إن أراد أي شخص أو مجتمع ما أن ينفض عن كاهله رواسب الانحياز غير الواعي للجماعة أو الطائفة، ستكون الضريبة أكبر من أن نحتملها إن لم نتعلّم من تجارب الآخرين، ومن مثل موسى يُتعلّم منه !

وعلى الرغم من قسوة التجربة إلا أنها لم تكن كافية لتطهّر نفس كليم الله، وكيف لك أن تتصل بالله أساساً إن لم تمر بمثل هذه التجارب، كيف لك أن تتصل به وأنت تحمل كل تلك العيوب !، ولذلك كان لابد من اكتمال الاختبار، وبفترة زمنية قصيرة، اختبار مع نفس الرجل وبموقف مشابه إلى حدّ التطابق، (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)، تنبّه موسى هذه المرّة، ولكن مع ذلك وكما يتنازع كل منا نوازع تغلبه فيها جوانب الانحياز والتحزب، فإن موسى وقع في المحظور مرة أخرى، لولا أن صحوة الضمير جاءت في اللحظات الأخيرة، والمفارقة أن التي جاءت بها ليست كلمات الذي من شيعته، بل كلمات الذي هو من عدوه (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ)، وعادة لا يسمع الواحد منا كلمة الحق إن أتت على لسان عدوّه، بل منّا من يشيطن عدوّه فيحجز ما يصدر عنه في أقبية عقلية مغلقة، يتم طرحها دون أي استفادة منها، ويؤخذ كلام الذي تربطنا به عصبية محددة دون أي تمحيص، هكذا نحن وهكذا كان موسى، فدفع ضريبة كبيرة لكنه تخلص منها، فبدأت ثورته على ما في نفسه من هنا، أصبح ينظر للأمور بطريقة مختلفة كلياً، فلا الذي هو من شيعته على حق بالضرورة، حتى وإن كانت الطائفة بالمجمل مضطهدة، ولا الذي هو من عدوه على باطل، حتى وإن كانت طائفة عدوه بمجملها معتدية، وقد يأتي الحق على لسان الذي من عدوك، وقد يأتي ضلالك باتباع من تحب، وليس القتل وسيلةً مناسبة لحل المشاكل بين الناس، حتى ضمن إطار الدفاع عن شخص ضد آخر، وأن القوة أمانة تستخدم في مكانها، وكيف أن القوة التي تستخدم عادة للقتل، يمكن ان تتحوّل إلى عزيمة صلبة تقف في وجه فرعون في مشهد مهيب، قوة تسخّر للإصلاح الحقيقي، عوضاً عن أن تجعلك جباراً في الأرض، وهذه الحكمة الأخيرة جاءت على لسان الشخص الذي ليس من شيعتنا، أي الذي ليس من شيعة موسى! (إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ).

تجربة قاسية مرّ بها موسى عليه السلام، التحزّب فالقتل والملاحقة والتهجير لسنوات طويلة، لكنها ستكون بداية للاتصال بالحق، بعدها سيقف موسى أمام فرعون وملئه، سيخرج أمامهم جميعاً تلك اليد التي استُخدمت للبطش، فتلوّثت بالدم يوماً، وقد أصبحت بيضاء من غير سوء، من غير إثم (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) ..

بعد أن يزال ذلك السوء المتشبث بمعتقداتنا وأيدينا .. نكمل عملية التغيير .. لأننا نكون قد ربحنا جولة التغيير الحقيقي .. هناك داخل نفوسنا !..

المصدر : موقع الوسطية

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
دعوني آكلُ من ابني

دعوني آكلُ من ابني

كتب أحد الشعراء معلقا على ما حصل للمسلمين من حصار في ت�...

المغزى الاستراتيجي لفتح الأندلس

المغزى الاستراتيجي لفتح الأندلس

سيدي أعمر كان الفتح الإسلامي للأندلس عام 92هـ/711م ،حد�...

تدمير الفلوجة وإنقاذ البيت الشيعي

تدمير الفلوجة وإنقاذ البيت الشيعي

شريف عبدالعزيز منذ اليوم الأول لإعلان جورج بوش الابن...

جديد الأخبار المزيد
الأتراك يطالبون بفتح آيا صوفيا للصلاة فيه

الأتراك يطالبون بفتح آيا صوفيا للصلاة فيه

طالب آلاف الأتراك اليوم السبت، بعودة آيا صوفيا مسجدا �...

هكذا تنتقم إسرائيل من أوروبا بعد قرار وسم منتجات المستوطنات

هكذا تنتقم "إسرائيل" من أوروبا بعد قرار وسم منتجات المستوطنات

 واصلت سلطات الاحتلال الصهيوني أعمال الهدم والمصاد...

مسؤول أممي: الأسد يحاصر نصف مليون شخص ويقتلهم ببطء

مسؤول أممي: الأسد يحاصر نصف مليون شخص ويقتلهم ببطء

 كشف مسؤول العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة (ستي...

  • أيام في سيلان والمالديف