موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

محمد بن إدريس الشافعي

Aug 14 2014 06:49:52

الكاتب : مدير الموقع

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

                               إذا سئلت عن مسألة لا أعلم فيها خبرا قلت فيها بقول الشافعي لأنه عالم قريش .. أحمد بن حنبل .

هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي .

ميلاده ونشاته :

ولد  بغزة، وقيل: بعسقلان سنة خمسين ومائة ، وقد قيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة ، وقد مات أبوه وهو صغير فحملته أمه إلى مكة وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه فنشأ بها وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطأ وهو ابن عشر ، وقرأ بنفسه الموطأ على مالك من حفظه فأعجبته قراءته وهمته، وأخذ عنه علم الحجازيين بعد أخذه عن مسلم بن خالد الزنجي.

وقد ذُكر أنه جاء إلى مالك فقال له : إنى أريد أن أسمع منك الموطأ ، فقال مالك تمضى إلى حبيب كاتبى فإنه الذي يتولى قراءته ، فقال له الشافعى : تسمع مني ـ رضى الله عنك ـ صفحا فإن استحسنت قراءتى قرأته عليك وإلا تركت ، فقال له : اقرأ فقرأ صفحا ثم وقف ، فقال له مالك : هيه فقرأ صفحا ثم سكت ، فقال له : هيه فقرأ فاستحسن مالك قراءته فقرأه عليه أجمع ..

وقدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين ومائة فأقام بها شهرا، ثم خرج إلى مصر، وكان وصوله إليها في سنة تسع وتسعين ومائة، وقيل سنة إحدى ومائتين. ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، ودفن بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى، وقبره يزار بها بالقرب من المقطم، رضي الله عنه.

وقد عني باللغة والشعر منذ صغره وتجول بالبادية بحثا عن أصولها ، وأقام في هذيل نحواً من عشر سنين، وقيل: عشرين سنة، فتعلم منهم لغات العرب وفصاحتها، وسمع الحديث الكثير على جماعة من المشايخ والأئمة.

وأخذ الفقه عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير وغيرهما.

كما تتلمذ على أحمد بن حنبل وكان معجا بنجابته وإخلاصه حتى إنه ( أي ابن حنبل ) ظل يدعو له في صلاته نحواً من أربعين سنة، وكان يقول في الحديث الذي رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها))عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، والشافعي على رأس المائة الثانية.

وقال أيضا : ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست الشافعي، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلا قط أكمل من الشافعي، وقال عبد الله بن أحمد ابن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي فإني سمعتك تكثر من الدعاء له، فقال: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض؟!..

إضافة إلى ذلك فهو أول من تكلم في أصول الفقه وهو الذي استنبطه.

وقد كان ـ رحمه الله ـ فقيرا في صغره ولكن ذلك لم يحل بينه وبين الصبر في طلب العلم ، فهو يقول : لم يكن لى مال وكنت أطلب العلم فى الحداثة وكنت أذهب الى الديوان استوهب الظهور فأكتب فيها..

وفي رواية أخرى أنه قال : قَالَ الحُمَيْدِيُّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: كُنْتُ يَتِيْماً فِي حَجْرِ أُمِّي، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَا تُعْطِينِي لِلْمُعَلِّمِ، وَكَانَ المُعَلِّمُ قَدْ رَضِيَ مِنِّي أَنْ أَقُوْمَ عَلَى الصِّبْيَانِ إِذَا غَابَ، وَأُخَفِّفَ عَنْهُ.

وفي رواية ثالثة : كُنْتُ أَكْتُبُ فِي الأَكتَافِ وَالعِظَامِ، وَكُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى الدِّيْوَانِ، فَأَسْتَوْهِبُ الظُّهُوْرَ، فَأَكْتُبُ فِيْهَا.

ثناء العلماء عليه :

قال يحيى بن معين: لو كان الكذب له مباحاً مطلقاً لكانت مروءته تمنعه أن يكذب ، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الشافعي فقيه البدن، صدوق اللسان ، وحكى بعضهم عن أبي زرعة أنه قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة - وقد سئل: هل سنَّة لم تبلغ الشافعي؟ - فقال: لا !.

ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها، وتارة مرسلة، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه، والله أعلم. وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: سميت ببغداد: ناصر السنة. وقال أبو ثور: ما رأينا مثل الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه (1).

وقال داود بن علي الظاهري : للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من: شرف نسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه، وحفظه الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف، وجودة الأصحاب والتلامذة، مثل: أحمد بن حنبل في زهده وورعه، وإقامته على السنة ، وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة، وأشد الناس نزعاً للدلائل منهما..

وقال أحمد بن حنبل : إذا سئلت عن مسألة لا أعلم فيها خبرا قلت فيها بيقول الشافعي لأنه عالم قريش ..

وقال سويد بن سعيد : كنا عند سفيان بن عيينة بمكة فجاء الشافعى فنظر إليه ابن عيينة فقال : هذا أفضل فتيان أهل زمانه ..

وقال : يحيى بن سعيد القطان  : أنا أدعو الله للشافعى حتى فى صلاتى ..

وقال أبو ثور: من زعم انه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته ومعرفته وثباته وتمكنه فقد كذب، كان منقطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يعتض منه.

ورعه وإخلاصه :

 وكان من أحسن الناس قصداً وإخلاصاً، كان يقول: وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شيء منه أبداً فأوجر عليه ولا يحمدوني.

وقال: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء.

حرصه على الالتزام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته :

وقد كان حريصا على التقيد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقول : إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به، وإن لم تسمعوا مني. وفي رواية: فلا تقلدوني. وفي رواية ثالثة : فلا تلتفتوا إلى قولي. وفي رواية رابعة : فاضربوا بقولي عرض الحائط، فلا قول لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقديره لأهل الحديث :

قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث فإنهم أكثر الناس صواباً ، وقال: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأنما رأيت رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، جزاهم الله خيراً، حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل (2) .

كراهيته لعلم الكلام والفلسفة :

قال الساجى عن الزعفرانى : كان الشافعى يكره الكلام ، وقال المزني : كُنْتُ أَنْظُرُ فِي الكَلاَمِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ الشَّافِعِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَ أَتَيْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنَ الكَلاَمِ، فَقَالَ لِي: تَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟

قُلْتُ: نَعَمْ، فِي مَسْجِدِ الفُسْطَاطِ. قَالَ لِي: أَنْتَ فِي تَارَانَ (يقصد ما فيه من الضلال ) - قَالَ عُثْمَانُ: وَتَارَانُ مَوْضِعٌ فِي بَحْرِ القُلْزُمِ، لاَ تَكَادُ تَسْلَمُ مِنْهُ سَفِيْنَةٌ - ثُمَّ أَلقَى عَلَيَّ مَسْأَلَةً فِي الفِقْهِ، فَأَجَبْتُ، فَأَدْخَلَ شَيْئاً أَفْسَدَ جَوَابِي، فَأَجَبْتُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَدْخَلَ شَيْئاً أَفْسَدَ جَوَابِي، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا أَجَبْتُ بِشَيْءٍ، أَفْسَدَهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا الفِقْهُ الَّذِي فِيْهِ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقَاوِيْلُ النَّاسِ، يَدْخُلُهُ مِثْلُ هَذَا، فَكَيْفَ الكَلاَمُ فِي رَبِّ العَالِمِيْنَ، الَّذِي فِيْهِ الزَّلَلُ كَثِيْرٌ؟ (3) .

وعن عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ دَاوُدَ يَقُوْلُ:

لَمْ يُحْفَظْ فِي دَهْرِ الشَّافِعِيِّ كُلِّهِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَهْوَاءِ، وَلاَ نُسِبَ إِلَيْهِ، وَلاَ عُرِفَ بِهِ، مَعَ بُغْضِهِ لأَهْلِ الكَلاَمِ وَالبِدَعِ (4) .

كرمه الزائد :

ـ وكان ـ رحمه الله ـ كريما لمن يسدي إليه معروفا أو يقضي له مصلحة ، يقول المزنى : كنت عند الشافعى يوما ودخل عليه جار له خياط فأمره باصلاح أزراره فأصلحها فأعطاه الشافعى دينارا ذهبا ( وهذا قدر كبير جدا بالنسبة لما قام به ) فنظر اليه الخياط وضحك ، فقال له الشافعى خذه فلو حضرنا أكثر منه ما رضينا لك به فقال له : أبقاك الله إنما دخلنا عليك لنسلم عليك ، فقال الشافعى فأنت إذا ضيف زائر وليس من المروءة الاستخدام بالضيف الزائر ..

ـ وقال الربيع وسمعت الحميدى يقول خرج الشافعى الى اليمن مع بعض الولاة ثم انصرف الى مكة بعشرة الآف درهم فضرب خباء في موضع خارج من مكة فكان الناس يأتونه فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها..

ـ مر الشافعى يوما بالحذائين فسقط سوطه من يده فقام رجل منهم فأخذ السوط ومسحه بيده ودفعه اليه فقال له : مه أي شيء عملت ؟ آثرتنى على نفسك ؟ كيف أؤدى شكرك ؟ ثم تنحى وضرب بيده إلى كمه أو جيبه فأخرج منه دنانير لا أدرى خمسة أو عشرة أو أكثر ، وأكبر ظنى عشرة وقال لى ادفعها اليه واعتذر عني عنده فإنى لم يحضرنى غيرها فى هذا الوقت

من أقواله الحكيمة :

ـ ليس من قوم يخرجون نساءهم إلى رجال غيرهم ورجالهم إلى نساء غيرهم إلا جاء أولادهم حمقى ..

ـ ثلاثة أشياء ليس لطبيب فيها حيلة الحماقة والطاعون والهرم .

ـ لا ينبغى لأحد أن يسكن بلدة ليس فيها عالم ولا طبيب .

ـ صحبة من لا يخاف الله عار .

ـ  يقول ليس العاقل الذى يقع بين الشر والخير فيختار الخير إنما العاقل الذى يقع بين الشرين فيختار أيسرهما ..

ـ  رياضة ابن آدم أشد من رياضة الدواب ..

ـ ينبغى للرجل أن يتوخى لصحبته أهل الوفاء والصدق كما يتوخى لوديعته أهل الثقة والأمانة .

ـ أظلم الظالمين لنفسه الذى اذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه واستخف بالأشراف وتكبر على ذوى الفضل .

ـ  إذا أيسر الرجل بعد الاقتار شرهت نفسه إلى أربع ينتفى من ولى نعمته ويتسرى على امرأته ويهدم داره ويبنى غيرها وسمعته ..

ـ إذا اجتمع فى الصبى الحياء والرهبة رجى فلاحه ..

ـ من سأل صاحبه فوق طاقته فقد استوجب الحرمان .

ـ  لا ينفعك من جار السوء التوقى ..

ـ من عرف نفسه لم يضره ما قيل فيه .

ـ  من لم يكن عفيفا لم يزل سخيفا ومن اتهم بالمعاصى لم يزل خائفا ذليلا ومن عف أمن ومن شرهت نفسه طال همه ومن أكثر المناكح لم يسلم من الفضائح ..

ـ ثلاث خصال من كتمها ظلم نفسه ..  العلة من الطبيب والفاقة من الصديق والنصيحة للإمام ..

ـ المخدوع من اغتر بالأماني .

ـ أربعة أشياء قليلها كثير العلة والفقر والعداوة والنار .

ـ الآمال قطعت أعناق الرجال كالسراب خان من راه وأخلف من رجاه .

ـ  غضب الأشراف يظهر فى أفعالها وغضب السفهاء يظهر فى ألسنتها ..

ـ من غلب عليه حب الدنيا وشهوتها ألزمته العبودية لأهلها ، ومن رضي بالقنوع زال عنه الخضوع ..

ـ من لم تنفعك صداقته فلا تغنم بعداوته .

ـ الحلم أنصر من الرجال فأول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل ..

ـ كيف يزهد فى الدنيا من لا يعرف قدر الآخرة ؟! وكيف يخلص من الدنيا من لا يخلو من الطمع الكاذب ، وكيف يسلم من الناس من لا يسلم الناس من لسانه ويده ، وكيف ينطق بالحكمة من لا يريد بقوله الله عز وجل ..

ـ من ادعى أنه اجتمع حب الدنيا وحب خالقها فى قلبه فقد كذب ..

ـ  ليس أحد يستخرج من الدنيا عصارة عيش إلا بحال مكروهة في دينه ..

ـ من لم يبادر أجله سلبته الإيام فريسته لأن صناعة الدهر التقلب وشرطه الإمالة ..

ـ لا تشاور من ليس فى بيته دقيق لأنه موله العقل ..

مروءته :

وكان شديد المروءة ، ويقول : لو علمت أن الماء البارد إذا شربته أذهب مروءتى ما شربت الماء إلا حارا .. (5).

مواظبته على التريض رغم انشغاله بالعلم :

ومع انشغاله بالعلم كان يحافظ على التريض وخاصة الرمي ، يقول الرَّبِيعُ المُؤَذِّنُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: كنْتُ أَلْزَمُ الرَّمْيَ، حَتَّى كَانَ الطَّبِيْبُ يَقُوْلُ لِي: أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكَ السِّلُّ مِنْ كَثْرَةِ وُقُوفِكَ فِي الحَرِّ ، َقالَ: وَكُنْتُ أُصِيبُ مِنَ العَشَرَةِ تِسْعَةً .

وَقَالَ عَمْرُو بنُ سَوَّادٍ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: كَانَتْ نَهْمَتِي فِي الرَّمْيِ، وَطَلَبِ العِلْمِ، فَنِلْتُ مِنَ الرَّمْيِ حَتَّى كُنْتُ أُصِيبُ مِنْ عَشْرَةٍ عَشْرَةً، وَسَكَتَ عَنِ العِلْمِ(6)..

نهيه عن المراء :

قَالَ الرَّبِيْعُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: المِرَاءُ فِي الدِّيْنِ يُقَسِّي القَلْبَ، وَيُورِثُ الضَّغَائِنَ .

وَقَالَ صَالِحٌ جَزَرَةُ: سَمِعْتُ الرَّبِيْعَ يَقُوْلُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَا رَبِيْعُ! اقبَلْ مِنِّي ثَلاَثَةً: لاَ تَخُوضَنَّ فِي أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّ خَصْمَكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَداً(7).

تحذيره من المبتدعة :

قال البُوَيْطِيَّ ُ: سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ: أُصَلِّي خَلْفَ الرَّافِضِيِّ؟

قَالَ: لاَ تُصَلِّ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ، وَلاَ القَدَرِيِّ، وَلاَ المُرْجِئِ.

قُلْتُ: صِفْهُمْ لَنَا.

قَالَ: مَنْ قَالَ: الإِيْمَانُ قَوْلٌ، فَهُوَ مُرْجِئٌ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَيْسَا بِإِمَامَيْنِ، فَهُوَ رَافِضِيٌّ، وَمَنْ جَعَلَ المَشِيْئَةَ إِلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ قَدَرِيٌّ.

ترفعه عن الانشغلال بالمبتدعة وتضييع الوقت معهم :

قَالَ الربيع : قال لِيَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ عَلَى كُلِّ مُخَالفٍ كِتَاباً لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ لَيْسَ الكَلاَمُ مِنْ شَأْنِي، وَلاَ أُحِبُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ . وقد قال الذهبي معلقا على ذلك : هَذَا النَّفَسُ الزَّكِيُّ مُتَوَاتِرٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ.

عدم مراءاته للناس :

وكان ـ رحمه الله ـ يراعي الله عز وجل في عمله وعلمه فقط ، ولا يلتفت للناس ، قَالَ يُوْنُسُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: ليس إِلَى السَّلاَمَةِ مِنَ النَّاسِ سَبِيْلٌ، فَانْظُرْ الَّذِي فِيْهِ صَلاَحُكَ، فَالْزَمْهُ . (8)..

حثه للفقهاء على التواضع :

وكان ينصح العلماء بالتواضع قال أَبُو ثَوْرٍ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُوْلُ: يَنْبَغِي لِلْفَقِيْهِ أَنْ يَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأَسِهِ تَوَاضُعاً

مراجعته لعلمه ورآرائه :

وكان ـ رحمه الله ـ يدور مع الحق حيث ، ويغير رأيه الفقهي إذا ظهر له ما هو أكمل وأجود ، قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مُسْلِمِ بنِ وَارَةَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ: مَا تَرَى فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ الَّتِي عِنْدَ العِرَاقِيِّينَ، أَهِيَ أَحَبُّ إِليَكَ، أَوِ الَّتِي بِمِصْرَ؟

قَالَ: عَلَيْكَ بِالكُتُبِ الَّتِي عَمِلَهَا بِمِصْرَ، فَإِنَّهُ وَضَعَ هَذِهِ الكُتُبَ بِالعِرَاقِ، وَلَمْ يُحْكِمْهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِصْرَ، فَأَحْكَمَ تِلْكَ.

ولذلك نالت كتبه مكانة كبيرة بين العلماء ، حتى قال أحمد بن حنبل : مَا تَرَى لِي مِنَ الكُتُبِ أَنْ أَنْظُرُ فِيْهِ، رَأْيُ مَالِكٍ، أَوِ الثَّوْرِيِّ، أَوِ الأَوْزَاعِيِّ؟ فقَالَ لِي : عَلَيْكَ بِالشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُم صَوَاباً، وَأَتْبَعُهُم لِلآثَار .

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ نَاجِيَةَ الحَافِظُ: سَمِعْتُ ابْنَ وَارَةَ يَقُوْلُ:

قَدِمْتُ مِنْ مِصْرَ، فَأَتَيْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لِي: كَتَبْتَ كُتُبَ الشَّافِعِيِّ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: فَرَّطْتَ، مَا عَرَفْنَا العُمُوْمَ مِنَ الخُصُوصِ، وَنَاسِخَ الحَدِيْثِ مِنْ مَنْسُوخِهِ حَتَّى جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ.

قَالَ: فَحَمَلَنِي ذَلِكَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى مِصْرَ، فَكَتَبْتُهَا   (9)...

ثقافته الطبية :

ومن العجب أنه مع ضلوعه في العلوم الدينية كان ملما بعلم الطب ، ومما أثر عنه في ذلك قوله :

ـ مَنْ أَكَلَ الأُتْرُجَّ ثُمَّ نَامَ، لَمْ آمَنْ أَنْ تُصِيْبَهُ ذُبْحَةٌ.

ـ ثَلاَثَةُ أَشْيَاءٍ دَوَاءُ مَنْ لاَ دَوَاءَ لَهُ، وَأَعْيَتِ الأَطِبَّاءَ مُدَاوَاتُهُ: العِنَبُ، وَلَبَنُ اللِّقَاحِ، وَقَصَبُ السُّكَّرِ، لَوْلاَ قَصَبُ السُّكَّرِ، مَا أَقَمْتُ بِبَلَدِكُمْ .

ـ  كَانَ غُلاَمِي أَعْشَى، لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُ بَابَ الدَّارِ، فَأَخَذْتُ لَهُ زِيَادَةَ الكَبِدِ، فَكَحَّلْتُهُ بِهَا، فَأَبْصَرَ .

ـ عَجَباً لِمَنْ تَعَشَّى البَيْضَ المَسْلُوْقَ فَنَامَ، كَيْفَ لاَ يَمُوْتُ.

ـ  الفُوْلُ يَزِيْدُ فِي الدِّمَاغِ، وَالدِّمَاغُ يَزِيْدُ فِي العَقْلِ .

ـ لَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِلوَبَاءِ مِنَ البَنَفْسَجِ، يُدْهَنُ بِهِ وَيُشْرَبُ .

ـ لاَ أَعْلَمُ عِلْماً بَعْدَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ، أَنْبَلَ مِنَ الطِّبِّ، إِلاَّ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ غَلَبُوْنَا عَلَيْهِ.

قَالَ حَرْمَلَةُ: كَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَلَهَّفُ عَلَى مَا ضَيَّعَ المُسْلِمُوْنَ مِنَ الطِّبِّ، وَيَقُوْلُ: ضَيَّعُوا ثُلُثَ العِلْمِ، وَوَكَلُوهُ إِلَى اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى (10).

وفاته :

وكانت وفاته ـ رحمه الله ـ يَوْمَ الخَمِيْسِ ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمائَتَيْنِ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني .

1 ـ ترجمة الأئمة الأربعة (ج 1 / ص 196).

2 ـ طبقات الشافعية الكبرى - (ج 1 / ص 200).

3 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 26).

4 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 26).

5 ـ الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ج 1 / ص 94).

6 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 12).

7 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 29).

8 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 53)

9 ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 56)

10ـ سير أعلام النبلاء - (ج 10 / ص 57).

المصدر : موقع التاريخ

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف