موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

الحضارة الإسلامية : مفهومها خصائصها وسماتها ( 3ـ 3)

May 25 2015 08:59:37

الكاتب : مدير الموقع

الحضارة الإسلامية : مفهومها خصائصها وسماتها ( 3ـ 3)
الحضارة الإسلامية : مفهومها خصائصها وسماتها ( 3ـ 3)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق*

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله  وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين ، وبعد ..

فقد تحدثت في المقال السابق عن الفرق بين الحضارة والثقافة والمدنية ، وعن أبرز سمات الحضارة الإسلامية ، واليوم بعون الله عز وجل أتحدث عن أهم خصائص الحضارة الإسلامية فأقول :

إن أبرز خصائص الحضارة الإسلامية تتخلص فيما يأتي :

- أنها قامت علي أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة، فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريك له في حكمه وملكه، وهو وحده الذي يعبد، وهو وحده الذي يقصد {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهو الذي يعز ويذل ويعطي ويمنح، وما من شيء في السموات والأرض إلا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته.

وهذا السمو في فهم الوحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين، وتصحيح العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتوجيه الأنظار إلي الله وحده وهو خالق الخلق ورب العالمين .. كما كان لهذه العقيدة أثر كبير في الحضارة الإسلامية تكاد تتميز به عن كل الحضارات السابقة واللاحقة، وهي خلوها من كل مظاهر الوثنية وآدابها وفلسفتها في العقيدة والحكم والفن والشعر والأدب.

وهذه الوحدة في العقيدة تطبع كل الأسس والنظم التي جاءت بها حضارتنا، فهنالك الوحدة في الرسالة، والوحدة في التشريع، والوحدة في الأهداف العامة، والوحدة في الكيان الإنساني العام، والوحدة في وسائل المعيشة وطراز التفكير، حتى إن الباحثين في الفنون الإسلامية قد لاحظوا وحدة الأسلوب والذوق في أنواعها المختلفة، فقطعة من العاج الأندلسي، وأخرى من النسيج المصري، وثالثة من الخزف الشامي، ورابعة من المعادن الإيرانية، تبدو رغم تنوع أشكالها وزخرفتها ذات أسلوب واحد وطابع واحد.

- أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن الذي أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه، في قوله تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات- 13).

إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية علي صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التي خفقت فوقها راية الفتوحات الإسلامية، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة، إلا الحضارة الإسلامية فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب، فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والخليل وسيبويه والكندي والغزالي، والفارابي، وابن رشد وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وتباينت أوطانهم، ليسوا إلا عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلي الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم.

- أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط، ولم تجعلها وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة، أو أفراد .. في الحكم، وفي العلم وفي التشريع، وفي الحرب، وفي السلم، وفي الاقتصاد، وفي الأسرة .. روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعا وتطبيقا، وبلغت في ذلك شأوا ساميا بعيدا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث. ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء ..

- أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز علي العقيدة في أصفي مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معا، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد. وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ. وسر العجب في هذه الخاصة من خصائص حضارتنا أنها استطاعت أن تنشئ نظاما للدولة قائما علي مبادئ الحق والعدالة، مرتكزا إلى الدين والعقيدة دون أن يقيم الدين عائقا من دون رقي الدولة واطراد الحضارة، بل كان الدين من أكبر عوامل الرقي فيها، فمن بين جدران المساجد في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة انطلقت أشعة العلم إلي أنحاء الدنيا قاطبة.

ـ أنها الحضارة الوحيدة التي لم يُفصل فيها الدين عن الدولة مع نجاتها من كل مآسي المزج بينهما كما عرفته أوروبا في القرون الوسطى ، فلقد كان رئيس الدولة خليفة وأميرا للمؤمنين، لكن الحكم عنده للحق، والتشريع للمختصين فيه، ولكل فئة من العلماء اختصاصهم والجميع يتساوون أمام القانون، والتفاضل بالتقوى والخدمة العامة للناس.

- أنها قامت على التسامح الديني العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت علي الدين(1)..

ـ أنها قامت على التوازن والوسطية ، وتعني هذه الخاصية التوسُّط أو التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادَّيْن؛ بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حَقِّه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه. ذلك التوازن والاعتدال الذي يليق برسالة عامة خالدة، جاءت لِتَسَعَ أقطارَ الأرض وأطوارَ الزمن.

فترى حضارة الإسلام تجمع بين الروحية والمادية، أو مُتَطَلَّبَات الرُّوح ومتطلبات المادَّة، وتجمع بين علوم الشرع وعلوم الحياة، وتهتم بالدنيا كما تهتم بالآخرة، كما تجمع بين المثالية والواقعية، ثم إن فيها توازنًا بين الحقوق والواجبات.... وإن هذا المنهج المتوازن مغاير لتلك الحضارات التي سيطر فيها الدين على القوى الفكرية والعملية، وبات يمنع العلم ويكبل التفكير وإعمال العقل(2).

  كما أنها وازنت بين العلم والإيمان، فتناولت العلم بدافع فطري ذاتي باعتباره طريقا إلى الإيمان والدين. وجعلت العلم أساس الإيمان ووضعته إلى جانب الوحي مصدرا للمعرفة التي هي أساس الحضارة وازدهارها على نحو ما جاء في أول كلمة في القرآن الكريم:" اقرأ" فقرر العلم وتقصي الحقائق واتباع الوسائل والمناهج العقلية، أولى خطوات الإيمان.

ـ أنها لا ترتبط بإقليم جغرافي، ولا بجنس بشري، ولا بمرحلة تاريخية، بل إنها تحتوي جميع الشعوب والأمم، فهي حضارة يستظل بظلالها البشر جميعا في كل أرجاء الأرض، ويجني ثمارها كل من يصل إليه عطاؤها، فالإنسان هو أهم مخلوقات الله تعالى، وجميع الأنشطة لا بد أن تؤدي إلى سعادته ورفاهيته.

ـ أنها حضارة معطاءة : أخذت من الحضارات والثقافات السابقة عليها، وأعطت عطاء زاخرا في كافة ميادين الحياة، وكان عطاؤها لفائدة الإنسانية جميعا، فلا فرق بين عربي وأعجمي، أو أبيض وأسود، أو مسلم وغير مسلم، فالكل سواء.

ـ أنها حضارة باقية بقاء الإنسان على وجه الأرض: فهي تستمد بقاءها من بقاء الإسلام الذي قامت على أساس مبادئه، وقد تكفل الله - عز وجل - بحفظ الدين الحنيف، فهذه الحضارة لا تشيخ - كما يدعي هؤلاء - لأنها ليست حضارة قومية ولا عنصرية، ولا هي ضد الفطرة السليمة للبشر، وهي بذلك حضارة دائمة الإشعاع تتعاقب أطوارها وتتجدد دوراتها.

ـ أنها قامت على العدالة التي استطاعت بها أن تحتفظ للعالم بمجتمع متنوع الثقافات والأديان حتى الثقافات القديمة التي ظلت شاهدة على حضارات بائدة كالحضارة الآشورية والفينيقية والفرعونية وغيرها من الحضارات السابقة عليها (3).

ـ أنها حضارة إيجابية بناءة رفضت التخريب والإفساد : ولم تسمح لأن تأخذ بخناقها رؤية سوداوية متشائمة للوجود والمصير وللمسعى البشري في هذا العالم ، ولم تثمر نزعات هدامة كالحة كالعدمية ، أو الفوضوية ، أو العبثية أو حتى السريالية الموغلة في سراديب الجنس والكبت والظلام والجنون ، كالذي أفرزته الحضارة الغربية . كما أنها لم تعكس ، كما حدث في أوربا ، رؤى وأخيلة وفلسفات يبلغ من جموحها واندفاعها باسم التطور ، والنزوع الارتقائي ، أن تدمر كل الثوابت والمرتكزات والخبرات والمؤسسات المتفق عليها في تاريخ الجماعات البشرية المتحضرة ، وتسوق الإنسان والمجتمع إلى نوع من الانتحار أو الاصطراع مع الذات وقوانين الفطرة والتاريخ ، الأمر الذي كان يكتشف في أعقاب كل جولة من جولات الاندفاع غير المتبصر هذا ، ولكن بعد أن يكون قد هدر الكثير من الفرص والطاقات .

ومنشأ ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم المسلمين أن يمضوا في إعمار الحياة وبناء العالم ومد الخضرة في مساحاته حتى آخر لحظة .. قال لهم : " إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر ". ومنذ ذلك الحين كان هدف الأبناء والأحفاد أن يتزين العالم ويخضر بالحضارة المتعانقة مع قيم الحياة والتواصل والاستمرار لا أن يأتوا بالنار والدخان عليه(4) ..

ـ أنها  حضارة واقعية .. وقد يقال بأن الحضارة الغربية نفسها ، والكثير من الحضارات الأخرى عبر التاريخ ، كانت واقعية هي الأخرى ، فليست هذه إذن ميزة تحسب للحضارة الإسلامية ؛  ولكننا إذا تذكرنا أن هذه الحضارة تجاوزت في طموحاتها الكبيرة ساحة الأرض إلى السماء ، ولحظات الفناء إلى عالم الخلود ، وظلت في مساراتها وقيمها الأساسية مرفوعة الرأس صوب المثل الأعلى ، عرفنا أن الواقعية هنا تحمل مغزاها المتميز في قدرة هذه الحضارة على عدم الانفصال عن أرضية العالم ، على تجاوز الثنائية ، وعلى عدم التحول شيئا فشيئا صوب المثالية التي تنسى موقعها في الأرض ، وترفض الاعتراف بشدها وثقلها ومطالبها ، وتجنح وهي تطلب السماء ، إلى الأخيلة والأوهام .

إن حضارات كثيرة شهدتها الساحات الآسيوية والأوربية في القرون الوسطى ـ مثلا ـ عانت من ازدواجية كهذه وانتهى بها الأمر إلى فصام نكد بين مطامحها وبين ضرورات الحياة ومطالبها .. أما في تاريخنا فلقد مضى النشاط الحضاري ينقب في الأرض .. يكشف عن السنن والنواميس والطاقات المذخورة .. يتابع حاجات الإنسان وأشواقه .. يتفحص دوافعه وغرائزه .. ويقدم له ، وفق القدرات التاريخية يومها ، الزاد الذي يعينه على مواصلة السعي على أرضية العالم ، لا التهويم في الغبش والضباب المعلق بين السماء والأرض . إن تراثنا المعرفي لا يتضمن سوى مدن فاضلة معدودة كالتي حلم بها الفارابي متأثرا باليونان ، لا تتجاوز أصابع اليدين، لأن الذين صنعوه كانوا يدركون جيدا أن النشاط المعرفي الذي نفخ فيه الإسلام من روحه لا يسمح للمسلم الجاد بأن يحلم بعالم مثالي وهو قاعد مستريح ، وأن عليه أن يسعى إلى تنفيذ مقولاته على أرضية الواقع ، وينسج مصيره من حيثيات الزمن والمكان ، ويستند على ما هو كائن من أجل صياغة ما سيكون ، ويعيد تشكيل معادلات الحياة من الأرقام اليومية المنظورة التي يتعامل معها صباح مساء (5).

ـ أنها ذات طابع عالمي ، فهي تتعامل مع الإنسان أيا كان موقعه ، ولا تقتصر على الجماعة التي شكلتها فحسب .. وهي من أجل ذلك تجاوزت بل كسرت كافة الحواجز العرقية والإقليمية والجغرافية والطبقية واللونية والمذهبية لكي تحقق انتشارها على مستوى العالم كله ، كما أنها قبلت مشاركة كافة الفئات والجماعات المنضوية في نسيج المجتمعات الإسلامية ، أيا كانت أديانها وعروقها وانتماءاتها .

لقد تشكلت هذه الحضارة لكي تتعامل مع الإنسان ، وتكون بحجمه وتستجيب لمطامحه ومنازعه ودوافعه واهتماماته وأشواقه .. ولذلك فهي لم تضع بينها وبين الإنسان أسلاكا شائكة باسم العرقية حينا ، أو الطبقية حيانا ثانيا ، أو المذهبية حينا ثالثا ، أو الجغرافية حينا رابعا. بل أنها لم تضع هذه الأسلاك حتى باسم الدين رغم أنها حضارة منبثقة عن الدين نفسه … لقد وهبت نفسها للإنسان والعالم دون أن تمارس خطيئة الانغلاق على الذات (6)..

وأخيرا يكفي الحضارة الإسلامية شرفا أنها كانت إنسانية تعمل من أجل الإنسان أيا كان موقعه في الزمن والمكان .. أليست هي الحضارة المنبثقة عن العقيدة القادمة من عند الله سبحانه ، الذي خلق الإنسان ، وعلمه الأسماء كلها ، وحمله في البر والبحر ، وفضله على الخلائق ، ومنحه السيادة على العالمين ؟(7).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني.

 [1] - د / مصطفى السباعي : مقتطفات من كتاب من روائع حضارتنا ص: 70 وما بعدها بتصرف قليل .

2- د / راغب السرجاني : وسطية الحضارة الإسلامية

3 - عبد السلام الهراس : الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة ص: 22.

4- د / عماد الدين خليل : خصائص الحضارة الإسلامية ـ مقال منشور بموقع التاريخ الالكتروني

http://www.altareekh.com/article/view/3765-في-خصائص-الحضارة-الإسلامية-2-ـ-2.html

5- المرجع السابق .

6- المرجع السابق .

7 ـ المرجع السابق .

المصدر : موقع التاريخ ـ ـ رجاء ذكر المصدر والكاتب عند النقل .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف