موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

محيي المذهب السني بأفريقيا : محرز بن خلف بن أبي رزين التونسي

May 02 2015 10:07:03

الكاتب : مدير الموقع

محيي المذهب السني بأفريقيا : محرز بن خلف بن أبي رزين التونسي
محيي المذهب السني بأفريقيا : محرز بن خلف بن أبي رزين التونسي

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

هو أبو محفوظ محرز بن خلف بن زين، يتصل نسبه بالخليفة أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ  المعروف بالعابد وخاتمة صلحاء علماء إفريقية. . وكان جليلاً فاضلاً، إماماً صالحاً، منقبضاً متبتلاً. ورعا، سريع الدمعة، دائم الصوم، كثير الحزن، زاهدا في الدنيا، مجانبا لأهلها، مستجاب الدعوة.. أجمع الناس على محبته والثناء عليه. ولم لا وقد كان لهم  ملجأ، وللمقهورين ملاذا، وللصغير والكبير مؤدبًا ومعلمًا ومرشدًا وهاديا.

وأهم من ذلك أنه كان أول من أحي المذهب السني بإفريقية .

ولد ونشأ في عائلة عرفت بالزهد، وقد اشتغل منذ صغره بطلب العلوم الدينية واللغوية، وكان كثير التردد على مدينة القيروان طمعا في طلب العلم ..

ثم انتقل بعض ذلك من القيروان عواصم العالم الإسلامي الأخرى للاستزاده من العلم وطلبه ، كعادة العلماء في عصره ، فذهب إلى مكة أولا لأداء فريضة الحج والتمكن من مقابلة أكبر قدر من العلماء في هذا الملتقى العظيم ، ثم خرج من مكة إلى مصر فاستزاد من علمائهم الصالحين ، وبعد أن تشبع بها عاد إلى القيروان بتونس للعمل بالتدريس فتفرغ له وتخصص في المذهب المالكي ، وشرح لطلابه رسالة ابن أبي زيد القيرواني أبرز مصادر الفقه المالكي.

وقد اكتسب مكانة جعلت أبا بكر الباقلاني يقول "إنه لو أدرك محرز بن خلف السلف لكان خامس الأربعة"، وقال أبو الحسن القابسي: "إن عمد الدين الذين يمسك الله بهم الأرض أربعة ومحرز بن خلف منهم". وهو ما يدل على المكانة التي بلغها في الأوساط الصوفية.

وقد قال عنه محمد بن الخوجة إنه : "عماد البلد (أي تونس المدينة) وأهلها يسمونه سلطان المدينة والدنيا".

شجاعته وجرأته في الحق :

وكان ـ رحمه الله ـ جريئا في الحق ، فقد كان في عصره بتونس رجل صقليّ ( فاطمي ) أمر الناس ألا يكبّروا على الميت إلا خمس تكبيرات. فقال له من حوله: أبو كسية يكبّر أربعاً، ولا يؤذن حيّ على خير العمل، ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ولا يسلم تسليمتين، ولا يؤذن الصلاة خير من النوم. فأرسل وراءه، فدخل عليه محرز، وحول الصقلي المشارقة. فلم يسلّم، فقال له الصقلي: السلطان يأمر بكذا. وأنت لا تفعل أمر السلطان، احذر من السيف. فقال له: الصراط أحدّ من السيف، ومن السلطان وأمره؟ ثم انصرف من أمامه غير مبال به ، فبهت الصقلي، ولم يتكلم بكلمة. وغشي عليه من هول المفاجأة لما رآه من تجرئه عليه أمام حاشيته، فلما أفاق من غشيته، قال: تقولون أبو كسية؟ لما أشار بيده إليّ حسبت كأن من ضربني برمح في القلب، فغشي عليّ.

وقد دخل عليه كاتب ابن أبي العرب. فقال: أحب أن توصيني بوصية، الى عبد الله ابن أبي العرب. فقال له: ولابد. قال: نعم، فقال : إذا وصلت إليه، فقل له: يقول لك المؤدب اقرأ سورة ابراهيم. فإذا فرغت منها كررها ثلاث مرات، يريد تنبيهه على قوله تعالى: " ولا تحسبنّ الله غافلاً عما يعمل الظالمون " الآية.

ومن مظاهر جرأته أيضا أنه أفتى بعدم جواز دفع الزكاة لعملا العبيديين ، فقد كتب إليه الأبهري يسأله عما يأخذ بنو عبيد من الزكاة. فأجاب بأنها لا تجزئ. وقد وافقه في هذا الرأي  الجبنياني والقابسي ؛ لأن العبيديين كانوا لا يقرون بالزكاة المفروضة، وإنما يأخذونها على أنها جزية. وهم على غير الإسلام.

كما أنهم كانوا يشحون بيت المال. وقد أعطوا ذلك اليهود والنصارى وأنفقوها في الخمور، وحالوا بينها وبين أهلها.

وقد تظلم إليه أحد تلامذته فقال: جُعِلت على بعض الطلبة دراهم جوراً وظلماً ، وقال له : لا خلاص لي من هذا، إلا بالله، ثم بك. فإن امتنعت خاصمتك غداً بين يدي الله تعالى. فقال الشيخ عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. ما تريد يا أخي؟ قال: كتاباً إلى باديس، يصرف عني ما أنا فيه. فقال: تكلفني مشقة. فقال: لابد. فقال الشيخ: الله المستعان. وأخذ قرطاساً وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حقق الله الحق في قلوب العارفين من عباده، ونقل المذنبين إلى ما افترض عليهم من طاعته. أنا رجل قد عرف كثير من الناس اسمي. وهذا من البلاء. وأنا أسأل الله أن يتغمدني برحمة منه، وفضل. وربما جاء المضطر يسأل الحاجة. فإن تأخرت خفت، وإن سارعت فهذا أشرّ.

وقد كتبت إليك في مسألة رجل من الطلبة، طولب بدراهم ظلماً، ولا شيء له ، وحامل رقعتي يشرح لك ما جرى، فعامل فيه مما لابد من لقائه، واستح ممن هو وحده ، وشاور في أمرك الذين يخافون الله تعالى، واحذر بطانة السوء. فإنهم إنما يريدون دراهمك ويقرّبون من النار لحمك ودمك. فاحفظ، تحفظ واتق الله، فإن من يتق الله يجعل له من أمره يسرا. ومن يتق الله يجعل له مخرجا. واستعن بالله، فإنه من يتوكل على الله، فهو حسبه. الآية. واستكثر من الزّاد، فقد دنا الرحيل. والسلام. فتلقى الطالب بكتابه، ولد المنصور.

وكان أثناء إقامته بمصر لطلب العلم وكانت وقتها قد دخلت تحت حكم العبيديين سمع في أحد أسواق القاهرة رجلا يسب السلف، فأمسك بطرف ثوبه، وصاح: أيها الناس، إني لا أرضى ؟ فتهاووا على الرجل حتى تقطع لحمه بين أيديهم.

كثرة تعبده :

 وكان مقبلا على ربه كثير التعبد له ، وقد حكى بعضهم أنه كان يقضي آخر ليله ونهاره في صلاته النافلة. فيصلي ركعتين ثم يجلس، يتفكر ساعة أو ساعتين، ثم يقوم فيركع ركعتين ثم يجلس يتفكر، يفعل ذلك عامة ليله ونهاره ..

أخلاقه وزهده واشتهاره بإجابة الدعاء :

 وكان متقشفاً فاضلاً، زاهداً في الدنيا، مجانباً لأهلها، مستجاب الدعوة. ذكر أن أهل تونس لما قتلوا الروافض، القتلة المعلومة، وحدثوا أن محرزاً شيخهم حملهم عليه، وطهر الأرض منهم، ورفعت القصة إلى باديس أمير إفريقية، حنق على التونسيين، وعزم على القصد لهم، وقال: تكون الأرض، ولا تكون تونس. فبلغ الخبر أهل تونس، فجزعوا له. وفزعوا الى شيخهم محرز، وأخبروه ما بلغهم بأنفسهم، وقال لهم: بل تكون الأرض ولا باديس، فأخذ في الدعاء عليه. فأخذ باديس ذبحة أتت عليه، وأراح الله تعالى منه.

وفي رواية ابن خلكان أنهم ذهبوا إليه وقالوا:

- يا ولى الله قد بلغك ما قاله باديس، فادع الله أن يزيل عنا بأسه فرفع يديه إلى السماء وقال: يا رب باديس، اكفنا باديس، فهلك في ليلته بالذبحة."

وفي كتاب  السراج في كتاب " الحلل السندسية": لما عزم باديس على تونس، ونوى تخريبها، جاء لها وعسكره في أخبية من الحرير، ونزل غربي تونس، بمكان يعرف بالحريرية لأجل ذلك، وحين نزوله بها دعا خازنه ليأتى بسيوفه، فاختار منها سيفا، وقال: غدا أضرب به حتى ينكسر. (ثم يذكر دعاء المؤدب محرز عليه).

ثم إن باديس أخذ السيف الذي اختاره، وجعله في حِجرة، وكان حده إلى فوق، وأخذ يتكلم إلى أن أخذه النعاس، وبقى يتساقط قليلا قليلا، فلما أرادوا أن ينبهوه وجدوه خرّ على حد السيف، فذبح نفسه".

ومن العجب أنه كان له ابنا خالة وقد اجتمع الزهد والصلاح فيهم جميعا ( أبو إسحاق الجبنياني ـ عبد الله بن أبي زيد القيرواني ـ محرز بن خلف ..

وقد صنف أبو الطاهر محمد بن الحسين الفارسي كتابا في " مناقبه  " أسماه مناقب محرز بن خلف ما يزال مخطوطا ..

وفاته :

ثم كانت وفاته وتوفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير تحرير موقع التاريخ الالكتروني

المصدر : موقع التاريخ ـ نرجو ذكر المصدر واسم الكاتب عند النقل .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف