موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

العوامل التي كونت شخصية محمد إقبال

Dec 25 2014 15:05:33

الكاتب : مدير الموقع

العوامل التي كونت شخصية محمد إقبال
العوامل التي كونت شخصية محمد إقبال

   الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي

   سادتي وإخواني! يسرني جدا أن أتحدث إليكم عن شاعر الإسلام العظيم  وحكيم الشرق الدكتور محمد إقبال، ويزيدني سرورا واغتباطا أن يكون هذا الحديث في مركز تعليمي وأدبي كبير كدار العلوم. وبهذه المناسبة سيدور حديثي اليوم حول دراسة هذا الرجل العظيم والمدارس التي تخرج فيها والعوامل التي كونت شخصيته.

المدرسة الأولى التي تخرج فيها محمد إقبال:

   لقد تخرج محمد إقبال في مدرستين، أما المدرسة الأولى فهي مدرسة الثقافة العصرية والدراسات الغربية، فلم يزل يتقلب في فصولها ودروسها ما بين الهند  وإنجلترا وألمانيا، ويقرأ على أساتذتها البارعين، ويرتوي من مناهلها حتى أصبح من أفذاذ الشرق الإسلامي في ثقافته الغربية. أخذ من علوم الغرب وثقافته وحضارته، من فلسفة، واجتماع، وأخلاق، واقتصاد، وسياسة، ومدنية غاية ما يمكن لغربي متخصص، فضلا عن شرقي متطفل; وبلغ بدراسته إلى أحشاء الفلسفة القديمة والجديدة. هذا إلى توسع في الآداب الإنجليزية والألمانية والشعر الغربي في مختلف أدواره وعصوره. ودراسة الفكر الغربي في مختلف أطواره ومراحل حياته.

المدرسة الثانية:

   ولكن لو وقف صاحبنا عند هذا الحد، واكتفي بثمار هذه المدرسة لما كان  موضوع حديث اليوم، ولما اشتغل الأدب الإسلامي والتاريخ الإسلامي بالتغني بآثاره، ولما فسحا له محل الصدارة العلمية والزعامة الفكرية والعبقرية الإسلامية، ولكل منها شروط دقيقة ومستوى عال، لا يحتله الإنسان بمجرد الدراسة والتفنن في العلوم، وكثرة التأليف والإنتاج. أقول لو وقف صاحبنا عند هذه المدرسة واقتصر على ثقافتها ودراستها لما زاد على أن يكون أستاذا كبيرا في الفلسفة أو علم الاقتصاد أو في الأدب أو في التاريخ، أو مؤلفا كبيرا، أو محاضرا بارعا في العلوم العصرية، أو أديبا صاحب أسلوب، أو شاعرا مجيدا، أو محاميا ناجحا في مهنته، أو قاضيا في محكمة أو وزيرا في دولة. وصدقوني أيها الإخوان! أن لو كان ذلك لطواه الزمان في من طوى من كبار العلماء والأدباء والشعراء والمؤلفين والقضاة والوزراء.

إن الفضل في عبقرية إقبال، وخلود آثاره، ونفوذه في العقول والقلوب يرجع إلى المدرسة الثانية التي تخرج فيها.

   إني لأراكم أيها الإخوان! تذهبون كل مذهب في تشخيص هذه المدرسة، والاهتداء إلى موقعها وإني لأراكم تتطلعون إلى معرفة أخبارها. فمن أنشأ هذه المدرسة التي أنجبت مثل هذا الشاعر العظيم؟ وما هي العلوم التي تدَّرس فيها؟ وما هي لغة التعليم في هذا المعهد؟ ومن المعلمون فيها؟ فلا شك أنهم من كبار المربين وأعظم الموجهين، فقد أنتجوا مثل هذا النابغة في العلوم، العملاق في العقل والتفكير؛ وما هي شروط هذه المدرسة وما تكاليفها؟ وأظن أن لو علمتم بوجودها ومحلها لأسرع كثير منكم إليها والتحق بها.

   إنها مدرسة ما خاب من تعلم فيها، وما ضاع من تخرج منها؛ إنها مدرسة لم تخرج إلا أئمة الفن المجتهدين، وواضعي العلوم المبتكرين، وقادة الفكر والإصلاح المجددين، الذين يشغلون المدارس ورجالها بتفهم ما قالوا، ودراسة ما كتبوا، وشرح ما خلّفوا، وتعليل ما ألفوا، وتأييد ما أثبتوا، وتفصيل ما أجملوا، فيتكّون من كلمتهم كُتاب، ومن كتابهم مكتبة.

   إنها مدرسة ما تعلِّم التاريخ بل تخلق التاريخ، وما تشرح الفكرة بل تضع الفكرة، وما تنتخب الآثار بل تنتج الآثار؛ إنها مدرسة توجد في كل مكان وزمان، وهي أقدم مدرسة على وجه الأرض.

   ولا أمتحن صبركم أيها الإخوان! طويلا إنها مدرسة داخلية تولد مع الإنسان، ويحملها الإنسان معه في كل مكان. هي مدرسة القلب والوجدان. هي مدرسة تشرف عليها التربية الإلهية وتمدها القوة الروحية.

   قد تخرج محمد إقبال في هذه المدرسة، كما تخرج كثير من الرجال الموهوبين، وحدث عنها كثيرا في شعره، ورد إليها الفضل في تكوين سيرته وعقليته وأخلاقه وشخصيته. وصرح مرارا بأنه يدين لهذه المدرسة ما لا يدين للمدرسة الخارجية، وأنه لولا هذه المدرسة وتربيتها لما ظهرت شخصيته، ولما اشتعلت مواهبه، ولا اتضحت رسالته، ولا تفتحت قريحته وقد حدَّث عن معلمي هذه المدرسة وأساتذتها كثيرا وذكر فضلهم عليه.

العامل الأول:

   فممن يَرد الفضل إليه في هذه المدرسة "الإيمان"  الذي لم يزل مربيا له ومرشدا، ولم يزل مصدر قوته ومنبع حكمته. وليس إيمان محمد إقبال هو الإيمان الجاف الخشيب، الذي هو مجرد عقيدة أو تصديق بسيط، بل هو مزيج اعتقاد وحب، يملك عليه القلب والمشاعر والعقل والتفكير والإرادة والتصرف والحب والبغض. وقد كان شديد الإيمان بالإسلام ورسالته، قوي العاطفة، شديد الإخلاص والإجلال لرسول الله متفانيا في حبه؛ مقتنعا بأن الإسلام هو الدين الخالد الذي لا تسعد الإنسانية إلا به، وإن النبي هو خاتم الرسل، والبصير بالسبل، وإمام الكل.

   ويرجع محمد إقبال الفضل في تكوين شخصيته، وتماسكه أمام المادة ومغرياتها وتيار الحضارة الغربية الجارف إلى الاتصال الروحي بالنبي —صلى الله عليه وسلم— وحبه العميق له، ولا شك أن الحب هو خير حاجز للقلب، وخير حارس له. إذا احتل قلبا وشغله، منعه من أن يغزوه غيره، أو يكون كريشة في فلاة، أو يعبث به العابثون، يقول: "لم يستطع بريق العلوم الغربية أن يبهر لبّي، ويعشي بصري، وذلك لأني اكتحلت بإثمد المدنية المنورة".

ويقول: "مكثت في أتون التعليم الغربي وخرجت كما خرج إبراهيم من نار نمرود".ويقول: "لم يزل ولا يزال فراعنة العصر يرصدونني، ويكمنون لي، ولكني لا أخافهم فإني أحمل اليد البيضاء! إن الرجل إذا رزق الحب الصادق عرف نفسه، واحتفظ بكرامته، واستغنى عن الملوك والسلاطين. لا تعجبوا إذا اقتنصت النجوم، وانقادت لي الصعاب، فإني من عبيد ذلك السيد العظيم

الذي تشرفت بوطأته الحصباء، فصارت أعلى قدرا من النجوم، وجرى في إثره الغبار فصار أعبق من العبير"!

   وفي كتاب "أسرار خودي"  ذكر الشاعر مقومات حياة الأمة الإسلامية، والدعائم التي تقوم عليها، فذكر منها اتصالها الدائم بنبيها —صلى الله عليه  وسلم—، والتشبع بتعاليمه، والتفاني في حبه. ولما ذكر النبي —صلى الله عليه وسلم— اندفع الشاعر بمدحه وأرسل النفس على سجيتها فقال أبياتا لا تزال تعد من غرر المدائح النبوية، والشعر الوجداني. يقول: "إن قلب المسلم عامر بحب  المصطفي —صلى الله عليه وسلم— وهو أصل شرفنا، ومصدر فخرنا في هذا العالم".

   إن هذا السيد الذي داست أمته تاج كسرى، كان يرقد على الحصير! إن هذا السيد الذي نام عبيده على أسرّة الملوك كان يبيت ليالي لا يكتحل بنوم! لقد لبث في غار حراء ليالي ذوات العدد، فكان أن وُجدت أمة ووجد دستور، ووجدت دولة! إذا كان في الصلاة فعيناه تهملان دمعا، وإذا كان في الحرب فسيفه يقطر دما! لقد فتح باب الدنيا بمفتاح الدين! بأبي هو وأمي!لم تلد مثله أم ولم تنجب مثله الإنسانية! افتتح في العالم دورا جديدا، وأطلع فجرا جديدا. كان يساوي في نظرته الرفيع والوضيع، ويأكل مع مولاه على خوان واحد! جاءته بنت حاتم أسيرة مقيدة، سافرة الوجه، خجلة مطرقة رأسها، فاستحيي النبي —صلى الله عليه وسلم—، وألقى عليها رداءه!

   نحن أعرى من السيدة الطائية، نحن عراة أمام أمم العالم. لطفه وقهره كله رحمة، هذا بأعدائه، وذاك بأوليائه! ذلك الذي فتح على الأعداء باب الرحمة، وقال: "لا تثريب عليكم اليوم". نحن المسلمين من الحجاز والصين وإيران وأقطار مختلفة، نحن غيض من فيض واحد. نحن أزهار كثيرة العدد، واحدة الطيب والرائحة. لماذا لا أحبه ولا أحن إليه، وأنا إنسان، وقد بكى لفراقه الجذع، وحنت إليه سارية المسجد. إن تربة المدينة أحب إليّ من العالم كله، انعم بمدينة فيها الحبيب"!

   ولم يزل حب النبي —صلى الله عليه وسلم— يزيد ويقوى مع الأيام، حتى كان في آخر عمره إذا جرى ذكر النبي —صلى الله عليه وسلم— في مجلسه أو  ذكرت المدينة —على منوِّرها ألف سلام— فاضت عينه، ولم يملك دمعه. وقد ألهمه هذا الحب العميق، معان شعرية عجيبة، منها قوله، وهو يخاطب الله سبحانه  وتعالى:

"أنت غني العالمين وأنا عبدك الفقير، فاقبل معذرتي يوم الحشر: وإن كان لابد من حسابي، فأرجوك يا رب أن تحاسبني بنجوة من المصطفي —صلى الله عليه وسلم—، فإني أستحيى أن أنتسب إليه وأكون في أمته، وأنا أقترف هذه الذنوب والمعاصي"!

   وكان محمد إقبال كثير الاعتداد بهذا الإيمان، شديد الاعتماد عليه. يعتقد أنه هو قوته وميزته، وذخره وثروته، وأن أعظم مقدار من العلم والعقل، وأكبر كمية من المعلومات والمحفوظات لا تساوي هذا الإيمان البسيط. يقول في بيت:

"إن الفقير المتمرد على المجتمع —يشير إلى نفسه—لا يملك إلا كلمتين صغيرتين، قد تغلغلتا في أحشائه وملكتا عليه فكره وعقيدته، وهما: لا إله إلا الله، محمد رسول الله —صلى الله عليه وسلم—، وهنالك علماء وفقهاء الواحد منهم يملك ثروة ضخمة من كلمات اللغة الحجازية، ولكنه

قارون لا ينتفع بكنوزه" !

   هذا هو إيمان محمد إقبال وحبه أيها السادة! ومن تتبع التاريخ عرف أن الحب هو مصدر الشعر الرقيق، والعلم العميق، والحكمة الرائعة، والمعاني البديعة، والبطولة الفائقة، والشخصية الفذة، والعبقرية النادرة: وإليه يرجع الفضل في غالب عجائب الإنسانية، ومعظم الآثار الخالدة في التاريخ؛ وإذا تجرد منه شخص كان صورة من لحم ودم، وإذا تجردت منه أمة كانت قطيعا من غنم، وإذا تجرد منه شعر كان كلاما موزونا مقفى فحسب، وإذا تجرد منه كتاب كان مجموع أوراق وحبرا على ورق، وإذا تجردت منه عبادة كانت طقسا من الطقوس وهيكلا بلا روح، وإذا تجردت منه مدنية أصبحت تمثيلا لا حقيقة فيه، وإذا تجردت منه مدرسة أو نظام تعليم، أصبح تقليدا أو تكليفا لا متعة فيه، ولا حافز له، وإذا تجردت منه حياة كلست الطبائع، وجمدت القرائح، وأجدبت العقول، وانطفأت شعلة الحياة، واختنقت المواهب! هذا هو الحب الصادق، الذي يتجلى على الرجل، فيصدر منه من روائع الكلام، أو خوارق الشجاعة والقوة، والآثار الخالدة في العلم والأدب ما لم يكن ليصدر منه لولا هذا الحب الذي أشعل موهبته، وفتح قريحته، وملك عليه قلبه وفكره، وأنساه نفسه، ومتاعب الحياة، وإغراء الشهوات، وبريق المادة، فتمرد بذلك على المجتمع.

هذا هو الحب الذي يدخل بين الطين والماء والحجارة والآجرِّ، فيجعل منها آثارا خالدة، وتحفة فنية كـ" مسجد قرطبة، وقصر الزهراء، والتاج محل" ؛ وما من أثر من الآثار الباقية في الأدب والفن و التأليف والبطولة، إلا ووراءه عاطفة قوية من الحب!

   لقد ضل من زعم أن العلماء يتفاضلون بقوة العلم، وكثرة المعلومات، وزيادة الذكاء، وأن الشعراء يتفاضلون بقوة الشاعرية، وحسن اختيار اللفظ، ودقة المعاني وأن المؤلفين يتفاضلون بسعة الدراسة والمطالعة، وكثرة التأليف والإنتاج وأن المعلمين يتفاضلون بحسن الإلقاء والمحاضرة، واستحضار المادة الدراسية، وكثرة المراجع؛ وأن المصلحين والزعماء يتفاضلون بالبراعة في الخطابة، وأساليب السياسة والحكمة، واللباقة إنما يتفاضل الجميع بقوة الحب، والإخلاص لغايتهم إذا فاق أحدهم الآخر فإنما يفوقه، لأن الغاية أو الموضوع حل في قرارة نفسه، وسرى منه مسرى الروح، وملك عليه قلبه وفكره، وقهر شهواته، واضمحلت فيه شخصية، فإذا تكلم تكلم عن لسانه وإذا كتب كتب بقلمه، وإذا فكر فكر بعقلة، وإذا أحب أو أبغض

فبقلبه!

   لقد جنت المدنية الحديثة أيها السادة! على الإنسانية جناية عظيمة، إذ قضت على هذه العاطفة، التي كانت قوة كبرى، ومنبعا فياضا للحياة، وملأت فراغها بالنفعية والمادية، أو الحب الجنسي، والغرام المادي ولم تستطع بحكم ماديتها وضيق تفكيرها، أن تفهم أن هناك حبا للمعاني السامية، وجمالا معنويا، هو أقوى من هذا الحب، وأساءت المدرسة العصرية —وأعني بها نظام التعليم الحديث—إلى الجيل الجديد، إذ لم تحتفل بهذه العاطفة والوجدان احتفالا ما، ولم تحسن توجيه

القلوب، وإشعالها بحرارة الإيمان وحياة الوجدان. فأصبح العالم العصري أشبه بجماد متحرك دائر لا حياة فيه ولا روح، ولا قلب له ولا شعور، ولا ألم عنده ولا أمل؛ إنما هو دوامة جامدة، تديرها يد قاهرة، أو إرادة قاسرة!

   فإذا رأيتم أيها السادة! أن شعر إقبال من نوع آخر، غير النوع الذي عرفناه وجربناه في شعرائنا المتقدمين والمتأخرين، وغير الشعر الذي ندرسه في مدارسنا؛ هذا شعر تهتز له المشاعر، وتتوتر له الأعصاب، ويجيش له القلب، وتثور له النفس، حتى تكاد تحطم السلاسل، وتفك الأغلال، وتتمرد على المجتمع الفاسد، وتصطدم بالأوضاع الجائرة، وتسخف بالقوة الهائلة؛ شعر إذا قرأه الإنسان في لغة الشاعر، أحس بأنه قد مر به تيار كهربائي فهزه هزا عنيفا؛ إذا وجدتم ذلك أيها السادة!

فاعلموا أنه ليس إلا لأن الشاعر قوي الإيمان، قوي العاطفة، جيّاش الصدر، فياض الخاطر، ملتهب الروح؛ قد أحسنت المدرسة الثانية التي تحدثت عنها تربيته، وقد أحسن أساتذتها تثقيفه، وتغذيته بهذه العاطفة، وتنميتها وإشعالها فيه.

العامل الثاني:

   أما الأستاذ الآخر الذي يرجع إليه الفضل في تكوين شخصيته وعقليته، فهو أستاذ كريم لا يخلو منه بيت من بيوت المسلمين؛ ولكن ليس الشأن في وجود الأستاذ وكونه بمتناول اليد من تلاميذه، إنما الشأن في معرفته، وتقديره، وإجلاله، والإفادة منه، وإلا لكان أبناء البيت، ورجال الأسرة، وأهل الحي أسعد بعالمهم، وأكثر انتفاعا من غيرهم. ولكن بالعكس من ذلك رأينا أن العالم الكبير، والحكيم الشهير، والمؤلف العظيم. ضائع في بيته، مهجور في داره، يزهد فيه أولاده ويستهين بقيمته أفراد أسرته، ويأتي رجل من أقصى العالم فيغترف من بحر علمه ويتضلع من حكمه.

   لا تذهب بكم الظنون ولا يبعد بكم القياس أيها الإخوان! فذلك الأستاذ العظيم هو القرآن الكريم، الذي أثر في عقلية إقبال وفي نفسه! لم يؤثر فيه كتاب ولا شخصية. ولكنه أقبل على قراءة هذا الكتاب إقبال رجل، حديث العهد

بالإسلام، فيه من الاستطلاع والتشوق ما ليس عند المسلمين الذين ورثوا هذا الكتاب العجيب، فيما ورثوه من مال ومتاع ودار وعقار. وقد وصل هذا المهتدي إليه بشق النفس وعلى جسر الجهاد والتعب. كان سرور محمد إقبال باكتشاف هذا العالم الجديد من المعاني والحقائق أعظم من سرور "كلمبس"  لما اكتشف العالم الجديد ونزل على شاطئه. أما الذين ولدوا ونشأوا في هذا العالم الجديد، فكانوا ينظرون إلى "كلمبس"  وأصحابه باستغراب ودهشة، ولا يفهمون معنى لما كان يخامرهم من سرور وفرح، فإنهم لا يجدون في هذا العالم شيئا جديدا.

   لقد كانت قراءة محمد إقبال للقرآن قراءة تختلف عن قراءة الناس له ولهذه القراءة الخاصة فضل كبير في تذوقه للقرآن، واستطعامه إياه. وقد حكى قصته لقراءة القرآن. فقال:

"قد كنت تعمدت أن أقرأ القرآن بعد صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني، فيسألني ماذا أصنع؟ فأجيبه بأني أقرأ القرآن وظل على ذلك ثلاث سنوات متتاليات يسألني سؤاله، فأجيبه جوابي. وذات يوم قلت له: ما بالك يا أبي! تسألني نفس السؤال وأجيبك جوابا واحدا، ثم لا يمنعك ذلك عن إعادة السؤال من غد؟"  فقال: إنما أردت أن أقول لك: يا ولدي؛ اقرأ القرآن كأنما نزل عليك". ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست ومن درره ما نظمت.

   ولم يزل محمد إقبال إلى آخر عهده بالدنيا يغوص في بحر القرآن، ويطير في أجوائه، ويجوب في آفاقه؛ فيخرج بعلم جديد، وإيمان جديد، وإشراق جديد، وقوة جديدة. وكلما تقدمت دراسته، واتسعت آفاق فكره، ازداد إيمانا بأن القرآن هو الكتاب الخالد، والعلم الأبدي وأساس السعادة، ومفتاح الأقفال المعقدة، وجواب الأسئلة المحيرة، وإنه دستور الحياة، ونبراس الظلمات، ولم يزل يدعو المسلمين وغير المسلمين إلى التدبر في هذا الكتاب العجيب، وفهمه ودراسته والاهتداء به في مشاكل العصر، واستفتائه في أزمات المدنية، وتحكيمه في الحياة والحكم؛ ويعتب على المسلمين إعراضهم عن هذا الكتاب، الذي يرفع الله به أقواما، ويضع به آخرين. يقول في مقطوعة شعرية:

"إنك أيها المسلم لا تزال أسيرا للمتزعمين للدين، والمحتكرين للعلم؛ ولا تستمد حياتك من حكمة القرآن رأسا! إن الكتاب الذي هو مصدر حياتك ومنبع قوتك، لا اتصال لك به إلا إذا حضرتك الوفاة، فتقرأ عليك سورة "يس"  لتموت بسهولة. فوا عجبا! قد أصبح الكتاب الذي أنزل ليمنحك الحياة والقوة، يتلى الآن لتموت براحة وسهولة".

   وقد أصبح محمد إقبال بفضل هذه الدراسة العميقة والتدبر، لا يفضِّل على هذا الكتاب شيئا، ولا يعدل به تحفة وهدية لأغنى رجل في العالم، وأعظم الرجال علما وعقلا، ولذلك لما دعاه المرحوم نادر خان ملك أفغانستان إلى كابل، ونزل ضيفا عليه، أهدى محمد إقبال إلى الملك نسخة من القرآن، وقدمَّها إليه قائلا:

"إن هذا الكتاب رأس مال أهل الحق، في ضميره الحياة، وفيه نهاية كل بداية، وبقوته كان عليّ فاتح خيبر". فبكى الملك وقال: لقد أتى على نادر خان زمان، وما له أنيس سوى القرآن، وهو الذي فتحت قوته كل باب".

العامل الثالث:

   والركن الثالث أيها السادة! في نظام تربيته، وتكوين شخصيته هو معرفة النفس، والغوص في أعماقها، والإعداد بقيمتها، والاحتفاظ بكرامتها وقد عامل نفسه بما نصح به غيره في قصيدة، يقول فيها:

"انزل في أعماق قلبك، وادخل في قرارة شخصيتك، حتى تكتشف سر الحياة! ما عليك إذا لم تنصفني وتعرفني، لكن انصف نفسك يا هذا!

واعرفها، وكن لها وفيا! ما ظنك بعالم القلب، هو كله حرارة، وسكر، وحنان، وشوق، أما عالم الجسم فتجارة وزور واحتيال! إن ثروة القلب لا تفارق صاحبها، أما ثروة الجسم فظل زائل ونعيم راحل! إن عالم القلب لم أر فيه سلطة الإفرنج ولا اختلاف الطبقات، لقد كدت أذوب حياءا،

وتندى جبيني عرقا إذ قال لي حكيم: إذا خضعت لغيرك، أصبحت لا تملك قلبك ولا جسمك" .

   وقد كان إقبال كثير الاعتداد بمعرفة النفس؛ يرى أن العبد يسمو بها إلى درجة الملوك، بل يعلوهم إذا كان جريئا مقداما، يقول في قصيدة:

"إن الإنسان إذا عرف نفسه بفضل الحب الصادق وتمسك بآداب هذه المعرفة، انكشفت على هذا المملوك أسرار الملوك! إن ذلك الفقير الذي هو أسد من أسود الله، أفضل من أكبر ملوك العالم! إن الصراحة والجرأة من أخلاق الفتيان، وإن عباد الله الصادقين لا يعرفون أخلاق الثعالب."

   وقد جعلته هذه المعرفة النفسية والاعتداد لا يقبل رزقا إذا قيد حريته، يقول في نفس القصيدة:

"يا صاح! إن الموت أفضل من رزق يقص من قوادمي، ويمنعني من حرية الطيران" .

   وكان إقبال يعرف قيمته ويعرف مكانته —في غير صلف وغرور— فيضن بحريته وكرامته، ويربأ بنفسه عن أن يكون عبدا لغيره، يقول في مقطوعة:

"لك الحمد يا رب! إذ لست من سقط المتاع، ولست من عبيد الملوك والسلاطين! لقد رزقتني حكمة وفراسة! ولكني أحمدك على أني لم أبعهما لملك من الملوك ."  يقول مفتخرا:  "إني من غير شك فقير قاعد على قارعة الطريق، ولكني غني النفس أبيّ" .

   وكان عمله بما يخاطب به غيره في قصيدة، يقول فيها: "إذا لم تعرف رازقك، كنت فقيرا إلى الملوك، وإذا عرفته، افتقر إليك كبار الملوك. إن الاستغناء ملوكية، وعبادة البطن قتل للروح، وأنت مخير بينهما.

إذا شئت اخترت القلب، وإذا شئت اخترت البطن ".

   ولا شك أن محمد إقبال اختار القلب. لذلك كان يثور إذا جرحت كرامته، وامتحنت عفته. قدّم إليه رئيس وزارة في دولة، في عيد ميلاد محمد إقبال، هدية محترمة من النقود، فرفضها، وقال: "إن كرامة الفقر تأبى علي أن أقبل صدقة الأغنياء" .وعرضت عليه الحكومة البريطانية وظيفة نائب الملك في إفريقيا الجنوبية، وكان من تقاليد هذه الوظيفة أن حرم نائب الملك تكون سافرة، تستقبل الضيوف في الولائم الرسمية، وتكون مع زوجها في الحفلات. فأشير عليه بذلك، فرفضها،

وقال: "ما دام هذا شرطا لقبول الوظيفة فلا أقبله لأنه إهانة ديني ومساومة كرامتي."

   وقد كان بفضل معرفته بقيمة نفسه شديد الاحتفاظ بقوته ومواهبه؛ يعتقد أنه صاحب رسالة ومهمة في هذه الحياة، وليس له أن يضع نفسه محل الشاعر، الذي ليست له رسالة، أو النظامين الذين ينظمون في كل مناسبة! فإذا أريد منه غير ذلك ضاقت نفسه. يقول في أبيات وجهها إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم—:"إني لأشكو إليك يا سيد الأمم! إن أصدقائي يعتقدون أني شاعر نظّام، فيقترحون عليّ اقتراحات" !

   ويقول في بيت آخر:

"أنا حائر في أمري يا سيدي رسول الله –صلى الله عليه وسلم—! إنك تأمرني أن أبلغ أمتك رسالة الحياة والقوة، وهؤلاء يقولون أرِّخ لموت فلان وفلان، فماذا أفعل ؟!."

   وقد كانت هذه المعرفة من كبار أنصار شخصيته ورسالته، ومما انتفع بـها الإسلام انتفاعا عظيما، وقد عصمت الشاعر من التيه الفكري والهيام الأدبي، اللذين يصاب بهما أدباؤنا وشعراؤنا وكتابنا وعلماؤنا، فينتجعون كل كلأ، ويهيمون في كل واد، ويكتبون في كل موضوع، وافق عقيدتهم أم لا؛ ويمدحون كل شخص، ويظلّون إلى آخر حياتهم لا يعرفون أنفسهم ولا يعلمون رسالتهم! أما الدكتور محمد إقبال، فكان من توفيق الله تعالى ومن حسن حظ الإسلام والمسلمين في الهند، أنه عرف نفسه في أول يوم، وقدَّر مواهبه تقديرا صحيحا، ثم ركز فكره وقوة شاعريته في بعث الحياة والروح في المسلمين، وإيجاد الثقة والاعتزاز بشخصيتهم، والإيمان برسالتهم، والطموح إلى القوة والحرية والسيادة. كان شاعرا مطبوعا، حتى لو أراد أو

أريد أن لا يكون شاعرا لما استطاع، ولقهره الشعر وغلبه. كان سائل القريحة، فياض الخاطر، ملهم المعاني، مطاع اللفظ. وكان مبدعا يوم كان شاعرا؛ وكان شاعرا فنانا وصناعا ماهرا سلَّم له شعراء العصر بالإمامة والإعجاز، وتأثر بشعره الجو. فما من شاعر ولا أديب في عصره إلا وقد تأثر به في اللغة والتراكيب والمعاني والأفكار والأغراض. وهو من أفراد شعراء العالم في التفنن والإبداع، وابتكار المعاني، وجدة التشبيه، والاستعارات. وقد ساعده في ذلك اتصاله بالشعر الانجليزي والألماني، فضلا عن الفارسي الذي هو خاتم شعرائه (في شبه القارة). ولكن ليس هذا كل ما يمتاز به محمد إقبال فعصره لا يخلو من شعراء، ولا يخلو من شعراء مجيدين، ولكنه امتاز بأنه أخضع شاعريته القوية وقوته الأدبية، وعبقريته الفنية لرسالة الإسلام.

فلم يكن شاعر ملك، ولا شاعر الوطنية، ولا شاعر الهوى والشباب، ولا شاعر الحكمة والفلسفة؛ بل كان صاحب رسالة إسلامية، استخدم لها الشعر كما تستخدم للرسائل أسلاك الكهرباء، فتكون أسرع وصولا! ولطيب الأزهار نفحات الهواء فيكون أكثر انتشارا! فكان الشعر حامل رسالته، ورائد حكمته، يسبقها ويوطئ لها أكنافا، ويذلّل لها صعابا، ويفتح أبوابا. وكان شعره من جنود الإسلام—ولله جنود السموات والأرض— ولا أعرف أحدا أرضى الله ورسوله بشعره، بعد حسان بن ثابت —رضي الله عنه— مثل ما أرضى هذا الشاعر المسلم. فأيقظ أمة، وأشعل قلوبها إيمانا وحماسة وطموحا إلى حياة الشرف والاستقلال والسيادة والحكم الإسلامي، حتى أصبحت هذه الأمة لا ترضى إلا بدولة تحكمها وتدير دفتها. أوجد بشعره القوي الهزاز القلق الفكري، والاضطراب النفسي، الذي عم هذا الشعب المسلم، وساور الشباب الإسلامي بصفة خاصة فأصبحوا لا يرتاحون، ولا يهدأ لهم خاطر في حياة العبودية والذلة وحكم الأجانب، حتى أصبحت في يوم من الأيام الدولة المسلمة الحرة حقيقة راهنة وواقعا ملموسا.

   ولا نعرف شاعرا أو أديبا يرجع إليه الفضل في تأسيس دولة وتهيئة النفوس لها مثل ما يرجع إلى هذا الشاعر الإسلامي. وتعلمون جميعا أن الدول تسبقها الثورات الفكرية والتذمر من الحاضر، والتطلع إلى المستقبل، والقلق النفسي، فإذا تم هذا كله ونضج، قامت دولة؛ فإن كان شعر قد أقام دولة، وأحدث ثورة فكرية، كانت سبب الانتقال من حياة إلى حياة ومن وضع إلى وضع، فهو من غير شك، شعر إقبال. وما ذاك أيها الإخوان! إلا بمعرفة الرجل نفسه، وتقديره الصحيح لمواهبه وقوته، ووضعها في محلها، والغيرة عليها، من أن تضيع في موضوعات تافهة، وألفاظ فارغة، وألوان زاهية، ومظاهر الجمل الفانية. وكم ضاع رجال من العبقريين وأهل

المواهب الكبيرة لعدم معرفتهم أنفسهم، وقيمة ما يحسنون، وما يمتازون به عن المصرية "بالمزاد العلني" ، وقتلوا إنسانيتهم قبل أن يقتلها غيرهم ﴿وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يَظلِمون﴾.

العامل الرابع:

   والمربي الرابع أيها السادة! الذي يرجع إليه الفضل في تكوين سيرته وشخصيته، وفي قوة شعره وتأثيره، وجدة المعاني، وتدفق الأفكار هو أنه لم يكن يقتصر على دراسة الكتب، والاشتغال بالمطالعة، بل كان يتصل بالطبيعة من غير حجاب، ويتعرض للنفحات السحرية، ويقوم في آخر الليل، فيناجي ربه، ويشكو بثه وحزنه إليه، ويتزود بنشاط روحي جديد، وإشراق قلبي جديد، وغذاء فكري جديد؛ فيطلع على أصدقائه وقرائه بشعر جديد، يلمس الإنسان فيه قوة جديدة، وحياة جديدة، ونورا جديدا؛ لأنه يتجدد كل يوم، فيتجدد شعره، وتتجدد معانيه.

   وكان عظيم التقدير لهذه الساعات اللطيفة التي يقضيها في السحر، ويعتقد أنها رأس ماله ورأس مال كل عالم، ومفكر، لا يستغني عنها أكبر عالم أو زاهد.

يقول في بيت: "كن مثل الشيخ فريد الدين العطار في معرفته، وجلال الدين الرومي في حكمته، أو أبي حامد الغزالي في علمه وذكائه، وكن مع من شئت في العلم والحكمة، ولكنك لا ترجع بطائل، حتى تكون لك أنَّة في السحر" .

   وكان شديد المحافظة على ذلك، كثير الاهتمام به. يقول في مطلع قصيدة: "رغم أن شتاء إنجلترا كان قارسا جدا، وكان الهواء البارد يعمل في الجسم عمل السيف، ولكني لم أترك في لندن التبكير في القيام" .

   وكان لا يبغي به بدلا، ولا يعدل به شيئا. يقول في بيت: "خذ مني ما شئت يا رب! ولكن لا تسلبني اللذة بأنَّة السحر، ولا تحرمني نعيمها".

   بل كان يتمنى على الله أن تتعدى هذه الأنة السحرية والحرقة القلبية إلى شباب الأمة المتنعمين، فتحرِّك سواكن قلوبهم، وتنفخ الحياة في هياكلهم. يقول في قصيدة: "اللّهم! جرِّح أكباد الشباب بسهام الآلام الدينية، وأيقظ الآمال والأماني النائمة في صدورهم. بنجوم سماواتك التي لا تزال ساهرة، وبعبادك الذين يبيتون الليل سجدا وقياما، ولا يكتحلون بنوم، ارزق الشباب الإسلامي

لوعة القلب، وارزقهم حبي وفراستي".

   ويقول في قصيدة: اللّهم! ارزق الشباب أنتي في السحر، وانبت لصقور الإسلام القوادم

والخوافي، التي تطير بها وتصطاد، وليست لي أمنية يا رب! إلا أن تنتشر فراستي، ويعم نور بصيرتي في المسلمين" .

العامل الخامس:

   والعامل الأخير والمؤثر الكبير في تكوين عقليته وتوجيه رسالته أيها السادة! هو "المثنوي المعنوي"  بالفارسية وقد كتبه مولانا جلال الدين الرومي في ثورة وجدانية ونفسية شديدة، ضد الموجة العقلية الإغريقية التي اجتاحت العالم الإسلامي في عصره، وقد انتصر فيه للإيمان والوجدان انتصارا قويا، وانتصف للقلب والروح والعاطفة والحب الصادق والمعاني الروحية من المباحث الكلامية الجافة، والقشور الفلسفية، التي كانت تشغل أذهان المسلمين والمدارس الدينية والأوساط العلمية في الشرق الإسلامي. والكتاب متدفق قوة وحياة، زاخر بالأدب العالي والمعاني الجديدة، والأمثال الحكيمة، والحكم الغالية، والنكت البديعة؛ وطابعه العاطفة القوية، والطبع الريان الذي يملي هذه المنظومة التي لا تزال فريدة في موضوعها في مكتبة الإسلام العامرة، ولا يزال له التأثير القوي في تحرير الفكر، من رق العقل، والتقديس الزائد للقيم العقلية، والخضوع للمادية الرعناء؛ ويبعث التمرد على عالم المادية الضيق والتطلع إلى أجواء الروح الفسيحة. وكان العالم في عصر محمد إقبال يواجه التيار العقلي الأوروبي، الذي جرف جميع القيم الروحية والخلقية، وقد زادت الآلات الميكانيكية هذه الحضارة بُعدا عن المعاني الروحية، والمبادئ الخلقية، وما بعد الطبيعة. فأصبحت حضارة عقلية ميكانيكية.

   وقد قضى محمد إقبال فترة من الزمن ينازعه عاملان: عامل العقل، وعامل القلب؛ وقام صراع بين عقله المتمرد وعلمه المتجدد، وقلبه الحار الفائض بالإيمان.

وفي هذا الاصطراع الفكري والاضطراب النفسي، ساعده المثنوي مساعدة غالية، ودافع عن عاطفته وقلبه دفاعا مجيدا، وحل به كثيرا من ألغاز الحياة. ولم يزل محمد إقبال يعرف له الجميل، ويحفظ له هذا الفضل، ويذكره في كثير من أبياته، ويعزو إليه كثيرا من الحقائق والحكم. يقول في بيت يخاطب فيه أحد المأخوذين بسحر الغرب:

"قد سحر عقلك سحرُ الإفرنج، فليس لك دواء إلا لوعة قلب الرومي، وحرارة إيمانه. لقد استنار بصري بنوره، ووسع صدري بحرا من العلوم" .

   ويقول في بيت: "لقد أفدت من صحبة شيخ الروم أن كليما واحدا —يشير إلى سيدنا موسى— هامته على راحته، يغلب ألف حكيم قد أحنوا رؤوسهم للتفكير".

   وكان محمد إقبال يرجو أن يجدد علمه ورسالته في القرن العشرين ويخلفه في مهمته العلمية والروحية؛ وكان يشعر أن الشيخ لا يزال يفوقه في الجانب الروحي، وقد أشار إلى ذلك إشارة لطيفة. يقول في قصيدة:

"لم ينهض رومي آخر من ربوع العجم، مع أن أرض إيران لا تزال على طبيعتها، ولا تزال تبريز  كما كانت، إلا أن إقبال ليس قانطا من تربته، فإذا سقيت بالدموع أنبتت نباتا حسنا، وأتت بحاصل كبير" .

   هذه هي العوامل البارزة التي كونت شخصية محمد إقبال، وهذه هي آثار تربية المدرسة الثانية التي تخرج فيها؛ ولا شك أنها أقوى من آثار المدرسة الأولى. فإذا كانت المدرسة الأولى منحته مفردات اللغات المتعددة، وكميات من المعلومات وافرة، فقد علمته المدرسة الثانية كيف يستعمل هذه المعلومات، وكيف يخدم بها نفسه، وأمته وقد منحته المدرسة الثانية العقيدة الراسخة، والإيمان القوي، والخلق المستقيم، والتفكير السليم، والرسالة الفاضلة.

المصدر : مجلة إقباليات  ـ العدد الرابع سنة 2004م

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف