موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

التعليم الإسلامي القديم : من لم يحفظ النص فهو لص!!

Nov 20 2014 09:17:19

الكاتب : مدير الموقع

التعليم الإسلامي القديم : من لم يحفظ النص فهو لص!!

الزبير مهداد

استطاع التعليم الإسلامي العتيق أن يكون مورد حضارة كبرى امتدت عبر أصقاع كثيرة من العالم شرقًا وغربًا ، تنتصب للشهادة عليه مؤسسات شتى متعددة، ومؤلفات وأعلام ثقافة وفكر وأدب.

 هذا التعليم العتيق، شهد على الدوام أشخاصًا يمتدحونه ويعددون مزاياه الكثيرة، لأنه بالرغم من تقليديته البادية للعيان، فإنه لم تكن تنقصه الحيوية والفعالية، وكان محركًا قويًا للحياة الثقافية والعلمية لعدة قرون متواصلة في كل أرجاء البلاد العربية الإسلامية، ينخرط فيه طلبة العلم منذ حداثة سنهم، وينهلون منه طيلة حياتهم في المدارس والخوانق وحلقات المساجد والمجالس العلمية الخصوصية ودور الحديث وغيرها.

 سن الطلب

 كان طلب العلم يبدأ عادة في الصغر، حيث جرى العرف بأن يدفع الصبي إلى المكتب في سن السادسة أو السابعة من عمره، حينها يكون قادرًا على (التحمل) أي تلقي العلم عن الشيوخ وسماعه ووعيه؛ بالرغم من أن علماء الأمصار لم يجمعوا على تحديد سن تحمل العلم، وذلك لاختلاف العوائد والظروف الثقافية والاجتماعية للبلدان مما يؤثر بالفعل على قدرات الأطفال ونموهم وتفاعلهم.

 لكن تأسيسًا على آراء المحدثين حول سن تحمل الحديث، رأى كثير من الفقهاء أن يكون الحد الأدنى لسن التحاق الأطفال بمؤسسات التعليم ست أو سبع سنين، مع اعتبار حال الطفل وقدرته على تمييز الخطاب وفهمه ورد الجواب، خاصة وأنه في هذه السن يكون الطفل غير محتاج إلى من يأتي به إلى المكتب، أي مستغنيًا عن السائق وقادرًا على ضبط نفسه(1) .

 وقد بذل بعض العلماء جهدهم في تحديد السن الملائمة للتعلم، درءًا للإشكال ومساعدة للآباء على تتبع نمو صبيانهم وتمتيعهم بحقهم في التعلم، ومن أبرز هؤلاء الطبيب الفيلسوف ابن سينا الذي يحدد بدقة كبيرة مظاهر النمو والنضج العقلي والبدني الدالة على استعداد الصبي لقبول التعلم، ويرى أن السن التي يمكن أن تتجمع فيها هذه العلامات وتستحكم عندها الأعراض الإيجابية للتعلم هي سن السادسة (وإذا أتى عليه من أحواله ست سنين، فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم، ويدرج أيضا في ذلك ولا يحكم عليه بملازمة الكتاب كرة واحدة) (2) .

 يشرع الطفل عند انخراطه في المكتب في حفظ سور القرآن الكريم وتعلم الهجاء، ولا يأتي عليه سن البلوغ حتى يكون قد حذق القرآن وقواعد اللغة والحساب، وحفظ أهم المتون والنصوص الأساسية التي تؤهله لطلب العلوم العليا والمشاركة في مجالس العلم التي تعقد في المساجد أو المدارس العلمية كدور القرآن والحديث والفقه، فيبدأ حياة جديدة في سبيل تحصيل العلم والرقي إلى رتبة العلماء، يلازم خلالها شيوخ العلم من فقهاء ومحدثين وغيرهم، ويقرأ الكتب ويجتهد ويثابر في سبيل التعلم؛ وقد قال بعض الشيوخ (آلة تحصيل الطالب كتب صحاح وشيخ فتاح ومداومة وإلحاح) (3) .

الشيخ الفتاح

 كان شيوخ العلم يلقنون الطلبة دروسًا متنوعة، ويقسمون وقتهم تقسيما يراعي حاجات الطلبة المتنوعة إلى العلوم المدروسة، وفي اليوم الدراسي الواحد كان يخصص العلماء زمنًا محددًا يتداولون فيه العلم أو الكتاب المحدد، وكان يطلق على هذه الحصص الزمنية الخاصة بالدروس اسم «الدولة» (من التداول) ففي معرض حديث مؤلف بلغة الأمنية عن الفقيه محمد بن هاني اللخمي قال (وكان موضع إقرائه بمسجد القفال من سبتة، وكان رضي الله عنه يرد ظهره إلى جدار القبلة من بعد صلاة الصبح، ويمشي دولة إثر دولة في الفنون العلمية، إلى أن تزول الشمس، ... كان يقرئ الطلبة في المجلس الواحد دولاً في علوم شتى، قال وآخر ذلك دولة في الطب) (4) .

 أما النصاب فكانت تعني الدرس، ومجموعة الأنصبة المقرر تدريسها خلال مدة زمنية محددة تسمى سبقًا، فالسبق هو ما يأخذه طالب العلم عن أستاذه في اليوم أو الأسبوع مما يلزم حفظه وتدارسه ، وكان الإمام برهان الدين الزرنوجي يوقف بداية السبق يوم الأربعاء، ويوصي الزرنوجي المعلم أن يبتدئ مع المتعلم بشيء من العلوم يكون أقرب إلى فهمه ، كما ينبغي أن يكون مقدار هذا العلم أي قدر السبق للمبتدئ قدر ما يمكن ضبطه بالإعادة مرتين، ويزيد في كل يوم كلمة حتى إنه وإن طال وكثر يمكن ضبطه بالإعادة مرتين ويزيد بالرفق والتدرج ، والسبق يفيد مع التكرار، وقد قيل (السبق حرف والتكرار ألف) لهذا يوصى المتعلم بالتكرار والتأمل لأنه إذا قل السبق وكثر التكرار والتأمل يدرك ويفهم (5) .

التوطية للدرس

 يبدأ الدرس بالتوطية أو (التمهيد للدرس) بلغة عصرنا. يقول عبدالله المساري في السراج:

وقبل أن تشرع مهد بتوطية تزيل عن شمس العقول تغطية.

 يقول البلغيثي شارحًا البيت (وطئ أيها المدرس قبل الشروع فيما تقرؤه توطية تزيل عن عقول الطلبة غشاء الجهل، وكيفية التوطية أن تذكر وجه الارتباط بين الكلام المتقدم لك تقريره في النصاب قبل، وبين الكلام الذي تريد أن تقرئه في نصاب يومك، إذ بذلك يعلم موضوع الكلامين ويسهل الفهم على الطالب بمعرفة مناسبة هذا الكلام للسابق) (6)  ويوضح اليوسي (متى احتاج شيء من ذلك إلى توطية ومقدمة يستعان بها على الفهم أو التصديق تعين البدء بها بحسن بيان واختصار المراد) (7) .

 بعد التوطية يقوم السارد بتلاوة النص المتعين إقراؤه، فمن المعلوم أن جل الدروس في نظام التعليم العربي كانت تنطلق من «نص الكتاب» يقرؤه أنجب الطلبة بين يدي الشيخ في بداية الدرس، ويسمى هذا الطالب «السارد» أو «القارئ» ويتخذ مجلسه في وسط الحلقة، ويجلس إلى يمينه وشماله المتقدمون من الطلبة في شكل قوس تحيط بالأستاذ الجالس على كرسي أو المستند إلى سارية؛ ولا ينتهي دور السارد عند القراءة الأولى، وإنما يظل طوال الدرس حاملاً الكراسة مستعدا لقراءة الفقرات أو التعليقات التي قد يطلب منه الأستاذ أن يقرأها (8) .

التقرير والرواية

 بعد التوطية وقراءة السارد، يشرع الشيخ في تقديم الدرس. كانت طرق الشيوخ في التعليم تختلف باختلاف التكوين، أو باختلاف المادة المقروءة، فتعليم الحديث كان يتم غالبًا بطرق الرواية أو الإملاء، أما تعليم الفقه فكان يستعان في ذلك بطريقة التقرير، وعند إقراء التفسير كان بعض الشيوخ يجمعون بين طرق الرواية والتقرير، بينما تدريس المنطق والعلوم الفلسفية والرياضيات كان يحتاج لطرق أخرى مختلفة.

والتعلم بطريقة القراءة على الشيخ ظل سائدًا إلى زمن متأخر في كثير من حلقات العلم العامة والخاصة، خصوصًا في العلوم الشرعية، يتيح للطالب حرية اختيار الموضوع الذي يود قراءته والشيخ الذي يأخذ عنه العلم، وقد يكون هذا التعليم منفردًا، كما قد يكون جماعيًا، يحضر إلى جانب القارئ والمقرئ طلبة علم آخرون يستمعون ويحصلون الفائدة.

 كما قد نجد في بعض الإجازات وكتب الفهارس تمييزًا بين قراءة وقراءة، فهناك قراءة النص بلفظه، وهناك قراءة بحث وتحقيق وتفهم.

السيادة في التعليم العتيق كانت للطرق التقريرية، حيث يكون الانطلاق من نص ثم يتبع بشرح المدرس وتفريعاته وتفصيلاته، أو يتناول سلسلة من الموضوعات يعالجها من غير رجوع إلى مؤلف مكتوب، وهو ما لا يجرؤ عليه إلا الفطاحل. لهذا كان الجانب الأول من التقرير سائدًا في أقطار المغرب، كما لم تخل منه حلقات التعليم بالمشرق العربي، واتسع نطاق التقرير خصوصًا منذ القرن الثالث ثم القرون اللاحقة مع انتشار الكتب واستنساخها لتمكين الدارسين من تمتين دراساتهم المسموعة (9) .

وكان الشيوخ ينهجون أسلوبين في تقرير الدروس، (أحدهما أن يلتقط الألفاظ المفردة فيفسرها لفظًا لفظًا ويحرر فيها اللغوي والشرعي والعرفي والحقيقة والمجاز ونحو ذلك.... حتى إذا فرغ منها رجع إلى التراكيب ففسرها وبين التصديق بعد التصور. ثانيتهما أن يخلط الكل ويضربها ضربة، ففي كل تركيب يبين مفرداته ونسبته. والأولى أحظى بتحرير المفردات على ما ينبغي، ولكن لا تخلو من صعوبة على المبتدئ وتهويل عليه، فهي لائقة بالمتوسط والمنتهي، والثانية أرفق. ثم إن كان في الكلام شبهة أو رأي باطل قرر ذلك كله على ما صار إليه صاحبه ...، ثم يقرر جواب ذلك أو الرد عليه، إن كان في الكلام، وإلا أجاب من عنده إن أمكنه، وإن يسر الله الجواب على لسان أحد من الحاضرين فليقبله إن كان صحيحًا ...(10) .

 أما الرواية التي كانت عماد طرق تعليم الحديث، فإنها تقوم في جوهرها على تبليغ الأقوال والأخبار والمعلومات التي رواها الشيخ بالتواتر عن سابقيه حتى تصل إلى أصلها أو قائلها الأصلي، اتبعت هذه الطريقة في الأجيال الأولى على نطاق واسع، واستمرت في الحديث النبوي الشريف قرونا متتالية (11) .

 فالحديث النبوي الشريف هو العلم الذي اهتم فيه العلماء بالرواية والسند، ومنه انتقل التقليد إلى بقية المواد والاختصاصات وأصبح دليلاً على استمرار السماع عن الشيوخ، هذا السماع كانت له أهمية كبيرة في حياتنا العلمية، وكان له حضور قوي في إجازات العلماء وفهارسهم التي يذكرون فيها بدقة عمن أخذوا عنهم من الشيوخ مع ذكر سند كل واحد وتخصصه وكل كتاب، حرصا منهم على إثبات السلسلة العلمية التي تلقوها عن شيوخهم في فهارسهم، وكلما كان رجال السند أقل كان السند عاليًا وكان الراوي أقرب إلى مصدر النص المروي(12) .

 إلا أن الإغراق في العناية بموضوع الرواية والسند والمبالغة في ذلك والتساهل في قبوله، أدى إلى سقوط عدد من طلبة العلم في الترهات من القول، وأدرجوا في سلاسل السند أسماء باطلة، (إن بعض ممن تساهلوا لهم أسانيد... يروونها عن عبدالرحمن شمهروش قاضي الجن، ويزعمون أن له صحبة، كما زعموها لرثن الهندي الذي عمر طويلا عمرا غير معقول)(13) .

 والرواية تقتضي الإملاء لبث المرويات ونشرها، لذلك كان بعض الشيوخ يملون مروياتهم على طلبة العلم المتحلقين حولهم، وهذا الأسلوب لم يتصد له إلا الفطاحل من العلماء، لاعتماده على الحفظ والذاكرة، وهو مستحب عند المحدثين، وإن استخدمه اللغويون إلى حدود القرن الرابع الهجري، وبقي إملاء الحديث إلى قرون متأخرة، وقد اعتبر أعلى مراتب الرواية والسماع، وفيه أحسن وجوه التحمل وأقواها كما قال السيوطي في التهذيب.

 وكانت عادة العلماء عند الإملاء أن يتخذوا مستمليًا محصلاً يقظًا، يبلغ عن المملي، وإذا كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل واحد، اتخذ مستمليين فأكثر، فقد أملى أبو مسلم الكرخي في رحبة غسان، وكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد صاحبه الذي يليه، وحضر عنده نيف وأربعون محبرة سوى النظارة.

ولم يكن الطالب يقتصر على تدوين المرويات وقراءتها، بل كان مطالبًا بحفظ كل النصوص المقروءة. فهذه الدراسة كانت شاقة تحتاج إلى مداومة على طلب العلم وإلحاح في سبيل تحصيل المعرفة بحفظ المتون والمرويات والشواهد والنصوص، ومن أشق ما كان يعانيه طلبة العلم حفظ المتون الطويلة نصوصها، والتقاط الشواهد من بطون الكتب على اختلاف أنواعها ومؤلفيها.

الكتب الصحاح

 يعتبر الكتاب من أهم أوعية العلم ووسائل التعلم واكتساب المعرفة، لهذا حظي باهتمام العلماء والمربين فاجتهدوا في تصنيف كتب تستجيب لحاجات طلاب العلوم، وراعوا في تصنيفها مستوياتهم العقلية واللغوية، وحرصوا على تقديم المعرفة المطلوبة في شكل منظم وبأسلوب يساعدهم على استيعابها وفهمها وحفظها. كما تتيح لهم الفرصة للتعلم الذاتي وتقدم لهم توصيات ونصائح لتنمية معرفتهم واستكمالها. فقد ألف كثير من الفقهاء المربين كتبًا بطريقة مناسبة لمستويات المتعلمين بشكل متدرج وفق مراتب الترقي في الطلب، فالغزالي مثلاً ألف في فقه الشافعية (الوجيز) ثم (الوسيط) ثم (المبسوط) وابن قدامة صنف في فقه الحنابلة على الترتيب (المقنع) ثم (الكافي ) ثم (المغني). وهكذا كانوا يكتبون لكل مرحلة تعليمية من الطلب ما يليق بها، فالمبتدئ غير المتوسط وغير المنتهي.

 أما كتب المختصرات فقد انتقدها كثير من المربين، وذكروا ما تحدثه من فساد وتشويه في العلوم وتكريس للتقليد وإلغاء للاجتهاد. فاستنكر المقري اعتماد التعليم على المختصرات التي تفتقد الأمانة العلمية والتوثيق والتخريج، وتحتاج إلى شروح وتفسيرات مطولة تشوه العلوم وتثقل كاهل المتعلم بصعوبات هو في غنى عنها، ولا تسمح له بالتوسع في العلوم ولا بالاجتهاد، يقول المقري: (ولقد استباح الناس النقل من المختصرات الغريبة أربابها ونسبوا ظواهر ما فيها إلى أمهاتها وتركوا الرواية وكثر التصحيف وانقطعت سلسلة الاتصال فصارت الفتاوى تنقل من كتب لا يدري ما زيد فيها مما نقص منها لعدم تصحيحها، فاقتصروا على حفظ ما قل لفظه ونزر حظه وأفنوا أعمارهم في حل لغوزه وفهم رموزه، ولم يصلوا إلى رد ما فيه إلى أصوله بالتصحيح فضلا عن معرفة الضعيف من ذلك والصحيح، بل هو حل مقفل وفهم أمر مجمل مطالعة تقييدات زعموا أنها تستنهض النفوس) (14)  فحرصًا على دفع عجلة الحركة العلمية والحث على الاجتهاد والنمو العلمي، تصدى كثير من المربين لظاهرة الاختصار التي تفتقد الأمانة العلمية والتوثيق والتخريج وتحتاج إلى شروح وتفسيرات مطولة تشوه العلوم وتثقل كاهل المتعلمين بصعوبات هم في غنى عنها، ولا تسمح لهم بالتوسع في العلوم ولا بالاجتهاد، وخير من عبر عن ذلك العلامة ابن خلدون بقوله عن الاختصار (هو فساد في التعليم.. لأن فيه تخليطًا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد... ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها، لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت) (15) .

ولأهمية الكتب في الحياة التعليمية فقد أوصى المربون طالب العلم بالعناية بتوفير الكتاب (ينبغي لطالب العلم أن يعتني بتحصيل الكتب المحتاج إليها ما أمكنه شراء، وإلا فإجارة أو عارية لأنها آلة التحصيل، ولا يجعل تحصيلها وكثرتها حظه من العلم وجمعها نصيبه من الفهم كما يفعله كثير من المنتحلين الفقه والحديث) (16) .

 وبين المربون أن الكتاب هو أحد وسائل تحصيل العلم وليس أهمها، فالتحصيل يكون بالكتب والشيوخ والمداومة، لذلك حَذَروا من التعامل المنفرد مع الكتاب دون إشراف شيخ. قال الشافعي (من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام) (17 ) والاعتماد على الكتب وحدها في التعلم دون مجالسة الشيوخ سموها (تشييخ الصحيفة) وقالوا (من أعظم البلية تشييخ الصحيفة) (18)  لأن من نتائج الاعتماد على الصحيفة الوقوع في التصحيف وكثرة الغلط وتحريف المقروء (19) . وإذا كان هذا موقف عامة العلماء، فإن علماء آخرين منهم الآبلي وقفوا موقف الرفض من الكتب كلها، لا يستثنون منها نوعًا، بدعوى أنها تعلم الكسل وتقطع سلسلة الاتصال والتلقي وتنافس وسائل التعليم الأخرى كالرحلة التي تكلف جهدًا ومالاً كبيرين وتدل على رغبة أكيدة في التعلم والمعرفة.

فلابد من القراءة على شيوخ العلم المربين يعلمونه مما علمهم الله، ولا بد للطالب من المثابرة والاجتهاد لتحصيل العلم والمداومة عليه والإلحاح في طلبه.

المداومة والإلحاح

 لم تكن الحياة الدراسية سهلة مريحة، بل كانت تحتاج إلى مداومة على طلب العلم وإلحاح في سبيل تحصيل المعرفة بحفظ المتون والمرويات والشواهد والنصوص، ومن أشق ما كان يعانيه طلبة العلم حفظ المتون الطويلة نصوصها، لذلك تساهل المربون عند الاستظهار عن ظاهر قلب في الغلط في الحرف أو الحروف، إدراكًا منهم أن الحفظ شاق صعب.

الحفظ

احتل الحفظ مكانًا مهمًا في نظامنا التعليمي، إذ اعتمد هذا النظام طيلة قرون متتالية على الحفظ، باعتباره أداة أساسية لتراكم المعلومات ورسوخها في الذهن واسترجاعها بالتذكر كل حين. بحيث كان على الطالب أن ينقش في ذاكرته عن كل مسألة تعلمها نصًا وشاهدًا يؤيدانها.

 تكلم ابن ميمون الغماري عن أهمية الحفظ في نظام التعليم بالقرويين في معرض حديثه عن الجامع في مصنفه الرسالة المجازة في معرفة الإجازة فقال (وحفظ سائر العلوم الظاهرة من الفقه والحديث والتفسير، وحفظ نصوص كل علم، مثل النحو والفرائض والحساب وعلم الوقت والتعديل والتوحيد والمنطق والبيان والطب وسائر العلوم العقلية، كل ذلك لابد فيه عندهم من حفظ نص ذلك الفن، ومن لم يستحضر عندهم النص في مسألة ما لا يلتفت إلى كلامه، ولا يحسب عندهم من طلبة العلم إلا من يأتي بالنص في كل مسألة يتكلم فيها من حفظه كما يحفظ الآية من القرآن، وإن كان على غير هذه الصفة يقولون في حقه «من لم يحفظ النص فهو لص») (20)  وتحمل هذه المقولة دلالات كثيرة على الأهمية التي احتلها الحفظ في تعليمنا العتيق.

 فقد كان الحفظ مضنيًا، والاعتماد عليه وحده دون إعمال العقل في الاستقراء والاستدلال والاستنباط والمقارنة وغير ذلك من الأدوات العقلية، لا يؤهل الدارس بالضرورة إلى التحرر والإبداع وتحصيل ملكة التصرف في العلم، (وربما اعتنى المتعلم بالحفظ من غير تصور ولا فهم، حتى يصير حافظًا لألفاظ المعاني قيما بتلاوتها، وهو لا يتصورها ولا يفهم ما تتضمنه، يروي من غير روية، ويخبر من غير خبرة، فهو كالكتاب الذي لا يدفع شبهة ولا يؤيد حجة) (21)  وكذلك قال الجاحظ وابن خلدون وحاجي خليفة وغيرهم في كتاباتهم عن مساوئ الاعتماد في تحصيل العلم على الحفظ وحده.

 ورغم حرص المربين على بيان مساوئ الحفظ، والآثار التي تترتب على اعتماد مناهج التعليم عليه، فقد عنى المربون بنصح طلبة العلم وإرشادهم إلى أفضل الطرق التي تساعدهم على جودة الحفظ وخير الأوقات لذلك. ولسلامة المحفوظ وتلافي الأخطاء، ينصح ابن جماعة المتعلم أن يصحح مايقرأ قبل حفظه تصحيحًا متقنًا، إما على يد الشيخ أو على غيره ممن يعينه، ثم يحفظه بعد ذلك حفظًا جيدًا محكمًا، يكرره عليه بعد حفظه، ثم يتعاهده في أوقات يقررها لتكرار مواضعه، وهو بهذا التكرار يتأكد من ثبات محفوظاته وتفهمه لها، فإن غاب عنه شيء أعاد حفظه.

 يضاف لما ذكرنا عن مساوئ الحفظ، أن العناية به شجعت على انتشار المختصرات وتفشيها، لسهولة حفظها بخلاف الأصول الطويلة، إلا أن أسلوب المختصرات المبهم والمعقد، وافتقادها الأمانة العلمية والجدوى التربوية جعل الحفظ يؤدي إلى نتائج سلبية، زاد من تعميق الآثار السيئة للحفظ على أذهان الطلبة.

السؤال أداة البحث والتجديد التربوي

 كان الطالب يتلقى العلم رواية سماعًا من شيخه ويقرأ كتبًا، ويحفظ متونًا ونصوصًا، ولا يكتفي المدرس بذلك، بل يبادل تلميذه التساؤل عما يعن لهما من أمور العلم وقضاياه، كان السؤال أحد أهم وسائل تحصيل العلم.

اشتهر الفقيه الشيخ أبو عبدالله بن عرفة بقولته التي يصف فيها حاله مع تلاميذه ومشقة تدريسه لهم (كيف أنام وأنا بين أسدين؛ الأبي بفهمه والبرزلي بحفظه ونقله) (22)  فمراعاته لقدرات وكفاءات طلبته تلزمه ببذل جهود مضنية في سبيل تلبية حاجاتهم المختلفة إلى العلوم وبمنهجيات تناسب كل واحد منهم.

 كان على الشيخ أن يبذل جهودًا كبيرة في سبيل تكوين طلبة العلم وتحقيق مرادهم من تحصيل العلوم وفهمها واستيعابها، ولا يكتفون بإقراء النصوص المحددة في الكتب، بل كانت تلك الكتب مجرد وثائق مرجعية، يثريها المدرس الماهر بإيضاح فكرة أو إبرازًا لخلاف أو تطبيقًا لقاعدة. قال الشيخ أبو عبدالله بن عرفة (إذا لم يكن في مجلس التدريس التقاطات زائدة للشيخ فلا فائدة في حضور مجلسه، بل الأولى لمن حصلت له معرفة بالاصطلاح والقدرة على فهم الكتب أن ينقطع في نفسه ويلازم النظر، ونظم ذلك أبياتًا لطيفة) (23) .

 فبالرغم مما يقال عن إغراق النظام التعليمي التقليدي في الطريقة التقريرية التي يعتمدها الفقهاء والمحدثون واللغويون في دروسهم وإملاءاتهم، فإن اهتمامهم بالسؤال دليل وعيهم بعيوب ونقائص طرقهم ورغبة منهم في تعويض النقص. ومن وظائف الأسئلة أنها تعين على التعلم وتحرك لدى الطالب حب الاستطلاع، وتجعل العمل التعليمي يعتمد على حاجة المتعلم وإمكانات المعلم (24) ، لهذا ينصح المربون طالب العلم بألا يستحي من سؤال ما أشكل عليه وتفهم ما لم يتعقله بتلطف وحسن خطاب وأدب سؤال. وكثيرًا ما أبدى الرحالة المغاربة إعجابهم بما لاحظوه في بلاد المشرق العربي من اتساع صدور الشيوخ لأسئلة الطلاب على كثرتها، وتصديهم للإجابة عنها، ومن هؤلاء الرحالة ابن جبير الذي حضر درس القزويني، فوصفه قائلاً (ثم اندفع الشيخ فخطب وتصرف في أفانين العلوم، ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب، فأجاب وما قصر وتقدم وما تأخر، ودفعت إليه عدة رقاع، فجمعها جملة في يده وجعل يجاوب على كل واحدة منها وينبذ بها إلى أن فرغ منها) (25)  كما اعتاد الطلبة على التصدي لأسئلة الشيوخ والبرهنة على استيعابهم وفهمهم ومواكبتهم لما يدور في مجالس العلم، وكما كانت هذه الأسئلة جزءًا من مكونات طرق التعليم فإنها اتخذت أداة لتقييم التعلمات ووسيلة من وسائل الامتحان لتحديد مدى استحقاق طالب العلم للإجازة، حيث كان يواجه الطالب المنتهي بأسئلة في مختلف العلوم، فإذا وفق في الإجابة عنها أجيز ورتب في الطبقة المناسبة لعلمه (26) .

إن نظام التعليم العتيق كان موصوفًا بالشدة ومطبوعًا بالقسوة التي كانت ترهق كثيرًا من الطلبة والشيوخ أيضًا، وكان يزيد من وطأتها النقاشات العلمية التي كانت تدور رحاها في حلقات الدرس بين الشيوخ والطلاب المتقدمين، ولا يصمد لها إلا الأشداء العميقو التكوين الواسعو المعرفة الحاضرو البديهة، ولكنها كانت تضفي على الحياة العلمية والثقافية حيوية ونشاطًا نادرين، هذه الحيوية التي كان ينشدها الشيوخ في درسهم اليومي بما كانوا يطلقونه من نكات، أو يروجونه من التقاطات علمية نادرة، أو تشبيهات وحكايات لطيفة أو أبيات منظومة تريح السامع وتشرح نفسه، بل وحرصًا من بعض الشيوخ على التخفيف من وطأة الدروس على الطلاب شفقة بهم كان من عادتهم الخروج مع تلاميذهم في نزهات إلى عرصاتهم، للترويح عنهم ودفعًا للتعب المترتب عن المداومة والإلحاح. تحدث الشيخ المعمر أبو عبدالله بن الأستاذ ابن جابر قال: خرج أبي مرة بتلاميذه لينزههم بعرصة كانت له بوادي أبي عامر بمكناسة، وأغفل تلميذه أبا عبدالله بن عزوز، فلم يدعه فيهم، فقال يعاتبه في ذلك:

ليت شعري وذلك ليس بمعني

                         وما يرد الفوات حرف تمني

أي ذنب قرفته يا عمادي

                         فحرمنا من قربكم قرب عدن

وفيها أبيات كثيرة، ورد عليه الأستاذ بقصيدة يقول فيها:

يا بديعًا فاق البديع بنظم

                        في عروض من الخفيف ووزن (27) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 1 - ابن الحاج، العبدري: المدخل. القاهرة دار الحديث.

 2 - ابن سينا، أبو علي: القانون في الطب، بيروت، دار صادر.

3 -  المنجور، أحمد: فهرس أحمد المنجور. تحقيق. محمد حجي. الرباط. دار المغرب للتأليف

 4 -  مجهول: بلغة الأمنية ومقصد اللبيب بمن كان بسبتة من مدرس وأستاذ وطبيب. تحقيق عبدالوهاب بن منصور. الرباط. المطبعة الملكية.

 5- فادي، محيي الدين. الزرنوجي وآراؤه في التربية والتعليم. مجلة جوهر الإسلام. (تونس) عدد 1و2 (1978) ص 50.

6- مهداد، الزبير: المصطلح التربوي في التراث العربي. مجلة اللسان العربي عدد 44. الرباط. 1998 مادة توطية.

7- اليوسي، الحسن بن مسعود: القانون. طبعة حجرية.

8 - حجي، محمد: الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين. ج1 ص 94. الرباط: دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر.

 9 -حركات، إبراهيم: الدراسة والتدريس في عصر الخلافة.. مجلة دعوة الحق عدد 283 رمضان 1411 ص 96.

10- اليوسي، القانون، طبعة حجرية.

 11 - حركات، المرجع نفسه. مجلة دعوة الحق 283 ص 96

12 -  العلوي، محمد الفلاح: جامع القرويين والفكر السلفي. الرباط. منشورات مجلة أمل. 1994 ص 31مجلة أمل

13-  الفلاح، المرحع نفسه ص 36.

14 -  المقري، أحمد بن محمد: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. تحقيق يوسف الشيخ محمد البقاعي. بيروت، دار الفكر 1986 ج7 ص273 15-  ابن خلدون، عبدالرحمن. مقدمة تاريخ ابن خلدون، تحقيق خليل شحادة. بيروت، دار الفكر 1988 ص 733.

16- ابن جماعة: تذكرة السامع والمتكلم. حققه نشابة ضمن التراث التربوي الإسلامي في خمس مخطوطات. بيروت، دار العلم للملايين. 1988 ص 170.

17- الغزالي: منهاج المتعلم. حققه نشابة ضمن التراث التربوي في خمس مخطوطات ص147.

18- الغزالي المرجع السابق نفسه

19- نشابة، مرجع سابق ص 147.

20- العافية، عبد القادر. يوميات طالب بالقرويين. مجلة دعوة الحق. عدد 272 (1988) ص142.

21-  الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد: أدب الدين والدنيا. تحقيق سعيد محمد اللحام. بيروت، دار مكتبة الهلال. 1988ص63.

 22- المبارك، أحمد عبدالعزيز: الطرق التعليمية والمواد الدراسية بالزيتونة. المجلة الإسلامية. عدد8 (1400=1980) ص15.

 23- الفاسي، محمد بن الطيب بن محمد. إضاءة الراموس الرباط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. جزء 2 ص 286.

24- المولى، هيام. المرجع السابق نفسه: الفكر العربي عدد 21 ص48.

 25- ابن جبير. رحلة ابن جبير. بيروت، القاهرة، دار الكتاب. 159.

26- محمد بن عبدالله، ناظر الوقف مرجع سابق. مقال في مجلة دعوة الحق عدد 272 ص 121.

27 -  العثماني، محمد بن غازي؛ الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون، الرباط، المطبعة الملكية، 1964 ص64.

المصدر : مجلة المعرفة

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حوار البابا فرنسيس!

حوار البابا فرنسيس!

لم يحدث من قبل أن أثار حوارا للبابا فرنسيس مثل هذا الك�...

L’Interview du pape François !

L’Interview du pape François !

Jamais une interview du pape n’a suscité une bourrasque de commentaires, dès s...

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق تهل علينا كل عام في شه�...

جديد الأخبار المزيد
خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجةواتهامات لأمريكا بالتواطؤ

خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجة..واتهامات لأمريكا بالتواطؤ

  قال الخبير العسكري والاستراتيجي العراقي العقيد ا�...

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

قامت السلطات الروسية بإغلاق المؤسسات الإعلامية لتتار...

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

 اتفق خبراء ومسؤولون فلسطينيون على انه بضم زعيم حزب...

  • أيام في سيلان والمالديف