موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

القائد الشهيد : عبد القادر الحسيني

May 09 2015 18:11:46

الكاتب : مدير الموقع

القائد الشهيد : عبد القادر الحسيني
القائد الشهيد : عبد القادر الحسيني

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

ما زال تاريخُ القضية الفلسطينية يقدم لنا النماذجَ الرائعة من الرجال المجاهدين الأفذاذ، الذين أخلصوا لقضية بلادهم، ووقفوا بكل قوة في وجه الأطماع الاستعمارية والصهيونية في أرض القدس والأقصى، وأعلنوا الجهادَ المقدس دفاعًا عن أرضهم وديارهم وأوطانهم.
وعلى رأس هؤلاء يأتي البطل والمجاهد الفلسطيني (عبدالقادر الحسيني)، الذي ارتبط اسمُه بتاريخ مدينة القدس، وكانت له بصماتٌ واضحة في سجل الكفاح العربي والإسلامي ضد الصهيونية، وتاريخ مشرف في التصدي لمحاولات تهويد القدس وفلسطين وتزييف تاريخ هذه الأرض العربية الإسلامية.

فمن عبد القادر الحسيني هذا ؟

إنه القائد الشهيد ـ بإذن الله ـ عبد القادر موسى كاظم الحسيني، الذي ولد في استانبول في8/4/1908م، وقيل سنة 1910م ، واستشهد في 8 نيسان 1948 وبين ميلاده واستشهاده أربعون عاماً فقط أمضاها مجاهدا مناضلا مكافحا على جبهات كثيرة. وهذه السنوات الأربعون، على قلتها، تعدل مئات السنين بالقياس لعمر غيره.

ففي سيرته مجد لا يضاهى؛ فقد استشهد والده بعد إصابته، كما هو مسطور في تاريخ فلسطين الحديث، واستشهد هو على أبواب القدس، ثم استشهد ابنه فيصل في سبيل القدس.

وكانت والدته قد توفيت بعد مولده بعام ونصف فكفلته جدته لأمه، وما لبثت هي الأخرى أن فارقت الحياة ، فنشأ في كنف والده ، الذي كان يعد شيخ المجاهدين في فلسطين ، وكان قبل انشغاله بالجهاد قد شغل بعض المناصب العالية في الدولة العثمانية متنقلاً في عمله بين أرجاء الدولة العثمانية، فعمل في اليمن والعراق ونجد واستانبول ذاتها بالإضافة إلى فلسطين.

ونظراً لخدماته الجليلة للدولة العثمانية، أنعمت عليه الحكومة بلقب (باشا)، وعندما انهارت الدولة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، ووقعت فلسطين في قبضة بريطانيا كان موسى كاظم (باشا) الحسيني يشغل منصب رئاسة بلدية القدس، كما تم انتخابه رئيساً للجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الفلسطيني ، فلم يستسلم للواقع المؤلم الذي حل بفلسطين وإنما هب رافعا صوته في وجه الانتداب البريطاني، وكان أول من دعا أهل فلسطين إلى الاحتجاج والتظاهر وإعلان السخط والغضب ضد وعد بلفور، فتولى قيادة أول مظاهرة شعبية في تاريخ فلسطين عام 1920م، وبسبب ذلك عزلته سلطات الانتداب البريطاني عن رئاسة بلدية القدس، فلم يكترث واستمر في نضاله الدؤوب، واشترك في الكثير من المظاهرات، كانت آخرها المظاهرة الكبيرة في يافا في 27/10/1933، حيث أصيب فيها بضربات هراوات قاسية من قبل الجنود الإنجليز ظل بعدها طريح الفراش أياماً، حتى فارق الحياة سنة 1934م.

وفي تلك الظروف نشأ وتربى عبد القادر فأخذ قسطا من الرفاهية أولا ثم اخشوشنت حياته وأقبل على الكفاح والنضال والكفاح منذ نعومة أظفاره في بيت علم وجهاد، فشارك منذ صباه في المظاهرات الوطنية، واهتم بجمع الأسلحة والتدرب عليها منذ بلغ الثانية عشرة. بالإضافة إلى إلمامه بالحياة العامة والأمور الإدارية ، حيث كان بيت أبيه بمثابة الحضن الأول له والذي كان يجتمع فيه رجالات العرب الذين يفدون إلى القدس، لأن والده موسى الحسيني كان رئيساً لبلديتها.

ولكنه لم يقتصر على ما كان يتلقاه في المنزل ، وإنما خرج كأترابه فتعلم في زاوية من زوايا القدس، ثم أنهى دراسته الأولية في مدرسة (روضة المعارف الابتدائية) بالقدس، بعدها التحق بمدرسة (صهيون) الإنجليزية، والتي كانت تعتبر المدرسة الوحيدة في القدس التي من الممكن أن يتناول منها العربي زاده الحقيقي من المعرفة، وأثناء فترة دراسته عكف على قراءة كتب التاريخ، وسير الأبطال والفاتحين.

أتم عبد القادر دراسته الثانوية بتفوق، ثم التحق بعدها بكلية الآداب والعلوم في الجامعة الأميركية في بيروت ، وبعدها انتقل إلى القاهرة حيث درس الكيمياء والرياضيات في الجامعة الأمريكية بها ، وكان أثناء دراسته بالجامعة قد لاحظ الدور الذي تقوم به في توهين المسلمين ومحاربة الإسلام والكيد له ، فقام في حفل التخرج بمهاجمتها وقيادتها أمام الحضور وفيهم الكبراء والوزراء ، قائلا : إنها السبب وراء ما يحدث من أحداث، وأن أميركا وراء مخطط تهجير اليهود إلى فلسطين، وأنهم يحاولون جاهدين تمكين اليهود من أرض فلسطين، وأكثر من ذلك فقد قام ـ كما قيل ـ حين تسلم شهادة تخرجه بتمزيقها أمام الحفل ، وخاطب رئيسَ الجامعة قائلاً: "إني لست في حاجة إلى شهادة من معهدكم الاستعماري"..

 ولم يكتف بذلك بل قام بحملة تدعو انتهى الطلاب المصريين بمقاطعة تلك الجامعة ، ثم قام بتوزيع بيان تفصيلي بذلك على الصحف المصرية، ضمنه اتهاماتِه للجامعة بما تقوم بها من أنشطة مخالفة..

 وإثر ذلك أصدرت الحكومةُ المصرية أمرًا بطرد الحسيني من مصر، مع نهاية سنة 1932م، وقيل : إن ذلك كان بإيعاز من إدارة الجامعة ، تقحيث تقدمت بطلب لإسماعيل صدقي بطرده فاستجاب لهم، وقام بترحيله إلى فلسطين عام 1932م ، فعاد إلى فلسطين وما إن وصل إلى إليها حتى استقبله الناس استقبال الفاتحين لموقفه الجريء في الجامعة الأميركية، وصدعه بقول الحق ..

وفي فسلطين بدأ يعمل محررًا في صحيفة الجامعة الإسلامية التي كان يترأس تحريرها الشيخ (سليمان التاجي الفاروقي)، وقد كتب فيها عدة مقالات تكشف حقيقة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وما يخططه لها من تهويد، مما أزعج المحتل فضغطوا على رئيس التحرير بمنع عبد القادر من الكتابة، وعندما لم يستجب لهم عطلوا الجريدة , وانضم خلال تلك الفترة  إلى الحزب العربي الفلسطيني، الذي ترأسه (جمال الحسيني بالقدس، وتولى فيما بعد منصب السكرتير في هذا الحزب، وبدأت نشاطاته تبرز في الأفق الفلسطيني..

 ثم عمل بعد غلق الجريدة مأمورًا في دائرة تسوية الأراضي في فلسطين، ولم يرض أن يكون مجرد موظف لتاقضي الراتب وإنما سد الثغرة التي وقف فيها ، فتمكن من إحباط أكثر من محاولة للاستيلاء على الأراضي العربية التي كانت تختلس وتسلم أو تباع لليهود .

ولم يستمر في عمله الجديد كثيرا وإنما تركه بعد عامين تقريبا وتفرغ كلية للعمل الوطني وتنظيم المظاهرات التي كانت تقام في كل مكان في فلسطين ضد الانتداب البريطاني، والهجرة اليهودية التي أخذت تتدفق بشكل سافر على فلسطين تحت بصر الاحتلال البريطاني وحمايته ، وساعده على ذلك أنه خلال العامين اللذين عملا فيهما بتسوية الأراضي قد وثق علاقته بإخوانه المواطنين في القرى الفلسطينية المختلفة، الذين مثلوا فيما بعد القاعدة الارتكازية للثورة، فتعرف عليهم وانتقى منهم خيرهم فاستقطبهم، وشكل منهم خلايا سرية، وبث فيهم روح الحمية والجهاد، وجمع الأموال من موسريهم، واشترى أسلحة ومعدات، وخزنها في أماكن أمينة، وتدرب بعض الشباب على استعمالها.

وفي تلك الفترة لم يعمل وحده وإنما كان إلى جانب والده فشاركه في مظاهرة القدس، التي اشتعلت في 23 من جمادى الآخرة 1352هـ، الموافق 13 من أكتوبر 1933م، وأصيب فيها بجراح، كما أنه شارك في مظاهرة القدس الثانية في 8 من رجب 1352هـ، الموافق 27 من أكتوبر 1933م، التي أُصيب فيها والده بجراح كانت سببًا في وفاته.

لم يؤثر فيه استشهاد والده ، وإنما دفعه ذلك ليكمل رسالته ، ويتفرغ للجهاد
والإعداد للثورة الكبرى عام (1355هـ ? 1936م)، فلازم الشيخ عز الدين القسام، وكان على رأس مجلس قيادة التنظيم السري الذي كان يعد لاشعال ثورة عارمة تزلزل الأرض تحت أقدام المحتلين.

هذا المجلس الذي أعد بأمر من الحاج محمد أمين الحسيني وأُطلق عليه (منظمة الجهاد الإسلامي) كي يتسنى للمجاهدين تنظيم شؤونهم النضالية، ومواجهة المستعمر بصورة أكثر دقة وشمولاً.

وكانت نقطة البداية في 16 من صفر 1355هـ الموافق 7 من مايو 1936م، حين أعلن هو ورفاقه الثورة، ولجأوا إلى الجبال، وخاضوا أول معركة بعد أن قاموا بمهاجمة ثكنة بريطانية ببيت سوريك شمالي غربي القدس، وتحركت خلايا الثورة في كل مكان على أرض فلسطين، واتخذ بلدة «بير زيت» مقرًّا لقيادته، وقسَّم فلسطين إلى مناطق، وجعل على كل منطقة منها قائدًا من قادته.

وبلغت الثورة أوج قوتها في ربيع الآخر 1355هـ، الموافق يوليو 1936م، بعد أن انضم إليها من بقي من رفاق الشهيد «عز الدين القسَّام»، وكانوا من أخلص الناس وطنيةً، وأشدهم عزيمةً وإصرارًا، ولما ترامت أنباء هذه الثورة سارع كثير من المجاهدين العرب إلى الانضمام إليها ومساندتها، وكان من أثر ذلك أن خاض الثائرون معارك هائلة مع قوات الاحتلال البريطاني وحلفائهم من اليهود الغاصبين، في القدس ورام الله، وبيت لحم والخليل ونابلس وغيرها.

وكان أعظم تلك المعارك معاركه في وقعة (الخضر) في (18 من رجب 1355هـ= 4 من أكتوبر 1936م)؛ وهي المعركة التي استشهد فيها المجاهد السوري "سعيد العاص" وقد أُصيب "الحسيني" نفسه فيها إصابةً بالغة، وتمكنت القوات البريطانية من أسره، ونقله إلى العلاج في المستشفى العسكري بالقدس، ثم محاكمته بعد أن يتم شفاؤه، لكن رفاقه من المجاهدين هاجموا القوات البريطانية التي تحرس المستشفى في جرأة مدهشة أربكت الأعداء، وتمكنوا من حمل القائد الجريح والتوجه به إلى دمشق لاستكمال العلاج، ثم لم تلبث أن توقفت الثورة الكبرى بعد قتال دام مائة وستين يومًا؛ استجابةً للنداء الذي أصدرته اللجنة العربية الأولى لفلسطين في (27 من رجب 1355هـ= 13 من أكتوبر 1936م).

وبعد أن تماثل "الحسيني" للشفاء، واسترد كثيرًا من عافيته، عاوده الحنين إلى الجهاد، ومقاومة المحتلين، فقرر الرجوع إلى فلسطين، وتسلم قيادة الثورة، وأعلن استئنافها من جديد، وقاد عدة معارك ضارية في القدس وبيت لحم، والخليل، وأريحا، ورام الله، وبير السبع، وجنين، وبيسان، وحيفا، ويافا، وطولكرم، وكبَّد قوات الاحتلال البريطاني خسائرَ فادحةً في الأرواح والمعدات.

وقد اختتمت تلك المعارك بمعركة (بني نعيم) في الخليل في (جمادي الأولى 1358هـ= يوليو 1938م)، إذ لم يكن معه من المجاهدين وقتها سوى ألف يواجهون أكثر من ثلاثة آلاف جندي من القوات البريطانية المزودة بالمصفحات والمدافع والرشاشات الثقيلة، وكانت معركة غير متكافئة؛ لكن "الحسيني" ومن معه خاضوها بكل بسالة وشجاعة، ودامت نحو أربعين ساعة، سقط خلالها كثير من الشهداء الأبرار، وعجز الثوار عن الاستمرار في القتال بعد أن تعززت قوات الاحتلال أكثر من مرة بالمؤن والسلاح، فانسحبوا من أرض المعركة، تاركين خلفهم شهداءهم وجرحاهم، وكان من بين الجرحى "الحسيني" نفسه، فنقله زملاؤه إلى المستشفى الحكومي في الخليل؛ حيث قُدمت له الإسعافات الأولية، ثم نقلوه إلى دمشق لإتمام علاجه.

ولما وجد أن المواجهات القادمة ستكون أكثر حدة وأهمية،قرر بالتشاور مع بعض رفاقه أن يتوجه إلى ألمانيا عدو بريطانيا للوقوف على أحدث أساليب صنع المتفجرات، وبالفعل مكث هناك ستة أشهر أفاد خلالها كثيرًا من المعلومات الحربية الحديثة.  وعاد إلى فلسطين سرًا، وأغار مع رفاقه على بعض المعسكرات البريطانية الحربية، وتمكنوا من السيطرة على أجزاء منها، بعد أن غنموا الكثير من السلاح، واستاء الإنجليز من الوضع، فقرروا ملاحقة الثوار، وضربوا في خريف عام 1938م حصارًا واسع النطاق حول منطقة بني نعيم الواقعة بين بيت لحم، والخليل، وقدر أحدُ المجاهدين عدد القوات البريطانية المهاجمة بخمسة آلاف جندي، ونشِبت معركةٌ حامية بين الطرفين غير المتكافئين، واستمرت المعارك أكثر من عشر ساعات، واستطاعت الطائراتُ البريطانية حسم المعركة لصالحها، وأصيب عبدالقادر بإصابات متوسطة، فنقله رفاقه إلى المستشفى بالخليل، ثم نقلوه سرًا حتى الحدود السورية، وحكمت عليه السلطات البريطانية بالإعدام.

وإثر اندلاع الحرب العالمية الثانية هدأت الثورة في فلسطين، وانصرف كثير من المجاهدين لممارسة حياتهم الاعتيادية، بينما توجه عبدالقادر الحسيني إلى بيروت،حيث حصل من القنصل العراقي فيها على جواز سفر عراقي تحت اسم "يوسف الصايغ.

وأقام عبدالقادر وأسرته بحي الكرادة الشرقية ببغداد، وكان موضعَ حفاوة وتَرحاب من الشعب العراقي، وعمل أستاذًا لمادة الرياضيات في المدرسة العسكرية بمعسكر الرشيد، وكذلك في مدرسة التفيض المتوسطة. ثم التحق بدورة لضباط الاحتياط في الكلية العسكرية في (1359هـ= 1940م) ، وتخرج فيها برتبة ضابط، وحين شنت ثورة "رشيد عالي الكيلاني" في العراق في (صفر عام 1360هـ= مارس 1941م) أبت عليه وطنيته إلا أن ينخرط فيها مع إخوانه العراقيين ضد الاحتلال البريطاني، وشارك مع كثيرين من رفاقه الثوار الفلسطينيين اللاجئين إلى العراق في قتال القوات البريطانية.

 وعندما فشلت الثورة حاول "الحسيني" اللجوء إلى إيران مع عدد من رفاقه في الثورة؛ لكن المحاولة لم يكتب لها النجاح، وألقت السلطات العراقية القبض عليهم، وسيق "الحسيني" إلى المحاكمة أمام محكمة عسكرية في بغداد بتهمة أنه ومن معه من الفلسطينيين أوقفوا زحف الجيش البريطاني عشرة أيام، وأخروا وصوله إلى بغداد، وحكم عليه وعلى عدد من إخوانه بالسجن لمدة عامين .

وفور صدور الحكم هب الكثيرون من أحرار العراق لنصرته بسبب تدني صحته، وفي مقدمتهم (سعيد ثابت) و(إبراهيم عطار باشي)، فوافقت السلطاتُ المسؤولة على تغيير الحكم إلى النفي والإقامة الجبرية له ببلدة زاخو بأقصى شمال العراق قرب الحدود مع تركيا. كما مثلت أمام المحاكمة زوجته المجاهدة "وجيهة الحسيني"، بحجة مساعدتها وإيوائها للثوار، فحكم عليها بالإقامة الجبرية، في بيتها ببغداد، وقد أمضت عشرين شهرًا تحت الحراسة في المرحلة الأولى، وهى المدة نفسها التي قضاها زوجها في زاخو.

كما مثُلت أمام المحكمة السيدة (وجيهة الحسيني) زوجة عبد القادر بحجة مساعدتها وإيوائها للثوار، وتحريضهم على القتال، وحكم عليها بالإقامة الجبرية في بيتها ببغداد مدة عشرين شهراً.

وعلى إثر اغتيال فخري النشاشيبي في شارع الرشيد ببغداد اتُهم عبد القادر بتدبير خطة الاغتيال هذه، فبقي موقوفاً في بغداد قرابة السنة بهذه التهمة .. ثم نقل إلى معتقل العمارة، وهناك أمضى ما يقرب من سنة أخرى، حيث أفرجت الحكومة العراقية عنه في أواخر سنة 1943، بعد أن تدخل الملك عبد العزيز آل سعود ملك العربية السعودية. فتوجه إلى السعودية وأمضى فيها عامين بمرافقة أسرته.

ثم تسلل إلى ألمانيا، ومنها انتقل مع أسرته إلى القاهرة عام 1946م ، وفي القاهرة اتسع نشاط "الحسيني"، واتصل بالقوى الوطنية والإسلامية، ووثق علاقته بجماعة (الإخوان المسلمون) وزعماتها التاريخية، وعمل على تجميع الأسلحة لصالح المقاومة الفلسطينية، وقام بتدريب بعض الفلسطينيين والمصريين على عمل المتفجرات، وقد أقلق نشاطه الواسع حكومة الحزب (السعدي) في مصر، فحاولت إبعاده؛ لكن الضغوط التي مارستها القوى الوطنية حالت دون تنفيذ ذلك.

وعندما أصدرت الأمم المتحدة قرارها القاضي بتقسيم فلسطين عام 1947، تسلل عبد القادر إلى فلسطين سراً مع بعض رفاقه، وفي نفس الوقت اجتاز الحدود الفلسطينية عدد من المجاهدين القادمين من سورية ولبنان، والتقوا جميعاً بعبد القادر ، وأخذوا يرسمون خطة جديدة للبدء في المرحلة القادمة من الجهاد. فأعادوا تشكيل قوات الجهاد المقدس، واتخذت بلدة (بير زيت) مقراً رئيسياً لتلك القوات، وتألفت في حيفا والناصرة وجنين وغزة قوات أخرى تابعة لها.

وقد اعتبرت هذه القوات طليعة العمل النضالي العربي التي انبثقت تنظيماتها من صميم الشعب الفلسطيني، كما كانت أول مظهر من مظاهر القوات الشعبية التي تحمل في جوهرها صفة الجيش الشعبي في بلد كان يرزح تحت نير الاستعمار البريطاني.

وقد قامت بتنفيذ جزء كبير من واجباتها، فقد تمكنت من إجبار (115) ألف يهودي على الاستسلام في مدينة القدس نتيجة حصارهم باحتلال مضيق باب الواد وإقفاله، وقاموا بعدة معارك محلية، ونصبوا مئات الكمائن للقوافل اليهودية والإنجليزية، كما قامت فرق التدمير بنسف العديد من المنشآت والمباني مثل معمل الجير، عمارة المطاحن بحيفا، وعمارة شركة سولل بونيه اليهودية.

كما خاضت هذه القوات بقيادة عبد القادر أروع ملاحم البطولة والفداء مثل معركة بيت سوريك، ونسف شارع ابن يهوذا، ونسف مقر الوكالة اليهودية، ومعركة الدهيشة... وقد تكبد اليهود في هذه المعارك الخسائر الفادحة في الممتلكات، وقتل العدد الكبير منهم، وغنم المجاهدون الكثير من الأسلحة والعتاد والتي ساعدتهم على الاستمرار في نضالهم.

تكللت جميع معاركهم التي خاضوها ضد العدو الصهيوني والبريطاني بالنجاح إلى أن كانت معركة القسطل التي دامت أربعة أيام بكاملها من 4ـ8 نيسان 1948، وانتهت بأن تمكن المجاهدون من انتزاع البلدة العربية من أيدي الصهاينة، إلا أنهم لم يمكثوا فيها سوى بضع ساعات، تمكن الصهاينة بعدها في خضم ذهول المجاهدين وتضعضعهم بسبب استشهاد قائدهم عبد القادر، من شن هجوم معاكس واحتلال البلدة من جديد.


وكان سبب  تلك المعركة أن قيادة الهاغاناه قد وضعت خطة «نحشون»، وهي جزء من الخطة الشاملة «دالت»، لفك الحصار عن اليهود القاطنين في القدس.

وبدأت تنفيذ هذه الخطة في 2/4/1948، وتمكنت من احتلال قرية القسطل، وهي قرية صغيرة، لكنها ذات أهمية استراتيجية ومعنوية؛ فقد كانت أول قرية عربية يحتلها الصهيونيون.

وفي هذه الأثناء كان عبد القادر الحسيني في دمشق يحاول جاهداً الحصول على أسلحة كافية من اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية. لكنها للأسف خذلته ، حيث قال :ـ رحمه الله ـ إن اللجنة العسكرية طالبته بعدم افتعال تصرفات فردية ، وأن جامعة الدول العربية قد أوكلت قضية فلسطين إلى لجنة عربية عسكرية عليا ، وطالبوه بعدم الذهاب نحو القسطل ، فقال ردا عليهم :" إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي ، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب إلي من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة ، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين ، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين " .

ثم توكل على ربه بعد أن تجمعت قوات جيش الجهاد المقدس الذي أعده بقيادة كامل عريقات، نائب عبد القادر الحسيني، في منطقة قريبة من القسطل ، وقد صادف أن كانت إحدى الجيوش العربية بقيادة إنجليزية موجودة ومتمركزة في رام الله ، فطلب عبد القادر من هذا الجيش مساندته ، فاعتذر قادة الجيش وطلبوا تأجيل القتال حتى يحدث الانسحاب العسكري البريطاني في 15/5/1948 .ولم تكن الدول العربية تريد مواجهة مع بريطانيا ، ورأت أن أي عمل عسكري الآن سيعني مواجهة حتمية مع بريطانيا ، ولكن الحسيني بدأ يرسل إلى المتطوعين من الحركات الإٍسلامية في فلسطين ومصر وما حولها ، ثم إنه طوق القسطل وبدأ يستنجد مرة أخرى بالقيادة العسكرية ، وأرسل إليهم بأنه بمساعدتهم سينهي الوجود اليهودي فيها ، بيد أن القيادة العسكرية للجامعة العربية أصرت على موقفها .

 وأثار ذلك الترنح في مواقف الجامعة العربية حفيظة الحسيني ، وثارت ثائرته فأطلق صيحته قائلا : " نحن أحق بالسلاح المخزن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين ، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم " .

وقد ذُكر أن اللجنة العسكرية العليا التابعة للجامعة العربية جعلت تسخر من عبد القادر الحسني وضعف قوته وعتاده اللذين يحملهما لمواجهة اليهود، وهزأ منه طه الهاشمي وأخبره أن لدى اللجنة العتاد والسلاح ، ولكنها لن تعطيه لعبد القادر ، ولكنها ستنظر بالأمر بعد 15/5/1948 فكان رد الحسيني عليه: " والله يا باشا إذا ترددتم وتقاعستم عن العمل فإنكم ستحتاجون بعد 15/5 إلى عشرة أضعاف ما أطلبه منكم الآن ، ومع ذلك فإنكم لن تتمكنوا من هؤلاء اليهود ، إني أشهد الله على ما أقول ، وأحملكم سلفا مسؤولية ضياع القدس ويافا وحيفا وطبرية ، وأقسام أخرى من فلسطين " .

ولكن أعضاء اللجنة لم يهتموا لقوله وسخروا من حماسه واندفاعه ، فاستشاط عبد القادر غضبا ، ورمى بدبارة كان في يده في وجوههم وقال : " إنكم تخونون فلسطين ..إنكم تريدون قتلنا وذبحنا ! " .

وفي 7 نيسان وصل عبد القادر من دمشق، وتوجه على الفور إلى ميدان المعركة، وتولى قيادة العمليات، وقسم قواته إلى أربع مجموعات يقودها كل من حافظ بركات وهارون بن جازي وإبراهيم أبو دية وعبد الله العمري، علاوة على مجموعات أخرى من المتطوعين يقودها كل من علي الموسوس وصبحي أبو جبارة وعبد الفتاح المزرعاوي.

وكانت خطته كما يلي :

عين على الميمنة في الجهة الشرقية ،المجاهد حافظ بركات ،وعلى الميسرة من الجهة الغربية،الشيخ هارون بن جازي ،وفي القلب فصيلتان بقيادة إبراهيم أبو دية ،وفي موقع القيادة كان الحسيني ،وعبد الله العمري ،وعلي الموسوس إضافة إلى فيصلي استناد في الجهة المقابلة ،وبدأ الهجوم وفق هذا الترتيب ،لتتمكن قوات القلب والمسيرة من اكتساح مواقع العدو واستحكاماته الأمامية ،ولكن التقدم كان صعبا بسبب قلة الذخيرة ،وأصيب إبراهيم أبو دية مع ستة عشر من رجاله بجراح ،هنا اندفع عبد القادر الحسيني لتنفيذ الموقف ،فاقتحم القرية مع عدد من المجاهدين تحت وابل من نبران الصهاينة ومع طلوع فجر الثامن من نيسان ،وقع عبد القادر ومن معه في طوق الصهاينة ،فاندفعت نجدات كبيرة إلى القسطل ،كان من بينها حراس الحرم القدسي الشريف ،لكن هذه النجدات على كثرتها لم تكن منظمة .

عند الظهر تمكن رشيد عريقات من الإمساك بزمام القيادة ،فأمر بتوجيه نيران الأسلحة المتبقية جميعها على القرية لاقتحامها ،وبالفعل تمكن المجاهدون بعد ثلاث ساعات من الهجوم المركز من اقتحام القرية وطرد الصهاينة منها حيث فر من تبقى منهم ،بسيارات مصفحة باتجاه طريق يافا.

حاول قادة المجاهدين استثمار النصر ،بمطاردة فلول الصهاينة ،ولكن العثور على جثمان الشهيد عبد القادر الحسيني ،ترك في نفوس المجاهدين وقعا أليما ،وساد صفوفهم الارتباك ،وفقد القادة سيطرتهم على الأفراد ،الذين شرعوا في مغادرة القسطل لتشيع عبد القادر الحسيني وعند المساء لم يعد داخل القرية سوى رشيد عريقات وعبد الحليم الجيلاني ،مع عدد قليل من المجاهدين.

حاول القائدان استدعاء نجدات إلى القرية ولكن استشهاد الحسيني كان له وقع الزلزال فلم يستجب أحد ،وفي التاسع من نيسان،شيعت القدس في موكب مهيب جثمان شهيد القسطل ،الذي روي الثرى في الحرم القدسي .

وفي وقت متأخر من ليل اليوم نفسه ،انسحب عبد الحليم الجيلاني من القسطل ،مع من بقي معه ،فعاد الصهاينة لاحتلالها في اليوم التالي ..

وبينما انشغل المجاهدون في وداع قائدهم الكبير ،استغل الصهاينة الفرصة ليقترفوا المجزرة البشعة في دير ياسين وليواصلوا انتصاراتهم التي يجنون ثمارها إلى الآن بينما المسلمون يكتوون بنارها كل حين ...

وفي الختام أقول :

إن شخصية مثل شخصية الشهيد عبد القادر الحسيني لتبعث في النفس رهبة، وتشعل في القلب جذوة الإيمان، فمنذ ميلاده حتى وفاته وهو لم يغمد له سلاح، فقد ظل سلاحه مشهورا دائما على أعداء الله، وكانت أسلحته متعددة الجوانب، فامتلك سلاح الكلمة، وسلاح الحكمة، وسلاح الساعد، لقد أوذي كثيرا فصبر واحتسب، وشرد كثيرا فحمد وشكر.

نعم  لقد حفرت شخصية عبد القادر الحسيني مكانة لها بمداد من نور في ذاكرة التاريخ، فلم يكن واحدا ولد ثم مات فحسب، بل امتلك شخصية أثرت وتأثرت بمحيط المجتمع والبيئة التي وجد بها، فمنذ أن ولد في بيئة تجاهد وتكافح الاستعمار الجاثم على صدر الأمة، وهو يتشرب العزة التي تأبى وجود مستعمر فوق تراب وطنه، وقد تفتحت لديه مشاعر وأحاسيس الأديب الذي ينشد الحرية لوطنه السليب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

المصدر : موقع التاريخ الالكتروني ـ الرجاء ذكر المصدر واسم الكاتب عند النقل .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف