موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • تأملات في غـزوة أحــد ودستور النصر والهزيمة
  • السيرة النبوية وحل المشكلات العالمية

تأثر الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى عبر العصور(1:2)

Jun 13 2015 08:59:42

الكاتب : مدير الموقع

تأثر الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى عبر العصور(1:2)
تأثر الحضارة الإسلامية بالحضارات الأخرى عبر العصور(1:2)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق *

ذكرت في مقال " الحضارة الإسلامية  خصائصها وسماتها " أن الحضارة الإسلامية ذات شقين : شق روحي ، وهو رباني المصدر ، أي مصدره القرآن الكريم وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويختص بالإسلام دون سواه من الأديان والمذاهب ، وشق مادي ، وهذا ينقسم أيضا إلى قسمين : قسم أسس على المعارف والحقائق العلمية الكونية التي أفاض القرآن الكريم في ذكرها ، وقسم ورثه المسلمون من الأمم السابقة وطوره وأكملوا ما فيه من نقص ، وصوبوا ما فيه من خطأ ، وقد بدأ تلمس المسلمين لغيرهم في هذا الشأن بداية من بعثة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه  قد بُعِثَ برسالته العالمية وكانت البشرية قد قطعت شوطا طويلا في أمور المعاش والتطور والعمران (1) وكونت تراثا كبيرا  مما هو جزء من رسالة الاستخلاف التي خُلقت من أجلها(2) وكان من رسالته أن يقوِّم ما اعوج من البشرية ، ويكمل رسالة الأنبياء السابقين ـ عليهم السلام ـ لا أن يهدم كل ما كان قائما ، فلم يقف عليه الصلاة والسلام  موقف المعادي لهذا التراث إلا ما تعارض مع الإسلام ، وندب للمسلمين أن يأخذوا من هذا التراث ما هو نافع لهم ، فقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه :" الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها " (3) .

يقول السيوطي: " ضالة المؤمن " أي كأنه فقدها وأضلها ، إشارة إلى ما قيل : انظر إلى ما قال ، ولا تنظر إلى من قال "(4) وقال المناوي :  الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها ، ويغتنمها حيث ظفر بها (5) وقال الطيبي : (ضالة المؤمن) أي مطلوبه فلا يزال يطلبها كما يتطلب الرجل ضالته (فحيث وجدها فهو أحق بها) أي بالعمل بها واتباعها ، يعني أن كلمة الحكمة ربما نطق بها من ليس لها بأهل ، ثم رجعت إلى أهلها فهو أحق بها ، كما أن صاحب الضالة لا ينظر إلى خساسة من وجدها عنده(6).

وذلك دليل صريح على أن المسلم مباح له أن يتزود بالعلم النافع من أي إنسان مهما كانت ملته وجنسيته ،  ويؤكد ذلك رواية سعيد بن أبي بردة   " .. يأخذها حيث وجدها " (7) والرواية التي ذكرها الشهاب  :" .. حيثما وجد المؤمن ضالته فليجمعها إليه" (8)بل ندب عليه الصلاة والسلام إلى طلب هذه الحكمة أو ذلكم العلم المفيد عند الآخرين بعزم وشغف ، فقد جاء في رواية رابعة  :" ..حيث وجدها جذبها"    وفي ذلك يقول الطرطوشي: ولم يزل العقلاء على اختلاف مذاهبهم يطلبون صواب الرأي من كل أحد حتى الأمة الوكعاء(9).

ثم شجع عليه الصلاة والسلام أصحابه على الاستفادة من خبرة الآخرين في مجال الصناعة، فقد ذكر الكتاني في كتابه " التراتيب الإدارية " أنه سُبي يوم خيبر ثلاثون قينا ( صانعا ) فقال عليه الصلاة والسلام: " اتركوهم بين المسلمين ، ينتفعون بصناعتهم ، ويتقوون بها على جهاد عدوهم ،  فتركوا لذلك ، فمن تعلم عليهم الصناعة سمي صانعا أو معلما "  (10) .

وغدا المسلمون بعد تأسيس دولتهم واتساعها يلتمسون ما يحتاجون إليه من أمور المعاش عند غيرهم بداية من عصر عمر الفاروق رضي الله عنه حيث طلب من عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يستفيد من خبرة المصريين في مجالي الزراعة والعمران ، فقد ذكر ابن عبد الحكم عن هشام بن إسحاق العامري قال‏:‏ كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ أن يسأل المقوقس عن مصر من أين تأتي عمارتها وخرابها فسأله عمرو، فقال له المقوقس‏:‏ تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة، الأول أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فروغ أهلها من زروع، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومها، ويحفر في كل سنة خليجها ويسد ترعها وجسورها ... "(11).‏

كما أنه رضي الله عنه قد أخذ من العجم فكرة الديوان ، فقد جاء في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي أن أبا هريرة قدم بمال من البحرين فصعد عمر رضي الله عنه المنبر ،  وحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" أيها الناس قد جاءنا مال كثير ، فإن شئتم كلناه لكم كيلا ، وإن شئتم عددناه لكم عدا " فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون لهم ديوانا ، فدون أنت ديوانا ، فاستشار عمر رضي الله عنه الناس في تدوين الديوان ، فقال عثمان رضي الله عنه: "أرى مالا كثيرا يسع الناس ، وإن لم يُحصوا حتى يُعلم من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر " (12) وفي رواية أخرى عند القلقشندي : " فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: قد كنت بالشام فرأيت ملوكها دونوا ديوانا وجندوا جنودا ، فدون ديوانا وجند جنودا فأخذ بقوله "(13).

ولم يقتصر الأمر في الدواوين على اقتباس الفكرة فقط ، وإنما أخذ المسلمون فيما بعد الأنظمة المتبعة فيه ، ولسعة أفقهم فإنهم أخذوا من كل ولايةٍ النظامَ المتبع فيها ، فأخذوا في العراق بنظام الفرس ، وفي الشام بنظام الروم ، وفي مصر بالنظام القبطي ، وظل الأمر هكذا حتى وُحِدت في عهد عبد الملك بن مروان فيما عرف بتعريب الدواوين ، فنقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان ، ونقل ديوان الشام من الرومية إلى العربية عبد الملك بن مروان ، ونقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية عبد العزيز بن مروان" (14).

كما نقل عمر رضي الله عنه الوسائل التي كان يتبعها الفرس في نظام الزراعة وتقسيم الأراضي وطرق الجباية (15) كما اقتبس رضي الله عنه نظام البريد من الفرس (16) وطوره من بعده معاوية رضي الله عنه (17).

وفي العصر الأموي ظهرت بوادر ترجمة الكتب العلمية التي يحتاج إليها المسلمون ، وقد بدأت بصورة اجتهادية من خالد بن يزيد بن معاوية ، حيث كان شغوفا بمطالعة علوم السابقين ، فأمر بإحضار جماعة من المطلعين على مصنفات فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مصر .. وأمرهم بنقل ما يستطيعون من الكتب من اللغة اليونانية واللغة القبطية إلى العربية ، فترجموا له بعض كتب الكيمياء والتنجيم وكتب الطب اليونانية والقبطية (18) وكان هذا كما يقول ابن النديم : أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة (19).

ثم أخذت الترجمة الطابع الرسمي في عهد عمر بن عبد العزيز الذي سعى لنشر الثقافة الطبية بين المسلمين ، فأمر الطبيب اليهودي ماسرجويه ( ماسرجيس ) بترجمة بعض الكتب الطبية مثل : كتاب "أهرن القس " الذي نقله من السريانية إلى العربية ، واطلع عليه عمر بنفسه ، وأوصى بنسخه وتوزيعه لتعم به الفائدة على المسلمين (20).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

*مدير موقع التاريخ الالكتروني

[1] ـ ونصوص القرآن الكريم صريحة في عدم معارضة مثل ذالكم العمران بل أثنت عليه، من ذلك ما جاء في قول الله عز وجل :" وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ "  [الأعراف: 74] وقوله عز وجل :" "يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"  [سبأ: 13].

2 ـ إشارة إلى قول الله عز وجل :" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً " [البقرة: 30] وقوله عز وجل :" هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا " [هود: 61].

3 ـ الترمذي (أبو عيسى محمد بن عيسى) : الجامع الصحيح سنن الترمذي ـ جـ5صـ 51 ـ تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرين ـ  دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، وانظر أيضا :  القزويني (أبو عبد الله محمد بن يزيد ) : سنن ابن ماجه  جـ2صـ 1395 ـ تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار الفكر ـ بيروت.

4 ـ السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر): شرح سنن ابن ماجه صـ 307 ـ نشر : قديمي كتب خانة ـ كراتشي.

5ـ المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير جـ2 صـ  691 ـ المكتبة التجارية الكبرى ـ  القاهرة ـ ط1 سنة  1356 ه.

6 ـ المصدر السابق : جـ 5صـ  83.

7 ـ البيهقي (أبو بكر أحمد بن الحسين) : المدخل إلى السنن الكبرى جـ 2 صـ  216  ـ تحقيق  د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي  ـ دار الخلفاء للكتاب الإسلامي ـ الكويت .

8 ـ القضاعي (أبو عبد الله محمد بن سلامة) : مسند الشهاب ج1 صـ  118 ـ  تحقيق : حمدي بن عبد المجيد  ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ ط2 سنة 1407هـ /   1986 م .

9 ـ ابن الأزرق (محمد بن علي) : بدائع السلك في طبائع الملك صـ66  تحقيق د. علي سامي النشار ـ ط1 ـ نشر وزارة الإعلام ـ العراق.

10 ـ محمد عبد الحي الكتاني : نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية: ج2 صـ 75 ـ تحقيق : عبد الله الخالدي ـ ط2 نشر دار الأرقم  .

11 ـ  ابن عبد الحكم  (أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله) : فتوح مصر وأخبارها صـ 176  ـ تحقيق : محمد الحجيري ـ دار الفكر ـ بيروت ـ  ط1 ـ سنة  1416هـ/ 1996م.

12 ـ الماوردي (أبو الحسن علي بن محمد)  : الأحكام السلطانية صـ 397 ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط 2سنة 1421ه.

13 ـ القلقشندي (أحمد بن علي):  صبح الأعشى في صناعة الإنشا  جـ 13صـ 114 تحقيق : د.يوسف علي طويل  ـ  دار الفكر ـ  دمشق ـ ط1 سنة 1987م .

14 ـ  المصدر السابق : جـ 1صـ 482 ـ

15ـ  انظر :  الماوردي: الأحكام السلطانية 1 صـ  356  وابن رجب (عبد الرحمن بن أحمد)  : الاستخراج لأحكام الخراج صـ 16  ـ  دار الكتب العلمية ـ  بيروت ـ ط1 سنة  1405ه.

16 ـ  محمد عبد الحي الكتاني : نظام الحكومة  جـ1 صـ 192 .

17 ـ  القلقشندي: مآثر الإنافة في معالم الخلافة جـ 1صـ  517 ـ تحقيق : عبد الستار أحمد فراج.  مطبعة حكومة الكويت ـ ط2 ـ سنة 1985م ـ

18 ـ الهاشمي (أحمد بن إبراهيم)  : جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب صـ 317 ـ دار المعرفة للطباعة والنشر.

19 ـ ابن النديم (أبو الفرج محمد بن إسحاق) : الفهرست صـ303 ـ  دار المعرفة ـ بيروت  ـ 1398هـ  / 1978م.

20 ـ انظر القفطي (جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف ) : إخبار العلماء بأخبار الحكماء صـ  140  ـ مطبعة السادة ـ القاهرة ـ سنه 1326هـ.

المصدر : موقع التاريخ ، أرجو ذكر المصدر والكاتب عند النقل .

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

وزارة الأوقاف المصرية وتزوير التاريخ

عبد الآخر حماد لا يشك منصف في أن ديننا الحنيف هو دين ا...

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

تقرير : القضية الفلسطينية على سلم أولويات مصر

انتقلت مصر من لعب دور المحرك في عملية السلام بين الفلس...

جديد الأخبار المزيد
في تناقض غريب  الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

في تناقض غريب .. الصينيون يرحبون باللاجئين ويؤيدون اضطهاد مسلمي الإيغور

أظهر استطلاع للرأي تحت إسم "مؤشر مرحباً باللاجئين&qu...;

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

حماس تسعى لمقايضة أسرى إسرائيليين برفع حصار غزة

/تساءلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن إمكانية إجراء ح...

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين  مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

سقوط 13 مدنيا وإصابة آخرين .. مجزرة جديدة للمقاتلات الحربية بريف حمص

  قصفت المقاتلات الحربية، مدينة الرستن في ريف ح�...

  • أيام في سيلان والمالديف