موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

ماليزيا أنموذجًا : العلاقة بين السياسة التعليمية والإصلاح التربوي

Dec 14 2014 08:10:16

الكاتب : مدير الموقع

ماليزيا أنموذجًا : العلاقة بين السياسة التعليمية والإصلاح التربوي
ماليزيا أنموذجًا : العلاقة بين السياسة التعليمية والإصلاح التربوي

ليلى حمد القاسم

يتزايد الاهتمام بالتعليم في دول العالم كاستراتيجية قومية كبرى، حيث يعتبر النظام التربوي والتعليمي الركيزة الأساسية والقلب النابض لأنظمة المجتمع المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية. «حيث إن مستقبل العالم في يد الشعوب المتعلمة التي تستطيع التعامل مع التكنولوجيا العلمية»  كما خاطب رئيس الوزراء البريطاني السابق شعبه في بداية الحرب العالمية الثانية، مضيفًا «أن أهم المؤسسات التي يستعصي على بريطانيا شن الحرب ضدها في ألمانيا ليست القواعد والثكنات العسكرية إنما المدارس الألمانية».

وتشكل مسألة الإصلاح التربوي واحدة من القضايا المهمة في مجال الحياة السياسية والاجتماعية للعالم المعاصر. فقد تجاوز تطور الثقافة الإنسانية التكنولوجية حدود كل تصور، وفي خضم هذه التغيرات العاصفة التي أحاطت بالمجتمع الإنساني بدأت الأنظمة التربوية تتصدع وتتداعى أمام هذا المد الحضاري الأسطوري الذي يهدد المعايير والأسس التقليدية التي قامت عليها المؤسسات التربوية التقليدية. لذا تسعى القيادات السياسية والتربوية إلى بناء منطلق جديد يكفل للتربية أن تتجاوز التحديات التي تحيط بها، ويمنحها القدرة على مواكبة عصف الحضارة التكنولوجية المتقدمة، وعلى احتواء التفجر المعرفي بما ينطوي عليه من خصائص التسارع والتقادم والتنوع. ويعد الإصلاح التربوي منطلقًا لإصلاح أحوالها والنهوض بطاقاتها, ففي كل مرة يدق فيها ناقوس الخطر تستنهض هذه المجتمعات أنظمتها التربوية بالإصلاح من أجل مواجهة الخطر وبناء الإنسان القادر على تجاوز محن الحضارة والمشاركة في بنائها.

والإصلاح التربوي كما عرفه التربويين كعملية وهدف: منظومة من الإجراءات التربوية التي تهدف إلى إخراج النظام التربوي من أزمته إلى حالة جديدة من التوازن والتكامل الذي يضمن له استمرارية وتوازنًا في أداء وظيفته بصورة منتظمة.

  وتناول آخرون مفهوم آخر له، ووصفوه بأنه: التغيير الشامل في بنية النظام التعليمي أو التعديلات الشاملة الأساسية في السياسة التعليمية التي تؤدي إلى تغيرات في المحتوى والفرص التعليمية والبنية الاجتماعية أو في أي منها.. وقد وضح هذا المفهوم أن بنية النظام التعليمي والسياسة التعليمية أحد المكونات الأساسية التي ينبغي أن تنطلق منها أي مبادرة جادة للإصلاح التعليمي بوصفها الوثيقة التي تتضمن أسس التعليم ومنطلقاته وأهدافه العامة، ويتم في ضوئها توجيه سائر العملية التعليمية وما يصاحبها من أنشطة وممارسات في الميدان التربوي. فالإصلاحات الحقيقية في أي نظام تعليمي هي تلك الإصلاحات التي تشمل شكل ومحتوى الأنشطة التربوية التي تتم داخله, ونمط العلاقات البنيوية - الثقافية والاجتماعية- التي تتم بها ومن خلالها العملية التربوية.

  وتمثل التربية المقارنة مصدرًا هامًا للإصلاح التربوي، ذلك أنها تعطي تصورًا واضحًا للاتجاهات العالمية الراهنة في التطوير والتجديد, وتزودنا بخبرات وتجارب مفيدة عن النظم التعليمية الأخرى, وكيف استطاعت هذه النظم أن تتغلب على مشكلاتها, بالإضافة إلى المصادر الأخرى كالدراسات التربوية والاجتماعية, وواقع تجربة واحتياجات الممارسين التربويين, والاجتماعات العلمية والأكاديمية لخبراء التربية, وتطلعات المنظمات المهنية ورجالات التنمية الاقتصادية.

ولتوضيح عمق العلاقة بين السياسة التعليمية والإصلاح التربوي سيتم تناول التجربة الماليزية في الإصلاح التربوي التي تعد إحدى التجارب الناجحة التي توضح عمق تلك العلاقة والتي انعكست بشكل ملحوظ على كافة جوانب العملية التعليمية في صورة تعليم متميز أشاد به الكثيرون، ووضع ماليزيا في مصاف الدول المتقدمة.

الإصلاح التربوي في ماليزيا

لماليزيا تاريخها الطويل في الإصلاح التربوي، فقبل خطتها الاستراتيجية الإصلاحية الأخيرة (2020م), كانت هناك إصلاحات عديدة في سياستها التعليمية وتشريعاتها التربوية، حيث صدرت عدة تقارير ومشاريع إصلاحية منذ أيام الاستعمار مثل مشروع شيسمن في المدة (1945-1949) وتقرير برنيس (1950), وقانون وين – وو, وتقرير سنة (1954), ثم تقرير رازق (1959) التي كانت توصياته أساسًا لإصلاح تعليم البلاد.

ويعد الإصلاح التربوي الأخير في النظام التعليمي الماليزي الذي تضمنته خطتها الأخيرة (2020م) أهم الإصلاحات التربوية على الإطلاق في القرن العشرين والذي تطلع إلى تكوين نظام تعليمي على مستوى عالمي يفي بمتطلبات وتطلعات الشعب الماليزي, وجعل التعليم قطاعًا إنتاجيًا خلاقًا لأجيال كثيرة والوصول بماليزيا إلى مجتمع المعلوماتية.

وانطلقت ماليزيا في إصلاحها للتعليم من السياسة التعليمية للبلاد حيث ترجمت تلك التطلعات إلى فلسفة التعليم التي نصت على «إعداد المواطنين بصورة أكثر ديناميكية وإنتاجية لمواجهة تحديات القرن القادم في عملية التنمية الوطنية نـحو تحقيق وضع صناعي جديد. وإعداد الأفراد إعدادًا عقليًا وروحيًا وجسميًا وعاطفيًا قائمًا على الإيمان بالله وطاعته, وتزويدهم بالمعارف والمهارات والقدرات ليتحملوا المسئولية والقدرة على المساهمة في وحدة ورخاء الأسرة والمجتمع والوطن ككل, وتكوين نظام تعليمي على مستوى عالمي يفي بمتطلبات وتطلعات الشعب الماليزي ويحقق مبدأ تكافؤ الفرص من خلال إتاحة فرصة التعليم لجميع الماليزيين».

  كما نصت أهداف سياسة التعليم على «توجيه التعليم الثانوي نـحو خدمة الأهداف القومية, والعناية بتأسيس معاهد تدريب المعلمين والتدريب الصناعي, والتوافق مع التطورات التقنية والمعلوماتية, وتوظيف التعليم الجامعي لخدمة الاقتصاد, والربط بين التعليم وأنشطة البحوث الانفتاح على النظم التعليمية المتطورة». وبهذا أصبح التعليم جزءًا لا يتجزأ من السياسة التنموية التي تنتهجها الحكومة.  

وبالتالي شملت الإصلاحات المجالات الرئيسية المتعلقة بالعملية التعليمية مثل الإصلاحات في التشريعات التربوية, وإقامة مجتمع تكنولوجي, وإثراء وتنويع المناهج, وإصلاحات في التعليم العالي, وإصلاحات أخرى في إعداد المعلمين بالإضافة إلى إحداث تغييرات تنظيمية. ومن هذه المجالات ما يلي:

  أ- لإحداث التطوير المنشود في العملية التعليمية أقرت العديد من الإجراءات الإصلاحية في ضوء سياستها التعليمية منها: زيادة قدرة المؤسسات القائمة وإنشاء مؤسسات جديدة في المجالات التقنية والهندسية والعملية. تدعيم العملية التعليمية عن طريق إعداد المعلمين المؤهلين ذوي الخبرة، بالإضافة إلى الاستفادة من التقنيات التعليمية الحديثة وأجهزة الحاسب الآلي لتحسين جودة التعليم بشكل عام. تحسين الإدارة وتطبيق برامج التدريب والتعليم عن طريق تعزيز القدرات الإدارية بالإضافة إلى تدعيم نظم التقويم والمراقبة. غرس القيم الإيجابية والاتجاهات السليمة وتشجيع التلاميذ على المبادرة والتواصل والمهارات التحليلية. تحسين أداء المعلمين عن طريق المراجعة الدائمة وإجراء البرامج التدريبية المختلفة لهم وتقديم الحوافز والمكافآت للمتميزين من هؤلاء المعلمين. تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في المجالات التعليمية والتدريبية.

 ب-  لإقامة مجتمع تكنولوجي أقرت مجموعة من الإجراءات الإصلاحية منها: التأكيد على محو أمية الحاسب، أي نشر تعليم الحاسب الآلي في جميع المستويات والأهداف. ترقية المدارس المهنية حتى تصبح تقنية. الاهتمام بنشر الإنترنت والوسائط المتعددة. تطوير ما يعرف بالمدارس الذكية (smart school). إدخال برامج التعلم بمساعدة الكمبيوتر باللغة الماليزية. التأكيد والاهتمام بمقررات العلوم والتكنولوجيا. وهذه الإجراءات عملت على تحقيق سياستها التعليمية التي تهدف إلى تزويد الأفراد في ماليزيا بالمعارف والمهارات القدرات ليتحملوا المسئولية والقدرة على المساهمة في وحدة ورخاء الأسرة والمجتمع والوطن ككل, وإتاحة فرصة التعليم لجميع الماليزيين، وتكوين نظام تعليمي على مستوى عالمي يفي بمتطلبات وتطلعات الشعب الماليزي.

جـ - فيما يتعلق بتنويع وإثراء المنهج التربوي أقرت مجموعة من الإجراءات الإصلاحية منها: إدخال منهج العلوم في المدارس الابتدائية. التأكيد على تدريس القيم من خلال المناهج المختلفة. تضمين المهارات الإبداعية ومهارة التفكير الناقد. تدعيم إتقان اللغات المتعددة. مراجعة مناهج التعليم الفني. التأكيد على مبدأ التعلم مدى الحياة. تعزيز التقييم المدرسي. تقييم العناصر العملية والتطبيقية. الاهتمام بالتعليم الإسلامي. أيضًا عملت ماليزيا من خلال الإصلاحات في المنهج المدرسي على إعداد الأفراد إعدادًا عقليًا وروحيًا وجسميًا وعاطفيًا قائمًا على الإيمان بالله وطاعته.

د- فيما يتعلق بإعداد المعلم أقرت مجموعة من الإجراءات الإصلاحية منها: رفع مستوى المؤهلات التي يتطلبها العمل بمهنة التدريس. توفير فرص التنمية المهنية من خلال تقديم برامج تدريبية أثناء الخدمة محليًا وفي الخارج. التأكيد على محو أمية الحاسب الآلي ونشر تعليم مهارات الحاسب.إدخال مفهوم الجودة الشاملة وما يعرف بالايزو 9000 في المدارس المختلفة. تطوير النظام المعلوماتي في الإدارة التعليمية.إنشاء شبكة المعلومات الداخلية الخاصة بوزارة التعليم.

هـ- من أجل إحداث الجودة في العملية التعليمية اتخذت العديد من الإجراءات من أجل إحداث الفعالية والكفاءة في النظام الإداري للتعليم، وتضمن ذلك الاهتمام بعملية التعليم داخل الصف والجوانب الإدارية في النظام التعليمي، وكذلك الاهتمام بالمعلم , ويتوقع إجراء المزيد من الإصلاحات وعمليات التطوير في نظام التعليم والتدريب وذلك لتحقيق العديد من الأهداف في سياستها التعليمية والتي من أهمها ضمان إحداث الجودة في التعليم والتدريب لكل المواطنين الماليزيين وتزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة لجعل ماليزيا دولة متقدمة بحلول 2020م.

   وبذلك نرى أن العلاقة بين السياسة التعليمية والإصلاح التربوي علاقة مترابطة, والتجربة الماليزية في الإصلاح التربوي خير شاهد، بل وشاهد مميز حيث  انعكست الإصلاحات التي قامت بها ماليزيا في السياسات التربوية على مخرجات التعليم وعلى البلد ككل, ولم يكن تحقيق ماليزيا لنموها الاقتصادي المطرد إلا انعكاسا واضحًا لاستثمارها في القوى البشرية, فقد نجحت في تأسيس نظام تعليمي قوي ساعدها على تلبية الحاجة من قوة العمل الماهرة. كما أن نجاح السياسات التعليمية في ماليزيا أدى إلى أن يحقق الاقتصاد تراكمًا كبيرًا من رأس المال البشري الذي هو عمود التنمية وجوهرها. ووظفت ماليزيا التعليم كأداة حاسمة لبلوغ مرحلة الاقتصاد المعرفي القائم على تقنية المعلومات والاتصالات.

المصدر : مجلة المعرفة السعودية

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حوار البابا فرنسيس!

حوار البابا فرنسيس!

لم يحدث من قبل أن أثار حوارا للبابا فرنسيس مثل هذا الك�...

L’Interview du pape François !

L’Interview du pape François !

Jamais une interview du pape n’a suscité une bourrasque de commentaires, dès s...

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق تهل علينا كل عام في شه�...

جديد الأخبار المزيد
خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجةواتهامات لأمريكا بالتواطؤ

خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجة..واتهامات لأمريكا بالتواطؤ

  قال الخبير العسكري والاستراتيجي العراقي العقيد ا�...

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

قامت السلطات الروسية بإغلاق المؤسسات الإعلامية لتتار...

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

 اتفق خبراء ومسؤولون فلسطينيون على انه بضم زعيم حزب...

  • أيام في سيلان والمالديف