موقع الدكتور محمد موسي الشريف
  • الصليب وحكاياته

عقبات أمام التوريث الدعوي

Jun 21 2015 08:47:03

الكاتب : مدير الموقع

عقبات أمام التوريث الدعوي
عقبات أمام التوريث الدعوي

د / محمد بن موسى الشريف

سوء التخطيط والعشوائية.

الجهل بأهمية التوريث.

خوف العواقب.

الانشغال بقضايا الساحة الملحة.

العقبة الأولى: سوء التخطيط والعشوائية:

وهي آفة كثير من الدعاة، بل إن بعضهم – هداهم الله تعالى – يرون العشوائية ديناً يدينون به، ويحرِّمون التخطيط بدعوى أنه لم يكن في زمان رسول عليه الصلاة والسلام ووسائل الدعوة توقيفية، إلى آخر الكلام الذي بلغ الغاية في السقم والركاكة الفكرية، والبراهين الناقضة لهذه الأفكار السقيمة أوضح من الشمس، لكن ليس محلها هذه الرسالة التي تتحدث عن شيء محدد، وعلى من أراد التوسع في هذا أن ينظره في مكان آخر (1) ، فمن لم ير التخطيط شيئاً مشروعاً فكيف يفكر في التوريث أو يخطر هذا بذهنه أصلاً.

        أما آفة كثير من الدعاة فهي خلاف هذا الذي وقع فيه بعض ضعاف الفكر وضيِّقي الأفق، وتتلخص في أنهم يخططون لكن بسذاجة بالغة مبلغاً غير مقبول، أو أن بعضهم اتخذ العشوائية سبيلاً ومنهجاً لحياته ، فلا يسير على هدى مرسوم ، ويخبط خبط عشواء في كثير من أموره، وفي جملتها قضية التوريث هذه، ومثل أولئك لا علاج لهم على الحقيقة إلا إعادة التفكير بعمق وجدية ليغيِّروا من طريقتهم، ويستقيموا على جادّة تخالف ما هم عليه اليوم، هذا إن أرادوا لدعوتهم أن تنجح يوماً ما أو أن تحقق شيئاً ملموساً في حياة الناس.

والعجيب أن هذه الفئة لا ترتضي منهجها الدعوي منهجا للتجارة أو لإدارة المؤسسات أو للإشراف على توزيع المال وإنفاقه، فكيف ترتضي ذلك في قضية هي من أهم قضايا العصر على الإطلاق ألا وهي الدعوة إلى الله تعالى؟!

العقبة الثانية: الجهل بأهميته التوريث:

        وهذه عقبة كأداء؛ إذ المرء عدوُّ ما يجهل، والإنسان مفطور على حب القديم والخوف من التغيير، ولو فكر الداعية قليلاً فإنه سيخرج بنتيجة مفادها أن التوريث إبقاء على شيء كثير من القديم الجيد ونبذ الرديء عنه، وأنه سبيل للمحافظة على ما يراه هو الحق أو الصواب أو الأفضل، فلِمَ يخشى التوريث إذاً؟

        وهذا الجهل لا يليق بالأخ الداعية؛ إذ إنه يدعو الناس دوماً إلى الاستفادة من المعطيات والمواهب والطاقات، وإلى القراءة العميقة المستفيدة من كل جديد جيد، فكيف يليق به البقاء على جهله في أمر مهم كهذا؟

العقبة الثالثة: خوف العواقب:

وهذه العقبة ناشئة عن أمرين   

أوَّلهما: ما سقته في العقبة الثانية.

والآخر منهما: هو أن الداعية قد يخشى أن يتضرر أحد من الناس بهذا التوريث، أو أنه قد يجر عليه متاعب لا طاقة له بها؛ فهو بهذا تجده هياباً من نقل التجربة ويفضل بقاء ما كان على ما كان، ومثال على ذلك قضية الذكريات سالفة الذكر؛ فإني قد لقيت أساتذة ومشايخ وعلماء ودعاة يحرصون كل الحرص على عدم كتابة مذكراتهم، وسبب هذا هو إما خوفهم من الأنظمة المتسِّلطة في بعض البلاد التي ابتليت بمناهج تخالف منهج الإسلام لئلا يُحاسَب على شيء مما كتب، أو أنه يخشى أن يتضايق فلان وفلان أو أن يغضب عليه فلان وفلان، ولقد بينت لبعضهم أن ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه، فاكتب ما استطعت كتابته وخَلِّف ذلك للأجيال وورِّثهم إياه؛ فإنه كنز عظيم وخلاصة وعصارة تجارب، وقد وعد بعضهم بالاستجابة وأصرَّ آخرون على عدم الكتابة للسببين اللذين سقتهما آنفاً، هذا وقد أوردت شيئاً من ضوابط كتابة الذكريات في الفصل السابق، لكن ناسب المقام هنا إعادة ذكر بعضه.

العقبة الرابعة: الانشغال بقضايا الساحة الملحَّة:

إن جمهرة كبيرة من العاملين في الساحة الدعوية يشكون من قلة الوقت وكثرة الأعباء، وهذا يعوقهم أحياناً عن كثير من الأعمال المهمة، وقد يعوقهم عن التفكير الصحيح أحياناً أو تغيير المسار إذا ثبت فشله أو ضعفه، بل إنه قد حصلت مناقشات بيني وبين أحد الدعاة في مسألة الارتقاء بعمله وفتح آفاق فيه، فتعجب الرجل مما سمع، وأظهر الجهل التام بما أقوله وأرشده إليه، على أن ما أقوله – في الحقيقة– لا يمثل شيئاً فريداً، إنما هو حصيلة تأملات في بعض لحظات الصفاء القصيرة، فدهشت لاندهاشه وتعجبت لاستغرابه: كيف لم يفكر في مثل هذا من قبل؟! وهذا الذي مثلت بحاله هو – تقريباً – حال العدد الأكبر من الدعاة في هذا العصر الذي امتلأ بالمشكلات والعقبات والتعقيدات في جوانب كثيرة تلتصق بالداعية نفسه أو ببيئته.

فكيف يراد إذاً من هذا الداعية الموزع على جبهات أن يفكر في قضية التوريث أو يعيرها اهتماماً؟!

لكن ينبغي معرفة أن قضية التوريث من الضخامة إلى الحد الذي لا ينبغي إغفالها أو تجاوزها – كما بينت فيما سبق – أو جعلها من القضايا التي تنجز إن اتسع لها الوقت، إذ هي أكبر من هذا وأهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :

1 ـ   انظر مثالاً: ((مشروعية العمل الجماعي)) للأستاذ الفاضل الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، وانظر كذلك: ((جند الله تخطيطاً)) للأستاذ سعيد حوى رحمه الله تعالى. 

التعليقات مغلقة على هذه المقالة
جديد المقالات المزيد
تاريخ البرلمان المصري من محمد علي إلى العسكر

تاريخ البرلمان المصري... من محمد علي إلى العسكر

ليست الحياة النيابية في مصر جديدة فقد بدأت في القرن التاسع عشر، في...

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

حوار مجلس الكنائس العامي وتنازلات المجلس المسلم للقدامى

وأبدأ بالعنوان، فالمقصود ب "المجلس المسلم للقدامى" هي ترجمة...

أيها المجتمعون في غروزني  لقد ضيقتم واسعا

أيها المجتمعون في غروزني .. لقد ضيقتم واسعا

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام...

جديد الأخبار المزيد
صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

صنعاء تستعد لأكبر تظاهرة ضد الانقلابيين

دشن عدد من الناشطين اليمنيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي "تويتر"...

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من داعش لأول مرة

وزير تركي: قواتنا طهّرت حدودنا وحدود أوروبا والناتو من "داعش" لأول مرة

قال وزير شؤون الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الأتراك، عمر جليك،...

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

العدالة والتنمية يعلن تصدره نتائج الانتخابات المغربية

أعلن القيادي في حزب العدالة والتنمية، عبد الحق العربي، اليوم الجمعة،...

  • أيام في سيلان والمالديف