موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

"الإسلام والتجديد في مصر" للدكتور تشارلز أدمس

May 14 2014 09:28:26

الكاتب : مدير الموقع

ترجمة عباس محمود وإبراهيم عبد القادر المازني

الكتاب الذي بين أيدينا اسمه «الإسلام والتجديد في مصر»، ولكن حقيقته أنه بيان دقيق لما عالجه الإمام الشيخ محمد عبده من الإصلاح، وما أزخره من التيارات المختلفة في مصر على الخصوص، وفي غيرها من البلدان الإسلامية على العموم، وليس هو ترجمة للإمام الشيخ محمد عبده، ولو كان كذلك لأغنى عنها في العربية — على الأقل — التاريخ الضخم الذي نشره السيد محمد رشيد رضا في أكثر من ألف صفحة، ولكنه يبرز تعاليم الأستاذ الإمام وأثره «في صورة أوفى وبتفرد» — كما يقول المؤلف — «بوصف الحركة في تطوراتها الأخيرة»، ويتواضع المؤلف فيقول «ومهما يكن من شيء، فإن هذا الكتاب يفي بحاجة الباحث في هذا الموضوع في اللغة الإنجليزية» ولو عمَّم لما كان عندنا مسرفًا.

ولا يمكن أن يخلو كلام عن الشيخ محمد عبده من ذكر السيد جمال الدين الأفغاني؛ لأنه هو المعلم الذي أيقظ نفسه ووجهها وألهمها آراءها الأولى، في الأعوام الثمانية التي لازمه فيها حتى نفاه الخديوي توفيق من مصر، ولهذا مهَّد المؤلف للكلام على الشيخ محمد عبده بترجمة السيد جمال الدين الأفغاني في الفصل الأول، وقد أنصفَ الأستاذَ وتلميذَه فقال:

كان أقدر تلاميذ جمال، وأقربهم إليه، وأعطفهم على آرائه، فكان طبيعيًّا، وقد اضطر جمال — بحكم الظروف القاهرة إلى التنحي عن العمل الذي بدأه في مصر — أن يتجه نظره إلى الشيخ محمد عبده ليواصله ويتمه، ولما استخلف في مصر خليفته هذا خلف لها وللإسلام تراثًا لم يكن أحد يتوسم فيه مثل هذه الكفاية التامة، حتى ولا جمال الدين نفسه، كان مجرى الإصلاح المصري — وإن نبع كالنيل من منابع جاوزت حدود البلاد — قد قُدِّر له أن يتم فيضانه الأكمل في قنوات مصرية، فقد كان الشيخ محمد عبده مصريًّا خالصًا انحدر من أسرة تنتمي إلى طبقة الفلاحين في الوجه البحري.

وهذا صحيح على الجملة وإن كان غير صحيح أن جمال الدين هو الذي أحدث النهضة المصرية، ولكن بين الأستاذ والتلميذ اختلافًا في الوسائل وإن كانت الغاية واحدة؛ ذلك أن السيد جمال الدين جعل الثورة السياسية وسيلته إلى تحقيق غاياته، «فقد خُيِّل إليه أنها أسرع الطرق وآكدها في تحرير الشعوب الإسلامية وتغذيتها بالحرية الضرورية لتنظيم شئونها، أما وسائل الإصلاح التدريجي والتعليم، فكان يرى أنها بطيئة جدًّا غير محققة العاقبة» (ص ١٥)، فكان حيثما يذهب يثير الناس ويدفعهم إلى طلب الحرية ويهزهم هزًّا عنيفًا، وهو الذي أوحى بالثورة الفارسية التي بدأت الهياج ضد احتكار التنباك في سنة ١٨١٧، وانتهت بوضع دستور ٥ أغسطس سنة ١٩٠٩. «ولما أقام في الأستانة مهَّد تهيجه المتواصل للحركة التركية التي قامت في سنة ١٩٠٨»، «وكان الدافع الأول للحركة الوطنية المصرية التي ساء ختامها بفشل الحركة العرابية».

يقول ميشيل في ترجمته لمحمد عبده: «أيان ذهب، كان يترك وراءه ثورة تغلي مراجلها، ولسنا نعدو الحق أو نكون مبالغين إذا قررنا أن جميع الحركات الوطنية الحرة، وحركات الانتفاض على المشاريع الأوربية التي نشاهدها في الشرق منذ عشرين عامًا، ترد أصولها مباشرة إلى دعوته».

وذكر الدكتور أدمس في كتابه أنه كان يرى جواز خلع أمراء المسلمين وقتلهم، إذا شجعوا الاعتداء الأوربي أو رضوا عنه، وأقاموا بذلك الحوائل بين الناس وبين خلاصهم. وروى الأستاذ براون أن السيد جمال الدين قال له مرة في حديث: «لا أمل في الإصلاح قبل قطع ستة أو سبعة رءوس»، وسمى بالاسم شاه العجم وكبير وزرائه، وكلاهما قُتِل بعد ذلك. وروى السير ولفريد اسكاون بلنت في تاريخه السري للاحتلال البريطاني لمصر: أنه في ربيع عام ١٨٧٩ كثرت المناقشة بين أنصار جمال الدين في الوسائل التي يمكن بها خلع الخديوي إسماعيل، أو في اغتياله إذا استعصى خلعه. وروي عن كرومر أن الشيخ محمد عبده قال: إن الكلام دار في خطة معينة لاغتياله لم تُنفَّذ لعدم وجود الشخص الذي يتكفل بذلك.

ويختلف الشيخ محمد عبده عنه في أنه كان رجلاً مصلحًا، على الرغم من نزوعه إلى الثورة؛ قال الدكتور أدمس (ص ٥٠):

وفي الحق أنه كان، كما قال اللورد كرومر، روحًا مدبرًا للحركة (يعني العرابية) في أدوارها الأولى، وقبل أن يلجأ الزعماء العسكريون إلى مقابض سيوفهم للوصول إلى أغراضهم، يظهر أنه كان يظن أن الوقت قد حان للبدء في تنفيذ خططه الإصلاحية الواسعة، وأن يجعل من تلك الحركة خطوة إلى الأمام لتخليص البلاد من رق الأجانب، وكان يظن عند ذاك أن الزعماء بعيدون عن الغرض الشخصي، وأنهم ينهجون نهج الإصلاح وينشدون العدل والمساواة، فحاول مخلصًا بكل قواه أن يدير دفة الحركة، ولم يبخل قطُّ بنصيحته على الزعماء حتى ولو لم يريدوها منه، وانتهز الفرصة التي أتيحت له في تحرير الوقائع المصرية والإشراف على صحافة البلاد لينشئ رأيًا عامًّا متحدًا، وليشجع الأغراض المعقولة التي كان يرجو تحقيقها، وكان زعماء الحزب الذين التفوا حول عرابي باشا ينظرون إلى الشيخ محمد عبده كمعلمهم وقائد أفكارهم، ويحلفون بين يديه يمين الطاعة للوطن وما فيه نفعه، حتى إنه اعتُبِر زعيمًا من زعماء الثورة. على أنه وإن كان لا شك فيما كان له من زعامة في الحركة بوجه عام، ونفوذ قوي فيها، إلا أنه ينبغي علينا أن ننصفه وأن نقرر ما ألح فيه محمد رشيد رضا وأكده مرارًا، من أن آراءه في كثير من الأمور المهمة كانت تختلف عن آراء الزعماء العسكريين، وأن الخلاف ازداد بينهما لما تقدمت الحركة، حتى اضطر إلى نقد كثير من أعمالهم في كتاباته وخطبه وفي جداله معهم، وكان لا يوافق على وسائلهم، ولا سيما التجاؤهم إلى القوة، ولم يكن مثلهم يتفاءل بحسن الخاتمة لما يفعلون. وقد وصف محمد رشيد رضا موقفه في دقة وإيجاز فقال: «كان خصمًا للثورة العسكرية، وإن كان الروح المحركة للحركة العقلية» ثم إن الشيخ عبده كان في أول هذه الثورة كارهًا لها، منددًا بزعمائها وهو بينهم؛ لأنه كان يعلم أنها تحبط عمله الذي مضى فيه، وكل إصلاح تعمله الحكومة أو تنويه، وأنها تمهِّد للأجانب سبيل الاستيلاء على البلاد، وكان ينتقد زعماء الثورة جهارًا حتى أخذوه بالوعيد، وهددوه باستعمال العنف معه إذا لم يكُفَّ عن معارضته وينطوي تحت لوائهم.

والحقيقة في ذلك، أنه كان راغبًا في الثورة وكان يريد أن يوجهها وجهة الإصلاح ويستخدمها لتحقيق ذلك، فلما تطورت على كره منه، خشي أن تفضي إلى احتلال إنجلترا للبلاد، فحذر من ذلك، وحاول أن يصد الثوار عن هذا الطريق المخوف، وكان أبعد منهم نظرًا، فكان يرى ما لا يرون، ثم تفاقم الأمر فصار الشيخ محمد عبده بين إحدى اثنتين: أن يُضَم إلى الثوار، أو أن يقف في صف الخديوي، وكان هذا معناه في ذلك الظرف الوقوف في صف الاحتلال الأجنبي، فاختار الانحياز إلى الثوار وإن كان موقنًا من وخامة العاقبة.

ولما نُفِي أقام في بيروت، ثم دعاه السيد جمال الدين إلى باريس، وهناك نظَّمَا جمعية العروة الوثقى، وهي جمعية سياسية سرية ثورية، وأصدرا جريدة «العروة الوثقى»، وكانت متطرفة عنيفة فخافها الحكام المستبدون في البلاد الإسلامية ومنعوا دخولها. ويذكر بلنت أن الشيخ محمد عبده وافق مرة على القتل كوسيلة لإنقاذ البلاد من حاكم متعب، وقد دخل الشيخ عبده مصر متنكرًا ليتهيأ للسفر إلى السودان، على أن يلحق به جمال الدين الأفغاني إذا نجحت الأعمال التمهيدية، وكان الغرض أن يعملا سرًّا على تنظيم قوات المهدي، ثم يزحفان بها على مصر لتحريرها وطرد المحتلين منها.

ولكن الشيخ عبده في هذه الفترة من حياته كان لا يزال متأثرًا بأستاذه السيد جمال الدين، غير أن مزاجه تغلب آخر الأمر، وأضعفت الحوادث أمله في العمل السياسي، فوجه التفاته إلى الإصلاح القومي بالتربية والتعليم، «وصارح جمال الدين في أوربا بأنه يرى أن الوسائل السياسية لن يُرجى منها خير؛ لأن تأسيس حكومة إسلامية عادلة مصلحة لا يتوقف على إزالة الموانع الأجنبية فقط، وأنه خير لهما لو عكفا على تربية أفراد على ما يحبون، في مكان هادئ بعيد لا سلطان للسياسة فيه، ثم يذهب هؤلاء الرجال بدورهم إلى الأقطار المختلفة لتربية مثلهم على ما رُبُّوا عليه، فيكون لهما في زمن قريب قوة هائلة من الرجال العاملين» (ص ٦٠)، وكان يقول إن الرجال هم الذين يعملون كل شيء، ولكن جمال الدين رفض هذا الرأي، وقال إنهم شرعوا في عمل فلا بد من المضي فيه حتى يتم أو يعجزوا.

ورجع الشيخ إلى بيروت، وترك السيد جمال الدين يتم وحده العمل الذي لجَّ فيه إلى آخر أيامه، وعاد هو إلى التدريس، وظل يجاهد ويسعى للإصلاح والترقية والتعليم إلى أن مات.

ويلاحظ أن تلاميذ الإمام ثوار كلهم، ولكنهم ثوار مُصلِحون، ونذكر من هؤلاء الشيخ المراغي الذي استقال من مشيخة الأزهر لما لقيت إصلاحاته من المعارضة، والشيخ شاويش على الرغم من أنه كان في حياته السياسية أقرب إلى جمال الدين، وإبراهيم بك اللقاني وهو من رجال المحاماة والأدب المعدودين في عصره، وإبراهيم بك الهلباوي وهو معروف، وخدمته للجمعية الخيرية الإسلامية مشهورة مشكورة، وقد كان من القليلين الذين آزروا قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة، ولا يزال من أقوى أنصار الحرية القومية، وحسن باشا عاصم الذي عاون الإمام على تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية، وعلى إصلاح المحاكم الشرعية، وحفني بك ناصف الذي يؤثر عنه قوله عن الإمام: «كنا نجد في أنفسنا من سماع خطبة له أن الواحد منا جدير بإصلاح مديرية أو إصلاح مملكة» (ص ٢٠٢)، وأحمد فتحي زغلول باشا وفضله على النهضة الأدبية معروف وجهوده في الإصلاح مشهورة، والأمير شكيب أرسلان وأمره لا خفاء به، والمنفلوطي وهو أيضًا من دعاة الإصلاح فوق أنه أديب كبير، وحافظ إبراهيم الشاعر ولا نحتاج أن نقول فيه شيئًا، وقاسم أمين أصغر تلاميذ الإمام، وصاحب الدعوة المشهورة إلى إصلاح حال المرأة وترقيتها.

ومن تلاميذ الإمام أو ممن تأثروا به في السياسة، رجال حزب الأمة، وسعد زغلول باشا الذي كُتِب له أن يكون هو زعيم الثورة المصرية الحديثة. أما في علوم الدين فيكفي أن نذكر من تلاميذه السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار.

من مزايا هذا الكتاب — «الإسلام والتجديد في مصر» — أنه يشرح آراء الشيخ محمد عبده وتعاليمه أوفى شرح مع الإيجاز والترتيب، ويكشف عن مساعيه المختلفة وما عالجه من الإصلاح في كل باب، ويبرز حقيقة يجهلها الكثيرون من أبناء هذا الجيل، وهي — كما يقول الدكتور أدمس — «أن المدرسة الحديثة مدينة بوجودها نفسه للأستاذ الإمام، وأنها في كثير من الأمور الجوهرية مشتَّقة منه وصادرة عنه».

المصدر : جريدة البلاغ ١٣ أبريل ١٩٣٥

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
معركة فارنا والتمهيد لفتح القسطنطينية(28 رجب 848هـ/ 10 نوفمبر 1444)

معركة "فارنا" والتمهيد لفتح "القسطنطينية(28 رجب 848هـ/ 10 نوفمبر 1444)"

أسباب المعركة : شعر السلطان "مراد الثاني" بالتعب...

مجمع نيقيه الأول

مجمع نيقيه الأول

في يوم 20 مايو 2016 يمر 1691 عاما على انعقاد مَجْمَعْ نيقيه ...

LE 1e CONCILE DE NICÉE

LE 1e CONCILE DE NICÉE

  Ce 20 mai 2016, le 1e Concile de Nicée célèbre son 1691e anniversair...

جديد الأخبار المزيد
لوفيجارو: تهميش السنة في العراق يجعل القضاء على داعش مستحيلاً

لوفيجارو: تهميش السنة في العراق يجعل القضاء على داعش مستحيلاً

قالت صحيفة لوفيجارو الفرنسية إن إقصاء المكون السن...

حكم يبرئ رئيس وزراء مبارك من الفساد

حكم يبرئ رئيس وزراء مبارك من الفساد

قضت محكمة مصرية اليوم الأربعاء ببراءة أحمد نظيف رئيس �...

أوغلو يؤكد استعداد بلاده للتدخل العسكري بسوريا

أوغلو يؤكد استعداد بلاده للتدخل العسكري بسوريا

جدد رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، التأكيد على...

  • أيام في سيلان والمالديف