موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصليب وحكاياته

أيام في البرازيل 1/3

Jul 06 2014 16:51:14

الكاتب : مدير الموقع

أيام في البرازيل 1/3

د / محمد موسى الشريف

البرازيل هي أكبر دولة في قارة أمريكا الجنوبية وتكاد مساحتها تبلغ نصف مساحة القارة، فهي ثمانية ملايين كيل ونصف مليون كيل فهي بذلك خامس دول العالم من حيث المساحة، ويخترق أرضها نهر الأمازون وهو ثاني أنهار العالم طولاً بعد نهر النيل، لكنه أعظم أنهار العالم تدفقاً وحجماً.

وفي البرازيل أكثر من ألف نهر!!

وفي البلاد من الخيرات المتنوعة شيء يفوق الحصر، ويَنِدّ عن العَدّ.

وعدد سكانها قرابة مائتي مليون نسمة نصفهم تقريباً من الأوربيين، وثلاثون بالمائة تقريباً من الإفريقيين، والباقي من أصول مختلفة، أما سكان البلاد الأصليون فهم الهنـود الحمر، وهم الذين لا تتعدى نسبتهم نصفاً بالمائة!! بعد الإبادة الهائلة التي لم تترك منهم إلا القليل، وكان البرتغاليون قد غزوا البلاد وأكثروا فيها الفساد وصبوا على رؤوس أهلها العذاب، وذلك سنة 906هـ/1500م.

وهناك بعض المؤرخين البرازيليين الموثوق بعلمهم يذكر أن وصول المسلمين إلى البرازيل كان قبل قدوم البرتغاليين بمدة، وأن البحارة المسلمين هم الذين قادوا البرتغاليين إلى البرازيل.

وبسبب هذه الهجمة البرتغالية الشرسة أصبح المذهب الكاثوليكي هو المذهب الرئيس في البلاد.

وأما الأفارقة البرازيليون فقد سيقوا من القارة الإفريقية عبيداً في قصص مأساوية يندى لها الجبين لمدة تزيد على ثلاث قرون من منتصف القرن السادس عشر إلى أواخر التاسع عشر 906هـ-1286هـ/1549-1850م، ومات منهم ملايين بسبب سوء "الشحن"!! وأُلقوا في البحر طعاماً للحوت، بل إن كثيراً منهم كان يلقى في البحر حياً إذا ثار أو مرض أو اضطربت السفينة، وكثير من أولئك العبيد مسلمون من قبائل الهوسا والفولاني "الفلاتة" والبَرْنو وغيرها، ثم لم يكفهم ذلك العذاب حتى سيموا عذاباً آخر هو أقوى وأشد هولاً وهو الإجبار على التنصر، وهذا يدلنا على كذب ادعاءات الغرب في الحفاظ على حقوق الإنسان، والغريب أنهم يصمون المسلمين بسوء معاملة العبيد بينما كانت شريعة الإسلام في التعامل مع العبيد في الذروة من الرحمة والمواساة وكف الأذى عنهم لكن ما العمل وما الحيلة مع هؤلاء المستشرقين الكذابين وأذنابهم من مدعي الثقافة والفكر.

ومن العجيب ما أثبته المؤرخ فريري بقوله: "كان هؤلاء المسلمون السود يشكلون عنصراً نشيطاً مبدعاً، ويمكن أن نقول إنهم من أنبل من دخل إلى البرازيل خلقاً... لقد مارسوا دوراً حضارياً بارزاً، وكانوا الساعد الأيمن في تكوين البلد الزراعي. إن البرازيل مدينة لهم في كل شيء... كانت وسائل التقنية عندهم أكثر تقدماً من وسائل الهنود ومن وسائل البرتغاليين أنفسهم. كان هؤلاء المسلمون الزنوج أهم عنصر في عملية تحضر البلاد، ويُذكر أن أسيادهم الأميين الذين جلبوهم لاسترقاقهم كانوا يتخاطبون مع الأوربيين من خلال هؤلاء العبيد المتحضرين: يكتب العبد المسلم رسالة السيد إلى زميله السيد الآخر الذي يقرأ له الرسالة عبده المسلم المتعلم".

ولما قويت شوكة العبيد قاموا بعدة ثورات إسلامية للتحرر كان من أهمها ثورة بالميراس في شمال البرازيل في القرن السابع عشر، وثورة باهيا على يد شيوخ الهوسا والبَرْنو الذين كانوا محفظين للقرآن الكريم وأئمة مساجد في القرن التاسع عشر لكن كل تلك الثورات سحقت بكل ما يملك الغربي الرؤوف الرحيم من همجية وقسوة وشدة، ثم أُجبروا نهائياً على التنصّر بعد أن غُيرت أسماؤهم.

ثم أُلغي الرق رسمياً سنة 1306هـ/1888م، وفي سنة 1307/1889 أُعلنت البرازيل جمهورية مستقلة، وكانت باهيا عاصمتها، ثم ريودي جانيرو ثم صارت العاصمة برازيليا.

أما في هذا العصر فقد جاء جملة من المسلمين إلى البرازيل، وكان أكثر مَن قدم منهم مِن لبنان ثم من سورية وفلسطين، واستقر جماعة من الفلسطينيين جنوب البرازيل، وقد بدأ الاستقرار في البرازيل من أوائل القرن الماضي، وزادت أعداد الفلسطينيين بعد النكبة، ويبلغ عدد المسلمين اليوم قرابة مليونين أكثرهم من السنة وفيهم قليل من الشيعة، وقد ذاب في المجتمع البرازيلي جماعات منهم، وبعضهم قد تنصر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ـ ودعيت إلى البرازيل للمشاركة في المؤتمر الرابع والعشرين لمسلمي أمريكا اللاتينية ودول البحر الكاريبي، وقد شاركت فيه هيئة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية.

وشددت الرحال إلى البرازيل عبر دبي وخطوط طيرانها "الإمارات"، وجددت العهد بزيارة غير طويلة لتلك المدينة استغرقت بضع ساعات لأرتحل منها صباحاً في رحلة طويلة ليس فيها توقف لمدة خمس عشرة ساعة تقريباً إلى مدينة ساوباولو.

وأجدني -هاهنا- معيداً لقولٍ فصّلت الكلام فيه في حلقة سابقة بعنوان "أيام في دبي"، وحلقة أخرى بعنوان "أيام في الإمارات" خلاصته أن القوم في -الإمارات- أحكموا أمر دنياهم إلى الغاية، وقَلّ أن ترى العيون مثل هذا الإحكام في بلد آخر، لكن هم في حاجة ماسة لإصلاح أمر دينهم، ورعاية شؤونه، والالتفات إلى قضاياه كما التفتوا طويلاً لدنياهم؛ وذلك أن عمران الأرض إن لم يصحبه عمران ما بين القوم وبين مولاهم -جل جلاله- فهو إذن الخسران المبين، والبوار الأكيد، وأخشى ما أخشاه أن يغفل القوم عن قول الله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون".

كانت الرحلة إلى البرازيل طويلة جداً، بل هي معدودة من جملة أطول الرحلات التي لا توقف فيها لكني كنت أَسْلُو عن طولها في الطائرة بتذكري كيف كان أسلافنا يركبون في البر والبحر شهوراً ليصلوا إلى مبتغاهم، وكانوا يعانون من أسباب العذاب وهول تلك الصعاب أشد المعاناة بينما نحن اليوم نصل إلى مبتغانا مهما طال الطريق إليه في أَقلّ من يوم وليلة، طاعمين كاسين، هانئين، تدور علينا أطباق الطعام ونتلذذ بأنواع الشراب، ولا يكاد يعكر صفونا شيء، ولا يكاد يُرى علينا أثر السفر، والحمد لله رب العالمين، لكن:

لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده



ولا الصبابة إلا من يعانيها


وصلنا إلى مدينة ساوباولو والليل قد أرخى سدوله، والنهار قد ولى مدبراً قبل قدومنا بدقائق فسبحان مقلب الليل والنهار تبصرة لذوي القلوب والأبصار.

وقد أحسن الناس استقبالنا، وأخذونا إلى نُزُل لم أحمد نزولنا به لكن ماذا يمكن أن أصنع وأنا ضيف مأسور لدى من أضافني، ولا أستطيع الحديث مع القائمين على الفندق ، فالقوم في البرازيل بينهم وبين الانجليزية برزخ واسع جداً.

وأول ما بدأت به من رحلتي أن استرحت من عناء تلك الرحلة الطويلة، ثم أُخذت إلى مسجد في مكان ناءٍ من ساوباولو لأخطب فيه الجمعة، واجتمع فيه قرابة مائة شخص من الذكور والإناث، وخطبت عن الاعتزاز بالإسلام ومقتضيات تلك العزة، وقد ذكرت تفصيلات عن موضوع هذه الخطبة في مكان آخر.

وبعد الخطبة جلست مع الأستاذ علي المجذوب -وهو رئيس اتحاد الطلاب المسلمين في البرازيل والمنسق العام لاتحاد الطلاب المسلمين في أمريكا اللاتينية- فحدثني عن قضايا عديدة منها قضية المسلمين الجدد الذين عرفوا الإسلام قبل معرفة المسلمين ومشكلاتهم، ثم إنهم إذا أسلموا لا يُعنى بهم ولا يلتفت إليهم وإلى مشكلاتهم إلا قليلاً.

ومن أهم ما أطلعني عليه -حفظه الله ونفع به- تلك المخيمات التي يقيمها للطلاب المسلمين والطالبات، وقد اطمأن قلبي قليلاً لحال المسلمين في تلك البلاد؛ إذ العناية بالطلاب وتنشئتهم على الإسلام فهماً وعملاً لهو من أهم المهمات في بلد كالبرازيل.

وحدثني عن قضية نصرة فلسطين السليبة من قِبل الشعب البرازيلي، فأخبرني أن هناك اتحاداً لنصرة فلسطين فيه أكثر من 250 مؤسسة وحزب وجمعية، وأن هذا التكتل فرض على البرلمان أن يوقف التطبيع التجاري مع العدو الصهيوني.

ووصل الأمر بحكومة البرازيل في نصرة قضية فلسطين أنهم افتتحوا ممثلية لهم في رام الله في فلسطين، ولعمر الحق إن هذه لنصرة تفتقر إلى استفادة واستثمار.

وذكر لي محدثي أنه أثناء حرب غزة الأخيـرة خرج أكثر من عشرة ملايين من الشعب البرازيلي إلى الشوارع في تعبير واضح عن الغضب عما جرى على إخواننا فالشعب البرازيلي في الجملة مناصر لقضية فلسطين، فماذا صنعنا نحن حكومات وشعوباً إزاء هذه المودة وأمام تلك العاطفة، أخشى أننا لم نصنع شيئاً ذا بال، وإلا فأين مكافأة شافيز رئيس فنـزويلا على مواقفه المتميزة في شأن القضية الفلسطينية؟! وأين التواصل مع أمثال هؤلاء خاصة أن في البرازيل جملة منهم، ويقولون إن رئيسها لولادي سيلفا من المتعاطفين مع الإسلام والمسلمين، والله أعلم.

أما المؤتمر فإنه -في مجمله- لا يخرج عن المؤتمرات الأخرى في مزاياها ونقائصها، فأما مزاياها فعديدة وهي بإجمال إيصال الإعجاز إلى طبقات من الناس مهمة وتحريك أعداد من المسلمين بعد أن طال ركودهم، وربما ينتج عن تلك المؤتمرات تواصل حسن مع بعض غير المسلمين وغير ذلك من الفوائد والمزايا.

وأما النقائص فعلى رأسها قلة الحضور في أكثر تلك المؤتمرات، وقلة المشاركة الإعلامية المهمـة التي تنقل الوقائع مباشرة أو مسجلة، فأشعر أننا في تلك المؤتمرات نكاد نخاطب أنفسنا مع أن المعاني التي تقال عظيمة وحقيقة أن تصل إلى قلوب الناس وعقولهم، فلابد من أن تقام مؤتمرات الإعجاز في أماكن كبيرة ضخمة مثل الملاعب الكبيرة وقاعات المؤتمرات الواسعة ويُدعى الناس ويحشرون للحضور فإذا حصل هذا اكتملت الفائدة وعظمت مزية تلك المؤتمرات، وإلا نفعل هذا فنكون قد حِدنا عن هدفنا قليلاً أو كثيراً، والله أعلم.

ولقد تحدثت مرات عن هذه القضية المهمة، ونقدت تلك الندوات والمؤتمرات؛ وذلك أن الألم يحيط بي من كل جانب بسبب هذا الأمر المزعج ألا وهو عدم دراية أكثر الناس في البلدان التي تعقد فيها هذه المؤتمرات والندوات بها، وإذا علموا فلا يشاركون أو لا يستطيعون المشاركة لسبب من الأسباب.

وينبغي أيضاً في مثل هذه المؤتمرات والندوات أن يُبنى بعضها على بعض، بحثاً وضبطاً ونقاشاً بحيث يكون في كل مؤتمر أو ندوة شيء جديد أو إضافة على بناء تقدم وضع أسسه، والله أعلم.

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تاريخ البرلمان المصري من محمد علي إلى العسكر

تاريخ البرلمان المصري... من محمد علي إلى العسكر

ليست الحياة النيابية في مصر جديدة فقد بدأت في القرن التاسع عشر، في...

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

وأبدأ بالعنوان، فالمقصود ب "المجلس المسلم للقدامى" هي ترجمة...

أيها المجتمعون في غروزني  لقد ضيقتم واسعا

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

دشن عدد من الناشطين اليمنيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر"...

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من داعش لأول مرة

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من "داعش" لأول مرة

قال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الأتراك، عمر جليك،...

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

أعلن القيادي في حزب العدالة والتنمية، عبد الحق العربي، اليوم الجمعة،...

  • أيام في سيلان والمالديف