موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

عاشق المخطوطات العربية

Mar 22 2014 07:31:48

الكاتب : مدير الموقع

علاء عبد الفتح

أحمد فارس الشدياق(1)، واحد من أبرز أعلام الثقافات المبنية على الطباعة والتحولات التي أحدثتها، ولد في قرية صغيرة من قرى لبنان تسمى «عشقوت» سنة 1805 وهو من عائلة مارونية طالما خرج منها نساخ ورجال دين ومعلمون لأبناء الطبقة الإقطاعية.. نشأ في بيئة أدبية، فقد كان لأبيه مكتبة حفلت بالكتب في مختلف الموضوعات، واطلع عليها فارس في صباه، وأعجب بما فيها من كتب الأدب والشعر.. وكانت هذه المكتبة كلها مخطوطة.. وانتقلت أسرته إلى قرية «الحدث» القريبة من بيروت سنة 1809، ثم دخل مدرسة «عين ورقة» التي تعلم فيها بطرس البستاني، ورشيد الدحداح،

فكان ثالث ثلاثة من رواد النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر.. تلقوا العلم في هذه المدرسة المارونية التي كانت تعلم العربية والسريانية وعلوم البلاغة والمنطق واللاهوت.

واشتغل فارس الشدياق بنسخ الكتب لنفسه أو لغيره، وصارت له بهذا شهرة، فاستدعاه الأمير حيدر الشهابي أحد الأمراء الشهابيين ومؤلف التاريخ المشهور، وكلفه نسخ تاريخه.

ومنذ البداية حرص الشدياق على مستوى عال من الدقة والجمال فيما ينسخ من كتب، وكان يوصي بضرورة استخدام الأدوات المناسبة للكتابة العربية، كالأقلام القصبية بدلا من السن المعدني، ويذكر أنه في شبابه قد بلغ درجة عالية من تجويد الخط، وعندما كان يرى خطا جميلا كان يقلده.

وتقلبت به الأحوال بين عمل وفراغ، إلى أن حدثت لأخيه وأستاذه أسعد الشدياق حادثة كانت الشرارة الأولى في تغيير مجرى حياته.. فقد تحول أسعد من مذهبه الماروني إلى المذهب الإنجيلي (البروتستانتي)، وقد أثار هذا التحول سخط البطريرك الماروني على أسعد، فأخذ يتهدده ويتوعده ويسومه العذاب، ونفاه إلى «دير قنوبين» سجينا معذبا حتى قضى نحبه في سجنه، وهو في ريعان شبابه.

وكان لهذا الحادث أثره الأليم في النفوس، مما جعل الشدياق يكره الحياة في لبنان الذي بلغ من التعصب الطائفي هذا المبلغ. فقصد مصر سنة 1825 بدعوة من المرسلين الأميركان الذين نصبوه ليعلمهم العربية، وكأنهم بذلك أرادوا أن يطيبوا خاطره نظير ما لقيه شقيقه أسعد بسبب اعتناق مذهبهم.

كان فارس الشدياق ناسخا، وقارئا وجامعا للمخطوطات؛ فخلال إقامته في مصر، غاص في بحار الأدب العربي القديم، وكان معظمه غير منشور في ذلك الحين، فنسخ بعضه لنفسه. وعندما رحل إلى أوروبا فيما بعد، حرص على زيارة المكتبات الكبرى في باريس ولندن وكمبردج وأكسفورد، كما حرص على قراءة المؤلفات المهمة في مجموعات مخطوطاتها العربية.

وأتاحت له إقامته بمصر أن يتلقى اللغة والأدب والنحو والبلاغة والصرف والشعر على بعض علمائها، وخاصة الشاعر الأديب الشيخ محمد شهاب الدين الذي كان مقربا إلى بيت محمد علي، وقد أعانه هذا على أن يعين محررا في «الوقائع المصرية» ولم يكن عمله في الوقائع مقصورا على تصحيح لغتها كما يذكر بعض مؤرخيه، بل كان يشارك في تحرير القسم العربي بقلمه وبعبارته المرسلة الرصينة، التي كانت جديدة على أهل ذلك الزمان.

الإنتقال إلى اسطنبول

وخلال السنوات الثلاثين الأخيرة من حياته، وعندما كان يعيش في إسطنبول، كان يتردد على مكتبات المخطوطات، ونشر عدة مقالات في صحيفة الجوائب عن المكتبات ومجموعاتها، وندد بالقيود التي تفرض على استخدامها، وبظروف العمل السيئة فيها.

ولكن الاهتمام الرئيسي للشدياق عندما يتعامل مع المخطوطات، خاصة في الفترة الأخيرة من حياته، كان ينصب دائما على إقامة نصوصها، بحيث تعبر بدقة عما أراده مؤلفوها؛ ولذلك نراه يعقد مقارنات مفصلة بين النسخ المخطوطة للكتاب الواحد الذي يتناوله، ويقيم كلا منها. وقد أتاح له ذلك أن يكتشف أن بعض النسخ المخطوطة تعرضت للتصحيف والتحريف أثناء نسخها بسبب جهل الناسخين وإهمالهم.

وقد نبه إلى أن النسخ المخطوطة تكون غالبا ناقصة، فقدت جزءا أو أجزاء من النص. كما أن كثيرا من نصوص الأدب العربي قد فقد كلية، نتيجة تلف مخطوطاته الفريدة والنادرة. بل إن كثيرا من المؤلفات التي وصلتنا نادرة، ويصعب الحصول عليها. وهو أمر تبين له عندما حاول أن يحصل على دواوين شعراء العربية العظام عندما كان في القاهرة في شبابه.

وقد كان الشدياق على اقتناع بأن السبيل إلى إحياء الأدب العربي والثقافة العربية هو تجاوز أساليب جديدة لنقل النصوص وحفظها، سواء في ذلك النصوص القديمة أو المؤلفات الحديثة. ومن حسن الحظ أن ظروف حياته وعمله قد أتاحا له أن يعرف أن هذه الأساليب قد أصبحت متاحة، فمنذ ترك موطنه الأصلي في عام 1826 ارتبط عمله باستخدام المطبعة واعتمد عليها؛ ففي بداية حياته الوظيفية كانت الطباعة في البلاد العربية والإسلامية بمنطقة الشرق الأوسط بدعة مشكوكا فيها..

وبيت الشدياق قديم جدا في لبنان، يرجع إلى القرن الخامس عشر أي قبل الحملة العثمانية على مصر والشام بقرن كامل. وهو بيت يشبه بيت «الشهابي» من حيث إنجاب المسيحيين والمسلمين على السواء.

وفي سنة 1824 دعاه الأميركان الى مالطة لغرضين، أولهما: التعليم في مدارسهم هناك، وثانيا تصحيح ما يصدر من مطبعتهم من كتب عربية، وقد أخذت هنا تتجه ميوله وعواطفه نحو المذهب الإنجيلي الذي اعتنقه شقيقه من قبل في لبنان، وعذب من أجله، ومات عليه، وقد ظل في مالطة أربعة عشر عاما حتى سنة 1848. ومن أهم ما ألفه فيها من الكتب كتابه «الواسطة في معرفة مالطة»، وهو أول كتبه في الرحلات.

وقامت للشدياق شهرة أدبية لغوية، وخاصة في أوساط المرسلين، ففي سنة 1848 دعته جمعية «ترجمة الأسفار المقدسة» إلى إنجلترا ليسهم في ترجمة هذه الأسفار، أو على الأصح في ضبطها وتنقيحها تحت إشراف المستشرق «الدكتور لي» الذي كان مكلفا بترجمة التوراة العربية، فلبى صاحبنا الدعوة، وبدأ العمل، وأتاحت له هذه المهمة أن يطيل التجوال في إنجلترا وفرنسا وأن يتعرف إلى ريفها وحضرها، وأن يدرس عن كثب أحوالها وأخلاق أهلها، وأن يتعلم الإنجليزية والفرنسية، ويقرأ لبعض أعلامهما. وأعانه ذلك على أن يؤلف كتابه الثاني في أدب الرحلات، وهو «كشف المخبأ، عن فنون أوروبا»، كما ألف كتابه الرائع «الساق على الساق، فيما هو الفارياق» الذي طبع في باريس سنة 1852. وفي سنة 1853 كانت مدحته الشعرية للسلطان العثماني عبدالمجيد بمناسبة الحرب بين روسيا وتركيا، وهي قصيدة تزيد على مائة وثلاثين بيتا.

ومن عجب أن هذه المدحة، بل القصيدة الجهادية المحرضة على صبر المسلمين في القتال، كانت قبل أن يشهر الشدياق إسلامه في تونس بأربع سنوات.. وهذا مما يؤكد رأينا أن الرجل كان منشرح الصدر للإسلام في خلال رحلته إلى إنجلترا وفرنسا عقب مغادرته مالطة سنة 1848.

وجاءت إلى الشدياق دعوتان استجابة للمدائح الشعرية.. أما الأولى فكانت دعوة السلطان عبدالمجيد إياه لزيارة الآستانة تكريما له على مدحته الرائية المشار إليها، وأما الثانية فكانت من أحمد باي تونس الذي دعاه لزيارته والإقامة معه في تونس لقاء القصيدة التي مدحه بها الشدياق وبعث بها إليه من باريس تقديرا لمبراته وخيراته التي وزعها على فقراء مرسيليا وباريس في أثناء زيارته لهما.. ولبى الشدياق دعوة باي تونس سنة 1857 الذي بعث إليه بسفينة خاصة تقله إليه! وقد ذكر جورجي زيدان، ونقل عنه غيره أن الشدياق حرر في جريدة «الرائد التونسي»، ولكن مؤرخ الصحافة العربية فيليب هذه الواقعة قائلا: إن هذه الجريدة الحكومية أنشأتها حكومة تونس سنة 1861 أي بعد زيارة الشدياق لتونس سنة 1857، فكيف يكون محررا في جريدة لم تكن قد صدرت بعد؟!

وهو تحقيق سليم يصحح ما نشر خطأ بعد ذلك. وفي تونس اعتنق الشدياق الإسلام وتسمى باسم أحمد فارس الشدياق، بل أضيف إلى اسمه لقب «الشيخ» الذي اشتهر به في العالم العربي الإسلامي كله.

ولم يطل مقام الشيخ أحمد فارس بتونس على الرغم من قربه من الباي وتوليه هناك أعلى المناصب، فلما كررت الآستانة دعوته إليها غادر تونس ملبيا دعوة السلطان، وهناك ألحق بديوان الترجمة وتولى تصحيح بعض المطبوعات.

وفي سنة 1860 أنشا الشدياق صحيفة «الجوائب» سياسية أسبوعية، وقد صدر أول أعدادها في شهر يوليو سنة 1860 بمدينة الآستانة. وكانت تطبع أول أمرها في المطبعة السلطانية، وهي المطبعة الحكومية، ثم أنشأ لها الشدياق مطبعة خاصة بها تسمى مطبعة الجوائب أيضا، وكان ذلك سنة 1870 أي بعد عشر سنوات من إنشاء الصحيفة.

وقد نالت صحيفة «الجوائب» شهرة في العالم الإسلامي لم تنلها صحيفة سواها منذ إنشاء الصحافة العربية، فأقبل السلاطين والملوك ورؤساء الحكومات العربية الإسلامية عليها، كما كان المفكرون يتهافتون على قراءتها، وبلغت من حسن التبويب والإتقان، وبراعة التحرير وجودة الأساليب حدا جعلها أكبر صحف ذلك العهد وأوسعها انتشارا، كما كانت مطبعتها الخاصة المسماة «مطبعة الجوائب» من أشهر المطابع في الآستانة والشرق العربي، وقد أمدت المكتبة العربية بسيل من المطبوعات التي شاركت في إحياء التراث العربي، واشتهرت بين عشاق الكتب بجمال حروفها، وحسن إخراجها، ودقة تصحيحها، حتى كادت مطبوعاتها تداني مطبوعات الأميرية ببولاق من هذه النواحي.

أما مكانة «الجوائب» بين الصحافة العربية والعالمية فيكفي للتدليل عليها أن صحافة الغرب كانت تنقل عنها، وتستشهد بها في معرض الحديث عن سياسة الشرق، كما كانت تلقب صاحبها «فارس الشدياق» بالسياسي الشهير، والصحافي الطائر الصيت. والحق أن صلته الوثيقة بالسلطان العثماني وبرؤساء البلاد العربية والإسلامية جعلت صحيفة «الجوائب» مركزا مهما لسياسة الشرق حقبة من الزمان.

ولم تكتف «الجوائب» بمركزها السياسي وبمنبرها الشرقي الذي كانت تسمع منه أجهر الأصوات، بل أضافت إلى ذلك ميدانها الأدبي ومعرضها الحامي في الجدل والمناظرات. وكثيرا ما قامت فيها المعارك الأدبية بين رجال من أمثال: الشيخ إبراهيم اليازجي، والشيخ سعيد الرتوني، والدكتور لويس صابونجي، والكونت رشيد الدحداح، والشيخ إبراهيم الأحدب، وبطرس البستاني وغيرهم، وكان المرحوم عبدالله فكري الأديب الشاعر المصري ينشر فيها بعض مقالاته وطرائفه.

لقد كان دور الشدياق كصحافي وناشر صحيفة أشد خطرا في إتاحة الكلمة المطبوعة لجمهور عريض من القراء العرب والمسلمين، فحتى الكتب التي لم تنشر في حلقات كان يعلن عنها في الصحف بكثافة، وكان لها وكلاء يوزعونها في تونس والإسكندرية.

مؤلفاته

- الواسطة في أحوال مالطة.

- كشف المخبأ في أحوال أوروبا.

- الجاسوس على القاموس.

- الساق على الساق فيما هو الفارياق.

- كنز الرغائب في منتخبات الجوائب.

- اللفيف في كل معنى طريف

- سر الليال في القلب والإبدال.

- غنية الطالب.

- الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية.

- سند الراوي في النحو الفرنساوي.

- ترجم التوراة إلى العربية.

ختام حياته

في سنة 1886 جاء الشدياق إلى مصر زائرا بعد أن تعطلت جوائبه، وأتيح للمؤرخ جورجي زيدان أن يراه وقد علاه الكبر، وأحدق بحدقتيه قوس الأشياخ، واحدودب ظهره، ولكنه لم يفقد شيئا من الانتباه أو الذكاء، وكان إلى آخر أيامه حلو الحديث طلق العبارة رقيق الجانب، وعاد إلى الآستانة، فكانت تلك العودة آخر أسفاره في الدنيا ليبدأ رحلته إلى الآخرة في سبتمبر سنة 1887.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

(1) هو فارس بن يوسف بن منصور الشدياق، من طائفة الموارنة. ولقب «الشدياق» كان في الأصل يطلق على الشمامسة «جمع شماس» من رجال الدين، ثم أخذ القوم يتوسعون في استعماله حتى صار من ألقاب الشرف التي تطلق على كبار القوم من المتعلمين والكتاب الذين يرتفعون عن طبقة الأميين.

المصادر:

1- سلسلة أعلام العرب - العدد (50) محمد عبدالغني حسن ، إصدار الدار المصرية للتأليف والترجمة.

2- عالم المعرفة ، العدد 297، ص 189 جيوفري روبر، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون - الكويت.

المصدر : مجلة الوعي الإسلامي الكويتية

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حوار البابا فرنسيس!

حوار البابا فرنسيس!

لم يحدث من قبل أن أثار حوارا للبابا فرنسيس مثل هذا الك�...

L’Interview du pape François !

L’Interview du pape François !

Jamais une interview du pape n’a suscité une bourrasque de commentaires, dès s...

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق تهل علينا كل عام في شه�...

جديد الأخبار المزيد
خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجةواتهامات لأمريكا بالتواطؤ

خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجة..واتهامات لأمريكا بالتواطؤ

  قال الخبير العسكري والاستراتيجي العراقي العقيد ا�...

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

قامت السلطات الروسية بإغلاق المؤسسات الإعلامية لتتار...

  • أيام في سيلان والمالديف