موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

السلطان العثماني محمود الأول

Mar 11 2015 07:53:38

الكاتب : مدير الموقع

السلطان العثماني محمود الأول

محمد زاهد أبو غدة

ولد السلطان محمود الأول في أدرنة سنة 1108=1696، وكان أبوه السلطان مصطفى الثاني، ووالدته تدعى صالحة سبقتي، وهي يونانية الأصل من سكان استانبول، وتوفيت في أيام ابنها سنة 1152.

وكان والده، المولود سنة 1074 والمتوفى سنة 1115= 1703، قد تسنم العرش سنة 1107 ثم عزله الأنكشارية سنة 1115، وملّكوا أخاه السلطان أحمد الثالث المولود سنة 1083=1673، وتوفي الوالد بعد بضعة شهور من عزله، وفي سنة 1126=1714 توفي ابن عمه فعيّنه عمه ولياً للعهد.

ودام حكم السلطان أحمد الثالث مدة 27 سنة، واتسم بالحروب مع إيران وروسيا التي كان يحكمها بطرس الأول، وحققت الجيوش العثمانية في أول أيام السلطان أحمد بعض الانتصارات ثم توالت الهزائم عليها وذلك لضعف تدبير رجال بلاطه وبسبب روح الارتزاق التي نخرت في الأنكشارية، ولأن الدولة العثمانية لم تواكب التقدم الذي سارت عليه أوروبا في التنظيمات والأسلحة العسكرية الحديثة، وقرر السلطان أن يعيد تأسيس الجيش على أسس حديثة، فثار عليه الأنكشارية بزعامة بترونا خليل في سنة 1143=1730، وطالبوا بإعدام الصدر الأعظم الداماد إبراهيم باشا وتنازلِ السلطان أحمد عن العرش، وتعيين ابن أخيه سلطاناً على البلاد، فقبل السلطان أحمد مطالبهم واعتزل العرش وعاش في المنفى حتى وفاته سنة 1149، وأصبح الحكم للسلطان محمود الأول وعمره 35 سنة.

درس السلطان محمود على يد كبار العلماء في الدولة العثمانية من أمثال شيخ الإسلام فيض الله أرضروملي، وهو أول من بايعه عند جلوسه، وكان محمود ذا مواهب أدبية وفنية، فكان يقرض الشعر ويلحن الأغاني، ويصمم الأختام ويحفرها، ولم يرزق بأولاد رغم تزوجه من 11 زوجة، ويلقب كذلك بالأحدب لوجود تحودب في ظهره، أما شخصيته فكانت تتسم بالعقل والوقار والدقة والحذر، وعلى قدر عال من الثقافة والخُلق، ويذكر المرادي في ترجمته في سلك الدرر لجده السيد محمد بن مراد المرادي، المولود سنة 1094 والمتوفى سنة 1069، والمتزهد سنة 1132، أن السلطان محمود أرسل في سنة 1065 يطلبه إلى استانبول، فسار إلى أن وصلها: فقابله السلطان المذكور بوافر الإنعام ومزيد الاحترام، واجتمع به مرات، وأعطاه الأوامر السلطانية المتوّجة بخطه الشريف في مصالح الجِد، وصار له اعتبار تام من رجال الدولة وأركانها، ثم أذن له بالحج بدلاً عن السلطان المذكور، فحج بدلاً عنه في تلك السنة، ثم عاد بعد عوده بأمر سلطاني إلى اسلامبول، ونزل بالمكان الذي هيئ له من طرف الدولة كالمرة الأولى، واجتمع به ثانياً.

وفي البداية لم يكن السلطان الجديد سوى صورة يحركها المتمرد بترونا خليل الذي أصبح الحاكم الحقيقي في البلاد، وكان بترونا خليل مغامراً جريئاً، ينحدر من ألبانيا، تقلب في الوظائف الوضيعة حتى عمل نادلاً في حمّام، ثم عمل جندياً عادياً وكان من محرضي العصيان بين الأنكشارية، وصار له نفوذ في الدولة لتأثيره على مواطنيه من الأنكشارية المنحدرين من ألبانيا، وهم الذين أطلقوا عليها لقب بترونا أي نائب الأدميرال، فلما جاء بالسلطان محمود للحكم ظن أن الأمور قد جرت على هواه، فأخذ باسم السلطان يعزل من يشاء ويعين من يشاء، وركب مع السلطان يوم تنصيبه ليحضر مراسيم تقليده سيف عثمان كما هي العادة، وكان وقحا يحضر أمام السلطان حافياً وبلباس الجندية العادي، في تهديد مبطن للسلطان.

وكان بترونا خليل قد اقترض مبلغاً من المال من جزار يوناني اسمه ياناكي لينفقه على تدبير الشغب وتحريك مثيري الاضطرابات، وتجاوز باترونا خليل كل حدود الوقاحة حين أراد أن يكافئ ياناكي فطلب من السلطان محمود تعيينه أميراً على مولدافيا.

وما كانت الدولة العثمانية لتقبل بمثل هذا الأفاك مسيطراً على أمورها، وبخاصة أن تصرفاته الفجة الحمقاء أثارت عليه استنكار العقلاء وحسد السفهاء، وكذلك تألب عليه رؤوساء الأنكشارية من غير الألبان، أضف إلى كل هذا انعدام الأمن في استانبول بسبب تعدي جماعة بترونا خليل على أموال الناس وأعراضهم، وما مرت سنة حتى لقي بترونا خليل مصرعه في أوائل 1144 بعد مواجهة حادة مع السلطان، فقد جاء خليل إلى الديوان وأملى أوامره على السلطان أن يعلن الحرب على روسيا، فرفض ذلك السلطان وأمر بخنقه، ثم أمر بقتل ساعده الأيمن ياناكي وبقتل كل الأنكشارية من أصل ألباني، ويقدر عددهم بحوالي 7.000 جندي، وانتهت بذلك سنوات الفوضى والتمرد.

وبعد أن انتهى السلطان من أمر بترونا خليل بدأت أمور الدولة في الانتظام، وعادت لمعالجةالقلاقل على حدودها الشرقية مع الدولة الإيرانية الصفوية، فقد كان طهماسب الثاني ابن الملك حسين الصفوي، ويقال له طهماز كذلك، والمولود سنة 1116، قد استطاع في سنة 1142=1729 أن يستعيد حكم إيران بمساعدة الزعيم نادر شاه، وكان أول أهداف طهماسب أن يسترجع ما فقدته إيران من أراض في حروبها السابقة مع الدولة العثمانية، ولما لم تستجب الدولة العثمانية لمطالبه قام طهماسب بشن حملة لاسترداد يروفان هزمت هزيمة منكرة واستولت على مزيد من الأراضي، فطلب طهماسب الصلح، واتفق في منتصف 1144= 1732 مع الدولة العثمانية يتخلى لها بموجبه عن كل ما فتحته باستثناء مدن تبريز وهمذان وباقي إقليم لورستان، وبدا لساسة الدولة العثمانية أنهم تخلصوا من التهديد الصفوي ليتفرغوا لروسيا القيصرية.

ولكن الرجل القوي نادر شاه رفض هذا الاتفاق، وعزل طهماسب في سنة 1145=1732 وعين ابنه الصغير عباس ملكاً، وسمي الملك الطفل عباس الثالث، ونصب نفسه وصياً عليه ونائباً للملك، ثم هاجم مدينة بغداد سنة 1146=1733 ليقايض بها، فهزمه الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم السابق عثمان باشا طوبال، فقام نادر شاه بتجميع قواته من جديد واتجه إلى الموصل فكركوك، ثم استولى على تفليس ويرَوفان مستغلاً انشغال العثمانيين بالحرب التي اندلعت مع روسيا في أول سنة 1149، فمال الصدر الأعظم علي باشا حكيم أوغلو للصلح، ولكن الحاشية اعترضت على ذلك، فأقال السلطان الصدر الأعظم ولكن خَلَفه إسماعيل باشا تابع ذلك وأجرى مفاوضات انتهت باتفاق استانبول في 11 جمادى الآخرة 1149=1736، الذي نص على اعتراف الدولة العثمانية بنادر خان ملكا على إيران، وعلى أن تعيد إليه الأراضي التي أخذتها في الحروب الماضية، وأن تكون حدود الدولتين كما تقرر بمعاهدة سنة 1049=1639 المبرمة في زمن السلطان مراد الرابع.

وفي أثناء هذه التطورات اندلعت الحرب بين روسيا وبين الدولة العثمانية في سنة 1149=1736، وكان السبب الظاهري للحرب ادعاء روسيا أن فرسان التتار وهم في طريقهم إلى جورجيا لينضموا للجيش العثماني في قتال الصفويين هاجموا بعض حلفائها، ولكن السبب الحقيقي كان انتخاب البرلمان البولندي الملك ستانسلاس الأول ملكاً على بولندا!

ذلك إن بولندا كانت ضعيفة متفرقة، فطمع فيها جيرانها السويديون والروس والنمساويون وتنافسوا وتحاربوا من أجل السيطرة عليها، وكانت روسيا في سنة 1722 قد اتفقت سراً مع الإمبراطورية النمساوية أن تتحكما معاً في تعيين ملك بولندا، ولكل أهدافه من وراء ذلك، فالنمسا لا تريد أن تنضم بولندا المستقلة لمنافستها اللدودة فرنسا، وروسيا تطمع وفقاً لمخططات بطرس الأكبر أن تبقى بولندا رهينة الاضطرابات حتى تضعف فتستولي عليها كلها أو تقتسمها مع النمسا، فيسهل عليها الاستيلاء على السويد ثم على الدولة العثمانية.

ومن مظاهر ما ذكرنا أن الملك شارل الثاني عشر ملك السويد غزا بولندا في سنة 1702وأجبر النبلاء على خلع ملكها أوغست الثاني وأجلس محله الأمير ستانسلاس ليزنيسكي، ولكن الروس تصدوا للملك السويدي وهزموه سنة 1709 في معركة بولتافا، فعاد أوغست الثاني للعرش وغادر ستانسلاس البلاد إلى فرنسا وزوَّج في سنة 1725 ابنته لملك فرنسا لويس الخامس عشر، وفي سنة 1733 توفي أوغست الثاني ملك بولندا، فانتخب البرلمان بأغلبية ساحقة الأمير ستانسلاس ليزنيسكي ملكا عليهم باسم ستانسلاس الأول، وذلك بتأييد واضح من فرنسا التي كان من صالحها انتخاب حليفها ذي النزعة الاستقلالية ملكاً على بولندا.

ولم تتردد روسيا والنمسا في إعلان الحرب على بولندا فقد كانتا تخشيان قيام تحالف سويدي فرنسي بولندي، وكذلك لم يطل الأمر حتى أعلنت فرنسا الحرب على النمسا دفاعاً عن حق بولندا في انتخاب ملكها بحرية ونزاهة، وبذلت الدولة الفرنسية جهوداً قوية لتنضم إليها الدولة العثمانية في محاربة النمسا وروسيا، وكان الواسطة في ذلك ضابط عثماني فرنسي الأصل هو كلود الكساندر دو بونفال، الذي أسلم واشتهر باسم أحمد باشا قمبرجي، وكان قائد المدفعية العثمانية، ووضحت فرنسا للعثمانيين أن مصلحتهم تقتضي بقاء بولندا مستقلة قوية فلا يخلو الجو لروسيا في تحقيق أحلامها في امتلاك القسطنطينة، ولكن وزراء السلطان محمود لم يتجاوبوا مع هذه الجهود، وكانت نتيجة ذلك أن احتلت روسيا بولندا وخلعت الملك ستانسلاس الأول ووضعت مكانه الملك أوغست الثالث ابن الملك أوغست الثاني، واعترفت فرنسا مضطرة بذلك في معاهدة فيينا التي عقدتها مع النمسا سنة 1738.

نعود إلى الحرب العثمانية الروسية، فنقول إنه في 9 محرم 1149=1736 أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية وهاجمت القوات الروسية يقودها المشير كريستوف فون مونيش النمساوي التحصينات العثمانية في القرم واستطاعت الاستيلاء على مدينة بخشي سراي، ولكنها تراجعت إلى الأراضي الأوكرانية بسبب صمود المدافعين من الأتراك صموداً بطولياً أضعف موجة الهجوم، واجتمع معه قلة الذخائر وانتشار الأوبئة بين جنودها، وبعدها بشهر قامت القوات الروسية البرية والبحرية بهجوم استولت فيه على قلعة أزوف، وحققت عدداً من الانتصارات هزمت فيها جيش خان القرم، ولكنها في النهاية اضطرت للانسحاب إلى أوكرانيا بسبب نقص الذخائر، وتسببت حملة القرم هذه في خسارة روسيا قرابة 30.000 جندي معظمهم مات بسبب المجاعة والأمراض.

وأتت الحملة الروسية في القرم من نهب وتحريق وتخريب ما يندى له الجبين، ونقل الأستاذ محمد كرد علي في مجلة المقتبس عن المؤرخ الفرنسي المركيز جابريل كاستلنو في كتابه أبحاث في التاريخ القديم والحديث لروسيا الجديدة، المنشور سنة 1820، والذي أهداه في المقدمة للقيصر الروسي اسكندر الأول: إن الحملة لم تشرف روسيا فإن بلاد القرم أُحرقت ودمرت، وربما كان مثل هذا العمل يغتفر على عهد البربر لما فطروا عليه من الجهل، ولكن إحراق المدن في القرن الثامن عشر، وتخريب أهم المباني والآثار، وتدمير المعابد والمدارس، وإدخال الظلام على العقول بإحراق خزائن كتب الأمة التي تريد الانتفاع بها في إنارة أفكارها، وإلقاء الشيوخ والنساء والأولاد طعمة للنيران، لا يُقصد منه الحرب بل إفناء شعب عن بكرة أبيه.

وفي سنة 1150=1737 أعلنت النمسا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت هجوماً على بلاد البوسنة والصرب والأفلاق، وهي اليوم رومانيا، ولكن الصدر الأعظم محمد باشا الذي كان قد تقلد منصب الصدارة في تلك السنة كان قد توقع ذلك وأعد له عدته، فلم تلق النمسا في هجماتها سوى الهزائم ومن أبرزها في أول الحرب معركة بانجالوكا، في البوسنة اليوم، حيث انتصر الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم السابق علي باشا حكيم أوغلو على الجيش النمساوي الذي قاده الأمير جوزيف أمير ساكس هيلدبرج هاوسن، رغم التفوق العددي للجيش النمساوي، وأبرزها في آخر الحرب معركة جروكا في سنة 1152=1739 التي استخف فيها القائد النمساوي المشير واليس بالجيش العثماني وأمر خيالته بالهجوم عليهم فور لقائهم، فكانت النتيجة هزيمة ساحقة لهم ومقتل وجرح نصفهم، وأصبح الطريق إلى بلغراد مفتوحاً أمام العثمانيين الذين حاصروها قرابة شهرين، وأرسل الصدر الأعظم الذي كان على رأس الجيوش يعلم السلطان أن الجيوش النمساوية قد سحقت على كافة الجبهات، وطلب الإذن للهجوم على المجر واستعادتها، ولكن السلطان محمود في حذره المعهود لم يوافق على ذلك.

وكان لهذه الهزائم وقع سيء في البلاط النمساوي الذي كان يتوقع انتصارات سريعة حاسمة، وعزل المشير واليس عن رئاسة الجيش، ومالت النمسا ميلاً شديداً لإنهاء القتال، ووسطت فرنسا في ذلك، وبدأت التفاوض مع العثمانيين التي استغلوا رغبة النمسا في السلم العاجل، واستطاعوا التوصل في 16 جمادى الأولى 1152 إلى معاهدة، سميت معاهدة بلغراد، منحتهم كثيراً من التنازلات حتى الأراضي التي تنازلت عتها الدولة العثمانية في معاهدة بسّارويتز سنة 1130=1718، حيث أعادت النمسا إليهم كل ما احتلته من أراض في البلقان بما فيها بلغراد التي رجعت للعثمانيين بعد 22 سنة من خسارتهم لها.

ورغم أن روسيا حققت انتصارات على العثمانيين في الجبهة الشرقية إلا أن خروج النمسا من القتال واستعداد السويد لمهاجمة روسيا أجبر الإمبراطورة حنة على توقيع معاهدة نيش، أو نيسّا في شرق صربيا، مع العثمانيين بعد ذلك بشهر في 25 جمادى الآخرة 1152=1739، وتخلت روسيا في المعاهدة عن أية مطالب لها في القِرِم أو مولدافيا، وكان التنازل الوحيد الذي حصلت عليه هو السماح لها ببقاء ميناء آزوف بعد هدم قلعته والتعهد بعدم تجديدها، وألا يكون لروسيا أي أسطول حربي أو تجاري في البحر الأسود، وبعد الاتفاقية بسنة ماتت هذه الإمبراطورة المغرمة بالحفلات والمساخر مكروهة من الشعب بسبب هذه الحرب التي قدم فيها الروس تضحيات باهظة لم تتناسب مع الأراضي التي استولت روسيا عليها إذ لم يتحقق الحلم الأكبر: ميناء على البحار الدافئة.

وينبغي أن نشير أن الدولة العثمانية كانت في أثناء الحرب قد أمدت السويد بهبة مالية كبيرة مقابل وعد أن تفتح جبهة شمالية على روسيا، ولكن ذلك لم يتحقق لأن الدنمارك دخلت الحرب إلى جانب روسيا، فتعذر على السويد دخول الحرب، وبعد انتهاء الحرب أبرمت الدولة العثمانية رسمياً مع السويد معاهدة دفاع مشترك في سنة 1153=1740، خشية أن يحل بها ما حل ببولندا التي صارت تحت النفوذ الروسي.

وكان من نتائج هذه الحرب أن ملك بولندا  أوغست الثالث مع كونه واقعاً تحت النفوذ الروسي بدأ في التقرب من الدولة العثمانية، وأكد لها أنه لن يصدر منه ما يهددها أو يسيء إليها، ولذا تحسنت علاقاتها معه واعترفت به ملكاً على بولندا وتبادلت معه المراسلات وأصدرت أوامرها لولاتها المتاخمين لبولندا ألا يفعلوا أي شيء من شأنه تكدير العلاقات مع بولندا.

وتحسنت علاقات الدولة العثمانية مع فرنسا تحسناً واضحاً، وفي نفس السنة، 1153=1740، وقعت الدولة معها معاهدة تضمنت تجديد الامتيازات القنصلية والتجارية السابقة مع بعض تسهيلات جديدة، وأرسل السلطان سعيد محمد أفندي، ابن محمد جلبي السفير السابق لدى فرنسا، سفيرا إلى باريس ليقدم صورة المعاهدة إلى ملك فرنسا لويس الخامس عشر مع كثير من الهدايا الثمينة، فقابله الملك بالاحتفاء والإكرام، وعند عودته أرسل معه مركبين حربيين وعدداً من ضباط المدفعية الفرنسية ليكونوا مدربين في الجيش العثماني على نظم الحرب الحديثة.

وبعد قرابة شهر من هذه المعاهدة توفى إمبراطور النمسا شارل السادس وتولت بعده ابنته ماريا تيريزا، فاعتقدت فرنسا أن الفرصة قد سنحت لهزيمة عدوتها اللدودة والحصول على ممتلكاتها، فشكلت تحالفاً مع أسبانيا وإمراء بافاريا وساكسونيا وبروسيا ضد النمسا، وشجعت الشقاق الداخلي بين ورثة التاج النمساوي، ونتجت عن ذلك حرب دامت 8 سنوات عرفت بحرب الوراثة النمساوية.

وحاولت فرنسا أن تضم إلى جانبها الدولة العثمانية، وبين سفيرها لدى الباب العالي فوائد تحالف الدولة على محاربة النمسا، وعرض عليها احتلال بلاد المجر واسترجاعها إلى أملاكها بحيث تعود حدود الدولة إلى ما كانت عليه من الاتساع أيام سليمان القانوني، وبذا تستطبع احتواء روسيا وأطماعها التي لا تخبو، وبذا تخضد الدولة العثمانية شوكة أكبر عدوين لها: الإمبراطورية النمساوية وروسيا  القيصرية.

ولم تلق مساعي فرنسا نجاحاً يذكر في البلاط السلطاني الذي آثر ساسته ألا يدخلوا في حروب أخرى وبخاصة أنهم كانوا في خضم الاشتغال بالاصلاحات الداخلية، وأرادوا لعب دور المصلح فقاموا بمحاولة للتوسط بين هذه الدول ودعوتهم للتصالح والبعد عن الحرب، وبالطبع لم يستجب أحد لهذه المساعي، إذ لم تكن الدولة العثمانية مؤهلة لها، كما كانت الخصومات بين هذه الدول قد تجاوزت حد الإصلاح، ويعد بعض المؤرخين هذا الموقف من الأخطاء الاستراتيجية للدولة العثمانية، فقد كانت النصيحة الفرنسية صادقة، وإن كانت لها أسبابها النفعية، ويعتبرون أن الدولة العثمانية أضاعت فرصة لو انتهزتها لاسترجعت ما فصل عنها من الفتوحات بدون كثير عناء.

ولئن كان الموقف السابق قابلاً للجدال، فقد ارتكب رجال الدولة خطأً آخر كانت له عواقب شديدة سيئة على المدى الطويل، فقد كانت سياسة الدولة العثمانية في إقليمي رومانيا والصرب تعيين أمرائهما من أشراف البلاد، ولكنهم في هذه الفترة غيروا هذه السياسة بحجة الخوف من تمردهم وطلبهم الاستقلال، وبدأوا في تعيين بعض أغنياء الروم من تجار الاستانة أمراء على هذه المناطق مقابل مبلغ سنوي يدفع للخزانة السلطانية، وكانت هذه المناصب تعطى لمن يدفع أكثر من غيره، وبدهي أن من يتعهد بمثل هذه المبالغ الطائلة عازم أن يسترجع ما دفعه أضعافا مضاعفة ظلماً وجوراً من الأهالي، فاستبد هؤلاء المعينون بالسكان وساموهم الذل والخسف، وفتكوا بالأشراف الأصليين وقتلوا كل من خالفهم منهم، وباعوا ألقاب الشرف جهارا حتى انقرضت أغلب العائلات الأثيلة التي بنت مجدها في خدمة السكان والإحسان إليهم، وحلت محلها عائلات جديدة أغلبها من تجار الأروام الذين اشتروا الألقاب بدراهم معدودة، وكانت نتيجة هذه السياسة أن سئم الأهالي هذه السلطة ومالوا إلى روسيا التي كانت حامية الديانة الأرثوذكسية، ووجهوا أنظارهم لها معتقدين أنها ستكون منقذتهم من هذه المظالم المستمرة، وهكذا بذرت هذه السياسة الخاطئة الظالمة بذرة الاستقلال في هذين الإقليمين الذين كان أهلوهما من قبل راضين بالعيش في ظل الراية العثمانية.

ولم يكن هذا مقصوراً على هاتين الولايتين بل انتقل المرض إلى غيرهما، فنجد أن ذلك في بلاد الشام حيث يذكر المؤرخون أن أسعد باشا العظم فعل مثل ذلك في منصبي ولاية حماة في سنة 1154، حيث بذل الأموال حتى صارت: مالكانة له بعناية الوزير الكبير بكر باشا!

ولعل أحد أسباب هذا التقاعس في إدارة الأمور بالحزم المعهود هو أن محمود الأول بعد أن قضى على تمرد بترونا خليل تابع نهجاً معيشياً يطلق عليه مؤرخو الأتراك اسم: لاله دوري. أي طور الزنبق، كان قد بدأ في سنة 1130=1718 وساد في استانبول والمدن الكبرى ثم انتهى مع نشوب الحرب مع إيران سنة 1142=1730، ويعنون به ملل المجتمع من ويلات الحروب والانقلابات وانصرافه إلى التمتع بملذات الحياة المادية من بنيان وحدائق وفنون وموسيقى، وفيه أصبحت هواية زراعة الزهور، وبخاصة الزنبق، الشغل الشاغل للناس، ومن الآثار المعبرة عن هذه الفترة جامع نورعثمانية في استانبول الذي بناه السلطان محمود وانتهى في عهد خلفه عثمان الثالث.

من الناحية السياسية الداخلية، تعلم محمود مما جرى مع أسلافه على يد من تبؤوا منصب الصدر الأعظم حين تعاظم نفوذهم فحجروا عليهم أو خلعوهم، ولذلك كان يغير رؤوساء الوزراء يصورة مستمرة، وفي فترة حكمه التي دامت 25 سنة أجرى 15 تغييراً  في هذا المنصب، وكان منصب شيخ الإسلام يسامي منصب الصدر الأعظم في الأهمية، وهو الذي يضفى الشرعية على قرارت الحاشية والصدر الأعظم، وقد أجرى محمود الثاني 12 تغييراً في هذا المنصب طيلة حكمه.

وأراد محمود الأول متابعة تجديد الجيوش العثمانية، واستقدم من فرنسا ضابطاً هو الكونت كلود الكساندر دو بونفال، الذي أسلم واشتهر باسم أحمد باشا قمبرجي، وأراد هذا الضابط تعديل نظام الخدمة العسكرية لنقله من الارتزاق إلى الاحتراف، واقترح  تقسيم فرق الأنشكارية إلى وحدات صغيرة يقودها ضباط شباب، واهتم بالتصنيع العسكري فأنشأ المصانع والورش لصناعة المدافع والبنادق والألغام، وافتتح مدرسة للهندسة العسكرية، ولكن الأنكشارية عارضوا كل هذه الإصلاحات، ولم يرغب السلطان ومن حوله في مواجهتهم والحروب تدور، فاكتفى بونفال بالعمل على تأسيس سلاح المدفعية وصناعة المدافع والقنابل.

من إنجازات محمود الأول المعمارية بناؤه سنة 1740 كلية إلى جانب جامع أياصوفيا شملت مكتبة ومدرسة للأولاد وسكناً للطلبة، وبذلك اتسعت فكرة وقف المكتبات لتتضمن المدارس والمساجد، وتوجد الكتب التي وقفها في المكتبة السليمانية اليوم تحت اسم مجموعة أياصوفيا الخاصة، أما المدرسة فهي اليوم مركز للتوثيق والتصوير والبحوث وقاعة لمعارض وأنشطة مرتبطة بمتحف أياصوفيا، وأنشأ محمود الأول كذلك 3 مكتبات أخرى ألحقها بجوامع الفاتح سنة 1742 والوالدة وغلطة سراي سنة 1754، وأنشأ كبار رجال دولته مكتبات وقفية مثل مكتبة حكيم باشا أوغلو في سنة 1738، ومكتبة عاطف أفندي سنة 1741، ومكتبة حاجي بشير آغا سنة 1754.

ومن منجزاته المعمارية في أياصوفيا نافورة جميلة رشيقة على ضخامتها، تستند قبتها على 8 أعمدة، تخرج منها صنابير برونزية، وتتوسطها الآية الكريمة: ? وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ?.

توفي السلطان محمود الأول بعد مرض لزمه سنتين، ودفن في يني جامع قرب والده مصطفى الثاني، وتلاه أخوه عثمان الثالث الذي كان عمره 55 سنة، وهي أكبر سن تولى عندها سلطان السلطنة، ولم يدم حكمه سوى 3 سنوات توفي بعدها، وتلاه السلطان مصطفى الثالث ابن عمه السلطان أحمد الثالث، وفي عهده اندلعت الحرب مع روسيا من جديد في سنوات 1182- 1203= 1789-1807 وخسرت الدولة كثيراً من مكاسبها التي حققتها في زمن السلطان محمود الأول.

المصدر : موقع رابطة العلماء السوريين

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف