• الصليب وحكاياته

سيد البحار خير الدين بارباروس 2/4

Jun 19 2013 09:33:34

سيد البحار خير الدين بارباروس 2/4

بقلم مشرف الموقع

الدكتور محمد موسى الشريف

مكث خير الدين في جيجل 3 سنوات توافد خلالها مجموعة من وجهاء الجزائر يرجونه للعودة إلى العاصمة فقد أساء حاكمها ابن القاضي لأهلها كثيراً ، وحكمهم بالعَسْف والظلم حتى أنه أمر بضرب عنق أحد المشايخ الذي رأس وفداً يرجوه ليعود خير الدين إلى الجزائر ، وصارت الوفود تأتيه كل أسبوع بعد أن مَلّ الجزائريون تماماً من ابن القاضي وتهيأت الجزائر العاصمة لاستقبال خير الدين الذي قرر الرجوع إلى الجزائر ، ورجع في اثني عشر ألف بحار ، وفي الطريق التحق به آلاف من فرسان الأرياف الجزائريين ، وعندما اقترب من الجزائر هزم قوات ابن القاضي وقتل منهم ثمانمائة ، ثم جمع ابن القاضي قواته مرة أخرى وأغار على معسكر خير الدين مراراً لكنه لم يجن شيئاً ، ثم قتل أخيراً وارتاحت البلاد من شره واستسلمت قواته ، وعفا خير الدين عن البحارة الأتراك الذين قاتلوا مع ابن القاضي ، وكان العفو عنهم صائباً فقد قاتلوا معه الصليبيين حتى قتلوا جميعاً رحمهم الله تعالى ، وعقب ذلك دخل خير الدين الجزائر واستقبله الأهالي استقبالاً حسناً.

لم يكف خير الدين عن غزو الكفار وجهادهم بل اجتهد في ذلك اجتهاداً عظيماً ، واجتهد أيضاً في إرسال البحارة الشجعان لتخليص المسلمين المضطهدين في الأندلس ونقلهم إلى سواحل الجزائر وغيرها ، وهنا بلغ الغيظ مداه في نفس ملك اسبانيا حتى قال لقواده : "لقد جعلتموني مسخرة بين الملوك ، فليس فيكم من يستطيع التصدي لبرباروس" ، هنا تعهد القبطان المشهور أندريا دوريا بين يدي الملك بإحضار بارباروس بين بديه ، وحاول كثيراً ودخل مع جيش بارباروس في معارك لكنه أخفق فيها كلها حتى صار النصارى يلقبون الأتراك بالشيطان الضارب ، والكافر الضارب ، وكان من نتائج المواجهة آلاف الأسرى الأسبان وغنائم لا تحد ولا توصف كثرة وجودة.

وكانت الصلة بالسلطان العثماني سليمان القانوني تتجدد مرة بعد أخرى على يد رئيس بحارة خير الدين ، وهدايا السلطان تترى ، ورسائله تتواصل تشجع خير الدين وتهنئه على انتصاراته العظيمة.

واستمر سلطان تلمسان عبدالله في خيانته وعصيانه ، وأرسل له خير الدين رسالة يعظه بها لكنه مزق رسالة خير الدين ولم يكن وفياً له فقد كان خير الدين هو المساعد له حتى اعتلى عرش تلمسان ، ولم يجد خير الدين بداً من محاربة هذا الحاكم العاصي ، وقتله ووضع مكانه ابنه محمداً الذي حارب أباه مع خير الدين ، لكن ملك اسبانيا كارلوس – شارل الخامس - لم يترك هذا الحاكم الجديد فصار يرسل إليه الأموال الكثيرة ويمنيه بأن يكون سلطاناً على الجزائر كلها فصدق المسكين هذا ، وخان الله تعالى ورسوله r والمؤمنين وأعلن عصيانه فسيّر إليه خير الدين جيشاً اضطره إلى الفرار ، ثم أرسل هذا الخائن بعض العلماء ليشفعوا له عند خير الدين ، وجاء لمقابلته فدفع له الخراج المتأخر ومقدراه 110 آلاف دينار ، ثم جثا على ركبتيه وتشبث بقدمي خير الدين طالباً العفو ، فأجابه خير الدين إجابة فيها شدة وغلظة وقال له :

"دع عنك هذا أيها الكافر وجدد إيمانك ، لقد قمت بموالاة أكبر أعداء ديننا والخروج علي وأنت تعلم بأني أمثل خليفة المسلمين وسلطان الدنيا فسللت سيفك في وجهي" وعلى أثر هذا الكلام أعلن حاكم تلمسان توبته ونطق بالشهادتين ، وذكر خير الدين في مذاكراته أن هذا الحاكم أظهر الندم "وجدد دخوله في الإسلام ، وأعاد العقد على زوجاته اللاتي فسد نكاحهن بسبب ردته عن الإسلام" وكلام خير الدين هذا يوضح بجلاء أن علة المسلمين دائماً كانت منهم ، وإلا لو تفرغ خير الدين لمجاهدة الكفار ولم يشغله أمثال هؤلاء الخونة لأتى بخير أكبر وأعظم.

لما سمع الأندلسيون المقهورون في الأندلس المعتصمون بالجبال بأخبار انتصارات خير الدين شجعهم ذلك على الثورة على الاسبان ، فلما سمع خير الدين بأخبار الثورة أرسل للمجاهدين المدد في حملة هي الحادية والعشرين على بلاد الأندلس التي أرسلها خير الدين ، وفي كل حملة يُنقذ آلاف المسلمين الأندلسيين وكان يقود بنفسه أغلب تلك الحملات ، فلله دره.

وكان خير الدين يذكر أن السلطان سليمان وأباه السلطان سليماً وجده السلطان بايزيد الثاني كانوا لا يتخلفون عن مساعدة مسلمي الأندلس ، وأن السلطان سليمان قد أرسل رسائل عديدة في هذا الشأن لخير الدين.

تعيين خيرالدين أميراً على الاسطول العثماني :

طلب السلطان سليمان خير الدين إلى اسطنبول فخف إليها استجابة لأمر السلطان ، وأبحر بأسطول كبير فيه ثمانية عشر رئيساً من البحارة الكبار ، ولم ينس أن يجاهد في البحر كعادته فأصاب غنائم وسفناً كثيرة دخل بها مدينة عرش العالم كما يسميها خير الدين ، وكان استقباله شيئاً مهولاً فقد اصطف لتحيته مائتا ألف من أهالي اسطنبول ، ودخلها ومعه مائتا أسير يحملون أجمل تحف أوروبا ، وثلاثون أسيراً من الأميرالات وكبار قادة جيوش أوروبا وولاتها وأعيانها وفيهم بعض أقارب الملك كارلوس – شارل الخامس أو شارلكان - ومائتا عبد يحملون على اكتافهم أكياساً ثقيلة من الذهب والفضة ، ومائتا غلام يحملون في أعناقهم الجواهر النفيسة ويحملون لفائف القماش المطرز بالذهب والفضة ، وخلفهم مائتا جارية من أجمل حسناوات أوروبا يرتدين الفساتين الجميلة والجواهر الثمينة ، ومائة راحلة محملة بالغنائم ، وقطيع من الحيوانات النادرة الثمينة كالزرافات والأسود والفهود ، وخلف كل أولئك كان خير الدين يسير مع رؤساء البحر وعدد من البحارة يلبسون ثياباً يسيرة رخيصة حتى وصل الموكب إلى قصر السلطان في توب كابي ، فما ظنكم بهذا الموكب العظيم الذي يدل على عز المسلمين العظيم آنذاك ، وأسأل الله تعالى أن يرد لنا تلك الأيام وأحسن منها بحوله وقوته وجلاله وعظمته.

ولما دخل خير الدين ورؤساء البحر على السلطان قبلوا يده ، فاحتفى بهم وأكرمهم وعين خير الدين قبودان باشا أو قبطان داريا أي القائد العام للأسطول العثماني ، وطلب منه أن يستمر في ولاية الجزائر لكن ينيب عليها من يراه مناسباً ويتفرغ هو لإدارة الأسطول العظيم الذي كان أكبر أسطول في العالم آنذاك ، وطلب منه السلطان أن يسير إلى حلب ليقابل الصدر الأعظم – رئيس الوزراء – الذي ذهب ليقاتل الصفويين في إيران ، وأن يتباحثا معاً في كيفية ترتيب المنصبين : رئاسة الأسطول وولاية الجزائر ، فامتطى خير الدين فرسه ووصل حلباً في عشرة أيام ، وتلك مدة قصيرة بمقاييس ذلك الزمان ، وكان لا ينام في تلك المدة إلا قليلاً فلله دره ، وقابل الصدر الأعظم واتفقا ثم عاد إلى اسطنبول سريعاً ، وزار مصنع السفن في الخليج الذهبي - وكان أكبر مصنع في العالم آنذاك – وكان العمال في المصنع من الأسرى ، أما الفنيون والمهندسون فكانوا جميعاً من الأتراك ، وكان الأسرى يعملون بمقابل مادي يتمكنون به من شراء حريتهم والعودة إلى بلادهم ، وتلك خطة حكيمة ، وكان عدد العمال عشرين ألف عامل !! وكان خير الدين مندهشاً جداً من رؤية المصنع ، وطلب من الصدر الأعظم أن يغزو بسفنه العالم الجديد – أمريكا – لكن الصدر الأعظم كان يريد البقاء في البحر المتوسط لحماية بلاد الإسلام.

وفي أول غزوة بالاسطول العثماني تحت إمرة خير الدين استولى على موانئ عديدة في ايطاليا ، وفتح ثماني عشرة قلعة وأسر ستة عشر ألف أسير ، وغنم خمسة وعشرين صندوقاً كبيراً من النفائس !!

وحمل ذلك بعض الحساد والوشاة على القول :

"انظروا إلى ما يفعله مولانا السلطان : لقد عين قرصاناً على رأس الأسطول العثماني برتبة قبطان داريا" وحاشا خير الدين أن يكون قرصاناً بل كان من أعظم مجاهدي الإسلام رحمه الله تعالى.

دخل خير الدين تونس وفر سلطانها الحفصى لما علم بقدوم خير الدين ، وطلب من كارلوس – شارل الخامس أو شارلكان - ملك اسبانيا المساعدة ، وإنا لله وإنا إليه راجعون فما هذه الخيانات المتتابعة من حكام العرب !! وفعلاً خف كارلوس بنفسه على رأس أسطول كبير وجنود من اسبانيا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وغيرها ، ووصل من برشلونة إلى تونس في سبعة عشر يوماً على رأس خمسمائة قطعة بحرية وثلاثين ألف جندي ومعه أندريا دوريا القبطان المشهور ، وأقبل ملك تونس في حملة كبيرة ليساعد كارلوس ، والتحق به وقبل قدميه!! وبدأ البدو الأعراب الذين كانوا في تونس مع خير الدين يتذمرون بل صاروا يتصلون بكارلوس يتملقونه خيانة لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين وكان عددهم ستة آلاف ، وفتحوا سجون تونس ليهرب منها عشرة آلاف أسير نصراني !! وإنا لله وإنا إليه راجعون ، واستولى هؤلاء الأسرى على المدينة ، ووجد خير الدين نفسه في مأزق شديد فاضطر للانسحاب خاصة أن الأسطول العثماني لم يكن قد وصل بعد إلى تونس ، ولما أراد الانسحاب أغلق الأهالي باب المدينة في وجهه !! لكن خير الدين قاتل بقوة وكبر هو وجنده تكبيرات ألقت الرعب في قلوب أعدائه من النصارى والمسلمين وتمكن من الانسحاب إلى عنابة في الجزائر بفضل الله لكن بعد خسائر هائلة ، ولم تتحقق أمنية كارلوس ومن معه من الأمراء أن يظفروا به ، ولله الحمد والمنة.

لكن انظروا إلى الكفار الأوروبيين ماذا فعلوا في تونس لما دخلوها ، وهذا عقاب إلهي لخيانة كثير منهم وتوانيه عن نصرة خير الدين ، فقد ذبحوا ثلاثين ألفاً من المسلمين ، واسترقوا عشرة آلاف امرأة وطفل ، وخربوا المساجد والمدارس والمقابر ، ونهبوا محتويات القصور ، وحرقوا آلاف المخطوطات والكتب التي كانت تزخر بها مكتبات تونس ، فقضوا بذلك على عدد من أنواع العلوم والفنون النادرة ، وذكر المؤرخ التونسي ابن أبي الضياف أن ثلث سكان تونس قد أبيدوا ، وأُسر ثلثهم ، وطمست معالم المدينة تماماً ، وذكر خير الدين أن الملك كارلوس دخل تونس بعد اثنتين وسبعين ساعة من استباحتها ، وأنه كان يخوض بخيله الدم حتى أصبحت أقدام فرسه مصطبغة باللون الأحمر من جريان الدماء في شوارع وأزقة تونس وإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن تلك المجزرة كانت عقوبة من الله تعالى لأهل تونس على خيانة كثير منهم وموالاتهم الكفار ، وتواني كثير منهم عن عون خير الدين ، وسلبية كثير منهم أيضاً وعدم مبالاتهم.

وما فعله الصليبيون من حرق آلاف المخطوطات كان جرياً على عادتهم التي كانوا يفعلونها في كل مدينة إسلامية يدخلونها ، وحرقوا بذلك مئات الآلاف الكتب ، والمصيبة كل المصيبة أنهم يتهمون المسلمين بحرق مكتبة الإسكندرية وحرق غيرها من المكتبات ، ولم يثبت أن المسلمين في كل تاريخ جهادهم أحرقوا مكتبات للصليبيين أو غيرهم ، ثم هل كان لحضارة في الأرض آنذاك واحد بالمائة من عدد الكتب التي صنفها المسلمون ؟!

المصدر : موقع التاريخ (عند النقل ذكر المصدر)

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف