• الصليب وحكاياته

إجراءات الدولة الإسلامية للتخفيف من الأزمة الاقتصادية(عام الرمادة نموذجا)

Feb 26 2015 14:40:06

إجراءات الدولة الإسلامية للتخفيف من الأزمة الاقتصادية(عام الرمادة نموذجا)

عبد العلي الوالي

إن المطلع على تاريخ البشرية يجد فترة نزول الوحي على محمد  عليه الصلاة والسلام، وفترة حكم الخلفاء الراشدين أزهى ما عرفه هذا التاريخ على مستوى الأعمال الاجتماعية والتطوعية، إلى درجة أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يجدون أحيانا ما يتطوعون به، فيتحاملون لأجل الصدقة، ولأخذ صورة عن منهج سلفنا الصالح في تدبير الأزمات، واعتماد التكافل وسيلة أساسية لحلها قد اخترت أزمة عام الرمادة التي وقعت في عهد عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" .

في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" ، حلت بالمسلمين أزمة اقتصادية عمت شعب الحجاز وما حوله من قرى العرب، حتى أجهدتهم وحملتهم ما لا عهد لهم به، على ما عرفوا به من اللأواء، واحتمال اختلاف الأنواء، وهو ما عبر عنه بعام الرمادة.

وقد ذكر ابن منظور وغيره سبب تقييد هذا العام بهذا الوصف، فقال: «وعام الرمادة معروف، سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيرا، والرمد والرمادة الهلاك، وقيل هو الجدب تتابع فصيّر الأرض والشجر مثل الرماد، والأول أجود».

وعن عوف بن الحارث عن أبيه قال: «سمي ذلك العام عام الرمادة، لأن الأرض كلها صارت سوداء، فشبهت بالرماد».

أما زمن هذه الأزمة فيروي ابن سعد أنها وقعت في السنة الثامنة عشرة للهجرة بعدما صدر الناس عن الحج.

ورغم تسمية هذه الأزمة بعام الرمادة، فالظاهر من خلال بعض الروايات أنها دامت أكثر من سنة، ففي المدونة، قال ابن القاسم: «قلنا لمالك: وما زمان الرمادة، أكانت سنة أو سنتين؟ قال: بل سنتين، قال ابن القاسم: «بلغني أنها كانت ست سنين»، ويرى بعض المؤرخين أنها كانت تسعة أشهر.

والقائلون أنها أعوام جدب وليست عاما واحدا، يحمل كلامهم على أن ذلك العام كان هو الأخير المتميز الذي بلغ فيه الأمر ذروة الشدة، فالأعوام السابقة كانت أعوام قحط، فأتت على المدخرات، ثم حل ذلك العام فاجتمعت فيه آثارها. وفي هذه السنة عاش الناس في وضع مزرٍ جدا، ذلك أن بعض المصادر تذكر أنهم أصبحوا يأكلون كل ما يجدوه أمامهم لشدة القحط والحاجة، عن حزام بن هشام عن أبيه قال: «أصاب الناس جهد شديد، وأجدبت البلاد وهلكت الماشية، وجاع الناس وهلكوا، كان الناس يُرون يستفّون الرمة، ويحفرون نفق اليرابيع والجرذان يخرجون ما فيها».

وفي رواية أن الأمر عام الرمادة بلغ بالناس إلى شيِّ جلد الميتة وأكله وسفّ العظام المسحوقة».

حال إمام المسلمين

يعرف الرجال عند الشدة كما يقال، وقد تجلت في هذا العام شخصية عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه" ، بوصفه حاكما فذا، وراعيا مسؤولا، حمله الله أمانة رعيته، وتجلى فيه فقهه الديني والدنيوي، وسياسته الشرعية التي رسمها، وسار عليها في معالجته لهذه الأزمة الخانقة، حتى أذن الله بانفراجها.

وقبل الحديث عن بعض التدابير التي قام بها عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  من أجل التخفيف من هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة، نتحدث أولا عن عيش القائد الراعي عمر حال الأزمة، لأنه المسؤول الأول في الدولة الإسلامية عن الرعية التي كلفه الله تعالى بحماية مصالحها وضمان عيشها، ولأن إصلاح الإمام لنفسه يعتبر أولى الخطوات للخروج من أية أزمة، فضلا عن كونه القدوة والمنهج المتبع من طرف الجميع.

من خلال كثير من الروايات يتضح لنا جليا أن عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  لم يكن يفكر بنفسه بتاتا، بل كان همه الوحيد هو رعيته، ذلك أنه كان يخشى عليها الهلاك في زمانه، فيتحمل هو مسؤولية ذلك أمام الله تعالى وأمام الناس أيضا، عن ابن عمر  "رضي الله عنه"  أنه سمع أباه عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  يقول في السحر: «اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد  عليه الصلاة والسلام على يدي».

ومما يدل على هذا المعنى ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: «تقرقر بطن عمر، وكان يأكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن قال: فنقر بطنه بأصبعه، وقال: «قرقر ما شئت أن تقرقر، إنه ليس لك عندنا غير هذا، حتى يحيا الناس».

ومن الروايات التي نستنتج منها عدم تمييز عمر نفسه عن رعيته واستئثاره بطعام يفتقده غيره ما رواه عبد الله ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أنه لما أتي عمر عام الرمادة بقدر من سنام وكبد، قال: بخ بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام. قال: فأتي بخبز وزيت، ثم قال: ويحك يا يرفا! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، وأحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم.

ولم يقتصر منهج التشديد الذي طبقه عمر بن الخطاب على نفسه، بل سلك نفس الأسلوب مع أهل بيته، إذ نظر ذات يوم في عام الرمادة إلى بطيخة في يد بعض ولده، فقال: «بخ بخ يا بن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى؟ فخرج الصبي هاربا وبكى، فسكت عمر بعدما سأل عن ذلك فقالوا: اشتراها بكف من نوى».

ورفض  "رضي الله عنه"  أن يركب دابة لأنها راثت شعيرا، ثم قال: «المسلمون يموتون هزلا، وهذه الدابة تأكل الشعير، لا الله لا أر كبها حتى يحيا الناس».

تدابير عمر

لما حلت الأزمة بالمسلمين لم يقف عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  مكتوف الأيدي كما يفعل كثير من عشاق الكراسي، بل قام بإجراءات مهمة جدا، وطبقها بصرامة شديدة كما هو معروف عنه، مما ساهم بشكل كبير في إنقاذ الأمة الإسلامية من كارثة إنسانية، وهذه بعض تلك الإجراءات:

- الكتابة إلى زعماء الأمصار التابعة للإسلام من أجل أن يسهموا في درء غائلة المجاعة عن إخوانهم: وكنموذج على ذلك، الرسالة التي بعث بها إلى عمرو بن العاص، والتي كانت شديدة اللهجة، وتنطوي على حزم وعزم واستغاثة ملحة ومؤثرة، قال  "رضي الله عنه"  في رسالته إلى عمرو: «بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، سلام الله عليك، أما بعد أفتراني هالك ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه».

أما قوله  "رضي الله عنه"  إلى العاصي بن العاصي فليس معنى ذلك أنه كان يرى في عمرو بن العاص رجل سوء، وإلا لما استعمله وائتمنه على الرعية، وهو بعد صحابي جليل معروف المكانة، ولكنه إنما يريد أن يكفه ويخفف من غلوائه، ويحتاط لنفسه وللمسلمين من عواقب دهائه.

ولقد كان لهذا الإجراء دور مهم في إغاثة المنكوبين.

- إحصاء المحتاجين للمعونة، وتعيين من يشرف عليهم: في عام الرمادة تجلبت العرب من كل ناحية إلى المدينة، فأمر عمر بعض الصحابة بالإشراف على توزيع الطعام عليهم، فمن بينهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري، وعبد الله بن عتبة، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر بن الخطاب، فزودوه بأخبار ذلك اليوم. ومما يستفاد منه سياسة عمر المحكمة في تدبير هذه الأزمة، وبعده عن العشوائية والعبثية في جلب الأرزاق وتوزيعها، ونهجه سياسة الإحصاء لتحديد مقدار حاجيات الناس من الأطعمة والألبسة، وقد ثبت عنه  "رضي الله عنه"  أنه قال في ليلة بعد أن تعشى الناس عنده: «أحصوا من تعشى عندنا» ، وقال أيضا: «أحصوا العيالات الذين لا يأتون والمرضى والصبيان» وبعد ليال زاد الناس فأمر بهم فأحصوا فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف، والآخرين خمسين ألفا.

- التضرع إلى الله تعالى وإقامة صلاة الاستسقاء: لما عزم عمر بن الخطاب على أن يستسقي ويخرج بالناس، كتب إلى عماله أن يخرجوا يوم كذا وكذا، وأن يتضرعوا إلى الله، ويطلبوا إليه أن يرفع هذا المحل عنهم.

ثم خرج إلى المصلى، وعليه برد رسول الله  عليه الصلاة والسلام، وكان أكثر دعائه الاستغفار، ورفع يديه إلى السماء مدا، وقبل أن ينصرف حوّل رداءه، فجعل اليمين على اليسار وجعل اليسار على اليمين، وبكى بكاء طويلا حتى أخْضَل لحيته.

وروي عنه  "رضي الله عنه"  أنه استسقى بالعباس عم النبي  عليه الصلاة والسلام، عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس ابن عبد المطلب فقال: اللهم هذا عم نبيك  عليه الصلاة والسلام نتوجه إليك به فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، فخطب عمر الناس فقال: «أيها الناس إن رسول الله  عليه الصلاة والسلام كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده، يعظمه ويفخمه ويبر قسمه، فاقتدوا أيها الناس برسول الله  عليه الصلاة والسلام في عمه العباس، واتخذوه وسيلة إلى الله عز وجل فيما نزل بكم». قال ابن حجر معلقا على هذا الحديث: «ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس، ومعرفته بحقه».

وقد ذكر ابن حجر في الفتح صفة ما دعا به العباس، قال  "رضي الله عنه" : «اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث».

- تأخير الصدقة إلى ما بعد الأزمة: روي عن عمر  "رضي الله عنه"  أنه لم يأخذ الصدقة من الناس في العام الذي اشتدت فيه الأزمة، وفي العام القابل أخذ زكاة عامين بعد أن أحيا الناس، ولعل امتناع عمر عن أخذ الزكاة في ذلك العام راجع إلى الحاجة التي ألمت بأصحابها، رغم توفرهم على النصاب الموجب إلى إخراجها، لأن الإنتاج المرتكز بالأساس على المجال الفلاحي قد توقف، ونفس المعنى أشار إليه أبو عبيد في تأخير النبي  عليه الصلاة والسلام أخذ زكاة عمه العباس، قال: «نراه، والله أعلم، أنه كان أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر، ثم يأخذها منه بعد، كما أخر عمر بن الخطاب صدقة عام الرمادة، فلما حَيىَ الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين».

قال الدكتور يوسف القرضاوي معلقا على هذا الإجراء الذي قام به الفاروق  "رضي الله عنه" : «وكان ذلك من حكمة عمر "رضي الله عنه" ، وحسن سياسته ورفقه بالرعية، فأخر الزكاة عن الممولين في عام المجاعة».

أمر بعض الأسر بإيواء غيرها: ذكر بن عبد البر رحمه الله تعالى أن عمر بن الخطاب في عام الرمادة كان يجعل مع كل أهل بيت عدد أهل بيت آخر مثلهم، وكان يقول: «لن يهلك امرؤ عن نصف قوته».

هذا ما ذكره ابن عبد البر، لكن في رواية عن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها أن عمر همّ بذلك فقط ولم يفعله، قالت: «سمعت عمر بن الخطاب يقول بعدما رفع الله المحل في الرمادة: «لو لم يرفعه الله لجعلت مع كل أهل بيت مثلهم».

وتحت عنوان «نية لم تتم» ذكر الشيخ محمد محمد المدني أن عمر هم بجعل أهل كل بيت من المسلمين مع مثلهم.

وربما - والله أعلم - أن عمر حفز الناس على فعل ذلك، ولم يلزمهم إلزاما، فكما طلب المعونة من بعض الأمصار البعيدة عن النكبة كمصر والشام والعراق... فالأولى أن يطلب من بعض البيوت إيواء غيرها في مكان النكبة.

- إسقاط حد السرقة: مما يدل على مكانة عمر بن الخطاب الفقهية، أنه عطّل حد السرقة عام الرمادة، وقال: «لا أقطع في عام سنة» ، ذلك أن الناس إذا كانت مجاعة وشدة غلب عليهم الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له مجانا على الصحيح، لوجوب المواساة وإحياء النفوس، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج.

والثابت عن عمر  "رضي الله عنه"  أنه كان يتجنب تطبيق حد السرقة في كل حالات الاضطرار، بل كان يرى أن للمضطر أخذ ما يبقي به حياته، ولو باستعمال القوة، كما أوجب الدية على من امتنع عن إغاثة الملهوف.

والظاهر أن اجتهاد عمر  "رضي الله عنه"  بخصوص سرقة المضطر، له ما يؤيده من النصوص الشرعية قرآن وسنة:

فمن القرآن: قوله تعالى بعد أن حرم الميتة والدم ولحم الخنزير...: {مَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ   فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (المائدة: 3)

ومن السنة: عن عباد بن شرحبيل قال: «أصابتنا سنة فأتيت المدينة، فدخلت حائطا من حيطانها، فأخذت سنبلا ففركته وأكلت منه، وحملت في ثوبي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله  عليه الصلاة والسلام فقال ما علمته إذ كان جاهلا ولا أطعمته إذ كان ساغبا أو جائعا، فرد علي الثوب، وأمر لي بنصف وسق أو وسق».

المصدر : مجلة الوعي الإسلامي

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

صفحة من تاريخ العلوم: أول كتاب في المدفعية

إن ظهور سلاح المدفعية واستخدامات البارود قد ترافق في أوروبا مع بداية...

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

حركة الشيخ رابح بن فضل الله ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد

  فرج كُندي مقدمة  تعتبر حركة المجاهد الكبير رابح من فضل...

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لنتذكّر في ذكرى الهجرة

لقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر، أعظم كسْب...

جديد الأخبار المزيد
مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

مجلس الأمن يعقد أول جلسة علنية حول ميانمار الخميس

يعقد مجلس الأمن الدولي بعد غد الخميس، أول جلسة مفتوحة حول الانتهاكات...

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين إثر عملية إطلاق نار شمال القدس

أعلنت شرطة الاحتلال الإسرائيلي عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة رابع إثر...

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

مناورات عسكرية مشتركة بين تركيا والعراق عقب استفتاء كردستان

قالت رئاسة الأركان العامة التركية إن المرحلة الثالثة من المناورات...

  • أيام في سيلان والمالديف