موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصليب وحكاياته

التوريث الدعوي (5)

May 21 2015 08:49:10

الكاتب : مدير الموقع

التوريث الدعوي (5)
التوريث الدعوي (5)

د / محمد بن موسى الشريف

النوع الثالث : اللوائح (1)

اللوائح تضبط قضية التوريث أيما ضبط، وتنقل للأجيال الخبرة على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط، وقضية اللوائح والاعتناء بها قضية مهملة في المؤسسات الدعوية إلا قليلاً منها، وذلك في المؤسسات الحكومية والشعبية وإن كانت الحكومية أحسن حالاً من أختها قليلاً، فتجد تلك المؤسسات والهيئات إذا تغير موظَّفوها أو مسؤولوها فإن مَن يأتي بعدهم يبدأ من المكان الذي ابتدأ من سلفه، ويقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها مَن قبله، وذلك في مجالات التوظيف، وإدارة الأعمال، والتعامل مع الآخرين، ووضع الخطط، إلخ....

فينبغي إذاً على كل من كان على رأس هذه المؤسسات أن يعتني كل الاعتناء بأن يستفيد من جهود من قبله ، ولو لم تكن على هيئة لوائح مكتوبة منضبطة، ثم يجتهد في وضع اللوائح التي تضبط عمل مؤسسته في جميع المجالات، وليورث ذلك لمن يجيء بعده؛ فإن العمل الدعوي لن يرتقي إلا على أمثال هذا الصنيع أو ما يقاربه.

ولأضرب المثل على ما قلت فإني أذكر الواقعة التالية:

طلب أحد المسؤولين عن إحدى المؤسسات التعليمية في دولة آسيوية خطة متكاملة عن قضية التعامل مع مؤسسة أخرى، فلما وضعت هذه  الخطة بعد جهد جهيد تذكر أحد أفراد المؤسسة أن هناك خطة وضعت في عهد المدير السابق، فبحثوا عنها طويلاً فلم يجدوها، وهذا التفريط من قبل المسؤولين في الاحتفاظ بالخطة السابقة أدّى إلى تضييع جهود الفريقين اللذين وضعا الخطة: السابق واللاحق، وأدّى أيضاً إلى عدم معرفة الحال الذي كتبت فيه الخطة السابقة لبناء الخطة الحالية عليها، وإذا أريد معرفة مكمن الخلل فسيتضح في أنه ليست لتلك المؤسسة اللوائح اللازمة للتوريث، فلم يدر المسؤول اللاحق مجالات عمل الإدارة السابقة ولا ما اعتنت به أو أهملته؛ إذ ليس هناك مرجع على الإطلاق يمكنه من الإحاطة بأعمال من سبقه.

وينبغي أن يُعلَم أن قضية التوريث مرتبطة ارتباطاً عظيماً بقضية مهمة ألا وهي قضية الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل.

النوع الرابع : الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل

الدعاة عندما يكتبون إنما يضعون عصارة تجاربهم في مؤلفاتهم، ويقصُّون على الأجيال قصة كفاحهم، وعملهم في دعوتهم، أو يبينون لهم كيف يخطون الخطى الواثقة لاستعادة المجد لأمتهم، والملاحظ أن كثيراً من شباب الدعاة قد انصرف كلياً أو جزئياً عن مؤلفات أولئك الأئمة، وأن عدداً كبيراً من هؤلاء يجهل حتى أسماء تلك الكتب، أو أنه قد اطلع عليها منذ سنوات طويلة خلت ، فلم يعد يتذكر ما سطَّروه فيها، صحيحٌ أن هنالك كتباً كتبت في ظروف معينه ولم تعد ملائمة لهذا العصر إلا من باب التأريخ للدعوة، كالكتب التي ردَّت على المذاهب الشيوعية والاشتراكية والوجودية والقومية العربية، وغيرها من الكتب التي كانت نافعة في زمنها لدعاة ذلك العصر الغابر الذي أنقذنا الله تعالى منه، لكن أكثر الكتب التي كتبت ما زالت تمثِّل ضياء على طريق الدعاة، ورشاداً يسترشدون به في زمانهم هذا، وإنه لمن العجيب أن يقبل الدعاة على رسائل وكتب تعد فرعاً من تلك الدوحة السامقة، ولو رجعوا إلى الأصل لاستفادوا فائدة عظيمة.

إن تضييع تلك الكتب لهو إهمال لقضية التوريث الدعوي برمتها، ودليل على هوان أولئك الأعلام على دعاة هذا العصر، الذين لو عقلوا لوضعوا تلك المؤلفات في الموضع اللائق بها، ولأسَّسوا لها اللجان والمراكز التي تستخلص أهمَّ مافيها وتنشره ليطَّلع عليه أهل هذا الزمان وليورِّثوه لمن بعدهم التوريث اللائق المطلوب (2).

-  التوريث مع التقويم والتحسين والإضافة:

إن التوريث لا تتم فائدته، ولا يظهر أثره إلا بالإضافة عليه وتحسينه، والارتقاء به، وهذا فيه كلام تقدم قبل ذلك ذِكْرُ أهميته (3) وقال الدكتور محمد أبو فارس موضحاً ومبيناً:       (( إن مما لا شك فيه أن هذه الأمة خرّجت من الدعاة والعلماء والفقهاء والمحدِّثين والمصلحين والوعَّاظ الزاهدين وغيرهم مما لا يحصرهم كتاب، وهؤلاء عاشوا في ظروف مختلفة وأماكن متباعدة، ومع شعوب مختلفة وأجناس متعددة، فعلّموها ودعوها إلى الخير والإصلاح، وأمروها بالمعروف ونهوها عن المنكر، وواجهوا في سبيل ذلك مشاكل ومصاعب، وابتكروا من الأساليب ما عالجوا ما كان يَجِدّ من المشاكل، فأصبح عند كل قوم أو بلد أو جيل تجربة لعلمائه وفقهائه ومصلحيه ووعاظه، وكانت هذه التجارب ينقلها التلاميذ عن الشيوخ فيزيدون عليها ويحسنون فيها.

إن تجارب هؤلاء الدعاة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وتخصصاتهم معين ثَرُّ لا ينضب، على الدعاة أن يبحثوا عن هذه الأساليب ويستفيدوا منها ويُحسِّنوها)) (4) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1 ـ   اللوائح هي ما تضعه الإدارات المختلفة من ضوابط وقرارات لإدارة العمل على وجه يضمن حسن السير وكمال النتائج، وجاء في ((المعجم الوسيط)): لوح: اللائحة: مجموعة من المواد توضع لتنظيم العمل في هيئة، أو مؤسسة.

2 ـ من تلك الكتب: ((هذا الدين)) و ((المستقبل لهذا الدين)) للأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وكتاب ((معالم على الطريق))، وكتاب ((في ظلال القرآن)) وكلاهما للأستاذ سيد أيضاً، وبعض كتب أخيه الأستاذ محمد حفظه الله تعالى، وبعض كتب الأستاذ الندوي وبعض كتب الأستاذ المودودي خاصة كتاب ((تذكرة دعاة الإسلام))، وغير ذلك من الكتب النافعة التي كادت تنسى اليوم.

3 ـ انظر المقدمة والتمهيد.

4 ـ ((أسس في الدعوة)): 83-84.

المصدر : موقع التاريخ ـ يرجى ذكر المصدر والكاتب عند النقل .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تاريخ البرلمان المصري من محمد علي إلى العسكر

تاريخ البرلمان المصري... من محمد علي إلى العسكر

ليست الحياة النيابية في مصر جديدة فقد بدأت في القرن التاسع عشر، في...

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

وأبدأ بالعنوان، فالمقصود ب "المجلس المسلم للقدامى" هي ترجمة...

أيها المجتمعون في غروزني  لقد ضيقتم واسعا

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

دشن عدد من الناشطين اليمنيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر"...

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من داعش لأول مرة

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من "داعش" لأول مرة

قال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الأتراك، عمر جليك،...

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

أعلن القيادي في حزب العدالة والتنمية، عبد الحق العربي، اليوم الجمعة،...

  • أيام في سيلان والمالديف