موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

تاريخ الفكر في العالم الإسلامي

May 07 2015 07:51:30

الكاتب : مدير الموقع

تاريخ الفكر في العالم الإسلامي

 د / محمود مسعود

كثيرا ما كنت أبحث عن كتاب يوجز كليات قضايا الفكر الإسلامي، وفي نفس الوقت يكون شاملا ومحيطا بجوانب الفكر المتعددة، أو على الأقل يقدم تصورا كليا لمحاور الفكر الإسلامي عبر التاريخ، ولكن كان من الصعوبة بمكان وجود مثل هذا الكتاب بهذا المعنى في اللغة العربية، بالرغم من أن هناك كتابات كثر في اللغات الغربية تناولت هذا الجانب.

ويكمن السبب في ذلك في أن الغربيين في حاجة إلى أن يقدموا لجمهورهم تصورا عاما وشاملا ومحيطا بالفكر عند المسلمين، في المقابل نتخيل أن جمهور المثقفين في أمتنا قادر وحده أن يتصور المسائل الكلية للفكر الإسلامي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن جمهور المثقفين لا يمكنهم تتبع ذلك إلا بقراءة عشرات المؤلفات في مجالات عدة؛ كمدخل للفلسفة ومدخل لعلم الكلام ومدخل للتصوف، ومقدمات في الفقه، ومقدمات في المنطق... إلخ، لكي يتمكنوا بالفعل من تصور سليم لكليات قضايا الفكر الإسلامي، وهو ما لا يسعه، بالطبع، وقتهم، ومع إن هناك عشرات العناوين في الغرب، باللغات الغربية المختلفة، تعالج مثل هذه القضية فأهمها في رأيي، كتاب Histoiria del pensamiento en el mundo islamic «تاريخ الفكر في العالم الإسلامي» لمؤلفه الإسباني ميغل كروث إيرنانديث، حيث يُعد أكثر شمولية وإحاطة.
مؤلف الكتاب هو الإسباني كروث إيرنانديث الذي ظل أستاذا للفكر الإسلامي في جامعة سلامنكا الإسبانية لمدة خمسة وعشرين عاما، ثم ظل في جامعة الأتونوما مدة مماثلة؛ أي ظل خمسين عاما يدرس الفكر الإسلامي، وقد نشر في بداية حياته العلمية بحثين عن ابن سينا، نال بهما درجة الدكتوراه، وله العديد من الأبحاث والمؤلفات في الفكر الإسلامي، ويقوم الآن بإعداد ترجمة جديدة للقرآن الكريم تتضمن شرح بعض معانيه، لكن كتابه «تاريخ الفكر في العالم الإسلامي» يُعد الأهم على الإطلاق من بين مؤلفاته.
وقد طبع الكتاب باللغة الإسبانية طبعات عدة كان آخرها عام 1996م، ويدور في ثلاثة أجزاء وأربعة وعشرين فصلا، يبدأ بفصل تمهيدي عن الجزيرة العربية قبل الإسلام ومفهوم العصر الجاهلي، ووجود بعض أتباع الديانات السماوية في بلاد العرب، من اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام، ثم يحاول تصوير الحالة الدينية للجزيرة العربية قبل بعثة النبي  عليه الصلاة والسلام ويبين بعض الآثار الإبراهيمية في الإسلام، وكذلك العناصر اليهودية والمسيحية التي قبلها الإسلام، ثم يبين أن الفارق الجوهري بين الإسلام وغيره هو نبذه للشرك وإبرازه للدور السياسي للدين، فمنذ أول نداءات الوحي نفى الإسلام الشرك بـ»لا إله إلا الله» ذات المعنى المطلق للتوحيد، كما أبرز الدور السياسي للدين منذ أول الفروض، ألا وهو فرض الصلاة الذي لا يؤدى كاملا إلا في جو جماعي اجتماعي سياسي وديني، فقد أعطى الإسلام منحى سياسيا للعبادة، فالصلاة التي كانت تؤدى بنزعة فردية عند الرهبان النصارى والمتعبدين اليهود أضحت تؤدى في جماعة واجتماع سياسي عند المسلمين، ثم ظل يبحث عن صيغ تفسير الإسلام من وجهة نظر الغرب، وذلك من خلال قراءة الإسلام عبر البوابة اليهودية المسيحية، أو من خلال الفكر اليوناني والإغريقي.
أما الفصل الثاني فقد خصصه لظهور الخلاف السياسي بين المسلمين، والذي أدى لظهور الفكر الشيعي عند المسلمين من القرن السابع حتى القرن الثاني عشر الميلادي، فبين الأصول الدينية والعرقية والثقافية والسياسية التي يختلف فيها الشيعة عن السنة، ثم أخذ يفصل الفرق الشيعية الثلاث الرئيسة والخلافات التي بينها، أما الفصل الثالث فعرض فيه لنشأة علم الكلام، وهو العلم المختص بدراسة العقيدة عند المسلمين، وبالطبع تطرق للحديث عن أهم الفرق العقدية عند المسلمين وهي فرقة المعتزلة، ثم كيف تطور الفكر العقدي النظري عند المسلمين من خلال تلك الفرقة وما تلاها من فرق إسلامية أخرى قامت بالرد عليها أو تبنت بعض مقولاتها؛ حيث كانت المعتزلة في بادئ نشأتها فرقة عقدية ثم تحولت لفرقة سياسية، وعلى العكس من ذلك كان الخوارج والشيعة، أما الفصل الرابع فقد خُصص للجانب الروحي عند المسلمين وبروز التصوف الإسلامي كعلامة على هذا الجانب، وظهور المنحى الباطني عند بعض المتصوفة المسلمين، أما الفصول الخامس والسادس والسابع فوضح فيها المؤلف نشأة الفلسفة المشائية عند المسلمين، تلك الفلسفة التي أخذت تسير على منوال الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي بصفة خاصة، وكذلك ظهور النزعة العقلية الخالصة عند المسلمين، والتي لاحت بقوة في القرنين الهجريين الثالث والرابع، أما الفصل الثامن فأخذ يبين فيه رد فعل الإصلاحيين من علماء المسلمين ضد نزعة المغالاة والشطط التي ظهرت ولاحت في القرن الخامس الهجري بسبب الجري وراء النزعات الباطنية الغنوصية الشرقية التي كانت في الهند وفارس قبل الإسلام، وكذلك اللهث وراء الفلسفة الغربية سواء الوثنية الإغريقية أو اليونانية الطوباوية؛ أي ذات النزعة المثالية.

وكان نجم الإصلاحيين في نهاية القرن الخامس الهجري هو حجة الإسلام أبوحامد الغزالي، لهذا بين المؤلف من خلاله رد فعل المسلمين ضد هذه المغالاة من جميع النواحي؛ العقدية والفكرية والروحية، ثم ختم الجزء الأول من الكتاب بالحديث عن انتصار النزعات الباطنية وسيطرتها على مجريات الفكر والثقافة في العالم الإسلامي منذ نهايات القرن السادس الهجري حتى ظهور عصر النهضة.

أما الجزء الثاني من الكتاب فيدور حول حركة الفكر والثقافة في الأندلس والمغرب العربي، خاصة العلامة ابن حزم الذي خصص له فصلا مطولا وكذلك ابن خلدون، ثم جاء الجزء الثالث من الكتاب ليبحث تطور الفكر في العالم الإسلامي إبان العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة في الغرب، ثم أخذ يفسر ملامح عصر النهضة في العالم الإسلامي الذي بدأ كرد فعل ضد الاستعمار الغربي في شبه الجزيرة العربية بحركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وفي المغرب العربي بحركة الشيخ السنوسي، وفي السودان بحركة الإمام المهدي، ثم أخذ الفكر الإسلامي ينضج مع الأفغاني ومحمد عبده ومدرسة المنار، ثم ما أنتجته هذه النهضة من العودة للتراث الإسلامي وإعادة قراءته، وما أثمرته من ظهور الصحوة الإسلامية في مصر السنية بحركة الإخوان المسلمين، وفي إيران الشيعية بظهور الخميني.

الحقيقة أن الكتاب ذو أهمية بالغة لمن يريد أن يرى تاريخ الفكر الإسلامي بصورة مجملة وغير مخلة، حيث بذل المؤلف جهدا كبيرا من القراءة لكتب التاريخ والفكر والفلسفة والعقيدة والشريعة الإسلامية، ليس هذا فحسب، بل قرأ أيضا كثيرا من كتب الأدب واللغة والنحو العربي، لكي يتمكن من تقديم كتاب موجز عن تطور التفكير عند المسلمين عبر أربعة عشر قرنا، منذ بدايات ظهور الدين الإسلامي إلى عصرنا هذا، وكان موضوعيا في أغلب القضايا التي طرحها، مما جعله ينأى عن كثير من الأحكام السلبية التي كانت تشيع في دراسات كثير من المستشرقين، فيقول عن القرآن: «هو أكثر الكتب المقدسة يقينا وأقلها إثارة للجدل بسبب ما تيسر له من الحفظ والكتابة»، كما أشاد ببعض المفكرين المسلمين، خاصة ابن رشد وابن خلدون وابن حزم، وبقوة ما أنتجه العقل المسلم في مجالات عدة كالفيزياء والرياضيات وغير ذلك.

لكن المؤلف، مع ذلك، تأثر بالرؤية الغربية تأثرا جد كبير، ففي كثير من قضايا الكتاب لم يدرك كل أبعاد الفكر الإسلامي لها، وذلك كالقول إن سرعة انتشار الإسلام أجبرت المسلمين على أن يضيفوا في القرآن والسنة، وإن عدم وجود هيئة تحدد ما هي السنة جعلت المذاهب الفقهية والكلامية تضيف فيها وتنقص، وإن الفتوحات الإسلامية نوع من الاحتلال، ويبدو أن اتساع الفترة الزمنية للكتاب لم تجعله يدقق في كثير من الموضوعات، كما أنه لم يحسن فهم مسألة أهل الذمة، شأنه شأن كثير من الباحثين الغربيين الذين ينزعون هذه المسألة من تاريخها وإطارها العام لتبدو منقصة عند المسلمين ومسبة لتاريخهم، رغم أنها غير ذلك، فالجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب والتي كان يدفعها بعض أهل الكتاب في بادئ الأمر لأنهم كانوا متحالفين مع أعداء الإسلام ويعادون المسلمين، فعند هزيمتهم وجبت عليهم الجزية، ليس لمخالفتهم في الدين ولكن لخيانتهم لوطنهم وعقيدتهم وليتحقق الاعتراف بالدولة الجديدة ذات الطابع العقدي.

أما وقد زالت شبهة الخيانة، واندمج في الدولة المسلمة غير المسلمين فقد أصبحت تلك الجزية مجرد ضريبة تجزئ عن المواطن غير المسلم في الدفاع عن أرضه وعرضه وصون كرامته وعزته، فهي ليست إكراها له أو إذلالاً أو إهانة لشخصه، إنما هي وسيلة لحمايته من أعداء مرتقبين بين عشية وضحاها، خاصة بعدما أصبح ذميا؛ بمعنى أنه أصبح ذا عهد وذمة عند المسلمين الذين يحكمون بلدا هي وطنهم وأرضهم معا، وكان من المتصور هنا ثلاثة مواقف، الأول أن يُعفى الذمي من الدفاع عن أرضه ووطنه، وبالتالي لا يصبح مشاركا ولا فاعلا في هذا الوطن، أو أن يصبح جنديا مدافعا عن وطنه وأرضه، وفي الوقت ذاته يدافع عن عقيدة غيره، أو أن يدفع مالا قليلا ليدافع عن الأرض والعرض ولا يعرض نفسه للموت في سبيل عقيدة لا يؤمن بها، أما الأول فيجعله غير وطني، وبالتالي سيصبح غريبا في أهم ما يملك، وهو الوطن، وأما الثاني فكان صعب المنال، حيث سيجبر على اعتناق عقيدة هو ليس منها في شيء، فالجندي المسلم سيموت على الشهادة في سبيل نشر دينه ومعتقده، فلماذا يجبر غير المسلم على الدفاع عن عقيدة لا يؤمن بها؟!. أما الثالث فهو أن يدفع مالاً قليلاً عندما يدافع المسلمون عن عقيدتهم وعن الوطن معاً.

المصدر : مجلة الوعي الإسلامي ـ العدد : 532

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
حوار البابا فرنسيس!

حوار البابا فرنسيس!

لم يحدث من قبل أن أثار حوارا للبابا فرنسيس مثل هذا الك�...

L’Interview du pape François !

L’Interview du pape François !

Jamais une interview du pape n’a suscité une bourrasque de commentaires, dès s...

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

تحويل القبلة وسبل التعامل مع المشككين في شرائع الإسلام

 د / أحمد عبد الحميد عبد الحق تهل علينا كل عام في شه�...

جديد الأخبار المزيد
خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجةواتهامات لأمريكا بالتواطؤ

خبير عسكري : الحشد الشعبي يمهد لمجزرة كبرى لسنة الفلوجة..واتهامات لأمريكا بالتواطؤ

  قال الخبير العسكري والاستراتيجي العراقي العقيد ا�...

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

السلطات الروسية تشن حملة إبادة على تتار القرم

قامت السلطات الروسية بإغلاق المؤسسات الإعلامية لتتار...

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

خبراء فلسطينيون: الحكومة الإسرائيلية الأخيرة الأكثر فاشيةً في تاريخ الدولة العبرية

 اتفق خبراء ومسؤولون فلسطينيون على انه بضم زعيم حزب...

  • أيام في سيلان والمالديف